«كولونيا 555».. كيف أعاد فيروس عطرًا للحياة؟
 
 

لم يكن مشهد  الطوابير التي اصطفت، قبل أيام، أمام فروع «قسمة والشبراويشي» المختلفة مجرد تكدس عادي للحصول على «كولونيا 555» التي تحتوي على كحول 70% للاستخدام في التعقيم والتطهير ضد فيروس كورونا المستجد، بل كانت هذه الطوابير إعلانًا مجانيًا عن عودة منتجات «قسمة والشبراويشي» وهو أحد مصانع شركة قطاع عام هي «السكر والصناعات التكاملية» إلى الأضواء. 

منتجات «السكر والصناعات التكاملية»: «كولونيا 555»٬ و«لا فندر»، و«سيكريه»، و«فري مان»، و«ستار»، و«كولونيا ياسمين»، و«ماي فير»٬ لدى الكثير منّا ذكريات معها. تعبّر هذه المنتجات عن روائح ارتبطت بكبار السن في عائلاتنا وصالونات الحلاقة العتيقة وهدايا عيد الأم التي كانت أمهاتنا تبتاعها لجداتنا. 

ولكن٬ لماذا أصبحت منتجات قسمة والشبراويشي ذكريات تأتينا من الماضي؟ كيف اختفت٬ إن اختفت وكيف عادت للظهور؟ 

«قسمة» و«الشبراويشي» اسمان لمصنعين للعطور اندمجا مع مصنع ثالث وهو «القاهرة للخلاصات الغذائية والعطرية»، لتشكل الثلاثة المصانع كيانًا جديدًا هو مصنع «العطور والخلاصات» المملوك لشركة «السكر والصناعات التكاملية»٬ وهي شركة تابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية التي تشرف عليها وزارة التموين والتجارة الداخلية. 

ينتج الكيان الجديد أشهر عطر عرفته مصر والعالم العربي خلال منتصف القرن الماضي، وهو «كولونيا 555»٬ الذي يصنع في «الشبراويشي»٬ أقدم مصنع في مصانع شركة السكر والصناعات التكاملية.

وكان مصنع الشبراويشي مملوكًا لرجل الأعمال العصامي حمزة الشبراويشي٬ ابن محافظة الدقهلية٬ الذي ساعدته ذائقته الفريدة، وخبرته بالروائح في النجاح في إنشاء مصنع للعطور بدار السلام. قام حمزة بزراعة حديقة منزله بالليمون ليستخدمه في صناعة منتجاته وأشهرها كولونيا الشبراويشي والتي قامت بالترويج لها كوكب الشرق أم كلثوم من خلال إعلانات حملت شعارًا كالآتي: «لكي تكوني ساحرة استعملي٬ رائحة صفية زغلول» [في إشارة إلى منتج «رائحة صفية زغلول» للشبراويشي].

صورة الإعلان، نشرتها صفحة «قسمة والشبراويشي» على فيسبوك

وبالرغم من رفض الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم مصنع الشبراويشي في بداية حركة التأميم٬ نظرًا لتاريخ صاحبه العصامي الذي بدأ بدون رأسمال حقيقي٬ إلا أن الأمر انتهى بالتأميم في عام 1965. ثم قامت شركة السكر والصناعات التكاملية بشرائه من الحراسات في1967 وكان مقره الأول بدار السلام، ثم نُقل إلى مقره الحالي بالحوامدية في 1992. 

وهكذا٬ أصبح مصنع «الشبراويشي» هو النواة الأولى لمصانع عطور القطاع العام، والتي انضم إليها في 1980 مصنع «قسمة»، ومن بعده  «القاهرة للخلاصات الغذائية والعطرية» ودمجت هذه الشركة في «السكر والصناعات التكاملية المصرية» بـ 1986. وبالرغم من أن الكيان الجديد للمصانع الثلاثة المدمجة يمتلك خطوط إنتاج لأكثر من 15 نوع عطور، وبودرة تلك، ومستحضرات تجميل بمختلف أنواعها٬ إلا أن العلامة التجارية لقسمة والشبراويشي المُنتجة لـ«كولونيا 555» تركت بصمة ظلت في الأذهان.

وإن ظلت في الأذهان كمجرد ذاكرة عند الأغلبية٬ فهناك مَن ظل يشتري «كولونيا 555»، يقول المحاسب محمد عبدالرحمن٬ رئيس شركة السكر والصناعات التكاملية، لـ«مدى مصر» إن المصنع المُنتج للكولونيا وأنواع أخرى يعمل طوال السنوات الماضيات ولم يتوقف، ولكن معدلات الإنتاج تتم على حسب معدلات الطلب والذي يصفها عبدالرحمن بالمتواضعة نظرًا لاتجاه المستهلكين للعطور المستوردة وتفضيلها. 

وبحسب الموقع الرسمي لشركة السكر والصناعات التكاملية٬ فإن الطاقة الانتاجية لمصنع العطور والمستخلصات بخطوط إنتاجه المختلفة (عطور٬ مستحضرات تجميل٬ مكسبات طعم ولون٬ عجائن عطرية) يصل لـ 10 مليون جنيه للمنتجات التامة للمستهلك العام، و10 مليون جنيه لإنتاج المستلزمات التي تُباع للمصانع٬ وهي أرقام إذا ما قُورنت بحجم السوق تبدو هزيلة جدًا، فبلغت إجمالي الواردات المصرية من العطور ومستحضرات التجميل خلال الفترة من يناير حتى نهاية سبتمبر 2018، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نحو 48.4 مليون دولار بما يوازي 758.9 مليون جنيه مصري تكلفة الاستيراد.

المساحة الضئيلة التي تشغلها منتجات قسمة والشبراويشي من السوق يرجعها بعض العاملين بالمصنع لعامل السعر٬ ويقول المهندس منتصر الحينى، رئيس قطاعات مصانع الصناعات الكيماوية والعضوية بشركة السكر والصناعات التكاملية المصرية٬ إن السعر المنخفض – بحسب وصفه – لمنتجات العطور وعلى وجه التحديد «كولونيا 555»٬ سلاح ذي حدين لأن السعر يُعد منخفضًا مقارنة بباقي العطور المتداولة في السوق، وهو ما يشعر المستهلك بأن السعر المتدني مؤشر على عدم الجودة. وحال رفع السعر٬ سيفقد المنتج المُستهلِك الدائم له. 

بعض العاملين بالمصنع يقولون إن التسويق يتم بالجهود الذاتية للعاملين منذ فترة طويلة٬ عن طريق صفحة على «فيسبوك» أسست في 2013. أما منافذ الشركة٬ فهي محدودة والصيدليات لا تبيع كل المنتجات الخاصة بالمصنع. يصل عدد المنافذ إلى 14 منفذًا للبيع بخمس محافظات، بخلاف بعض الصيدليات. 

فيما يرى محمد البهي٬ رئيس شعبة مستحضرات التجميل بغرفة الأدوية باتحاد الصناعات المصرية٬ أن تراجع شعبية عطور «قسمة والشبراويشي» يرجع إلى اهتمام شركة السكر والصناعات التكاملية بإنتاج وتصدير الكحول الخام عن تصنيع الكحول المُستخدَم داخل العطور. ويضيف البهي أن «السكر والصناعات» من كبار منتجي الكحول، و90% من إنتاجها يُصدر، مؤكدًا أن تعاقداتها تتمّ لآجال طويلة ومتوسطة. 

مؤخرًا، عادت «كولونيا 555» للوعي العام كمنتج يُشترى، وليس بوصفه ذكرى٬ ولكن كمنتج تعقيم وليس لاكتساب الرائحة. ففور إعلان وزارة الصحة عن اكتشاف إصابات بكورونا٬ أعلنت «قسمة والشبراويشي» عن وجود كحول بتركيز 70 % في الكولونيا، وإمكانية استخدامها كمطهر وواقٍ من الفيروس. 

ومع  نقص المطهرات والكحول٬ سجلت «كولونيا 555» حضورًا قويًا في الأسواق حتى نفذت الكميات المُتاحة في المنافذ وهو ما دفع وزير التموين للتعهد بضخ  كميات تصل إلى 10 آلاف زجاجة خلال الأيام المقبلة بالمجمعات الاستهلاكية. كما يوضح عبدالرحمن أن شركته بدأت في ضخ 300 ألف لتر كحول للسوق من أجل عمليات التعقيم و التطهير بالإضافة إلى إنتاج كميات إضافية من «كولونيا 555»، وتوزيعها على المجمعات الاستهلاكية خلال أيام لمواجهة خطر فيروس كورونا. هذا بالإضافة لقرار وزارة الصناعة والتجارة الخارجية بوقف التصدير لمدة 3 شهور للكحول ومنتجاته.

وهكذا كان إعلان «الشبراويشي» بأن الكولونيا تركيزها 70 % من الكحول في ظل مواجهة الفيروس ونقص المطهرات بمثابة أنجح دفعة تسويقية في حياة المنتج الآنية.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن