كورونا في قبضة يدها.. حكاية عاملة نظافة مع العدوى
 
 
صورة: سهير شرارة
 

«كل حاجة ممكن يكون فيها عدوى بمسكها بإيدي واغسلها، وأعقمها كويس. بسمع كلام الانفكشن كنترول، وربنا بيسترها معايا» بنبرة هادئة تحدد راوية عبدالله، أو «أم عاطف» كما يناديها زملائها في مستشفى صدر العباسية، طريقتها للنجاة من العدوى من فيروس «كورونا» المُستجد «كوفيد 19»، بوصفها عاملة نظافة تعمل بجوار الأطباء والتمريض مع المشتبه في إصابتهم بالفيروس داخل قسم العناية المركزة.

«بسبب كورونا بقيت بروح الشغل يوم آه، ويوم لأ. لكن الشغل هو هو». تبدأ «أم عاطف» (57 عامًا) عملها في قسم العناية المركزة في الثامنة صباحًا من كل يوم وحتى السادسة مساءً، باستثناء يوم إجازتها الأسبوعية، منذ بداية عملها قبل 12 عامًا. غير أن إدارة المستشفى قلّلت أيام عملها إلى ثلاثة فقط، بداية من 16 مارس الجاري٬ استجابة لقرار رئيس الوزراء بتخفيض عدد العاملين بالمصالح الحكومية لمواجهة انتشار الفيروس.

تستقبل مستشفى صدر العباسية مرضى محافظة القاهرة والمحافظات المجاورة المشتبه في إصابتهم بكورونا، ولكن بمجرد تأكد الإصابة بظهور نتائج تحاليل مريض إيجابية٬ ترسل وزارة الصحة سيارة إسعاف لنقله إلى أحد مستشفيات العزل، لكن إذا جاءت النتائج سلبية يكمل المريض علاجه داخل المستشفى.

«أول حاجة بودي الغسيل للمغسلة» تتضمن هذه الخطوة جمع ملاءات وأغطية وبطاطين سرائر العناية، فضلًا عن الزي الذي يرتديه المريض داخل العناية المركزة، ونقلها إلى المغسلة الموجودة في المستشفى. 

«بعد كده بغسل البرطمانات والشفاطات» المهمة الثانية التي تقوم بها السيدة الخمسينية تتمثل في تنظيف الأوعية المُستخدَمة في تجميع السوائل والإفرازات التي يشفطها الأطباء من رئة المرضى، وتطهيرها، ثم توصيلها إلى قسم التعقيم في المستشفى.

أما ثالث مهمة فهي «تنظيف القسطرات البولية وتطهيرها». وتتمثل الرابعة في «تنظيف أرضيات العناية وتطهيرها بالكلور المخفف كل ساعتين».

وتُضاف لتلك المهام، أخرى خامسة في حال خروج مريض من الرعاية أو وفاته؛ «غسل السرير بالكلور الخام، والمرتبة الهوائية كمان بتتغسل وتروح التعقيم ونفرشه من أول وجديد عشان العدوى». 

«شغلي صعب. لكن بفضل الله طول السنين اللي فاتت ربنا نجاني من العدوى»، ترى راوية أن التزامها بارتداء الواقيات والقفازات وتنفيذ كلام «ميس فاطمة» عن طُرق الوقاية من العدوى سيجنبها الإصابة بكورونا شأن كل الأوبئة والأمراض المعدية التي مرت عليها خلال سنوات عملها الـ 12. «ميس فاطمة المسؤولة عن الانفكشن كنترول كل يوم بتدينا محاضرة وبسمع كلامها، بغسل إيدي كويس، وألبس 2 روب فوق بعض وفوقهم مريلة مشمع وماسك وجوانتي قبل ما أمسك أي حاجة، وبَغيّر [الجوانتي] بعد كل حاجة بعملها، وأغسل إيدي تاني، وألبس جديد».

على الرغم من اطمئنان راوية من إجراءات مكافحة العدوى التي تتبعها إدارة مستشفى صدر العباسية في الوقاية من كورونا، والتزامها بارتداء الواقيات الشخصية إلا أنها تتخذ إجراءات صارمة لمنع احتمالية نقلها للعدوى لأبنائها وأحفادها. «عندي 8 أولاد و18 حفيد، ومن أول ما كورونا ظهر في مصر قولتلهم محدش يروح عند حد لغاية ما الأزمة تعدي، ومنعتهم يزوروني وأنا كمان مابزورهمش، وبنطمنّ على بعض بالتليفون، عشان لا اعديهم ولا يعدوني».

تقترب راوية من سن المعاش، ولكنها تتمنى أن تستمر في عملها بعد بلوغها الـ60 عامًا. «بفرح لما عيان يخف. ولو عشت وكان عندي صحة بعد المعاش، هكمّل شغل وخدمة للعيانين».

«قعدت 6 سنين اشتغل اليوم بـ10 جنيه، ومن 6 سنين ثبتوني في المستشفى ومرتبي بقى 1550 جنيه، وكل شهرين تلاتة باخد مكافأة 300 جنيه». تجد راوية في وظيفتها -التي يقل راتبها عن الحد الأدنى للأجور الذي حدده الرئيس عبدالفتاح السيسي العام الماضي بألفي جنيه- ملاذًا للهروب من الوحدة وضيق ذات اليد. «رضا من عند ربنا، ومش عايزة حاجة غير إن ربنا ينجينا من الوباء».

«عدينا من إنفلونزا الطيور والخنازير، وإن شاء الله نعدي من كورونا» تتمنى «أم عاطف» أن يمر الوباء ويتحول لذكرى، مضيفة أنها كانت تعمل وقت إنفلونزا الخنازير بقسم العزل الذي خصصته المستشفى وقتها لاستقبال المصابين، وتتذكر حالة امرأة في شهور حملها الأخيرة، والتي كانت حالتها خطيرة جدًا؛ «اتحطت على جهاز التنفس الصناعي مرتين، وكانت صعبانة علينا كلنا، لكن خفَّت وخرجت من المستشفى واطمنّا عليها بعد ما ولدت وجابت بنت حلوة، وبقت تمام التمام».

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن