على أنقاض «مجرى العيون».. مشاهد من «أجمل مدينة في العالم»
 
 
سور مجرى العيون
 

احتاج الأمر إلى نحو ربع ساعة من المشي البطيء الحذر وسط تلال ومنحدرات ركام أعمال الهدم كي نصل إلى عدة خيام هي ما تبقى من منطقة المدابغ الواقعة خلف سور مجرى العيون، على الحدود الجنوبية لوسط القاهرة. كنا في بداية خريف 2019، نتجه ناحية الموقع الذي تواجد فيه تسعة منازل، هدمتها قوة الإزالة التابعة لحي مصر القديمة قبل بضعة أيام من تلك الزيارة للمنطقة.

بدت الحياة وقتها وقد توقفت إلا من جرافة ضخمة تُنقّب الأرض بحثًا عن بقايا كابلات الكهرباء لاستخراج النحاس منها وبيعه خردة، بينما على الأطراف تقف سيارة نقل، يُحمّلها العمال بما تبقى من حديد تسليح المنازل. يتولى مقاولون، مُفوّضون من الحي، استخراج كل ما يصلح بيعه كخردة: كابلات النحاس، حديد التسليح، أخشاب، إلخ. 

الهدم هنا هو جزء من مشروع تطوير يبدأ من منطقة سور مجرى العيون، وينحدر جنوبًا إلى مناطق عزبة أبو قرن وبطن البقرة وعين الحياة المجاورة لبحيرة عين الصيرة. بينما لم تهدم السلطات حتى الآن سوى منطقتي المدابغ وأبو السعود الواقعتين خلف سور مجرى العيون، بالإضافة إلى «عين الحياة» الواقعة على البحيرة، فإن هدم باقي المناطق قد يؤدي في المُجمل إلى إجلاء نحو 40 ألف مواطن، بعضهم لا يعرف مصيره بعد. بينما مشروع التطوير، في المقابل، يكاد يكون له مصيرًا أو على الأقل اتجاهًا نحو مصير واضح. يهدف المشروع إلى خلق فراغ وسط المدينة يصلح لإعادة الاستثمار السياحي والثقافي، ويتقاطع في بعض الأحيان مع مشروع تطوير المناطق العشوائية.

صورة من جوجل إيرث توضح النطاق الجغرافي للمشروع

في نفس موقع المنازل، نصبت 32 أسرة مجموعة من الخيام للعيش المؤقت، بعدما وعدهم رئيس حي مصر القديمة أثناء زيارة بيوتهم يوم 4 سبتمبر 2019 بتسليمهم وحدات سكنية بعد خمسة أيام، بدلًا من منازلهم التي ستُهدم. وعقب مغادرة رئيس الحي، فوجئ الأهالي بقوة الإزالة تبدأ هدم المنازل فورًا، دون انتظار تسليمهم الوحدات السكنية.

الهدم كان له مقدمات طويلة. فقد بدأت إزالة المدابغ والمنازل المحيطة بها منذ 2016، وتسارعت الوتيرة منذ منتصف 2018. وقبل هدم المنازل التسعة، كانت المنطقة المحيطة بها قد تحولت إلى تلال من الركام بالفعل، كما قطع الحي التيار الكهربائي والمياه عن المنازل، رغم وجود الأسر بها. 

تحركنا بحذر ألا تنزلق قدم أحدنا، عندما قال كريم حسني، أحد سكان المنطقة، إن رئيس الحي علّق على حالة منزلهم قائلًا: «وهي دي بيوت اللي أنتوا عايشين فيها». كان رئيس الحي يرد على ما قاله والد كريم من أنهم لا يريدون مغادرة بيوتهم قبل الحصول على وحدات بديلة. 

عندما بدأ الهدم المفاجئ، لم يتمكن سيد حسن، 45 سنة، من وقف أعمال الإزالة، فاكتفى بتصويرها، قبل أن يُلاحظه ضابط الشرطة ويجبره على حذف الفيديو. كان حسن قد فوجئ بما قاله له رئيس الحي من أنه غير مُستحِق لوحدة سكنية بديلة لأن العناوين الرسمية لزوجته وأولاده مسجلة في مكان آخر. حاول حسن إقناع رئيس الحي بصحة موقفه القانوني، إلا أن أفراد الشرطة المصاحبين لقوة الهدم أبعدوه بخشونة. 

يشرح حسن أنه مولود في المدابغ، ويعمل «مدبغجي» منذ طفولته، وتحمل شهادة ميلاده وبطاقته الشخصية عنوان المدابغ، إلا أن بطاقة زوجته الشخصية ما زالت تحمل عنوان بيت أهلها في حي دار السلام، كما حملت شهادات ميلاد أبنائهم الثلاثة العنوان القديم للأم.

«من عادة المناطق الشعبية، إن الست لما تولد، تروح عند أمها. خصوصًا إني كنت عايش في منطقة صناعية مليانة تلوث [مدابغ سور مجرى العيون]. فكل مرة مراتي كانت بتروح عند أهلها قبل ميعاد ولادتها بأسبوعين. وعشان كده الأولاد مكتوبين على عنوان أهلها في دار السلام مش المدابغ»، هكذا يشرح حسن المعضلة القانونية التي أدت لحرمانه من وحدة سكنية بديلة. 

يتساءل حسن: «هو العيل هو اللي بيسكّن أبوه؟ ولا العكس؟ الراجل هو اللي بيعيش عند مراته؟ ولا العكس؟». 

يقول حسني العراقي، والد كريم الذي كان يقودنا وسط تلال الركام، إن الحي طلب من باقي الأسر، التي لم تتسلم وحدات بديلة، وثائق إضافية لإثبات سكنهم في منطقة المدابغ. ويصف العراقي هذه الطلبات بـ«غير المنطقية»، فالمطلوب تسليم شهادة الميلاد الورقية لكل فرد في الأسرة، وتحديدًا الأبناء، والتي تصدر في المرة الأولى عند الولادة، بدعوى أنها الوثيقة التي تُثبت ميلاد هذا الشخص في منطقة المدابغ، وأنه لم ينتقل إليها حديثًا. غير أن بعض الأسر لم تعد تملك هذه الشهادات. 

بينما يحكي العراقي القصة السابقة، يُبرز عدد من الأهالي، الذين يتابعون حديثه، بطاقاتهم الشخصية القديمة، التي يعود بعضها إلى 10 سنوات، وجميعها يثبت في خانة العنوان سكنهم في منطقة المدابغ، غير أن الحي لا يعتبرها وثيقة كافية لإثبات انتماء الأسرة بأكملها للمكان، خاصة إذا كان للأبناء أو الزوجة عناوين مغايرة. 

أثناء الخروج من منطقة المدابغ، يشير العراقي إلى إحدى الخيام قائلًا إن ابنته ولدت ابنتها أمس في هذه الخيمة بعدما داهمها المخاض. أخرج شهادة ميلاد المولودة الجديدة، ليقول ضاحكًا: «على الأقل محدش هيقول إنها ما اتولدتش هنا». 

بعيدًا عن كل الجدل البيروقراطي لإثبات الأحقية في وحدة سكنية بديلة، يعود حسن ليقول: «لماذا لم يخبرني الحي قبل يوم الإزالة أني غير مُستحق لوحدة سكنية؟ لماذا لم يخبرني موظفو الحصر أن هناك مشكلة في أوراقي؟» بينما يسأل العراقي سؤالًا آخر: «لماذا لم تنتظر قوة الهدم حتى نستلم وحداتنا؟».

في نفس الخريف، لم يكن المشهد مُختلفًا في الجهة المقابلة للمدابغ، على طريق صلاح سالم. حيث تظهر العشرات من أسر منطقة أكشاك أبو السعود في حديقة مجاورة لمقر حي مصر القديمة، بينما كان يحاول خمسة عساكر من الأمن المركزي، بعصيهم السوداء، إقناع تلك الأسر بالابتعاد عن الحديقة والجلوس على حافة الرصيف، خوفًا من تحول الحديقة إلى مقر دائم لهم بعدما أُزيلت منازلهم. 

وقتها، استقبلني أحمد فاروق، مدبغي سابق وأحد سكان منطقة أكشاك أبو السعود المجاورة للمدابغ. كانت أسرة فاروق انضمت إلى العشرات من الأسر التي هُدمت منازلهم قبل تسكينها. قيل له أنه غير مُستحق لوحدة سكنية، دون أن يعرف على وجه الدقة سبب استبعاده. وحاول، مع العشرات من الأسر، الاستمرار في تقديم التظلمات للحي للحصول على وحدة سكنية بديلة بعدما هُدم منزله قبل أسبوعين. 

كان فاروق وزوجته وطفليهما يبيتون مع باقي الأسر في الحديقة المجاورة للحي، بينما قاموا بتخزين أثاثهم وأمتعتهم في مركز شباب أبو السعود. خسر فاروق عمله في المدبغة بعد نقلها إلى مدينة بدر، حيث توقف عن الذهاب إلى محل عمله الجديد بسبب عدم قدرته على تحمل تكلفة الانتقال اليومية، وكذلك عدم رغبته في مغادرة المنزل بينما لا يعلم على وجه التحديد متى ستأتي قوة الهدم. قضى فاروق تلك الفترة في ممارسة بعض الأعمال المؤقتة المحيطة بالمنطقة ليعول أسرته. 

بعد أيام من إجراء هذه المقابلات، قُبلت تظلمات فاروق والعراقي وتسلما وحدات سكنية مع تسع أسر أخرى في حي الأسمرات، الذي يبعد عن المدابغ التي جرى نقلها إلى مدينة بدر حيث يعملا، بنحو 60 كيومترًا، مما يجعل الرحلة اليومية للمقر الجديد للمدابغ، مُرهقة ومُكلفة بشكل لا يُحتمل، تاركين ورائهم آخرين ينتظرون يوميًا أمام مقر حي مصر القديمة على أمل سماع أسمائهم ضمن من يتسلمون وحدات بديلة. 

بحسب تصريحات خالد صديق، مدير صندوق تطوير العشوائيات، اشترى الصندوق ألف وحدة من الإسكان الاجتماعي في مدينة بدر لتسكين العاملين في المدابغ التي انتقلت من سور مجرى العيون إلى مدينة الروبيكي الموجودة في «بدر»، على أن يتم استيعاب باقي الأهالي في المرحلة الثالثة من مدينة الأسمرات. 

حتى شهر ديسمبر 2019، جرى تسكين 800 أسرة من منطقة المدابغ وأكشاك أبو السعود في مدينة بدر، بينما جرى تسكين 773 أسرة أخرى في مدينة الأسمرات، بحسب تقرير نشرته وزارة الإسكان على موقعها الإلكتروني. 

صورة من جوجل إيرث لسور مجرى العيون قبل وبعد الهدم (سور مجرى العيون في فبراير 2016 ومارس 2020)

يحكي أحد سكان المدابغ عن جده الذي نزح إلى المنطقة في منتصف القرن الماضي، آتيًا من سوهاج، مثل الكثير من الأسر في المنطقة، للعمل في صناعة الدباغة، التي نزحت أيضًا في أوائل القرن العشرين من باب اللوق إلى منطقة سور مجرى العيون، مقتفية أثر «المدبح». خلال الخمسينيات والستينيات، بدأ المصريون في شراء المدابغ من مُلّاك أجانب، مع اشتداد موجة نزوح الجاليات الأجنبية من مصر. وأسست الأسر المهاجرة من الصعيد في منطقة السور مكانًا للسكن والعمل. 

أما الحديث عن نقل المدابغ، فقد بدأ مع وضع المُخطط الإقليمي للقاهرة سنة 1983، والذي أوصى بنقل أنشطة مثل صناعة الجلود وسوق الجمال وسوق العبور للفاكهة والخضروات إلى خارج المدينة. 

لاحقًا، أصدر محافظ القاهرة قرارًا سنة 1995 بتخصيص المنطقة المتواجدة في شمال مدينة بدر لإنشاء مدينة الروبيكي للجلود، وفي 2003 اتخذت الحكومة قرارًا آخر بنقل المدابغ إلى هناك، إلا أن التنفيذ الفعلي للنقل تأخر قرابة 15 عامًا، حتى بدأت الحكومة في هدم 1110 مدبغة في 2016، تمهيدًا لنقلها لـ«الروبيكي».  

بطبيعة الحال لم يمر نقل المدابغ بسهولة، فقد حاول العمال الاحتجاج متخوفين من مصيرهم، بينما تحدث أصحاب عدد من المدابغ عن مصير غامض يواجه نحو 70 مدبغة على الأقل أُزيلت دون نقلها للروبيكي أو تعويض أصحابها، مشيرين إلى حصول ستة من كبار أعضاء الغرفة التجارية للجلود على مساحات داخل الروبيكي أكبر مما كان مخصص لهم وفق الحصر الذي تم بين 2009 و2013. 

أما مساكن أبو السعود (وهو الاسم الشعبي لها نسبة إلى مسجد وضريح يحملان نفس الاسم)، فقد بُنيت في الحقبة الناصرية كمدينة للإيواء العاجل، بحسب ما يقوله الأهالي، واسمها الرسمي مدينة التعاون. ما زالت بعض الأسر التي التقيتها في أبو السعود تعيش في «الإيواء العاجل» منذ الستينيات، بينما رحلت أسر أخرى وباعت مكانها لآخرين يبحثون عن سكن. 

إزالة المنطقة كان مرتبطًا بمشروع «تطوير المناطق غير الآمنة» الذي يُنفذه صندوق تطوير المناطق العشوائية بالتعاون مع دواوين المحافظات المختلفة. أُعلن عن المشروع في يونيو 2016، ويستهدف «تطوير» 351 منطقة غير آمنة في مصر بحلول منتصف العام الجاري. يُصنف المشروع المناطق المهددة للحياة إلى أربعة درجات من الخطورة: الأولى مرتبطة بوجود خطر مهدد للحياة مثل احتمال سقوط صخور فوق المنازل، والثاني للمساكن غير الملائمة المبنية باستخدام مخلفات مواد البناء، والثالثة للمساكن المهددة للصحة، كأن تكون تحت تأثير التلوث الصناعي، والرابعة للمساكن ذات الحيازة غير الآمنة للأراضي. 

تضم القاهرة 57 منطقة غير آمنة، تحتل مساحة 990 فدانًا، بحسب دراسة أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو 2016، بعنوان «تطوير وتنمية المناطق العشوائية في مصر». وتُصنف منطقة أبو السعود باعتبارها منطقة خطرة من الدرجة الثانية، بما يعني أن المساكن بها غير ملائمة. 

الإزالة ونقل الأهالي هو النموذج المتّبع حتى الآن في معظم المناطق غير الآمنة في القاهرة، بما في ذلك المناطق ذات الخطورة من الدرجة الثانية التي تحتاج فقط إلى إعادة بناء المساكن بشكل مُلائم. فباستثناء حالات روضة السيدة، ومنطقة الزبالين في مدينة 15 مايو، ونحو 20% من سكان مثلث ماسبيرو، جرى نقل السكان إلى مدن مثل الأسمرات والمحروسة وأهالينا وأرض مصنع 18 الحربي، وهي تجمعات سكنية جرى بناؤها لاستيعاب سكان المناطق العشوائية التي يجري إخلائها. تتقاطع بعض هذه المناطق العشوائية مع خطط إعادة استخدام مساحات الأراضي داخل العاصمة لأغراض ذات طابع سياحي أو ثقافي أو استثماري، كما هو الأمر في حالة منطقة سور مجرى العيون. 

مشروع يجعل القاهرة «أجمل مدينة في العالم»

اليوم، على خرائط جوجل إيرث، تبدو منطقة المدابغ وأبو السعود فارغة بعدما جرى هدم مبانيها، فماذا سيحدث في الأرض التي تبلغ مساحتها نحو 90 فدانًا؟ 

في 30 يوليو الماضي، نظم بيت المعمار المصري في درب اللبّانة ندوة عرض من خلالها محمد الخطيب، المهندس الاستشاري لمشروع تطوير منطقة سور مجرى العيون، ما وصفه بـ«الرؤية التخطيطية» للمشروع.

في ذلك اللقاء، تحدث الخطيب عن أهمية رؤية تطوير سور مجرى العيون ليس كمنطقة منفصلة، بل كجزء من تطوير القاهرة التاريخية ككل. وأضاف «بعد إخلاء نحو 400 فدان من المناطق غير الآمنة في القاهرة التاريخية، بما يعادل 40.4% من إجمالي مساحة المناطق غير الآمنة في العاصمة، أصبح ممكنًا التفكير في كيفية إعادة هيكلة القاهرة من خلال إعادة استخدام هذه المساحات». 

يرى الخطيب أن موقع منطقة سور مجرى العيون يمكن استخدامه لإعادة وصل مدينة الفسطاط القديمة بباقي العواصم التاريخية لمصر، وهي العسكر والقطائع والقاهرة الفاطمية والمملوكية، من خلال إعادة تخطيط المنطقة بهدف «خلق مقصد سياحي وثقافي وترفيهي به أنشطة واستخدامات اقتصادية مختلفة ومختلطة».

يتضمن إعادة تخطيط المنطقة، أن يكون هناك محور رأسي يبدأ من حفائر دار الولاية أيام العصر العباسي بعد ترميمها في جنوب منطقة سور مجرى العيون (بالقرب من طريق صلاح سالم)، وينتهي شمالًا بمسرح مفتوح في خلفيته سور مجرى العيون نفسه، وحول ذلك المحور تنتشر أنشطة ثقافية وفنية وترفيهية. 

في فبراير الماضي، قال الخطيب إن تنفيذ المشروع سيتم على مرحلتين، الأولى تستغرق سنتين وتتكلف نحو مليار جنيه، والثانية خمس سنوات. ويتوقع أن تبلغ التكلفة الإجمالية نحو ستة مليارات جنيه، دون احتساب تكلفة التعويضات أو أعمال الإزالة. 

يتابع الخطيب شارحًا أن المرحلة الأولى ستكون فى الجزء الموازي لسور مجرى العيون، خلف السور مباشرة بمسافة آمنة تمثل حرم للأثر، موضحًا أن تلك المرحلة ستشمل بناء مسرحين أحدهما مكشوف، ودور سينما، ومطاعم وأسواق ومركز للحرف اليدوية ومعارض للفنون التشكيلية وصالات متعددة الأغراض واستوديوهات للإقامة الفندقية، على أن تكون شكل البنايات تراثية، لتأخذ شكل العمارة التقليدية القديمة.

صورة تصميمات المشروع من موقع وزارة الإسكان

تبلغ المساحة الإجمالية للمشروع نحو 90 فدانًا، وهي مساحة ضخمة تمثل قرابة ضعف مساحة مثلث ماسبيرو (55 فدانًا). ويُموّل المشروع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التي أصبحت الذراع التنفيذية في كثير من المشروعات داخل العاصمة مثل مثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق. وكانت الهيئة أُسست في السبعينيات لإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة في الصحراء، إلا أن قانون الهيئة جرى تعديله في يناير 2018 ليصبح مجال اختصاصها يشمل ما تُكلف به من مشروعات من قِبل رئيس الوزراء داخل المدن والقرى القائمة. 

يتعاون في التخطيط لإعادة استخدام هذه الأراضي، الهيئة العامة للتخطيط العمراني وديوان المحافظة مع عدد من الاستشاريين، بحسب ما قاله الخطيب، في تقاطع بين إزالة بعض المناطق غير الآمنة، ومشاريع إعادة استخدام الأراضي داخل الكتلة العمرانية بالعاصمة.

تطوير منطقة سور مجرى العيون مرتبط بمشروع آخر لتطوير منطقة الفسطاط وبحيرة عين الصيرة. ويشمل إنشاء فندق «5 نجوم» على شاطئ البحيرة، في الجهة المقابلة للمتحف القومي للحضارة، بالإضافة إلى ممشى سياحي حول البحيرة يتخلله مناطق للمطاعم والكافيتريات، ويمتد المشروع حتى الحفريات الأثرية لمدينة الفسطاط التي ستصبح حديقة مفتوحة للزوار، مع احتمال تركيب تليفريك يصل بينها وحديقة الأزهر.  

غير أن المشروع يتطلب إزالة مناطق عين الحياة، المطلة على بحيرة عين الصيرة، وبطن البقرة، وعزبة أبو قرن الواقعة جنوب سور مجرى العيون، وكلها تقع ضمن المناطق العشوائية غير الآمنة المقرر إزالتها مع نقل سكانها إلى مناطق أخرى.

صورة لمخطط مشروع الفسطاط وعين الحياة من موقع وزارة الإسكان

وكانت منطقة عين الحياة، التي تقع ضمن المرحلة الأولى من مشروع تطوير بحيرة عين الصيرة، أزيلت بالفعل نهاية أغسطس الماضي، وسيحل مكانها الفندق المزمع إنشائه. وقدّر الأهالي عدد الأسر في المنطقة بنحو 270 أسرة. بينما قالت محافظة القاهرة إنها سكّنت 139 أسرة فقط مُستحقة للتعويض، متهمة الباقي بأنهم ليسوا سكانًا أصليين، وأنهم أعادوا السكن في المنازل التي جرى إخلائها للحصول على تعويضات من المحافظة. بينما يؤكد عدد من الأهالي عدم حصولهم على وحدات بديلة رغم أنهم يعيشون في المنطقة منذ سنوات، أو حصولهم على وحدات في مساكن «الأسر الأولى بالرعاية» بمدينة السادس من أكتوبر، بما يبعد نحو 45 كيلومترًا عن مكان سكنهم الأصلي. 

المنطقتان اللتان لم تُزالا بعد هما بطن البقرة وعزبة أبو قرن، ومن المفترض أن تتحول الأولى إلى أكاديمية للحرف اليدوية، بينما ستُزال الثانية لإعادة استخدام أرضها لإنشاء مشروع يخدم المتحف القومي للحضارة ومسجد عمرو بن العاص، بحسب التصريح المقتضب لخليل شعث، مدير وحدة تطوير العشوائيات في محافظة القاهرة، لـ«اليوم السابع». ورغم عدم وجود حصر حديث بتعداد سكان عزبة أبو قرن وبطن البقرة، إلا أن إحصاءً سابقًا لدى صندوق تطوير العشوائيات اطلع عليه «مدى مصر» سنة 2018 يشير إلى أن إخلاء المنطقتين يستلزم توفير 3573 وحدة سكنية لعزبة أبو قرن، و2929 وحدة سكنية لبطن البقرة، مما يعني أن المنطقتين يسكنهما قرابة 30 ألف شخص.

ورغم أن المساحة المخصصة لمشروع تطوير منطقة سور مجرى العيون تبلغ 90 فدانًا، إلا أنه لا يظهر ضمن مخططات التطوير أي إشارة لإنشاء مساكن لإعادة توطين سكان عزبة أبو قرن وبطن البقرة وعين الحياة في هذا المكان القريب من مساكنهم الأصلية. ويظل التفضيل الرسمي هو نقلهم للأسمرات، التي تبعد نحو 16 كيلومترًا عن هذه المناطق، أو أي من المشروعات الأخرى المخصصة لإعادة تسكين أهالي المناطق العشوائية غير الآمنة، مثل مشروع المحروسة بمدينة السلام، وأرض الخيّالة بحي البساتين، وأرض مصنع 18 الحربي على طريق القاهرة بلبيس.

يرى عصام فاروق، عضو البرلمان عن دائرة مصر القديمة، أنه من المهم «استغلال المنطقة سياحيًا بما يتناسب مع المناطق التراثية المتواجدة بها». بينما يرى النائب عن دائرة الخليفة محمد ماهر، أن مشروع تطوير المنطقة هو «مشروع قومي. لأن المنطقة كانت مهملة منذ زمن طويل»، مشيرًا إلى إمكانيات وفرص المكان للاستثمار السياحي. 

وفيما يخص احتمالية نقل الأهالي إلى مناطق بعيدة، يقول فاروق إنه لا توجد مشكلة في السكن لدى أهالي المناطق المزمع إخلائها إذا أرادوا البقاء في أماكن قريبة من مكانهم الأصلي، فهناك الكثير من المساكن المتاحة في مصر القديمة والأحياء المُحيطة بها.

خلال عرض الخطيب للمشروع في بيت المهندس المعماري، قال إن «القاهرة التاريخية تتدهور سواء بسبب البناء المخالف أو ارتفاعات المباني أو القمامة أو الهدم والانهيارات»، مضيفًا أن «الهدف من المشروع هو إعادة توظيف المناطق المتداعية داخل القاهرة لاجتذاب أنشطة بديلة مناسبة للهوية التاريخية، وإحداث تكامل مع النسيج العمراني».

ويتابع «لا يمكننا منافسة دبي في القدرة المالية واستدعاء التكنولوجيا وعمل أشياء حديثة جدًا. لكن ما يمكننا المنافسة به هو التاريخ والتراث والثقافة، هذا هو ما يمكننا بيعه».

يضيف الخطيب إن المشكلة التي تواجهه حاليًا هي «الرغبة الكبيرة [من قِبل الدولة] في الإنجاز بشكل سريع جدًا». حيث تم تكليف الخطيب بتصميم المشروع في صيف 2018، وكانت الحكومة ترغب في التعاقد الفوري معه لإتمام التصميم، إلا أنه طالب بالانتظار حتى إتمام إخلاء المنطقة، ليتمكن من القيام بأعمال الرفع المساحي أولًا. 

يتوافق ما يقوله الخطيب مع تصريحات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي قال: «الآن أمامنا فرصة تاريخية لتطوير القاهرة، فهناك إرادة سياسية، تتمثل في تكليفات الرئيس عبدالفتاح السيسي بهذا الشأن».

ومن ناحيته، يأمل مدير صندوق العشوائيات خالد صدّيق، أن يجعل المشروع «القاهرة أجمل مدينة في العالم». 

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن