السجن في زمن الـ«كورونا».. مطالب بالإفراج عن سجناء
 
 

ظهر أمس الأربعاء، توجهت الناشطة الحقوقية منى سيف مع ووالدتها الأكاديمية ليلى سويف، وخالتها الكتابة أهداف سويف، وأستاذة العلوم السياسية رباب المهدي، إلى مقر مجلس الوزراء بوسط البلد. عند وصولهن، رفعن لافتات للمطالبة باتخاذ إجراءات لحماية المسجونين في ظل انتشار فيروس كورونا، أو إطلاق سراحهم. كانت كلٌ من ليلى، 64 عامًا، ومنى، 34 عامًا، ترتدي كمامة. في غضون دقائق، ألقت قوات الأمن القبض على السيدات الأربع واقتادتهن إلى قسم شرطة قصر النيل المجاور، ومن هناك إلى النيابة، حيث واجهن تهمًا بـ«التحريض على التظاهر، ونشر وإذاعة أخبار كاذبة». أمرت النيابة بإخلاء سبيلهن بكفالة 5 آلاف جنيه لكل منهن، وعادت بهن قوات الأمن من مقر النيابة في عابدين إلى قسم الشرطة لتنفيذ قرار إخلاء السبيل، وهو ما لم يحدث حتى كتابة هذا التقرير.

«احنا معندناش أخبار عن علاء، آخر زيارة كانت الأربع الأول في مارس ومافيش طريقة تواصل من وقت منع الزيارات، لكن الأربع اللي فات رحنا في ميعاد الزيارة وخدوا مننا كل حاجة، الأمانات والأكل وأدوات النضافة، لكن مانعرفش لو دخلت كلها. كان عندنا أمل إن علاء ينزل جلسات عشان نفهم إيه اللي بيحصل. هم في عزلة فمش قادرين نعرف إيه الوضع الصحي جوة ووضع التغذية»، كان هذا ما قالته منى لـ«مدى مصر»، قبل ساعات من القبض عليها، عن شقيقها الناشط السياسي علاء عبدالفتاح

عبدالفتاح، محبوس في سجن طرة شديد الحراسة 2، وقُبض عليه من قسم شرطة الدقي في 29 سبتمبر الماضي، بعد انتهائه من فترة المراقبة الشرطية اليومية، التي كان يقضيها في إطار التدابير الاحترازية المحكوم عليه بها لمدة خمس سنوات، بخلاف خمس سنوات أخرى قضاها في السجن في قضية «مظاهرة مجلس الشورى» في 2014.

عرف العالم عن وباء فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19» للمرة الأولى في مدينة «ووهان» الصينية، عاصمة إقليم «هوبي» في وسط الصين، في ديسمبر الماضي. ومنذ ذلك الحين، انتشرت العدوى لتطال عشرات الآلاف في أكثر من 100 دولة حول العالم. ومصر من بين الدول التي انتشرت فيها العدوى منذ فبراير الماضي، وإثر ذلك اتخذت الحكومة عدة تدابير احترازية للوقاية من كورونا، مثل تعليق الطيران وتعليق الدراسة وإلغاء التجمعات، وخصصت الحكومة 100 مليار جنيه لتحفيز قطاع الصحة للتعامل مع الفيروس. رغم ذلك، خلت خطط الحكومة من أي ذكر لإجراءات طبية أو وقائية داخل السجون.

كل ما اتخذته الحكومة فيما يخص السجون كان قرارات المجلس الأعلى للقضاء، والنائب العام ورؤساء محاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، ورئيس مجلس الدولة، بالتنسيق مع وزير العدل، تأجيل الدعاوى المنظورة أمام المحاكم بأنواعها كافة على مستوى الجمهورية، لمدة أسبوعين، من منتصف مارس الجاري وحتى نهايته، وسبق ذلك قرار الداخلية في التاسع من مارس تعليق الزيارات في السجون لمدة عشرة أيام. 

تعود منى لتقول إن بعد زيارتهم بيومين، تحديدًا السبت الماضي، حاولت أسرة المحامي الحقوقي محمد الباقر، وهو محامي عبدالفتاح وزميله في الزنزانة، إدخال أدوات نظافة لباقر، لكن إدارة السجن رفضت دخولها. تضيف سيف: «فيه أهالي عرفوا يدخلوا أدوات نظافة في في طرة شديد الحراسة، وفيه أهالي ماعرفوش يدخلوها في طرة تحقيق، في سجن طرة استقبال أوقات بيدخلوا أدوات نظافة وأوقات لأ.. الموضوع متوقف على ضباط البوابة ومأمور السجن، وفيه تخبط في السجون، مفيش أي تعليمات واضحة بخصوص التعامل مع الفيروس إلا منع الزيارات»، موضحة أن قرار منع الزيارات كان يمكن فهمه لو جاء في إطار غلق السجون على العاملين فيها وتعقيمها. 

«يوم الحد رحنا نودي حاجات في السجن، مادخلوش الأكل خوفا من العدوى، لكن قالولنا اننا نقدر ندخل حاجات زي الكحول والديتول والكلور والماسكات»، يقول حذيفة عبدالمنعم أبو الفتوح، لـ«مدى مصر»، عن والده المرشح الرئاسي السابق ورئيس حزب «مصر القوية» عبد المنعم أبو الفتوح، والمحبوس منذ فبراير 2018 في سجن المزرعة، ويعاني من عدة أزمات صحية من بينها مشكلات في الجهاز التنفسي، بالإضافة إلى كبر سنه. 

علاء غنام، مسؤول ملف الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أوضح لـ«مدى مصر» أنه لو انتشر الفيروس في السجون سنكون أمام كارثة، وأن السجون تحتاج إجراءات مضاعفة للوقاية، مضيفًا: «أي مكان مزدحم فيه خطر زيه زي المدارس، زي ما بيطهروها لازم متابعة وفحص المساجين، لكن القرار الوحيد اللي اتاخد هو منع الزيارات كأن المساجين محصنين». 

ماجدة عادلي، الطبيبة بمركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، قالت لـ«مدى مصر»: «فيه مستوى شديد من التكدس وتهوية الغرف شديدة السوء، الناس بتنام على سيفها [جانبها] وأوقات بسبب الاكتظاظ الناس بتتبادل النوم. كمان دورات المياه جوة الزنازين، ومفيش أدوات تعقيم، ومش دايمًا بيدخلوا أدوات النظافة، والتغذية سيئة خصوصًا مع منع الزيارات، ده غير التهديد اللي على كبار السن والمرضى، وغياب الرعاية الصحية وإمكانيات الفحص داخل السجون». 

في 2015 ذكر تقرير صادر من المجلس القومي لحقوق الإنسان أن مراكز الاحتجاز تعاني من «تكدسات مخيفة من المتهمين». تتجاوز نسبتها في السجون 160%، بينما تبلغ نسبة التكدس في أقسام الشرطة حوالي 300% وفقًا للتقرير. بينما أشار تقرير آخر صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في مارس 2016 إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور في البنية التحتية للسجون وانعدام الرعاية الصحية، حيث قال التقرير: «يفتقر النزلاء إلى أبسط إمكانيات الحياة الصحية والنظافة الأساسية، في الوقت الذي يعانون فيه سوء معاملتهم هم وزائروهم وعدم السماح بإدخال الملابس والأغطية والأطعمة لهم من خارج السجن رغم عدم توفرها للسجناء -بالشكل الكافي- بالداخل. وتكاد الأوضاع في بعض الأحوال تقترب مما كان عليه الحال في القرون الوسطى».

الوضع الوبائي الحالي يدق نقوس الخطر في السجون، ولكن تسبقه ظروف، كثيرًا ما تحدث عنها سجناء. 

في جلسة نظر تجديد حبسه في 5 فبراير الماضي، قال عبدالفتاح أمام نيابة أمن الدولة، بحسب نص الجلسة الذي حصل عليه «مدى مصر» من أسرته: «فيما يخص ظروف الاحتجاز أنا باتقدم بشكوى لتاسع مرة أمام النيابة وقدم السادة المحامون شكاوى أمام نيابة أمن الدولة وكذلك أسرتي قدموا بلاغات مباشرة للنائب العام في مكتب حقوق الإنسان التابع له. امتدادًا للتعذيب لحظة دخولي السجن في ممارسة ممنهجة تعرف بـ ‘التشريفة’ وصولًا إلى استمرار حرماني من حقوق منصوص عليها في لائحة السجون كالتريض والمياه الساخنة للاستحمام، وعلى مستوى الصحة النفسية والحق في المعرفة التي لا يجوز حرمان أي سجين منها فأنا محروم من الكتب ومن الراديو والمراسلات والورقة والقلم. فلا أفهم إن كانت النيابة عازفة عن التحقيق في هذه البلاغات أم أنها عاجزة عن ممارسة صلاحياتها على السجون بعد هيمنة الأمن الوطني عليها. أنا شكواي لا تخصني وحدي بل هي ممارسة ممنهجة على كل من في سجن شديد الحراسة بطرة أدت في أحوال عديدة إلى حالات وفاة وأضرار صحية وجسدية».

تقول عادلي عن السجناء: «الناس دي معرضة للإصابة بأعداد كثيفة لو فيه أي حد نقل المرض، وقتها العدوى هتمتد للسجانين وظباط السجون والمحاكم والنيابات والمحامين.. احنا معرضين لانفجار وبائي في السجون وهيمتد لبراها لو محصلش تدخل»، لذلك تتفق عادلي مع مطالبات الإفراج الفوري عن كل المحبوسين احتياطيًا وكل من قضوا نصف المدة، بالإضافة إلى كبار السن ومن لديهم أمراض مزمنة، وذلك لتقليل التكدس، ثم التعقيم الدوري للسجون. 

«الناس اللي في السجون اللي بنسيبهم يموتوا من الأمراض، هل هتعتبرهم الدولة دلوقتي مواطنين يستحقوا الرعاية؟»، تتساءل عادلي.

من ناحيته، قال ريتشارد برينان، مسؤول  الطوارئ في منظمة الصحة العالمية في الشرق الأوسط، ردًا على سؤال من «مدى مصر» حول توصيات المنظمة بشأن حماية السجناء في مصر من تفشي فيروس كورونا، إن منظمته تشعر بالقلق إزاء أي مكان يكتظ بالناس، ولذلك فهي تشدد في هذا السياق على أهمية تطبيق قواعد التباعد الاجتماعي قدر الإمكان والفصل بين الأَسرة وألا تقل المسافة بين «النزلاء» عن متر أو مترين، بالإضافة لضرورة الاهتمام الشديد بقواعد النظافة الشخصية وغسل الأيدي وأن يتم إبلاغهم بتلك القواعد ومساعدتهم على تطبيقها.

التخوفات تلك أدت إلى مطالبات عدة من نشطاء وحقوقيون وأُسر السجناء.

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ناشدت في بيان وجهته للنائب العام، الثلاثاء الماضي، استخدام سلطاته لإطلاق سراح  سجناء الرأي المحبوسين احتياطيًا «في إطار سعي الدولة المصرية للحد من انتشار فيروس كورونا»، وطالب البيان بـ«تطبيق نص المادة 201 من قانون الإجراءات الجنائية باستبدال الحبس الاحتياطي بأحد التدابير الاحترازية لهم»، في إطار إغلاق السجون أمام الزيارات وتعليق جلسات المحاكم، وأضاف البيان أن هذه المناشدة جاءت «تخوفًا من افتقاد المشروعية الإجرائية الذي سيشوب أوامر تجديد الحبس في الفترة القادمة دون مثول المتهمين ومحاميهم أمام القاضي المختص بنظر التجديد».

كما طالب مجلس أمناء المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، الأحد الماضي، بتدخل الرئيس عبدالفتاح السيسي من أجل اتخاذ تدابير احترازية لمنع انتشار فيروس كورونا في السجون، مثل الإفراج الشرطي عن السجناء الذين قضوا نصف المدة طالما غير متورطين في أعمال عنف. 

من ناحيتها، قالت منى سيف إن المطلب الأساسي هو «الإفراج عن المعتقلين السياسيين وكبار السن والأشخاص اللي وضعهم الصحي سيئ بصرف النظر عن هم جنائيين ولا سياسيين». 

كان محامو عبدالفتاح قد تقدموا بطلب للمحامي العام لإخلاء سبيله لعدة أسباب من بينها الجائحة العالمية، كما أرسلت أسرة عبدالفتاح أيضًا خطابًا للنائب العام يوم الثلاثاء، نشرته والدته ليلى سويف، قالت فيه إنه في الوقت الذي اتخذت السلطات المصرية إجراءات للحد من انتشار العدوى لم تتخذ إجراءات للحد من التكدس في السجون وأماكن الاحتجاز، وذلك في ظل استحالة ضمان حد أدنى من الظروف الصحية المقبولة في الأوقات الطبيعية «ناهيك عن منع وصول الوباء الحالي إليها وانتشاره بها». ومع إشارة البيان بأن الخطر لن يحيق بالمحتجزين فقط بل بكل المتعاملين معهم والمجتمع ككل، طالب بـ«إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من المحتجزين، بحيث تنخفض الأعداد جذريًا إلى أدنى حد ممكن، وعندئذ يمكن لباقي الإجراءات الصحية مثل التطهير والفحوصات الدورية وعزل الحالات المشتبه بها». 

أضاف بيان أسرة عبدالفتاح أن «من بين المحتجزين أعداد غفيرة من المحبوسين احتياطيًا الذين لم يُحالوا بعد إلى المحاكمة، لا نعرف عددهم بالضبط لأن سيادتكم ومن يعملون تحت سلطتكم لم تنشروا -في حدود علمي- أي إحصاء عنهم، إلا أنه من المؤكد أنهم آلاف وربما عشرات الآلاف، ومنهم ابني الذي مر على حبسه ستة شهور، ومنهم من مرت على حبسه مدد أكبر تصل إلى عامين وأكثر، هؤلاء جميعًا مسؤوليتكم الشخصية، فقرارات حبسهم تصدر من النيابة العامة بناء على السلطة التي منحك إياها القانون. قد تأتي قرارات الحبس بناء على تحريات رجال الداخلية، قد تخضع أحيانًا كما يشاع لأهواء ما دُرِج على تسميته بالأجهزة السيادية، أو ربما القيادات السياسية، الله أعلم، أنا لا أتحدث هنا عن العدالة ففي اللحظة الفارقة التي نمر بها هذا جدُل لا يُقدِم ولا يؤخر، وإنما أتحدث عن كارثة صحية يقع في نطاق سلطتكم تجنيبنا إياها أو على الأقل الحد منها، وأكرر التذكرة بأن الخطر هنا ليس مقصورًا على المساجين». 

كما تقدم محامو أبوالفتوح أيضًا، بحسب ابنه، بطلبات للنائب العام لإخلاء سبيله ضمن مطالبات إخلاء السبيل لكثير من السجناء في ظل الوضع الصحي العالمي الراهن، يقول الابن: «نتمنى إن إخلاءات السبيل تحصل في إطار القرارات الإيجابية اللي بتاخدها الحكومة، حتى لو بشكل مؤقت أو بتدابير احترازية، لأن الاستراتيجية الأنسب للتعامل مع الأوبئة هي الحد من انتشاره والوقاية، عشان الرعاية الصحية تقدر تستوعب، والإفراج عن مسجونين بسبب كورونا حصل في حتت كتير من العالم». 

وأضاف أبوالفتوح الابن أن الوضع الحالي وضع استِثنائي بعيد عن أي خلاف سياسي «الفيروس مش هيفرق بين معارض سياسي وظابط وقاضي، وده يتطلب مش بس الإفراج عن المسجونين السياسيين، لكن كمان الفئات الأكثر عرضة للخطر، زي كبار السن والمرضى». 

الإفراج عن السجناء وقت الوباء ليس بدعة خاصة بالمصريين. في إطار التدابير الوقائية من تفشي الفيروس، أفرجت السلطات الإيرانية عن 85 ألف سجين، بينهم سياسيون، كما قررت السلطات في عدد من المدن الأمريكية الإفراج عن بعض السجناء وخفض عدد الاعتقالات الجديدة في عدد من المقاطعات في ولايات أوهايو وكاليفورنيا. 

«احنا دلوقتي بنواجه ثقب أسود بلع السجون كلها»، تقول منى. 

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن