أمطرت السماء فغرقت المحاصيل.. ابحث عن الصرف الزراعي
 
 

وقف أحمد سامي، 50 عامًا، وسط أرضه الزراعية الصغيرة بمركز بلقاس، الجمعة الماضي، غاضبًا محاولًا تقدير خسارته، بعد أن غرقت محاصيله الزراعية بفعل الأمطار التي شهدتها البلاد نهاية الأسبوع الماضي، والتي قدرتها الحكومة بنحو نصف مليار متر مكعب، هي الأكثر كثافة منذ نحو خمسين عام.

في تصريح تلفزيوني، قال وزير الزراعة السيد القصير، إن الوزارة تعاملت مع الأزمة بشكل مُبتكر: قامت بتوعية المزارعين قبل موجة الأمطار، ونصحتهم بأنواع مغذيات النباتات التي يحتاجونها لتقليل الرطوبة ومقاومة الفطريات، بالإضافة لتسخير كل الماكينات الزراعية الخاصة بالوزارة لمساعدة أصحاب الأراضي الغارقة مجانًا.

وعلى الرغم من تلك الخطوات المبتكرة، إلا أن الآثار المترتبة على سيول الأسبوع الماضي جاءت أكبر من محاولات الحكومة، خصوصًا مع تهالك شبكات الصرف الزراعي، بحسب ما رأى عدد متنوع من المزارعين والخبراء الزراعيين.

قدرة شبكات الصرف الزراعي بالأرضي الغارقة كانت أضعف من تحمل المياه الغزيرة، خصوصًا مع خروج أكثرها من الخدمة رغم مرور سنوات قليلة على بناء جزء كبير منها.

بحسب موقع الهيئة المصرية لمشروعات الصرف، نفذت الهيئة على مدار الأعوام الماضية مشروعات صرف تغطي مساحة أكثر من أربعة ملايين فدان من إجمالي 10 ملايين فدان هي مساحة الأراضي الزراعية بالوجه البحري، بحسب إحصائية للتعبئة والإحصاء عام 2015.

يقول سامي إن شبكة الصرف الخاصة بأرضه الزراعية بالدقهلية أسستها الدولة منذ ستة سنوات فقط، ورغم هذا فقد ضعفت كفائتها بشكل كبير مع مرور السنوات حتى انعدم تأثيرها في الوقت الحالي.

أما أرض فتحي عواد في القليوبية، فقد خلت من شبكات الصرف إلا من واحدة تأسست في سبعينيات القرن الماضي، وسُدت منذ وقت طويل ولم يهتم أحد بإعادة تأهيلها.

يشرح المهندس الزراعي أحمد بهنسي لـ«مدى مصر» أن طبيعة التربة الطينية في الدلتا لها عدة أشكال خفيفة ومتوسطة وثقيلة. الأخيرة هي الأكثر احتياجًا للمصارف والأكثر تأثرًا بموجة الأمطار، لأن كثافة التربة عالية بما لا يسمح بتهوية جيدة أو تصريف المياه الزائدة، ليعلو منسوبها بما يؤثر سلبًا على الزراعات، عكس التربة خفيفة ومتوسطة الكثافة التي تسمح بمرور المياه من مساماتها البينية، وتُخزن على أعماق سحيقة في باطن الأرض.

تسبب هذا في خسائر كبيرة يتوقعها آلاف المزارعين هذا الموسم جراء غرق المحاصيل، وإصابة الكثير منها بالأمراض، ما ينذر أيضًا بارتفاع أسعار بعض المنتجات الزراعية على المستهلك نتيجة نقصها.

«عيدان الغلّة (القمح) بقت سِوا الأرض»، يقول عواد، تاجر ومزارع من محافظة القليوبية، عن حالة يصفها المزاعين  بـ«الرقود» تتسبب فيها الأمطار.

«الرقود»، بحسب عواد، يقلل إنتاجية القمح للنصف تقريبًا، كما أن قرب عيدانه من الأرض يبعدها عن الشمس ويجعلها فريسة سهلة للإصابة بالفطريات الناتجة عن رطوبة التربة جراء الأمطار، بالإضافة لأن «رقود القمح» يجعل جمعه بالطريقة العادية بالماكينات صعب، ولذلك سيتم جمعة بالطريقة القديمة بأيادي المزارعين والعمال الزراعيين.

وكيل وزارة الزراعة في القليوبية حسن زايد، قال لـ«مدى مصر» إن معظم أضرار محاصيل محافظته تركزت في القمح، وأضرت بشكل خفيف ومتوسط بنحو 20-25% منه، بحسب الحصر المبدئي.

بحسب جمال صيام، خبير الاقتصاد الزراعي، فإن الضرر الواقع على محصول القمح والمقدر بنحو 20% من إنتاج كل فدان، يتحمل ضرره كل من المزارع والدولة. فالمزارع يتحمل خسارة جزء من إنتاجه الذي تعد الدولة المُشتري الوحيد له بكمية بلغت تسعة ملايين طن العام الماضي، ولا يكفي استهلاك مصر الذي يصل إلى 16 مليون طن بحسب  تصريح لوزير التموين العام الماضي. وتضطر الدولة للاستيراد من الخارج لتعويض الفقد، ووصل حجم استيراد مصر العام الماضي من القمح أكثر من 13 مليون طن بتكلفة وصلت إلى ثلاثة مليارات دولار.

حسين صدام نقيب الفلاحين، أكد أن ضرر الأمطار على الأراضي الزراعية كان من الممكن تفاديه أو تقليله في حالة وجود شبكات صرف قوية وفعالة. وقال صدام لـ«مدى مصر» إن شبكات الصرف المنُفذة حديثًا في مصر أضعف من الشبكات القديمة، مشيرًا إلى أن مشروع المليون ونصف فدان التي تنفذه الدولة حاليًا على مساحات واسعة في الصعيد وسيناء والدلتا وجنوب الوادي يخلو تمامًا من وجود مصارف زراعية.

امتد ضرر الأمطار ليصل إلى محاصيل أخرى كالفول والبطاطس. لا يتم ري الفول إلا مرة واحدة في بداية الموسم في نوفمبر حتى نهاية موسمه في إبريل، والري الزائد يقلل جودته. ولهذا يتسبب سقوط هذه الكمية من المياه في نهاية الموسم في إيذاء المحصول بشدة لأنها تكون أتمت نضجها. بحسب سامي الذي يقول بغضب «أنا زراع 3 فدادين فول المفروض يجيبوا حوالي 30 أردب، بس هما مش هيجيبوا 10» (الأردب 150 كيلو جرام).

خسارة سامي لجزء من محصوله ليست المشكلة الوحيدة. تتسبب الأمطار في تقليل جودة المحصول المتبقى من الفول. يقيّم تجار الفول المنتج المعروض من الفلاحين قبل شرائه بوضع القليل منه في ماء لتسويته، وكلما قل الوقت اللازم لذلك أشار لعدم تعرض الفول للكثير من المياه ويُرفع سعر المحصول، أما العكس فيعرض المزارع لخسارة أكبر لأنه يقلل من سعره، أو قد لا يشتريه التاجر، بحسب سامي.

بخصوص البطاطس التي تعد رابع أهم محصول عالميًا، فيبدأ موسم الحصاد بعد جفاف التربة في أبريل، بحسب بهنسي الذي يشرح أن زراعة البطاطس تكون تحت الأرض لكونها من «الدرنات»، أما في حالة سقوط الأمطار وتشرُّب الأرض الطينية بالمياه، سيضطر المزارع للانتظار حتى جفافها، مؤخِرًا بذلك موعد جمعها. هذا التأخير يزيد من احتمالية تعرض النباتات للفطريات أو إصابة المحاصيل بالعفن.

انتشار الأمراض الفطرية يتطلب من المزارعين استخدام المزيد من مبيدات الفطريات لمقاومتها وإنقاذ ما تبقى من محصولهم، بحسب محمد الجوهري المزارع بمحافظة الدقهلية.

بينما قال الجوهري إن بعض شركات المبيدات رفعت أسعارها استغلالًا للموقف بعد انتهاء موجة الأمطار مباشرة، يشير المهندس سعيد عبد الله، عضو مجلس إدارة اتحاد منتجي ومصنعي منتجات وقاية النباتات في العالم «كروب لايف»، أن رفع الأسعار هذا هو استجابة طبيعية لحركة التجارة العالمية المتأثرة بانتشار فيروس «كورونا».

غرق الأراضي الزراعية سيشعر بأثره المستهلك في شهر رمضان بعد زيادة أسعار بعض الخضروات،  لنقص إنتاجها، مثل الفول والبصل والبطاطس، بحسب صيام، الذي يرى أن هذا الضرر سيتحمله عدة أطراف، أولها المزارع الذي فقد جزء من إنتاجه، ثم المستهلك نتيجة لارتفاع سعر المنتج، ثم خزينة الدولة نتيجة النقص في صادرات البطاطس والبصل، الذين احتلوا المركز الثاني والثالث في صادرات مصر الزراعية العام الماضي بأكثر من مليون طن لكليهما.

ضرر الأراضي الصحراوية جراء السيول اختلف عن ضرره في الأراضي الطينية. ففي الأراضي الصحراوية، جرفت السيول الزراعات تمامًا من جذورها، بحسب أحد المزارعين بمنطقة وادي النطرون.

فقد هذا المزارع أكثر من نصف زراعته من البطاطس والبصل على مساحة 360 فدان بتكلفة إنتاج تصل إلى 15 مليون جنيه، وخسارة تصل إلى النصف تقريبًا، بحسب تقديره. يؤكد أنه لا يوجد سبيل لاتخاذ أي إجراءات احترازية خصوصًا في الصحراء، ومع التغيرات المناخية المتزايدة.

هذه التغيرات المناخية «كارثية على القطاع الزراعي»، طبقًا لوصف تقرير صادر عن مركز الأبحاث الزراعية التابع لوزارة الزراعة، مشيرًا إلى أن السيول تسهم في تآكل مستويات التربة في الأراضي الزراعية وتهدد بخفض أحجام المحاصيل في السنوات القادمة، ما يهدد بدوره الأمن الغذائي للبلاد.

غياب سبل الإجراءات الاحترازية فرض ضرورة إنشاء صندوق لتعويض خسائر الفلاحين في حالات الكوارث القهرية. فكرة الصندوق طُرحت أثناء ولاية وزير الزراعة الأسبق، يوسف والي، خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولكنها لم تكتمل، بحسب سعيد.

لكن الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي أصدر قرارًا عام 2014 بإنشاء صندوق التكافل الزراعي دون تنفيذ طوال الأعوام الماضية.

إلا أن لجنة الزراعة بمجلس النواب في بداية العام، ألزمت الحكومة بالانتهاء من إعداد اللائحة التنفيذية للقانون، وتشكيل مجالس الإدارة الخاصة بالصندوق خلال شهرين، وهي المدة التي انتهت بالفعل منتصف الشهر الجاري دون نتائج.

وفي انتظار خطوات جدية تتخذها الحكومة، تحركت مجموعة من الشباب في مبادرات فردية مستقلة لمساعدة المزارعين المتضررين. كانت الأولى لدعوة شركات المبيدات والأسمدة لخفض أسعارها مراعاة للوضع الحالي. وجد بهنسي أن هذه المبادرة غير كافية، رغم استجابة بعض الشركات للمبادرة، ولذلك قرر إطلاق مبادرة أخرى لحصر الأضرار الواقعة على المزارعين وتعويضهم سواء بدعم من بعض الشركات الذي بدأ التواصل مع بعضها بالفعل، أو من المجتمع، وبدأ بنشرها عبر فيسبوك مطلع الأسبوع الجاري.

بحسب بهنسي، تخطط المبادرة في المرحلة القادمة للتواصل مع وزارة التضامن بعد تخصيصها مبلغ 100 مليون جنيه لتعويض خسائر الأمطار، والتواصل أيضًا مع الإرشاد الزراعي المسؤول عن توعية المزارعين، من خلال الجمعيات الزراعية التابعة لوزارة الزراعة، لمساعدتهم في عملية رصد الخسائر من خلال الزيارات الميدانية، في حين كشفت نقابة الفلاحين في الوقت ذاته عن غرق العديد من الجمعيات الزراعية خلال موجة الأمطار الأخيرة. 

اعلان
 
 
ندى عرفات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن