حرب الذوق العام أم الكاشات؟
 
 

مفيد فوزي: ليه الأستاذ عبدالوهاب قال إن معظم أغانيكم [يقصد جيل الأغنية الشبابية] لا تصلح إلا للأندية الليلية؟ 

عمرو دياب: أنا طول ما أنا ماشي نمرة واحد، ولما جت موسيقى عبدالوهاب ونزلت بقى رقم اتنين، ده مالوش علاقة بأي شيء غير أن دي مبيعات كاسيت.

مفيد: «الجمهور مات وشيعت جنازته» إيه رأيك في المقولة دي؟

عمرو: مكنش الجمهور سمع «من غير ليه» [أغنية محمد عبدالوهاب التي صدرت عام 1989 على شريط كاسيت] طب نجحت إزاي والجمهور مات؟ مات وصحيلها يسمعها؟

والله العظيم بتظلموا الناس، يعني لما بروح حفلة ويجيني فيها 30 ألف، فيه مطرب بيجيله 30 ألف؟ بيجي له ليه؟ عشان الناس ماتت؟ 14 ألف و15 ألف ماتوا؟ ده أنا وحميد الشاعري وعلي حميدة و محمد فؤاد وكلهم بيجيلهم بالـ 14 ألف، مين بيجيله تاني بـ 14 ألف جمهور؟ ما هو أنا لو مش ناجح ما كنش حد جالي، لو ما كانش حد بيحبني ما كنش حد جالي، لما يقولوا فلان الفلاني هيعمل حفلة، مهما بقى كتبوا عنه في جرايد ومهما لحن له الموسيقار العظيم، ومهما قالوا إنه أعظم صوت، الجمهور ما جالوش.

المقطع الشهير السابق على «يويتوب»، أذيع على التلفزيون في بداية مسيرة عمرو دياب الفنية، في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، بالتزامن مع طغيان سوق الكاسيت على سطوة الإذاعة الرسمية. بسهولة يمكن للمتفرج أن يلاحظ تكرار نفس الاتهامات، التي يوجهها ممثلو أجهزة الإعلام الرسمي؛ مثل مفيد فوزي، كممثل مُفترض للدولة وموجه للشكل الفني الذي تستسيغه، مُفترضًا أن مُفضلاته الشخصية، ذوق عام يجب تمريره، وإعادة إنتاجه على يد الجيل الجديد. لا تختلف المعارك في 2020 بشأن المهرجانات، عن مثيلاتها سواءٌ في عشرينات القرن الماضي حينما هوجم قالب «الطقطوقة»، أو في ثمانينياته وقت اكتساح الكاسيت للسوق الموسيقي. 

فما أن تحقق أي ظاهرة فنية اجتماعية، تولد خارج رحم الدولة أو الخط المؤسسي، نجاحًا نسبيًا، حتى تنهال عليها أحكام قيمية تصنفها كـ«خطر على المجتمع»، ويجري حصار الظاهرة وتمييزها سلبيًا، لتتوالى عملية شيطنة منتجيها، بل وشيطنة الجمهور نفسه المُستهلك للمُنتج الفني، إن لزم الأمر. يبدأ الأمر همسًا، ليتحول إلى تبرم، ثم يتخذ صورة حملات بروباجاندا، ترفع شعار الحفاظ على الشكل التقليدي للأغنية «الطربية» في الظاهر، والارتقاء بالذوق العام، والتحسر على زمن الفن الجميل.

تبدو الشعارات كأنها تنطلق من منطقة محايدة، مجرد رأي للصالح العام، لكن المثير للتأمل أنها تدافع طول الوقت عن مرجعية معيّنة لعالم قديم ذي شبكة ترتيبات اجتماعية- مادية راسخة، تراه هو الأفضل، الذي يجب أن ننفك نرجع إليه، طول الوقت، لذا هي ليست شعارات غير منحازة بالكلية، بل تدافع عن عالم بعينه بشبكة مصالح بعينها خاصة بها، لذا فالظواهر الجديدة التي تلقى نجاحًا في السوق، تمثل تهديدًا لشبكة المصالح المرتبطة بهذا الوضع السابق.

لنأخذ على سبيل المثال، معارك الملحن حلمي بكر، الذي كان من السباقين في تسجيل اعتراضه بمجرد ميلاد أي ظاهرة غنائية جديدة، سواءٌ اصطبغت باللون العاطفي الرومانسي «الشبابية الخفيفة» حسب تصنيفه لأغاني عمرو دياب وتوزيعات حميد الشاعري، أو كانت شرائط كاسيت الغناء الشعبي التي ذاع صيتها؛ بدايةً من أحمد عدوية في زمن الكاسيت، وحتى حسن شاكوش في زمن «اليوتيوب»، مرورًا بالعصر الوسيط الذي شهد سطوع نجومية شعبان عبدالرحيم في برامج الـ«توك شو» بالفضائيات الخاصة أواخر التسعينيات ومطلع الألفينيات.

في الثمانينيات تغيرت ترتيبات شبكة المصالح المعروفة، حدث انقلاب في السوق، عُرف باسم ثورة الكاسيت «الأغاني الشبابية». كان حلمي بكر وقتها يشغل منصب رئيس لجنة الاستماع في الإذاعة المصرية. في ذلك الصراع لم يكن بكر يعادي الفن الشعبي الممثل للطبقات المهمشة، بل نجومًا لهم شعبيتهم وسط فضاء الطبقة الوسطى، ولا يمثلون لونًا واحدًا بالضرورة، وكانت معركته الأهم مع محرك نجوم هذه المرحلة الأساسي ودينامو ألحانهم وتوزيعاتهم، «الكابو»، الملحن والمغني والموزع المصري الليبي حميد الشاعري، لأنه وببساطة سحب البساط من تحت أقدام حلمي بكر، فكل المواهب التي كان مسارها الطبيعي أن تُعرض على لجنة الاستماع بالإذاعة المصرية، احتواها وقدمها الشاعري للجمهور بدلًا منه، بألحان شبابية معاصرة، وأكثر مواكبة للسوق.

كانت الأموال تتدفق على سوق شركات توزيع الكاسيت، التي لم يكن حلمي بكر رئيسًا لها، بالطبع، فلم يملك إلا توجيه الاتهامات للشاعري، تارة بتشويه التراثين المصري والنوبي والمساهمة في طمسهما، بما يقوم به من إعادة معالجة لألحانهما، أو بتقديمه أصوات رديئة للسوق على حساب الأصوات الجيدة. وفي النهاية تهمة: «من أراد التلحين فعليه أن يتعلم الموسيقى من منابعها في معهد الموسيقى العربية».

وبعد كل تلك الاتهامات بتشويه التراث العربي، وحينما أصبحت الأموال متوفرة، حين تواجد مصدر تمويل يدعم إقامة أوبريت موسيقي باسم «الحلم العربي»، يقوم بتلحينه حلمي بكر، فإن من وزع تلك الألحان هو مشوه التراث «الكابو» حميد الشاعري. ومنذ ذلك الحين توقفت انتقاداته للشاعري ولجيله ولألحانه وكأنها لم تكن.

في هذا التقرير نحاول النظر في صراع مطربي المهرجانات الدائر هذه الأيام من هذه الناحية، أي مصالح تهددها هذه الظاهرة؟ وهل يمكن أن يصل أطراف هذه العركة (مطربو المهرجانات-السوق- الدولة) لصيغة توافقية، مثلما حدث مع المعارك السابقة؟ وذلك من خلال تتبع العلاقات بين كل من النقابة بالسوق الموسيقي، والدولة بالسوق، والنقابة بالدولة، واستعراض حسابات كل طرف، لنحاول معرفة من سينتصر في معركة المهرجانات. 

النقابة والسوق 

تختلف سياسة الدولة لتوجيه النشاط الثقافي/الترفيهي في كل مرحلة، وفي الآونة الأخيرة أصبحت نقابة المهن الموسيقية في واجهة المعركة، تقف وراءها الدولة بسلطات الضبط والمنع. لذلك فمن المهم تحليل وضع النقابة بهيكلها الحالي، وموقع هاني شاكر رئيسها وغيره من المعارضين لتيار أغاني المهرجانات من خريطة «السوق» الموسيقي.

المتأمل لخط سير النقابة قبل تولي هاني شاكر لرئاستها وبعد توليه، سيدرك بشكل كبير أن كثيرًا من الأزمات تفجرت في عهده. هذا لا يجعله العامل الوحيد في المعادلة، حيث لا يمكن إغفال الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة، من انغلاق وسيادة للرأي العام المحافظ ورغبة لدى الدولة للسيطرة على كل المجالات الجماهيرية.

لكن شاكر أثبت أنه ليس بالنقابي الجيد منذ توليه زمام النقابة؛ فلا يوجد اهتمام بمشاكل الموسيقيين، ولا استيعاب للتطورات الراهنة بالسوق، ونتيجة لذلك فهو غير قادر على توفير فرص عمل لأفراد نقابته، أو حتى تأمين فرصهم المتاحة بالسوق.

ولعل المؤشر الكاشف لضعف التواصل بين أفراد نقابة المهن الموسيقية ونقابتهم هو المشاركة شبه المعدومة للأعضاء في الانتخابات الأخيرة، التي فاز فيها شاكر بـ1532 صوتًا على منافسه مصطفى كامل، الذي حصل على 532 صوتًا.

من ناحية أخرى، هاني شاكر كمغني، مثله مثل قطاع من الفنانين والمؤديّن، مهدد في «لقمة عيشه» في حالة دخول مطربي المهرجانات الساحة. فبتأمل وضعه الشخصي كمطرب في السوق الداخلي والخارجي فسنجده محاصرًا؛ فعلى مستوى السوق الداخلي قَلَ الطلب عليه تمامًا لأن طابعه الغنائي لم يعد يناسب إلا حفلات الأوبرا، ومن ناحية أخرى، فالسوق الخليجي وخاصة في «الرياض» يتغير بشكل كبير؛ مع الانفتاح على ألوان غنائية مختلفة ومتنوعة مثل الـrap والـtrap والـpop وغيره. (محمد رمضان كانت لديه حفلة بمواسم الرياض منذ أشهر قليلة). 

هذا يجعل من غير المستبعد مثلًا أن يجد هاني شاكر نفسه في جدول حفلات واحد مع حمو بيكا أو حسن شاكوش. الأمر لا يتعلق بالنقيب فقط، فمعظم مطربي الساحة الغنائية؛ خاصة المعتمدين على سوق الأفراح وحفلات المواسم والفنادق ممن هم خارج دائرة الأندرجراوند، متخوفون بشكر كبير من موجة المهرجانات وقدرتها الكاسحة، على تصدر السوق، في حالة إتاحة الفرصة لهم، باستثناء بعض الأسماء القليلة، مثل محمود العسيلي ومصطفى حجاج، وذلك لكونهم عناصر تكلفة التعاقد معهم أقل، ومقبولين أكثر من الجمهور في الأجواء الاحتفالية. فإذا كان الوضع مقلقًا من «الشعبيين التقليديين» مثل أحمد شيبة، عبد الباسط حمودة أو محمود الليثي. فماذا لو دخل الساحة مطربو المهرجانات؟ لذا فقد يدعم بعض المطربين حركة القمع ضد «أصحاب المهرجانات»، ولو معنويًا لصد خطرهم كما فعل الفنان رامي صبري، والذي هاجم المهرجانات علانية.

النقابة والدولة 

تركيبة أعضاء نقابة المهن الموسيقية غير متجانسة، تختلف إلى حد ما عن كتلة نقابة المهن التمثيلية، فبينما تتكون النسبة الغالبة للأخيرة من خريجي أكاديمية الفنون أو ورش التمثيل التابعة للأكاديمية أو مركز الإبداع التابع لوزارة الثقافة، والذي يديره المخرج خالد جلال، بما يجعلها كتلة قادمة من البداية من مؤسسات رسمية وتعمل في الاقتصاد الرسمي إلى حد ما، فعلى العكس منها كتلة نقابة المهن الموسيقية، التي لا يمكن التعامل معها ككتلة واحدة، فالموسيقيون والمطربون من خريجي الكيانات المؤسسية الرسمية مثل معهد الموسيقى العربية ويعملون بالسوق أصبح تواجدهم شبه نادر، وأغلب الفنانين الحاليين يأتون من خلفيات مختلفة لا يجمعها ولا يجمعهم إلا المسمى الوظيفي والحصول على تصاريح المهنة.

هذه التركيبة غير المتجانسة، تجعل نقيب الموسيقيين في قلق من عدم السيطرة على الوضع، فمعظم مغنييّ المهرجانات لا ينتمون حتى الآن إلى سوق الاقتصاد الرسمي، ما يجعله متخوفًا من الإحراج أمام القيادات السياسية العليا أو المسؤولين بالدولة، في حالة الاستياء مثلًا من تجمعات حفلات مطربي المهرجانات أو التعرض للانتقاد والأذى جراء كلمات الأغاني، التي يمكن اتهام بعضها بـ«خدش الحياء».

نذكر على سبيل المثال، الملاحقات النقابية لحمو بيكا لمنعه من إقامة الحفلات كمثال؛ كونها أكثر الحملات شراسة وإثارة في الآونة الأخيرة. قامت النقابة بالتحرك لمنع ست حفلات لحمو بيكا، في محافظات مختلفة، ليس ذلك فقط، بل قدمت ضده بلاغًا لإفساد الذوق العام، ومخالفته لقوانين النقابة الخاصة، كما رفضت طلبه الحصول على عضوية النقابة. حتى فيما يتعلق بحفلات النطاق الضيق، على شواطئ الساحل الشمالي، فإن المصنفات الفنية بالتعاون مع النقابة منعت حفلة في «بورتو كايرو» في 11 نوفمبر عام 2018، وحررت محضرًا ضد منظم الحفل وضده. 

يذكر أن بعد ذلك التاريخ بأيام، نشرت جريدة «صوت الأمة» صورًا لإيصالات بقيمة 3000 جنيه و1500 جنيه، دفعها حمو مقابل التصريح له بإقامة حفلين بالإسكندرية؛ أحدهما داهمته قوة من المصنفات لإلغائه. 

هذا التضييق دفع بيكا للظهور في فيديو لايف في أكتوبر العام الماضي، من داخل النقابة، مدعًيا أن الموظفين طلبوا منه 300 ألف جنيه و400 ألف جنيه لكي تسمح له بالعمل، موضحًا أنه سافر خارج مصر، وأقام حفلات واستقبله المنظمون هناك، واحترموه ورحبوا واعترفوا به، ثم قال إن برفقته 20 شابًا يعملون معه كفريق؛ مهددًا بالنزول إلى الشارع «يعمل ثورة»، وسيطيح بهاني شاكر، فإن كان هاني شاكر ومن معه لا يعترفون بفنه، فهو لن يعترف بفنهم، مهددًا بأن المرة القادمة سيكون هناك «شتيمة وقلة أدب» وحسب قوله «مش هنحلكم». 

الدولة والسوق 

لا يضطلع هاني شاكر وحده بمسؤولية مواجهة التهديد المتمثل في المهرجانات، مستعملًا سلاح «الحفاظ على الأخلاق العامة» و«حماية الفن من موجات التخريب»، بل تدفع الدولة بالنقابة والمصنفات الفنية في الواجهة، لتتخذ هي الموقع الخلفي في هذا الصراع. يتمثل قلق الدولة الأساسي من المهرجانات في كونها اقتصادًا غير رسمي، وبالتالي غير مرصود، بما يجعل الاستفادة منه وتطويعه في شبكات المصالح الخاصة بها، أمرًا صعب، ويحتاج لترتيبات.

حسب موقع socialblade.com فإن متوسط الدخل الشهري لقناة اليوتيوب الخاصة بشاكوش يتراوح بين 40 إلى 640 ألف دولار، والدخل السنوي للقناة بين 485 ألف إلى 7.8 مليون دولار، وإن اعتبرنا تلك الأرقام تقديرية وليست فعلية، فحتى نصفها لن يقل عن عقد محمد رمضان السنوي لـ«اتصالات»، والبالغ حسب آخر إفصاح حوالي 30 مليون جنيه مصري. 

 من ناحية أخرى، تنهال العروض على مغنييّ المهرجانات للغناء خارج مصر حتى الآن، مثلًا يمتلك كلٌ من حمو بيكا وحسن شاكوش وعمر كمال، عروضًا للغناء في الكويت وأمريكا والأردن والسعودية. 

بهذا، وضعت المهرجانات الدولة أمام خيارين؛ إما اللعب وفق القواعد الجديدة الخاصة بـ«ثورة اليوتيوب»، أو ترك الساحة للتيارات المحافظة والهجرة للخارج، والخيار الأخير قد تندم عليه الدولة كثيرًا. لذا فسؤال الدولة لنفسها سيكون: لماذا لا يتم احتوائهم إداريًا، وتدوير مواردهم، إذا كانوا سينتقلون لطبقة البورجوازية الجديدة؟ الأمر الكفيل بأن ينتقلوا للدفاع عن توجهاتهم الجديدة الخاصة بطبقتهم، أو على أقل تقدير دفع خطاب الاستقرار في الأوساط الشعبية، وذلك بدلًا من القضاء عليهم بالكامل. 

هذا لا يستبعد فرضية رغبة الدولة في قمع السوق الفني وضبطه بالقوة لـ«توجيه المحتوى» بما لا يخالف توجهها، لكنه ببساطة ليس الهدف الرئيسي، لسبب آخر، وهو أن آلية السيطرة الفجة المباشرة على السوق أثبتت فشلها، بشكل لا يدعها خيار الدولة «الوحيد» في المرحلة القادمة. ودليل فشلها تمثّل في الموسم الدرامي لرمضان 2019، والذي أخفق في تحقيق كل أهدافه، سواءٌ بتحقيق مكاسب مادية من الإعلانات أو تطبيق watch it أو دخولها مجال الإنتاج السينمائي، الذي ظهر في أزمة فيلم «الممر»، والذي لم يستطع تصدر شباك التذاكر.

لذلك، فالاستعانة بسياسات مشابهة لسياسات دولة مبارك، فيما يتعلق بفتح السوق لقطاع الإنتاج الخاص، لكن مع وضع ضوابط وقواعد تضمن أقل نطاق من الحريات، هو أمر متوقع الفترة القادمة، فمثلًا في مجال الإنتاج الدرامي، من الممكن أن يترك للسوق الخاص مساحة إعادة تنظيم نفسه، مع الحفاظ على الحصة الأكبر لتامر مرسي المتمثلة في شركة synergy. ونلاحظ بوادر ذلك في تعاقد synergy مع شركات خارج نطاق مؤسسة الدولة مثل «العدل جروب»، لرمضان المقبل، في إنتاج مسلسل من إخراج كاملة أبو ذكري.

بالمعطيات الاقتصادية، أمامنا لعبة «قط وفأر» تلعبها الدولة، ولم تحسمها بعد. هي تحسب عواقب سفر مطربي المهرجانات لدول أخرى ليقيموا حفلاتهم هناك دون تضييقات، ولن تتحمل أن تطير كل تلك الأموال إلى دول أخرى، كما يستفزها عائد يوتيوب الضخم. خاصة أن محاولات تشريع قانون بفرض الضرائب على مدوني اليوتيوب ومواقع التواصل الاجتماعي فشلت، وهي محاولات كان قد دعا إليها أعضاء بمجلس النواب.

حسب طبيعة تجاوزات بيكا وفداحتها، كان يمكن أن يتم تفعيل بلاغات ضده بانتهاك قانون الآداب العامة، مهددًا بعقوبة تصل السجن. هذا لم يحدث، لكن حصل التضييق في اتجاه تنظيم الحفلات. ماذا يُفهم من هذا؟ أن الدولة تريد الضغط عليه من هذه الناحية، من ناحية الحفلات ومكاسبها. تريد حصره أمام اختيارين، وهما إما ترك المجال الغنائي برمته، أو الانضمام لكيان تجاري يكون له بطاقة ضريبية، أو وسيلة يمكن بها معرفة مصدر الدخل الخاص به، وبواسطته يتم تحصيل الضرائب المستحقة، وهذا الكيان بدوره سييسر له بالطبع الحصول على التصاريح البيروقراطية المطلوبة، من تصريحات وزارة السياحة، والحي، وقطاع شؤون الإنتاج الثقافي، والجهات الأمنية ليقيم حفلاته.

حكمة عبدالباسط حمودة 

هذا من ناحية حسابات النقابة والدولة، أما حسابات أشخاص كشاكوش وبيكا على الجانب الآخر، فبفطرتهما كمغنيين شعبيين يعلمان أن استمراريتهما لا يمكن أن تأتي إلا عن طريق الحفلات الجماهيرية ذات الطابع الشعبي «الحرش»، فلا الـ«يوتيوب» وعائده الضخم سيؤمن ذلك، ولا حتى حفلات الأردن وأمريكا، حتى التواجد بالإعلانات مثل مغنييّ الـ trap كويجز ومروان بابلو وأبو يوسف، ليس بالوسيلة الكافية، لذا فهما مضطران للتفاوض مع السلطة بكل كياناتها الديناصورية، بكتلة افتراضية اكتسبت قوتها من جمهور مشاهدات «يوتيوب» لتحقق ما أنجزته من قبل «ثورة الكاسيت» على يد عدوية، في ظروف أكثر انغلاقًا، تلك الكتلة التي كانت قادرة على إحداث الصدمة لمنابع الإنتاج الغنائي التقليدية للدولة.

الأسبوع الماضي، بدأت مؤشرات الوصول لصيغة اتفاق تلوح في الأفق. أصدر حمو بيكا عدة تراكات تغازل المزاج العام للدولة، منها أغاني توعية عن الكورونا وخطر الإدمان، وظهر في فيديو لايف ضد قنوات الإخوان، أما حسن شاكوش فأصدر أغنية وطنية معنونة بـ «شموخ النسر». ومن ناحيتها أعلنت نقابة المهن الموسيقية، الخميس الماضي، إنشاء شعبة لمغنييّ المهرجانات في النقابة، تحت اسم «الأداء الشعبي».

هذه المؤشرات تقول إن المال سينتصر في معركة المهرجانات والذوق العام، فبعد الوصول لصيغة مستقرة ستنتصر الكاشات كما انتصرت قبل ذلك، أو كما قال عبدالباسط حمودة حين سُئل عن رأيه في تلك الأزمة؛ فأجاب أن «الحل بسيط. سيبوهم يشتغلوا.. والنقابة تاخد منهم فلوس».

اعلان
 
 
يوسف الحريري 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن