«كورونا»: اعرف عدوك
 
 
صورة: سهير شرارة
 

«يُحكى أن، في قديم الزمان، كان هناك إنسان، لم تعرف الدراسات ماهيته بالضبط، لكن يُعتقد أنه كان أذكى من سكنوا الأرض حينها. صنع الآلات وبنى الحضارات وتربّع على عرش العالم، ثم بين عشية وضحاها، تسرّب كائن دقيق إلى خلاياه. لم يحتج الأمر سوى أسابيع، وكان الإنسان قد اختفى تمامًا من الأرض. أو، ربما لا».

ربما تخيّلتم هذا الحديث لمعلمة في الصفوف الابتدائية تحكيها لطلابها عن الكائنات التي لا نعرفها بعد أن نفنى نحن من الأرض. حوارٌ شيق ويظهر محلّقًا في الأفق بعد ما عِشناه في الأسابيع الماضية من أخبار متصاعدة. للأسف، لا أستطيع أن أخبركم إن كنا سنفنى حقًا بسبب هذا الفيروس الجديد أم لا، لكن من حقك على الأقل، إن كنتَ ستفنى بالفعل، أن تفهم ما أفناك.

الفزع من الفناء جاء بعدما تفجّرت الأخبار في الأسابيع الماضية عن فيروس جديد ظهر في الصين وعبرَها لبلاد العالم المختلفة: «كورونا». اشتغلت وسائل الإعلام وحَل الفزع على الجميع. وفي الثلاثين من يناير الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا الحديث يُعتبر طارئة من طوارئ الصحة العمومية التي تثير قلقًا دوليًا (PHEIC). وإعلان (PHEIC) يصدر بالأساس في الأحداث غير العادية التي تشكّل خطرًا على الصحة العامة وتحتاج جهودًا دولية لاحتوائها والحد من ضررها. ذلك يعني ببساطة أننا الآن في مواجهة فيروس يحتاج إلى متابعة دقيقة وخطوات احترازية كبيرة على الصعيد الدولي للتعامل معه. واقترب الخطر أكثر بعدما أعلنت مصر اكتشاف أول إصابة بها (قبل أن تعلن لاحقًا خلوها من أي إصابات).

هذه ليست محاولة لإثارة فزعك. هذه المحاولة فقط لشرح ما تعنيه الأخبار والإحصائيات. ما هي الفيروسات وما هو كورونا؟ اختيار الفزع لا يُنصح به، لكن الأمر متروك لكم.

في البدء كانت الفيروسات

اكتشف الإنسان الفيروسات في أواخر القرن التاسع عشر، وهو ما يعتبره بعض الباحثين اكتشافًا متأخرًا أدى بشكل أو بآخر إلى تقهقر الإنسان في سباقه مع الفيروسات. هذا الرأي تؤكده بطريقة أخرى إحدى الدراسات التي تخبرنا أن هناك على الأقل 320 ألف فيروس لم يكتشفها الإنسان بعد. حسنًا، الرقم مخيف.

كثير من النظريات لا تعتبر الفيروسات كائنات حية حتى الآن. لكي نعتبر كائنًا ما حيًا، يستدعي الأمر أن يكون الكائن المقصود قادرًا على «الحياة» بمفرده، باستقلال. الفيروسات، على الجانب الآخر، لا تستطيع أن تحيا دون جسم آخر يستضيفها. يقول بعض العلماء إنها «تعيش حياة مُستعارة»، وذلك لأن الفيروسات ببساطة عبارة عن حمض نووي ملفوف بداخل طبقة مغلفة من البروتين. أحيانًا يُضاف إليه غشاء من الشحم (الدهن). هكذا فقط. لا نواة أو أي مكونات أخرى تساهم في العمليات الوظيفية.

إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نعتبر الفيروسات مجرد تركيبات كيميائية؟ هنا بالضبط يقبع موضع الجدال بين العلماء. لا يمكننا اعتبار الفيروسات مجرد تركيب كيميائي لأن بمجرد اختراقها لجسد كائن حي، فإنها تملك ذكاءً يجعلها تستخدم هذا الكائن لمنحها الحياة. على سبيل المثال، تحتاج الفيروسات للتضاعف بأعداد ضخمة كي تستطيع التأثير في جسد الكائن المضيف. لكن كيف يمكنها التضاعف إن كانت فقط حمضًا نوويًا متحركًا؟ ببساطة، يغزو الفيروس نواة المضيف ويستخدم ماكينات الانقسام بداخلها لصالحه، فيضاعف حمضه النووي ويخلق البروتينات اللازمة، وتستمر في هذه العملية إلى أن يخلق عدد الفيروسات المُراد. في أحيانٍ أخرى، يمكن للفيروسات أن تستولي على الجهاز المناعي بأكمله لأنواع من البكتيريا لاستخدامه لصالحها.

لكن، لِمَ تسبّب الفيروسات كل ذلك الذعر للإنسان؟ الأمر ببساطة، أن الفيروسات قادرة على تطوير نفسها بسرعة مهولة، تقدّرها بعض المراجع بأنها تبلغ مليون مرة قدر الإنسان، وذلك بسبب تعدد الطرق التي يمكن للفيروسات استغلالها للتطور. على سبيل المثال، إذا أصُبت بفيروسين في آن واحد، فإن الفيروسين قد يقومان بتبادل أجزاء من الحمض النووي فيما بينهما مخلّفين جيل من الفيروسات يحمل خصائص مختلفة عن كليهما. سبب آخر لسرعة تطور الفيروسات ترجع إلى أن كثيرًا منها يحتوي على شريط واحد من الحمض النووي الريبوزي (RNA)، وهو شكل أقل استقرارًا وأكثر عُرضة للطفرات من الحمض النووي عندنا كبشر وعند معظم الكائنات الحية (DNA). الطفرات شائعة الحدوث طوال الوقت في جميع الكائنات. تحدث في الإنسان على سبيل المثال، لكن في حالة الإنسان يجب على الطفرة أن تحدث في نفس المكان من شريطي الحمض النووي لتُحدث اختلافًا، بعكس الفيروسات التي تحتوي على شريط واحد من الحمض النووي، ما يجعل الأمر أكثر سهولة.

تخيّل أن هناك أمر عسكري ما يجب أن يصدر بتحرّك الجيش. في حالة الإنسان، فإن هذا الأمر يجب أن يصدر من غرفتي التحكم في نفس الوقت. إذا صدر من غرفة تحكم واحدة فلن يعبأ به أحد. على الجانب الآخر، يصدر أمر التحرك من غرفة تحكم واحدة في حالة تلك الفيروسات. بمنطق بسيط نجد أن احتمالية تطور تلك الفيروسات تزداد. 

مقدار التطور ذلك يجعل الفيروسات فائزة دائمًا في أي سباق تدخله ضد الإنسان. تخيل أن تنافس خصمك في سباق يتحرك به خط النهاية طوال الوقت. لن تصل أبدًا للنهاية. وكأنك كُتِبَ عليك أن تلاحق هذا الخصم للأبد.

هل يعني ذلك أن الإنسان يقف مكتوف الأيدي أمام الفيروسات؟ بالطبع لا.  خطورة الأمراض التي تسببها الفيروسات جعلتنا نشعر بالتهديد. تحفّزنا للمواجهة. سهرنا الليالي واستنفدنا عقولنا بحثًا عن حل، وبالأخير، وصلنا لحل فعلًا. الحل الذي توصلنا إليه مع الفيروسات كان اللقاحات ومضادات الفيروسات.

عرف الإنسان اللقاحات منذ عام 1796، ويقوم مبدأ التلقيح ببساطة على حقن جسدك بأشكال أضعف من الفيروس المُراد، أو بأشكال غير نشطة (مقتولة)، وذلك لتحفيز الجهاز المناعي للتعرّف على هذا الكائن ومواجهته بقوة أكبر إذا قام باختراق جسدك فيما بعد.

مضادات الفيروسات، على الجانب الآخر، تؤخذ بعد الإصابة بالفيروس بالفعل وذلك لأنها تستهدف ميكانيزمات الانقسام عند الفيروس فتوقفها أو تضعفها. بذلك الشكل، مضاد الفيروس سوف يقلل فترة مرضك أو يقلل من حدته.

في أحيان كثيرة، تصبح اللقاحات ومضادات الفيروسات على حد سواء غير مفيدة تمامًا، وذلك لنفس السبب: سرعة تطور الفيروس. الأمر أشبه بأن تبتكر سلاحًا يستهدف خصائص واضحة في هدفك، ثم فجأة وبدون أي تحذيرات، يصنع هدفك لنفسه خصائص جديدة تمامًا تضطرك أن تجلس وتعيد تركيب سلاحك من جديد. هذا بالضبط ما تفعله الفيروسات مع الإنسان.

الآن وقد أصبح لديك فكرة مجمعة عن ماهية الفيروسات، دعنا إذًا نتحدث عن «كورونا».

كورونا: اعرف عدوك

كورونا هي عائلة من سبع فيروسات تصيب الإنسان، اكتُشف أولها في ستينيات القرن الماضي. انضمام مجموعة من الفيروسات لعائلة واحدة يعني أن تلك الفيروسات تتشابه فيما بينها في خصائص محددة، مثل تشابه الهيئة، التركيب، أو طريقة التضاعف. عائلة كورونا، على سبيل المثال، تضم فيروسات تتشابه فيما بينها في خصائص البروتينات المكوّنة لسطح الفيروس.

تلك العائلة ليست حسنة السمعة عند البشر، فهي نفس العائلة التي يأتي منها السارس (SARS)، الوباء الذي ظهر عام 2003 وقتل حوالي 774 شخصًا من أصل 8098 مصابًا. وهي أيضًا نفس العائلة التي يأتي منها فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، الوباء الذي ظهر عام 2012 وقتل 858 شخصًا من أصل 2494 أصيبوا به. وبما أن تلك الفيروسات تنضم لعائلة واحدة، فإنها تستهدف نفس الجهاز بداخل الإنسان؛ الجهاز التنفسي. لذلك تتشابه الأعراض التي تسببها إلى حد كبير.

ربما تسألون الآن: ما المختلف في الفيروس المُكتَشَف منذ أيام؟ حسنًا، المختلف هو أنه «مُكتشف منذ أيام». ظهور فيروس جديد يعني أننا بحاجة للقاحات ومضادات جديدة، ويعني أيضًا أننا بحاجة إلى السيطرة على السبب لمنع انتشار العدوى. ذلك كله يحتاج منا وقتًا لدراسة الفيروس وخصائصه ومسبباته. إن كنا لا نعرف كل هذا، فإننا ببساطة لا نستطيع مواجهة الفيروس. تخيل أنك تحارب عدوًا لا تعرف عنه شيئًا. حينها تصبح أفضل اختياراتك أن تطلق سلاحك في الهواء آملًا أن يصيبه.

يمكن لبعض من فصائل كورونا العبور من الحيوانات للبشر، مثل سارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، والفيروس الذي يحيرنا الآن. يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من المشكلة يكمن في عدم معرفة الكائن الذي انتقلت منه العدوى، ما يعني أنه ما زال محتفظًا بدوره كمسبب للعدوى، وهو ما يعني بالطبع مزيدًا من الانتشار.

لا تفزع

سجّل هذا الفيروس حتى الآن نسبة وفيات تقارب 2.3%، وهي نسبة أقل بكثير من إخوانه من نفس العائلة، مثل السارس الذي سجّل نسبة وفيات قاربت 11%، أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية الذي سجّل نسبة وفيات قاربت 35%.

لكن هذا لا يعني أن الفيروس تافه. للعلماء طريقة لتحديد خطورة الفيروس، وإن كان فيروس ما سريع الانتقال بين البشر. حتى بنسبة وفيات بسيطة، فإنه يُعتبر خطيرًا بالفعل. لنأخذ الأمر بالتدريج: فمثلًا 2% إحصائيًا تعني أن شخصين من بين كل مائة مصاب يموتون. إن أصاب الفيروس مائتي شخص، سيموت أربعة، وإن أصاب ألفًا سيموت عشرون. ماذا إن أصاب مليونًا؟ يعني هذا موت عشرين ألفًا. لذلك يمكن أن يكون فيروس ما خطيرًا حتى وإن كان مصحوبًا بنسبة وفيات قليلة.

لحسن الحظ، بالرغم من أن فيروس كورونا الجديد سريع الانتشار بين البشر بالفعل، إلا أنه لا يتبع تلك الإحصائيات في حالات الوفاة الناتجة. حتى 25 فبراير، أُصيب 80 ألف و142 شخصًا حول العالم، توفي منهم 2698 شخصًا.  

إضافة إلى ذلك، ما وصل إلينا حتى اللحظة يفيد أن معظم حالات الوفاة التي سببها الفيروس كانت 80% منها لأشخاص طاعنين في السن، و75% منها لأشخاص لديهم أمراض أخرى خطيرة بالفعل. يسمون هؤلاء في الطب منقوصي المناعة، ويعني ذلك أن جهازهم المناعي غير قادر على العمل بصورة سليمة، وبالتالي غير قادر على حمايتهم بالشكل المطلوب.

على الجانب الآخر، يبدو أن الفيروس وجد طريقه بقوة خارج الصين. فحتى 21 فبراير، أفادت منظمة الصحة العالمية عن وجود الفيروس في 33 دولة غير الصين. 

بما أن هذا الفيروس يهاجم الجهاز التنفسي، فإن حمايتك لنفسك تتطلّب حماية جهازك التنفسي من رذاذ الأفراد المصابين. هذا يعني ارتداء الأقنعة وعدم الاقتراب من شخص مصاب وغسل يديك باستمرار لأنها قد تكون ملوثة بالفيروس من شخص مصاب دون علمك. هذا ما نعرفه حتى الآن عن أفضل ما يمكن فعله لحماية نفسك من العدوى. أما عن الأعراض، نجد أن الأكثر شيوعًا هي الحمّى، والسعال، وضيق النفس. إذا شعرتَ بأيٍ من تلك الأعراض بعد عودتك من السفر أو تعاملك مع شخص عائد من السفر خاصةً من الصين، توصيك منظمة الصحة العالمية أن تذهب فورًا إلى الطبيب. صحيح أننا لم نكتشف علاجًا للفيروس بعد، لكن الطبيب سيصف لك علاجًا يخفف من حدة الأعراض. في أسوأ الأحوال إذا كانت أعراضك سببها الفيروس، فزيارتك الفورية للطبيب تعني احتواء العدوى التي قد تسببها لأسرتك أو أصدقائك. 

أما إذا عانيت تلك الأعراض دون وجود تاريخ للسفر، سيتوجب عليك البقاء في المنزل قدر المستطاع والانعزال عن بقية أفراد أسرتك، مع توجّب اتباع العادات الصحية مثل تغطية الفم بمنديل أثناء السعال أو العطس والتخلص منه على الفور، غسل الأيدي باستمرار، وعدم لمس الأسطح بأيادي ملوّثة أو على الأقل تعقيمها في حالة اللمس. 

هذا كل شيء إلى الآن. نصيحتي لك ألا تهلع الآن. ربما من الأفضل أن تؤجل ذلك للغد.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن