ما الذي تقوله «خناقة» المهرجانات عنّا؟

لو كان الأمر أمري لسميت هذا المقال «يادي يادي المشاعر ياه ياه ياه»، لكني لن أفعل ذلك بالطبع لأسباب لا تخفى على القارئ اللبيب. لكن واقع الأمر هو في الحقيقة «يادي يادي المشاعر ياه ياه» بالفعل، وسأخبرك عزيزي القارئ لماذا تحديدًا.

أمس، نشر «مدى مصر» مقالًا ساخرًا كتبه الزميل شارل عقل يحلل فيه خطاب أحد ألبومات النقيب الفنان هاني شاكر. ما لفت انتباهي كان التعليقات الغاضبة على المقال، الذي لم يأتِ على سيرة المهرجانات بالمناسبة. اعتبر أحد المعلقين أن المقال مساهمة من «مدى مصر» في الجدل السائد حول صراع نقابة المهن الموسيقية متمثلة في نقيبها هاني شاكر مع موسيقى المهرجانات متمثلة في أقطابها الحاليين -الذين ساهم هذا الصراع في تكريسهم أقطابًا بالأساس- حمو بيكا ومجدي شطة وحسن شاكوش، لصالح الأخيرين ربما. فيما أورد معلق آخر الكلمات التالية من مهرجان (البانتي البمبي) لحمو بيكا، وهي أغنية مسحها بيكا بعد هجوم عليه، من قناة يوتيوب الخاصة به:

«ليك بانتي عاوز جوانتي
في السانتي يدخل بشفه.. نسوان ذئب وسو.. وبيبع الحب ليلاتي
تعبانه من تحت السره.. أول ما بيطلع بره.. يندهلي يقول يفلاتي
في الاتوبيس رايح شغلي.. بنوتة في النص بتغلي.. وفيه شاب راشق بفتيلة حيحان وفي جيبه لمونة
اتاريني في وسط خلية والبت دي مستحلية.. يا بنات راضعين علوقية
الواد في الركن فرمها
في الأرض أنا بضرب عشرة.. الأنثى دى قدامي حشرة»

هناك عدة نقاط في اللقطة -والصراع كله من ورائها- تستحق منا المراجعة والتأمل. 

في البدء يجب أن نسأل مَن تمثل نقابة المهن الموسيقية في هذا الصراع؟ الإجابة بسيطة: بعض مزاولي المهن الموسيقية. لسنوات ظلت النقابات الفنية في مصر تحت رحمة أولئك المرضي عنهم أمنيًا. ما حدث في نقابة المهن السينمائية معروفًا، بل ووثق منه يوسف شاهين جانبًا في رائعته «إسكندرية كمان وكمان»، ولا أحسب أن الأمر كان مختلفًا في نقابة المهن الموسيقية. 

أسباب ارتباط أجيال من الموسيقيين المصريين بالدولة معروفة وقديمة، لكن مع تضاؤل دور الدولة في رعاية المواهب، وتحلل سيطرتها الخطابية على المجال العام، وظهور منافذ أخرى للوصول إلى المزاج العام، بدايةً من ظهور الكاسيت وبزوغ نجم أحمد عدوية، تضاءلت كذلك قدرة تلك النقابات على اجتذاب قواعد عضوية من الأجيال الأصغر، التي وجدت لنفسها مجالًا للتواجد لا تحكمه كارنيهات أعضاء النقابة. نحن الآن في هذه اللحظة من الزمن، حيث يمكن لأي من كان الوصول إلى جمهور والسطوع من خلال التواجد في إعلانات، لا يهتم أصحابها إن كان نجمهم عضوًا في أي شيء، بقدر ما يهمها عدد الفانز والشير واللايك.

في هذه اللحظة يمثل النقيب المصالح المباشرة لأعضاء نقابته، الذين ينزفون جماهيريًا، ويتقلص حضورهم في الميديا. يظن أعضاء النقابة أن بإمكانهم خنق مجالات ترسخت، وأصبحت من حقائق عالمنا، والعودة بالمشهد الموسيقي في مصر إلى تلك الأزمنة المريحة الكسولة.. لليالي أضواء التليفزيون، وسوق الكاسيت في الثمانينيات، وجمهور أطيب وأكثر وداعة. لن نستطيع اقتحام الإنترنت، إذًا فلنقتل الإنترنت. 

حرب عبثية، لكنها ضرورية لاعتبارات البقاء. على النقيب أن يقنع قاعدة مصوتيه أنه يمثل مصالحهم في حرب يعلم أنه لن يكسبها، لكن لا بأس من المحاولة، حتى لو لم يكن بإمكاننا إخبار أحد بالأغراض الحقيقية لهذه الحرب. من سيتعاطف مع حفنة من المغنيّن الذين تجاوزهم الزمن؟ سنحتاج إلى شعارات أكبر تجمع حولنا أعدادًا أكبر من المؤيدين.

الشيطنة أمر سهل. أن تصنع كيانًا متخيلًا يسمى موسيقى المهرجانات، وأن تصطاد منه نقائصه، وأن تعممها لتدمغ بها كل شيء. لم تثر ثائرة النقابة من أجل كلمات أغنية حمو بيكا السابق ذكرها، ببساطة لأن أحدًا لا يعرفها. لن يتداول أحد -سوى مراهق غاضب على الأغلب- مثل هذه الأغنية، لأن شخصًا في محيط اجتماعي عادي -عائلي كان أو مهني أو حتى على مستويات نوادي القراءة- حتى وإن أعجبته الأغنية سيتحرج من مشاركة هذا الهبل. 

فيما يتذرع البعض بأن كلمات أغنية شاكوش المذكورة: «تسيبيني أكره حياتي وسنيني وأشرب خمور وحشيش» مسفة. وهو في رأيي أمر غريب لأن الرجل يرهن مصيره بحب محبوبته له بمصطلحات عالمه، مسألة قد لا تكون متزنة تمامًا في رأيي الشخصي، لكنها صادرة عن قلب محب بكل تأكيد، فجميعنا يعلم أن النقابة لم تتحرك وتشن هذه الحرب لا لشيء سوى أن «بنت الجيران» كسّرت –عن شيء غير قليل من الاستحقاق- الإنترنت.

لكن سبق العذل السيف، وسبقت السلحفاة الأرنب، وسبق غضب الأفندية عقلهم وضميرهم. ترتفع الآن الأصوات –على الأقل في التعليقات على مقال الزميل السابق الإشارة إليه- مؤيدة للنقابة في حربها ومطالبة بمنع موسيقى المهرجانات. لم؟ لأن «نهار اسود على اغاني المهرجانات وسفالتها والناس بتسمع الكلام المتدني دة وبتردده!! واحنا بنقول التحرش كتر ليه في المجتمع؟!!» كما ردت معلقة كريمة على كلمات أغنية بيكا، وهو منطق إن تأملناه لا يختلف كثيرًا عن منطق بيان لمجموعة «نسوية» أتى فيه التالي: «عليه فالمهرجانات ليست فن أصلًا وإنما هي سموم للعقول المتلقية الضعيفة في المحاكمة فهل لا زال هناك مدافعين عن هذه الطبقة التي تدعي بأنها وديعة وجميلة وهدفها إسعاد الشباب؟ هل لا زال هناك من سيقول أنهم مظلومون في قرار منعهم عن الغناء؟ حقيقةً ليتهم يمنعوا عن الكلام كلّه أو لعلّهم يُنفون إلى جزيرة خالية يمارسون عليها فنّهم وأفعالهم الدنيئة دون رقابة». اقتلوا المهرجانات أو اطرحوها أرضًا إذًا.

على الناحية الأخرى، يثير غيظ الأفندية -القطاعات ذات الأمزجة السلطوية من الطبقة الوسطى المصرية- ويأسهم في واقع الأمر، نشوة قطاعات غير قليلة كذلك من الأجيال التي قادت الحراك في يناير 2011 والأجيال التي تلتها في الجنوح عن المزاج السلطوي في مصر، والتي تجد في نفسها نقمة غير هينة تجاه الأفندية الذين قادوا جموع الشعب المصري -في خيانة كبيرة لدورهم التاريخي- لتصديق أن هناك جهازًا يحول فيروس الإيدز إلى صباع كفتة يتغذى عليه المريض، لا لشيء سوى أن قائل هذا الكلام يحمل رتبة في الجيش. 

تصرف تلك النشوة بالتالي مثقفي تلك القطاعات من النقاد والمعلقين -بكثير من التعميم من جانبي وباحتسابي من ضمنهم- عن مهمتهم هم في الكتابة والنقد لمحاولة فهم هذا المنتج الثقافي الهام الصادر عن مجتمعهم، والذي يحظى بشعبية كبيرة بين المنتمين له حتى من بين أوساطهم هم. ليتحول الأمر في النهاية لمعركة أهلي وزمالك حمقاء أخرى، حيث يهاجم بعض الناس المهرجانات من باب التوهم وانعدام الفهم العميق لسياقها ولسر جاذبيتها ونجاحها، ولاعتبارات كنس التراب تحت السجادة، في حين يدافع آخرون عن المهرجانات نكاية في الأولين دون السعي لفهم أعمق لهذا الذي يدافعون عنه، أو أسباب ضيق الطرف الآخر -المحق في جوانب منه والمخطئ في جوانب أخرى- بهذا النوع من الموسيقى.

أعيد مشاهدة المسلسل الأمريكي «آل سوبرانو» هذه الأيام. يتناول المسلسل قطاعًا من حياة زعيم المافيا توني سوبرانو الذي تودي به نوبات فزع متكررة إلى مراجعة طبيبة نفسية في الحلقة الأولى من المسلسل، ليبدأ سؤال المسلسل الدرامي؛ هل توجد حياة فاضلة في الخطأ؟ في أحد الخطوط الدرامية يُظهر الابن الأصغر لتوني أعراض اضطرابات مراهقة تدفعه إلى نوبات غضب وتخريب مستمرة. تحت ضغط من كارميلا -الزوجة- يتفتق ذهن توني عن الحل السحري، المزيد من الانضباط، فلنحجب أفعاله ونرسله لمدرسة بنين عسكرية. هناك، لن يتجرأ على إثارة المتاعب. لا يوقف تلك الخطة سوى إصابة الابن ذاته بنوبة فزع شديدة الوطأة، بينما تتراكم المزيد والمزيد من المتاعب المستقبلية التي لا تجد لها حلاً جذريًا، لأن أزمتها الفعلية ليست في وجودها وإنما في مسبباتها.

لا يخفى على أحد الأزمات العنيفة التي تجتاح المجتمع المصري، لكن لا يخفى على أحد أيضًا جذوره وأسبابه الحقيقية. الجميع يخشى تكلفة التغيير بعد الدرس القاسي -لأسباب معقدة- لـ2011 وما تلاها، الوحيدون الذين لا يخشون التكلفة يرجُّون أساسات هذا المجتمع من جذورها، عن وعي أحيانًا، لكن في أغلب الوقت عن غضب. غضب مسترسل وحقيقي وغير منضبط نشعر به حولنا يدفع فئات غير قليلة من إخواننا وبنينا وأهلنا إلى التحلل من أي رابطة ممكنة. الاغتراب يتفشى ويخيفنا. أن يلقي أحدهم بكلمات مثل هذه -وأن يستقبلها آخر بحماس مماثل- يعني أنه لا يعبأ بصورته لدى أحد، لا يعبأ بالكيفية التي يراه بها الناس من حوله. بل وقد يستخدمها -واعيًا أو غير واعٍ- لصدمهم وتعنيفهم والتنكيل بهم. احتقار وكراهية متبادلين ولا يبدو أن أحدًا يفهم.

ما يرغب أبناء طبقتنا -أبناء شعبنا في عمومهم- في تفادي التفكير فيه هو السؤال التالي: هل نرى أنفسنا حقاً؟ لم نطالب الناس بالامتثال لقيمنا فيم لا نقدم لهم -ولأنفسنا- سوى الإنكار المستمر؟ هل يزعج الطبقة الوسطى أكثر أن يعبر أحدهم عن هذه المشاعر العنيفة، أم أن هذا البلد دفع أبناءه إلى مراكمة هذه المشاعر والتلذذ بها؟ القمع لن يدفع سوى للشيء الذي ترغبه هذه الطبقة بشدة. أن تنزاح مرآتها من أمام عينيها بأسرع طريقة ممكنة. المشكلة لا تهم بقدر ما يهم نجاح محاولاتنا المستمرة في الهرب.

للجميع أقول: بالتوفيق 

لن يهرب أحد سوى أولئك الذين راكموا من الثراء والعلم ورأس المال الاجتماعي ما يمكنهم من الهرب، أو أولئك اليائسين الملقين بأنفسهم في أحضان البحر. أما نحن الباقون فلا مهرب لنا من أنفسنا. لا أقول ذلك دفاعًا عن انحطاط كلمات أغنية بيكا المذكورة أعلاه -والتي هي تعبير عن مشاعر شديدة العدوانية تجاه الإناث يمكن الاستفاضة مطولًا في تحليله وما يقوله بالفعل عن كاتبها ومغنيها وسامعها- ولكن أقول ذلك حثًا لأولئك الذين يستنكرونها على النظر فيما قدموا لتغيير هذا الواقع الذي ينتج مثل هذه المشاعر؛ على فهم الحكمة الأقدم في العالم: السلطة لا تصلح ما يفسد في النفوس. أين يقع الإشكال حقًا؟ في قول أحدهم في أغنية محدودة  الانتشار أن الإناث حشرات، أم أن بالفعل هناك الملايين من الناس في هذا البلد ينظرون في وجوه بعضهم البعض يوميًا ولا يفكرون سوى في كون الآخرين حشرات؟ بعد أعوام من القمع وتهميش الفئات الاجتماعية الأقل حظًا والإفقار والعبث السلطوي بتركيبات أحيائنا ومدننا ذاتها يحق لنا أن نسأل، نسأل على الأقل، هل أكبر مشاكلنا حقًا هي المهرجانات؟

اعلان
 
 
محمد الحاج 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن