لماذا يكتب القدر لأمير الأحزان كل هذه النساء الخائنات؟
 
 

«عودوني عودوني عليك أحبك، عودوني وعلموني هواك»، أو أيًا كان ما يعنيه هذا المطلع الذي كرره الجميع وراء نجم الموسم. العام هو 1998، عام جرى اختياره عشوائيًا لتقييم تجربة هاني شاكر الموسيقية في سياقها، فالعام يتوسط تقريبًا مشواره الفني الذي بدأ في عام 1978 ولا يبدو أنه قد انتهى بعد أو سوف ينتهي قريبًا. في هذا العام، تقفز شعبية محمد فؤاد بعد شهرة متزايدة ببطء طوال عشر سنوات فجأة بشكل صاروخي مع ألبوم «الحب الحقيقي»، ومعاصر هذه المرحلة سوف يتذكر بالتأكيد الصفارة المميزة لأغنية «كداب» تبزغ كل عشر دقائق في الشارع. تظهر أول بوادر دخول السوق اللبنانية عالم شريط الكاسيت بألبومين لنانسي عجرم وباسكال مشعلاني، وجواهر تصدر أغنيتها الأكثر شهرة، «حمادة».

 وبعيدًا عن البصر والسمع، وبين كل هذا الزخم الصوتي، وعرس الانفتاح والعولمة الذي اجتاح التليفزيونات والراديو وبرنامج «بانوراما فرنسية» و«العالم يغني»، أصدر هاني شاكر ألبوم «تخسري». حقيقة، وحتى في قمة زهو المطرب الفنان «أمير الأحزان»، لم أسمع أبدًا بهذا الألبوم، بل لم أعرف في حياتي مطلقًا أحدًا يحب الاستماع لهاني شاكر، لا من باب الترويش، ولا من باب الفضول، ولا حتى من باب حب النكد وتعذيب النفس. وليس ذلك دليلًا على قلة جمهور الفنان، ولكنه، على الأقل، دليل على انفصال جيلنا عن موسيقاه بالكامل منذ اللحظة الأولى.

يتصدر ألبوم الموسم «تخسري» للمطرب الشاب حينها هاني شاكر، أغنية «أدفعلك عمري». وهي تنويع على أسلوب النحيب، الذي سبق أن قدّمه هاني شاكر مرة على رتم المقسوم، ومرة على الصعيدي، في عدة ألبومات سابقة سمعنا بعضًا منها طشاشًا. يعلن شاكر من البداية أنه لن يقدّم أي جديد؛ العقد الاجتماعي الذي يجيد إبرازه من خلال عنوان ألبومه وعناوين أغانيه وصورة الغلاف المعتادة، حتى يخفض تمامًا من تطلعات مستمعه إلى الصفر. لا يكتفي هاني شاكر بجلب «الموتيفات» المتكررة ويحاول أن يعيد تركيبها في جمل جديدة، ولكنه يأخذ جملًا محفوظة بالكامل وبدون أي تنويع.

/أدفع لك عمري يا عمري، عيونك قمري يا قمري، لو يرجع بسنيني زماني انا كنت احبك من ثاني/

ربما لم يتناه إلى سمعنا أي أخبار عن الألبوم، سوى مطلع كلمات أغنية الألبوم الثانية، والذي كان يستخدمه البعض في تنكيت يبدو أنه لم يكن مقصودًا في الكلمات الأصلية، وبدا لأصدقائنا الأكبر سنًا دلالة أخرى لعنوان الأغنية لم نفهمها حينها. يقول في الأغنية:

«أنا بتاخد منك أنا بتشد لغيرك

ايوة أنا بخرج منك، بدخل عالم غيرك

ببعد غصب عني، وبودع لياليكي»

الكلمات الانهزامية لم تكشف لنا إلا عن شخص لا يكف عن الشكوى ولوم القدر، ويصور نفسه كأنه مسلوب الإرادة أمام تقلبات الدهر وأمر الهوى، فالحب هو من يأخذه ويعيده، هو من رماه على حبيبه الأول، وهو مبرره للرحيل إلى حبيب آخر، وعن تصرفه بخسة ونذالة، فيخون ثقة حبيبه الأول ومحبته ويغرق في حب شخص ثانٍ. هذا بينما تغني سميرة سعيد بقوة نسائية متفجرة ذلك العام: «عالبال ياعيني حبك حبك على بالي، لو لام عليا قلبك ما يلوم وأنا مالي».

يتعجب «كاهن الأحزان» في محرابه من سخط محبوبه القديم من انصراف الأمير لمحبوب جديد، ويستكثر عليه حتى الحزن أو الدهشة، حيث إن رحيله كان متوقعًا. «ليه، بتبان أحزاني بملامحك- أنا مش بايعك، أنا مش جارحك». وفي المقابل لم يذكر خلال لطمية الست دقائق سببًا واحدًا يدفعه للتخلي عن حبيبه الأول ليذهب للثاني سوى إنه «بيتاخد» (مبني للمجهول)!

يعيش شاكر في أغنية «أنا زيك حبيتها» دور الضحية، الدور المفضل له، ويستخف بطريقة صبيانية بحبيبته الخائنة كالعادة، ويحذر حبيبها الجديد منها. يعلل شاكر شكواه وجرحه ورحيل محبوبته بأن طبعها هو الخيانة في العموم وفي المطلق، وليس لأي نقص أو عيب في شخصه، ولم يفترض في أي لحظة أنها ربما لم تطق معاشرته أو ربما أنها تستتقل دمه، بل أن الخديعة واللعب بولاد الناس هي لعبتها وحرفتها، وسوف تخون من ترتبط به بعده كما خانته. وعلى مدار سبع دقائق تقريبًا لا يكف الفنان الشاب عن النبر والبكاء على الأطلال، والوقيعة والدسيسة بين حبيبته السابقة ورفيقها الحالي. كما تتكرر شكوى هاني من هجران حبيبته الخائنة في أكثر من نصف مقطوعات هذا الألبوم.

 

بالطبع يغيب عن الألبوم أي أغاني ذات موضوعات بعيدة عن موضوعات الحب والهجر، أو الألحان تختلف عن صنف اللطميات. مافيش أغنية لمصر، أغنية للعروبة والانتفاضة والقدس، أغنية للطفل، أغنية غربة وغرابة كما كانت موضة أبناء هذا الجيل إذا ابتغوا الشكل البديل. أغنية لمسقط رأسك، أغنية للحنين، أغنية لأمك يا أخي.

لا داعِ طبعًا من الإكثار في ضرب الأمثلة والنماذج لسوء الأغاني وتنويعها على موضوع واحد، أو تكرار الإشارة إلى الجمل الغنائية المستهلكة والخالية من أي تجديد في النغمة أو الكلمة أو الأداء بطول الألبوم. وهي كلها عيوب وإن كانت متكررة لدى كثير من أبناء هذا الجيل، حتى لم يعد يلحظها أحد، ولكن كما سمح هاني شاكر لنفسه تقييم الموسيقى المعاصرة بمعايير الأمس، فلم لا نحلل موسيقاه أيضًا بمعايير معاصرة، حيث يعد محتواها اليوم متحيزًا وخلافيًا. هاني شاكر مثلًا- وفي لحظة مستقطعة من التنكيل بحبيبته الخائنة على مدار الألبوم- يغنّي «في عز ما كنت خاين» يكشف فيها جزءًا من جرمه الخاص.

«في عز ما كنت خاين وضميري نام وسابني

أيام ما عشقت نفسي وغرور الدنيا صابني

في عز ما كنت جارح لقيت قلبك مسامح

في عز ما كنت رايح إخلاصك ليا جابني»

ولكنه بقدر ما تكشف لنا هذه الأغنية عن شخصية هاني شاكر اللعوب وطبعه الخائن مثل من تكرر أن يشكو منهن، إلا أن ميزة الأغنية الأهم أنها تكشف كذلك ما ينتظره من المرأة ودورها في حياته. فالمرأة المثالية من وجهة نظر «أمير الأحزان» كما يغني لها في الأغنية، هي من سوف تنتظره حتى يهنأ من خيانته، وتتقبله عائدًا بصدر رحب، تصالحه وتسامحه وتربت على رأسه، بل وتجيد إخفاء عذابها ودموعها، عوضًا عن أي لوم وعتاب ليس له خُلق بمواجهته. فالرجل بالطبع له حق التلاعب والغرور بينما حبيبته المثالية تظل مخلصة له وإلا كانت خاينة ولعوب وخطّافة رجالة.

هاني شاكر الذي يصور نفسه كشخص مرهف الحساسية ويعاني الأمرين من صنف واحد من النساء الخائنات اللاتي يضعهن القدر في طريقه، يلبي بدقة ووعي، متطلبات سوقه من المستمعين الذكور، الذين يدعون الحساسية مثله، بينما هي حساسية الفرد تجاه نفسه وتمركز اهتمامه حول ذاته ومتطلباتها فقط، وليست حساسية تجاه الآخر ومشاعره. خيانة المرأة واجبة الفضح، وخيانته جديرة بالتفهم والقبول والتدليل. لا تفيض تلك الحساسية لكي تبرِز للمستمعين مشاعر مطمرة، ولا تضعهم أمام أنفسهم في وضع المساءلة والتفكير، ولا تدفعهم لاستكشاف مناطق مخبوءة من أنفسهم، بل تساير نزوات جمهوره السطحية المعتادة، وتؤكد على نفس قناعاتهم البائدة. وهو كما يتلاعب بنفس ألحان ومفردات وصورة الماضي، فهو يربت كذلك على جيل مخدر بتعليم الماضي يأبي مراجعة نفسه.

«من مشوار حياتي فاضل قد إيه

خليك يا حياتي دايمًا جنبي فيه

عايزك تبقى معايا أنت وبس كفاية

أي طريق همشيه يا حبيبي محتاج لك ويايا»

ليس غريبًا بالتالي على قاموس هاني شاكر ومفرداته هذه الكلمات المتحيزة جندريًا، حتى في أكثر مقطوعات الألبوم فرحًا وصهللة. قد يخفى على هاني شاكر وأبناء جيله ومحبيه معانيها المستترة، ولكن أي مستمع واعِ اليوم سوف يشعر بنبرة غير مريحة في هذه الكلمات، وكان بالأولى على مؤديها أن يحللها ويعي معناها ويتفهم جيدًا ما يقوله وما يرسخه من مفاهيم رجعية. فالمشوار في أغنية «أمير الأحزان» هو مشواره «وحده»، وعلى حبيبه أن يظل بجانبه، ولا توضع رغبة الحبيب في الحسبان، أو افتراض أن لديه حياة خاصة وطموحات مستقلة. على الحبيب أن يكون مُمتنًا إذا أحبه «أمير الأحزان» وحده واصطفاه، وعليه أن يلبث بجانبه في أي طريق يقرر أن يمشيه. حقيقة لا أتعجب مع تكرار تلك النبرة الاستعلائية على حبيبته، انصراف النساء عن صحبة «أمير الأحزان»، وخيانتهم الدائمة والمتكررة لشخصه، مُحملًا بكل هذه الحساسيات وشعوره بالاستحقاق غير المبرر، وتكراره للتصريحات الذكورية الجامدة العتيقة حتى بالمقارنة بقاموس مفردات الغناء لمحيطيه في نفس العام.

يكلّل هاني هذه العلاقة المشحونة بمحبوبته بالمقطوعة الأخيرة صاحبة عنوان الألبوم «تخسري»، ليتوج نفسه فائزًا في معركة لم يُتح للطرف الآخر إبداء رأي فيها. هو وحده الذي يكتب السطر الأخير وهو يقرر قوانينها والفائز بها.

«تخسري وأنا هبتدي أكتب السطر الأخير

سيبي قلبي وابعدي، وحدي مش حاخسر كثير

إنما إنتي حتخسري، تخسري حبي الحقيقي

ابعدي لو تقدري عن هوايا وعن طريقي»

في نفس العام، أطلت أنوشكا على القناة الأولى، تشكو حبيبها بطيء الإدراك، قليل التأثير، ضعيف الفهم، تهجوه بابتسامة صبوح على وجهها، وترقص على إيقاع شرقي طروب رقصة مرحة خرقاء في أغنية «على بال ما يدق قلبك»، لتثبت أن ثقل ذلك الحبيب لن يوقف انطلاقها وسعادتها وبحثها عن حب جديد. ويظل أمير الأحزان ينعي حبه الحقيقي الذي لم يقدره أحد.

ليس من حق أمير الأحزان أن يكون الحَكم في تقييم حبه شخصيًا، فالتقييم هو أقل حق لمحبوبه المُتخيَّل ولمستمعيه. حب أمير الأحزان ليس حبًا حقيقيًا كما يدعي، بل شعورًا أنانيًا متجاهلًا للآخر، ليس مكتسبًا قيمًا يسعى لاستحقاقه أحد ويتبارى عليه المحبون، حساسيته المفرطة وشعوره الدائم بالظلم والخيانة من محيطيه لا يستندوا سوى على تصور كاذب بالاستحقاق.

 وبعد كل ذلك فأمير الأحزان خاسر سيء، يتظاهر بالانتصار في النهاية. أمير الأحزان لن يرضى بالخسارة ولن يعترف بها، كطفل مدلل سوف يكابر حتى آخر لحظة، سوف ينعت الآخر بالخسارة، يهدد بسلطة يتصور أنه يملكها، وهو لا يمتلك سوى التصريحات الجوفاء والإهانات لمحبوب رحل عنه منذ زمن طويل.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن