هل تكره الدولة القاهرة؟ (2)

كنا قد ناقشنا في الجزء الأول من هذا المقال علاقة السلطة المتوترة مع القاهرة منذ عهد الرئيس السادات وحتى الآن، متوقفين عند أبرز محطات هذا التوتر في العقد الأخير، ألا وهي ثورة يناير. في هذا الجزء نناقش بشكل أكثر استفاضة ما يمكن أن يسمى «بالدكتاتورية العمرانية».

والشاهد أن التلاعب بالتخطيط العمراني، بحيث تصير قراراته مدفوعة باعتبارات سياسية، أمر شائع في الأنظمة السلطوية، ولا عجب في ذلك. ففي تلك الأنظمة كل شيء -من السياسة للاقتصاد ومن الرياضة للفن- يخضع في التحليل الأخير لمنطق وضرورات السلطة. يركز هذا التخطيط عادة على المدن اعتمادًا على حقيقة أنه في المدن الكبرى، وبالتحديد من ميادينها الرئيسية، تخرج الثورات ويسقط الطغاة. في العقدين الماضيين تحديدًا، بزغت ثورات الميدان في أكثر من مكان على وجه البسيطة، لتدق ناقوس النهاية في قصة حكام فقدوا شرعياتهم. الأمثلة كثيرة، منها ميدان الاستقلال بكييف (أوكرانيا) وميدان الحرية في تبيلسي (جورجيا) وميدان ألا-تو في بشكيك (قيرغستان)، وبالطبع أكثر الميادين الثورية بهاءً، أي ميدان التحرير في القاهرة.

لوأد مصير كهذا، تلجأ الأنظمة السلطوية لأساليب مختلفة من الدكتاتورية العمرانية. هناك مثلاً حالة إعادة تخطيط العاصمة الفرنسية باريس في منتصف القرن التاسع عشر بشكل استهدف الحد من تجدد الاحتجاجات فيها، والتي اندلعت في عدة مناسبات منذ الثورة الأم في عام 1789. هناك أيضًا قرار الجنرال الفاشي صعب المراس فرانكو، بنقل مقر جامعة برشلونة، وكانت معقل حركة طلابية نشطة في مناوئتها للفاشية، إلى مكان آخر بعيد. وهناك النزعة إلى الإمعان في التعظيم والتفخيم الذي يعتمد في تصميم المدن الكبرى على المساحات بالغة الاتساع، والتي تقام فيها الاحتفالات العامة والعروض العسكرية المهيبة، كما في الصين وكوريا الشمالية. في تلك المدن المترامية ذات الشوارع الشاسعة والميادين بالغة الضخامة، يشعر المواطن بضآلته أمام جبروت وهيمنة الدولة، وتضعف دوافع الاحتجاج لديه، حيث يبقى شكل أي تجمع بشري صغير مهما كبر بالقياس إلى اتساع المكان (مثلًا، بعض الشوارع في عاصمة بورما الجديدة تتكون من ما يربو على العشرين حارة مرورية، فيما تخلو المدينة من الميادين). في إطار كهذا، سلطوي وكافكاوي في آن، يبقى الفرد فردًا، وحيدًا ومنعزلًا، مجرد نواة صغيرة في خضم اللُّجُّ الواسع، لا جزءًا فعالًا من مجموع أكبر، يتفاعل معه ويشارك في تشكيله. 

وبرغم الضجيج الإعلامي والشعبي المصاحب لقرار بناء العاصمة الإدارية الجديدة، لم ينتبه أحد في مصر تقريبًا إلى نموذج ميانمار (أو ما كان يعرف ببورما حتى عام 1989) رغم التشابه الكبير بين الحالتين. ففي عام 2005، ودون سابق إنذار أو تمهيد، قررت النخبة العسكرية الحاكمة في ميانمار نقل العاصمة من يانجون إلى نايبيداو التي تبعد عنها بمئات الكيلومترات بدون تقديم أي تفسير رسمي. تكلفت العاصمة الجديدة مليارات الدولارات في الوقت الذي بلغ فيه متوسط الدخل السنوي في البلاد حوالي 280 دولار فقط. وفيما يبلغ عدد سكان يانجون نحو سبعة ملايين نسمة، وهي أكبر مدن البلاد وأكثرها نبضًا بالحياة، فإن العاصمة الجديدة الواقعة في قلب صحراء قاحلة لا يقطنها أكثر من مئات الآلاف، أغلبهم من موظفي الحكومة ورجال الأمن. وحين هزت ثورة الزعفران في 2007 أركان النظام الحاكم، بقيت العاصمة الجديدة، الخالية على عروشها تقريبًا، هادئة لا يعكر صفوها شيء. زاد هذا من حدة التكهن بأن القرار لم يكن له دافعًا سوى أسباب تتعلق بأمن النظام، خاصة في ظل انخفاض شرعية النخبة الحاكمة وتخوفها منذ ثورة عام 1988 الشهيرة من تجدد الثورة عليها.

وللسلطة في مصر سجل ممتد من محاولات تنظيم العمران والفضاء العام بشكل يخدم مراميها السياسية والاقتصادية. من تاريخنا الحديث، يروي الباحث العمراني النابه، محمد الشاهد، مثالًا ناصعًا على ذلك يتعلق بالمساحة الواسعة المقابلة للمتحف المصري في ميدان التحرير. ظلت هذه المساحة مفتوحة أمام الشعب، بتصميمها الذي تتوسطه نافورة كبيرة والمعتمد على المساحات الخضراء وممرات المشي. ثم أطل عقد السبعينيات، وللتاريخ دلالة، فهو العقد الذي شهد انتقال المظاهرات الشعبية في مصر من أماكنها التقليدية في باحة الأزهر أو أمام قصر عابدين إلى ميدان التحرير، كما حدث في انتفاضة واعتصام الطلبة عام 1972. وعليه، فقد تم في هذه السنوات وما بعدها غلق هذه المنطقة بالحواجز والكردونات، مما أوحى للمارة بأن ثمة إنشاءات ما يتم الشروع فيها خلف الأسوار. ومرت السنوات دون أن تنتهي الإنشاءات أو تزال الحواجز، حتى قامت ثورة 2011، ليكتشف المتظاهرون، إذ أزالوا الأسوار المعدنية لحماية أنفسهم بها من هجمات البلطجية، أن لا شيء وراءها.  

كانت تلك فلسفة الدولة العمرانية أيام مبارك: التجمعات البشرية في قلب القاهرة، خاصة بالقرب من المؤسسات السيادية المهمة، غير محبذة، والحد منها ضروري، حتى ولو كانت غير مسيسة.

وفي عصر مبارك أيضًا، تزامنت ثلاثة تطورات عمرانية لافتة في العاصمة المصرية: توسع الدولة في إنشاء الضواحي حول القاهرة وتشجيع المواطنين على الانتقال إلى مجتمعاتها المسورة، والإهمال الجسيم لمدينة القاهرة وخصوصًا ميادينها الرئيسية؛ واللجوء المتكرر إلى الإخلاء القسري لمناطق سكنية كاملة تحت دعاوى التطوير. خلف هذه التطورات تكمن دوافع عديدة، بعضها قد يكون حميدًا، مثل تخفيف الزحام وحصار العشوائيات، لكن تبقى في ثناياها رغبة محمومة لا تخطئها عين في التنظيم والضبط والسيطرة. وبالطبع، في ظلال فساد الدولة، أو بالأحرى دولة الفساد، لا يمكن استبعاد احتمالية أن تكون بعض سياسات وقرارات التنظيم العمراني، خاصة ما تعلق منها ببيع الأراضي والدخول في شراكات تجارية والتعامل مع مستثمرين، مدفوعة باعتبارات التكسب غير المشروع.

وبعد صدمة يناير، عمدت الدولة على إعادة هندسة الفضاء العام بما يحول دون تكرار الثورة. ويرى بعض الباحثين العمرانيين أن قرب منطقة مثلث ماسبيرو من ميدان التحرير، والدور الحيوي الذي لعبه سكانها في مؤازرة الثورة وإغاثة الثوار، هو ما دفع الحكومة المذعورة إلى الإسراع في استئصال الحي وإجلاء سكانه إلى مكان قصي ومعزول هو حي الأسمرات بالمقطم.

في ضوء ما تعلمنا إياه هذه النماذج التاريخية، هل يمكننا أن نعتبر أن قرار إنشاء عاصمة جديدة لمصر، تتحدى قواعد التاريخ والجغرافيا والمعمار والاجتماع (وحتى الطقس)، كان مدفوعًا باعتبارات أمن النظام فحسب؟

لا يمكن، في الواقع، الجزم على وجه اليقين بأن الدافع الأمني كان هو الباعث الوحيد على قرار إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة في مصر. لكن ثمة تساؤلات كثيرة لا مفر من طرحها. مثلاً، هل تحتاج مصر إلى بناء عاصمة جديدة من الأساس؟ وإن كانت ثمة حاجة إليها، فهل هذا هو التوقيت الأنسب للشروع في إقامتها؟ ولماذا كل هذه العجلة في تنفيذ المشروع؟ ولماذا الإصرار على إنفاق حوالي ثمانية وخمسين مليارًا من الدولارات (أي ما يقارب التريليون جنيه مصري) للإنفاق على المرحلة الأولى فقط من المشروع في ذات الوقت الذي يمر الاقتصاد فيه بأسوأ أزماته منذ عقود، وفي بلد يرزح نصف سكانه تقريبًا تحت خط الفقر؟ وكيف يمكن تفسير السهولة التي يتم بها إنفاق كل هذه المبالغ الطائلة على مشروع غير إنتاجي، فيما كان يمكن -بل يستحسن- توجيهها لأنشطة إنتاجية تزيد من الصادرات وتحسن من الوضع المختل للميزان التجاري للبلاد؟ وبعيدًا عن اعتبارات الأمن والدعاية، ما الجدوى الحقيقية للعاصمة الجديدة؟ وهل من الرشادة بناء مدينة يفترض أن تستوعب ملايين السكان وإقامة الأنهار الصناعية في أرض مجدبة ليس فيها مصدر متجدد للمياه، نهرًا كان أم بحرًا، خاصة في ظل أزمة تناقص الموارد المائية في وادي البلاد الخصيب؟ ولماذا لا يتم الإفصاح عن كل الأمور والرد على كل التساؤلات بشفافية ووضوح؟     

إضافة إلى ذلك، وإذ يأخذ الكثيرون على الدولة تحولها في السنوات القليلة الماضية إلى ما يشبه المقاول، نظرًا لتركيزها على المشاريع الإنشائية كالطرق والكباري والوحدات السكنية، يثور التساؤل: هل هي مقاول فحسب؟ أم أنها مقاول ذي عقلية سلطوية، أو بعبارة أكثر قسوة، مزيج سام من عقلية السلطوية السياسية والنيوليبرالية الاقتصادية؟ المعلومات عما يدور في الكواليس شحيحة، فالسلطة منغلقة على ذاتها والإعلام مؤمم، ولذلك يقتضينا الإنصاف أن نعتبر أنه ليس لهذه الأسئلة إجابات مؤكدة حاضرة. ومع ذلك، فإن السلوك الحكومي يشي في عمومه بالكثير عن النوايا والأولويات والتفضيلات. وكما كتبت الباحثة المتميزة أورسولا ليندساي في مقال مطول عن العاصمة الجديدة نُشر بمجلة الأماكن (Places Journal): بتدشين العاصمة الجديدة بشكلها الحالي، أوضحت الحكومة رؤيتها الملتوية للمدينة المثالية، وهو أن تكون مصممة بدقة، لامعة، مرتبة، قائمة بذاتها ومعزولة عن السكان. إنها باختصار النقيض التام للقاهرة.

والواقع أنه حتى بعض ما يجرى تطبيقه في القاهرة من خطط ليس له غرض حقيقي إلا تعزيز وضع العاصمة الجديدة وتهيئة كل السبل لنجاحها وتزيينها. ويعد ما يُنعت حكوميًا بـ«خطة تطوير منطقة مصر الجديدة» دليلًا واضحًا على ذلك، إذ صار بمقتضاه حي مصر الجديدة، بكل ما له من تاريخ ومكانة، مجرد معبر نحو العاصمة الأولى بالرعاية والتدليل. ولهذا فليس مهمًا أبدًا الحفاظ على طابعه وتصميمه، ولا بأس من اقتلاع الآلاف من أشجاره، وليس هناك أي داعٍ طبعًا لسؤال سكان الحي عن آرائهم وشكاواهم. فالأهم من منظور الدولة هو حل مشكلة «الاختناق المروري» الواقعة بينها وبين طريق السويس المؤدي نحو جنة العاصمة الجديدة كما قال الرئيس السيسي في إحدى ثرثراته العلنية مؤخرًا، وكما أكد محافظ القاهرة نفس السبب أثناء حديثه عن تطوير مماثل ستطال مخالبه قريبًا حي مدينة مصر.                

وغني عن البيان أنه فيما توجه الحكومة جل اهتمامها للعاصمة الجديدة، تترك القاهرة -بأداء حكومي هو مزيج بائس من الإهمال والتخبط- لتحتضر ببطء؛ الهواء الملوث ينهش مسامها، والخدمات المتداعية تمزق أحشاءها، وشوارعها أشبه بيوم الحشر، بضعة قطرات هزيلات من المطر تشل حركتها، والدخان الأسود يعبق سماءها، ولا معين فيها من لهيب القيظ إلا القليل من الشجيرات الناحلات الضامرات. وبسبب الانتشار الوبائي للتحرش الجنسي والجريمة فيها، فقد صارت القاهرة الأكثر خطرًا على النساء بين مدن العالم الكبرى. أما بقع الجمال والترويح عن النفس في القاهرة، تلك الواحات المنزوية في أرجائها الشاهدة على عصر انقضى، فتمت خصخصتها منذ أمد بعيد، ولا يتمتع بها بالتالي غير القادرين. لا عجب أن الوجوم والغضب المكتوم يكاد يدثر وجوه سكان القاهرة من المهود وحتى اللحود.

مما يثير الكمد والألم أن القاهرة تبدو اليوم، بعد عقود طوال من الإهمال والعشوائية والفساد، كمهرج حزين، ينعي عزه القديم وحاضره المزري وهوانه على الجميع.  

لا تنفك السلطة الحالية تذكرنا بما يجمعها بالنظام السوري البغيض. فكما هو حال قصر الرئيس السوري المنيف الذي شيده حافظ الأسد على جبل المزة المطل على العاصمة دمشق من علٍ، في رمزية لافتة على الهوة الشاسعة بين الحاكم وشعبه، ستنتقل الحكومة المصرية هذا العام إلى العاصمة الجديدة، بعيدًا عن الشعب وأنينه. وبالطبع سيقيم كبراء الدولة مآدب النصر، ويلقون بالخطب العصماء على وقع الكفوف اللاهثة بالتصفيق، وربما حتى يطلقون الألعاب النارية في سماء الفراغ الصحراوي ابتهاجًا بالمجد الوهمي. في هذه الهجرة وطقوسها دلالة رمزية هي الأخرى على الدرك الذي انزلقت إليه السلطوية المصرية عبر العقد الماضي. لقد شاخت على مقاعدها، وصمت آذانها عن صرخات التغيير، لكن الخوف استبد بأوصالها فقلبت لشعبها ظهر المجن بعد برهة من التودد، عاقدة العزم على الانعزال خلف الأسوار الشاهقة لما يشبه المستعمرة الصحراوية.  

وبعد، فهل تكره الدولة القاهرة؟ وإن كانت الإجابة بالإيجاب، فهل تكرهها سعيًا وراء أمن زائف؟ أم لأنها تطالع في مرآة القاهرة تجاعيد فشلها المزمن؟ أم لسبب آخر سينكشف يوم تُفتح الكوة وتتبدد الظلمة؟

اعلان
 
 
ندى شاهين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن