القاعدة والبنية الفوقية في النظرية الثقافية الماركسية
 
 

هل تحدد الشروط الاقتصادية-الاجتماعية فن عصرها وأدبه وأفكاره وذوقه؟ هل تحاول الرأسمالية دائما القضاء على الاختلاف أو تشويهه أو احتواءه؟ كيف تنجح؟ إلى أين تذهب أيديولوجيات سائدة وكبرى عندما تفسح الطريق لغيرها بتغير الزمن؟ وأين تذهب الأفكار والممارسات الأصغر والأضعف؟ وعلى أي نحو يتبادل ما هو مادي وما هو فكري التأثير والتأثر؟ وكيف نصل من كل هذا إلى طريقة لتلقي ونقد العمل الفني والأدبي وللممارسة الثقافية عموما؟

بعض هذه الأسئلة على الأقل مفتوح ومتجدد اليوم، ونشهد تجلياته وسجالاته كل حين على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يستحق إعادة زيارة إلى هذا البحث الشهير والمؤسس في مجاله، حتى لو أن، أو لأن، مياها كثيرة جرت.

ها هو فيلم «طفيلي» مثلًا قد حصد جوائز أوسكار تاريخية، وهو المعادي للرأسمالية وعنف صراعها الطبقي وفق قراءة كثيرين. فما معنى ذلك؟ وقد سبقته شعبية مسلسل نتفلكس الإسپاني «دار الأوراق المالية» الذي ظهر قناعه الشهير في المظاهرات العربية الأخيرة مع قناع «الجوكر». فماذا إذن؟

والمقال نقد لنموذج القاعدة والبنية الفوقية عند الماركسيين، باعتباره ميكانيكيًا وجبريًا، وتطوير في المقابل لنموذج تطبيقي من فكرة الهيمنة الثقافية بإدخال أربعة عناصر تحليلية جديدة. وكم هو حاضر اليوم على سبيل المثال قلق المؤلف المبكر من ترك التبسيط المبتذل إلى أريحية الاكتفاء بالتعقيد ليس إلا، وهذه العادة الأخيرة صرنا نعرفها بالمَشْكلة، في الأكاديمية بالذات في عقود ما بعد الحداثة. وهو بالطبع لا يكتفي بالقلق وإنما يمضي في حل المشكلة ويشير إلى ما يتبقى منها وضرورة حله.

وهذا الحل بالطبع أيضا ليس حلًا نظريًا وحسب، وهو ما يطرح في حالتنا مشاكل الثقافة الإضافية في المجتمع المحافظ والقمع السياسي في أعقاب انحسار ثورة وهجمة مضادة ضارية، ناهيك بأزمة الرأسمالية العالمية في طورها النيوليبرالي وطبعاتها المحلية التابعة.

نشرالأصل الإنجليزي في «ذا نيو لفت ريڤيو» [مجلة اليسار الجديد النقدية] عام 1973، ويمكن الاطلاع عليه أيضًامعادًا نشره على مدونة ڤيرسو. وهو نسخة منقحة من محاضرة ألقيت في مونتريال في أبريل 1973، وتحول لاحقًا إلى فصول من الكتاب المعروف عن الماركسية والأدب. والترجمة منشورة بإذن من المجلة.— المترجم.

 

لا بد لأي مقاربة حديثة نحو نظرية ماركسية عن الثقافة أن تنطلق من النظر في الطرح القائل بقاعدة محتِّمة وبنية فوقية محتَّمة. ومن زاوية نظرية على نحو صارم فليس من هنا نبدأ. فمن المحبذ على أكثر من نحو أن نبدأ إن استطعنا من طرح كان في الأصل محوريًا بالمثل، أصيلًا بالمثل: ألا وهو الطرح القائل بأن الوجود الاجتماعي يحتِّم الوعي. ليس لأن الطرحين يتنافيان أو يتناقضان بالضرورة. لكن الطرح القائل بالقاعدة والبنية الفوقية، بما يحمله من صورة مجازية، بما فيه من إيحاء بعلاقة قائمة في حيِّز، ذات حدود قاطعة ومعالم ثابتة، يشكِّل، على الأقل إن تُرِك لنفر بعينهم، طبعة من الطرح الآخر، ضيقة النطاق وفي بعض الأحيان غير مقبولة. غير أن الطرح القائل بالقاعدة المحتِّمة والبنية الفوقية المحتَّمة، عند انتقاله من ماركس إلى الماركسية، وفي سياق تطوير التيار الماركسي الرئيسي نفسه، هو كما شاع الاعتقاد مفتاح التحليل الثقافي الماركسي.

والحال أنه من المهم، إذ نجرب تحليل هذا الطرح، أن نعي بأن شرط العلاقة الذي يقتضيه، أي الفعل يحتِّم‘، ينطوي على قدر هائل من التعقيد على مستوى اللغة ومستوى الواقع. فلغة التحتيم ناهيك بلغة الحتمية إرث عن النزعات المثالية، وبالأخص عن الوصف والتفسير اللاهوتي للدنيا والإنسان. والأمر اللافت أن ماركس يستخدم كلمة «يحتم» في واحدة من مقلوباته الشهيرة، أي معارضاته للطروح المتداولة بنقيضها.[1] وهو هنا يعارض أيديولوجيا كانت مصرة على ما لقوى محددة خارج الإنسان من سلطان، أو، في الطبعة العالمانية من هذه الأيديولوجيا، على مجرَّدٍ يحتم الوعي. فطرح ماركس ينكر هذا صراحة، ويُرجِع أصل التحتيم إلى أنشطة البشر أنفسهم. وعلى الرغم من ذلك، فإن ما للمصطلح من تاريخ خاص ومتصل من شأنه أن يذكرنا بأنه، في نطاق الاستخدام العادي -ويصدق هذا على أغلب اللغات الأوروپية الكبرى- ثمة معانٍ ومضامين محتملة مختلفة حق الاختلاف لكلمة «determine» [’حَتَم‘]. فهناك، من ناحية، الفكرة العائدة إلى إرثها اللاهوتي، والقائلة بعلة خارجية تَعلم الغيب أو تنبئ به، بل تسيِّر تسييرًا حركة لاحقة. لكن هناك أيضًا، الفكرة العائدة إلى خبرة الممارسة الاجتماعية، والقائلة بالتحتيم كتعيين للحدود، كممارسة ضغوط.

والحال أن الفرق واضح بين سيرورة وضع حدود وممارسة ضغوط، سواء من قِبَل قوة خارجية ما أم من قِبَل القوانين الداخلية لتطور بعينه، وبين تلك السيرورة الأخرى التي بمقتضاها يكون مضمون لاحق قد سبق الإنباء به وكشف غيوبه وتقرير أمره من قِبَل قوة خارجية سابقة الوجود. بيْد أن من الإنصاف القول، بمعاينة تطبيقات كثيرة للتحليل الثقافي الماركسي، أن المعنى الثاني، أي فكرة الإنباء المسبق أو العلم المسبق أو التسيير، هو ما غلَب استخدامُه صراحة أو ضمنًا.

البنية الفوقية: استدراكات وتعديلات

شرط العلاقة إذن هو أول ما يتعين علينا فحصه في هذا الطرح، غير أن علينا أن نفعل ذلك بأن نتابع المضي لمعاينة المصطلحين المتعلقين نفسيهما. انصرف معظم الانتباه إلى «بنية فوقية». والشائع أن يتحدث الناس عن «البنية الفوقية» بألف لام التعريف، وإن كان من المثير للاهتمام أن المصطلح في الأصل، بألمانية ماركس، يرد بصيغة الجمع في أحد مواضع استخدامه المهمة.[2] ويتحدث آخرون عن مختلف الأنشطة «داخل» البنية أو البنى الفوقية. والحال أنه عند ماركس نفسه، وفي مراسلات إنجلْس المتأخرة، وفي نقاط كثيرة مر بها التراث الماركسي اللاحق، صيغت استدراكات بشأن الطابع المحتوم لأنشطة فوقية بعينها. كان أول أنواع الاستدراك يتعلق بالتأخرات الزمنية، وبالتعقُّدات، وبعلاقات بعينها غير مباشرة أو بعيدة نسبيًا. وكانت أبسط فكرة عن بنية فوقية، وهي فكرة لا تزال غير مهجورة كليًا بأي حال من الأحوال، تتمثل في انعكاس واقع القاعدة أو محاكاته أو إعادة إنتاجه في البنية الفوقية بطريق مباشر إلى هذا الحد أو ذاك. وبالطبع فقد دعمتها دعمًا مباشرًا الأفكار الوضعية الخاصة بالانعكاس وإعادة الإنتاج. لكن بما أن علاقة كهذه يتعذر إيجادها في الكثير من الأنشطة الثقافية الحقيقية، أو يتعذر إيجادها بلا جهد أو حتى بدون التعسف المضر بالمادة أو الممارسة موضوع الدراسة، فقد استُحدثت الفكرة القائلة بالتأخرات، أو التخلفات كما اشتهرت؛ بوجود شتى التعقدات التقنية؛ وبانعدام المباشرة، ومفادها ترحيل أنواع معينة من النشاط الحادث في النطاق الثقافي -الفلسفة، على سبيل المثال- إلى أبعد مما كانت عن الأنشطة الاقتصادية الأساسية. كانت تلك هي المرحلة الأولى من تنقيح فكرة البنية الفوقية: هو، فعليًا، استدراك إجرائي. أما المرحلة الثانية فمرتبطة بها لكنها أشد صميمية، من حيث إن سيرورة العلاقة نفسها خضعت لنظرة أسخى. هذا النوع من إعادة النظر هو ما جاء بالفكرة الحديثة المتمثلة في «التوسُّط»، والقائلة إن شيئًا أكثر من الانعكاس البسيط أو إعادة الإنتاج البسيطة -بل شيئًا مختلفًا جذريًا سواء عن الانعكاس أو إعادة الإنتاج- تدب فيه الحركة. كما شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين فكرة «البنى التنادُدية»، حيث قد ينعدم التشابه المباشر أو قد لا يَسهل ظهوره، وينعدم قطعًا أي شيء من قبيل الانعكاس أو إعادة الإنتاج، بين السيرورة الفوقية وواقع القاعدة، ولكنها تقول بوجود تنادُد أو تناظر جوهري بين البنى، يمكن اكتشافه عن طريق التحليل. هذه الفكرة وفكرة «التوسط» ليسا هما الشيء نفسه، لكن هذه تنتمي إلى النوع نفسه من التعديل من حيث إن العلاقة بين القاعدة والبنية الفوقية لا يُفترض فيها المباشرة، ولا هي خاضعة ببساطة كتصرف إجرائي للتخلفات والتعقدات وأشكال انعدام المباشرة، وإنما هي بطبيعتها ليست إعادة إنتاج مباشرة.

هذه الاستدراكات والتعديلات مهمة. لكن يبدو لي أن ما لم يعايَن باهتمام مماثل هو الفكرة المتداولة القائلة بالقاعدة. وإني لَأدفع بأن القاعدة هي المفهوم الذي من الأهم معاينته إن كان لنا أن نفهم أحوال واقع السيرورات الثقافية. وفي كثير من حالات استخدام الطرح الخاص بالقاعدة والبنية الفوقية، وعلى ما جرت العادة اللفظية، صارت «القاعدة» في حُكْم الشيء المادي، أما في الحالات الأقل فجاجة، فقد عوملت من كلٍّ بطريقته معاملة شيء موحَّد وساكن في أساسه. «القاعدة» هي الوجود الاجتماعي الحقيقي للإنسان. «القاعدة» هي علاقات الإنتاج الحقيقية المناظرة لمرحلة من تطور قوى الإنتاج المادية. «القاعدة» نمط إنتاج في مرحلة بعينها من تطوره. إننا نقدم ونردد طروحًا من هذا النوع، فيختلف استعمال الكلمة اختلافًا شديدًا عن تأكيد ماركس على وجود أنشطة إنتاجية، في سياق علاقات بنيوية بعينها، تشكل أساسات الأنشطة الأخرى كلها. فبينما يمكن لمرحلة بعينها من تطور الإنتاج أن تُكتشف وتدقق من خلال التحليل، لا يحدث قط أن تكون في واقع الممارسة موحَّدة ولا ساكنة. بل إن أحد الطروح المركزية لما يعنيه التاريخ عند ماركس هو وجود تناقضات عميقة في علاقات الإنتاج وفي العلاقات الاجتماعية المترتبة. ومن ثم فهناك الاحتمال القائم باستمرار والخاص بتغير هذه القوى تغيرا حركيًا. وعلاوة على ذلك، فعندما تُعتبر هذه القوى هي الأنشطة والعلاقات المحدَّدة الخاصة بأناس حقيقيين، وماركس دائمًا ما يعتبرها كذلك، فهي تعني شيئًا أنشط وأعقد وأشد تناقضًا بكثير جدًا مما يمكن على أي نحو أن تسمح لنا بإدراكه فكرة «القاعدة» الاستعارية في شكلها المطوَّر.

القاعدة وقوى الإنتاج

علينا القول إذن إننا عندما نتحدث عن «القاعدة»، فنحن إنما نتحدث عن سيرورة لا عن حالة. ولا يمكننا أن نعزو إلى تلك السيرورة خواصًا ثابتة تُستنبط منها لاحقًا السيرورات المتغيرة الخاصة بالبنية الفوقية. وأغلب من أرادوا أن يجعلوا الطرح المعتاد أكثر معقولية ركزوا على صقل فكرة البنية الفوقية. وقولي في هذا إن كل طرف في هذا الطرح يتعين أن يعاد تقييمه في اتجاه بعينه. فعلينا إعادة تقييم «التحتيم» لنأخذه في اتجاه وضع الحدود وممارسة الضغط، بعيدًا عن مضمون معلوم مسبقًا وجاء نبأه ومحكوم بإرادة تسيِّره. وعلينا إعادة تقييم «بنية فوقية» باتجاه كونها نطاقًا متصلًا من الممارسات الثقافية، وبعيدًا عن مضمون منعكس أو معاد إنتاجه أو تابع تبعية محددة. وعلينا، وهذه هي العقدة الأساسية، إعادة تقييم «القاعدة» بعيدًا عن الفكرة المتمثلة في تجريد اقتصادي أو تكنولوجي ثابت، وباتجاه الأنشطة المحدَّدة للبشر في سياق العلاقات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، الحاوية لتناقضات صميمية وتغيرات ومن ثم فهي دومًا في حالة سيرورة حركية.

وهناك نتيجة ضمنية إضافية جديرة بالملاحظة تنطوي عليها التعريفات الاعتيادية. فقد صارت «القاعدة» توحي إيحاء قويًا ومقيِّدًا، فيما توحي، على الأخص في سياق تطورات معينة في القرن العشرين، بالصناعات الأولية. بل إن التأكيد على الصناعات الثقيلة قد لعب دورًا ثقافيًا بعينه. وهو ما يثير مشكلة أعم، إذ نجد أنفسنا مجبرين على معاينة أخرى للفكرة العادية عن «قوى الإنتاج». فمن الواضح أن ما نفحصه في القاعدة هو قوى الإنتاج الأولية. إلا أنه يتعين هنا تمييز بعض الفروق الفيصلية. فمن الصحيح أن ماركس في تحليله الإنتاج الرأسمالي بحث «العمل المنتِج» بمعنى شديد الخصوصية والموضِعية مناظر لنمط الإنتاج ذاك. وترد في «مخطط التأسيس» («غروندريسه») فقرة عويصة يحاجج فيها بأنه بينما من يصنع الپيانو عامل منتج، فثمة سؤال مشروع عما إذا كان من يوزع آلة الپيانو عاملًا منتجًا بدوره؛ لكن من الجائز أنه كذلك، طالما أنه يساهم في تحقيق فائض القيمة. أما عندما نصل إلى من يعزف الپيانو، أكان يعزفه لنفسه أم للآخرين، فلا مجال للسؤال—إنه ليس عاملًا منتجًا على الإطلاق. صانع الپيانو إذن هو القاعدة، أما عازف الپيانو فهو البنية الفوقية. وإذا اعتبرنا هذه طريقة لبحث النشاط الثقافي، وكذلك، وبشكل ثانوي عارض، لبحث اقتصاديات النشاط الثقافي الحديث، فهي كما هو واضح جدا طريق مسدود. ولكن الاستيضاح النظري يوجب علينا مبدئيًا أن نقدِّر كون ماركس مشغولًا هنا بتحليل نوع خاص من الإنتاج، ألا وهو الإنتاج السلعي الرأسمالي. وفي نطاق تحليله لذلك النمط، تعين عليه أن يضفي على فكرة «العمل المنتج» و«قوى الإنتاج» معنى موضِعيًا يتمثل في الشغل الأولي على الخامات بشكل ينتج سلعًا. لكن هذا المعنى ضاق على نحو ملحوظ، وبالغ الضرر في سياق ثقافي، عما كان فكرته الأكثر محورية عن قوى الإنتاج، حيث، للتذكرة بإيجاز وحسب، أهم ما ينتجه العامل على الإطلاق هو نفسه، إذ هو في واقع ذلك النوع من العمل، أو هو التأكيد التاريخي الأوسع الخاص بإنتاج البشر لأنفسهم، أنفسهم وتاريخهم. والحال أننا إذ نتحدث عن القاعدة، وعن قوى الإنتاج الأولية، فمن المهم بمكان إن كنا نشير، على ما أصبح اعتياديًا في صيغة مشوهة من هذا الطرح، إلى الإنتاج الأولي في نطاق شروط العلاقات الاقتصادية الرأسمالية، أم إلى إنتاج المجتمع نفسِه، والبشر أنفسِهم، إنتاجًا أوليًا، إنتاج الحياة الحقيقية، وإعادة إنتاجها، ماديًا. لو كان ما نعنيه هو قوى الإنتاج بالمعنى الواسع، لاختلفت نظرتنا إلى مسألة القاعدة برمتها، ولقلّ وقوعنا في غواية الاستهانة بقوى إنتاج اجتماعية حيوية معينة، على اعتبارها فوقية، بمعنى أنها ثانوية فحسب، بينما هي بالمعنى الواسع، ومن البداية، قاعدية.

مفهوم الكلية واستعمالاته

ومهما يكن من أمر، فبسبب المصاعب الناجمة عن الطرح المعهود الخاص بالقاعدة والبنية الفوقية، جدَّ تطور بديل وشديد الأهمية، وهو تأكيد، يقترن أساسًا بلوكاتش، على وجود «كلية»  اجتماعية. كان مفهوم كلية الممارسات الاجتماعية معارضا للفكرة ثنائية المستوى القائلة بقاعدة وبنية فوقية ناتجة عنها. وهذه الكلية في الممارسات متوافقة مع فكرة تحتيم الوجود الاجتماعي للوعي، لكن هذه السيرورة لا تُفهَم من خلالها على هيئة قاعدة وبنية فوقية. والحال أن الحديث بلغة الكلية قد شاع، وهي حقا ومن أكثر من ناحية مقبولة أكثر من فكرة القاعدة والبنية الفوقية. لكن هناك مأخذا مهما عليها. فمن السهل جدًا أن تسمح فكرة الكلية بإفراغ الطرح الماركسي الأصلي من محتواه الجوهري. فلو أننا ذهبنا إلى القول إن المجتمع مؤلف من عدد كبير من الممارسات الاجتماعية التي تشكل كلًا اجتماعيًا عينيًا، ولو حسبنا لكل ممارسة قدرًا معلومًا، ولم نزد على ذلك سوى أنها تتفاعل وتتصل وتندمج بطرق شديدة التعقُّد، فنحن على أحد الوجوه نتحدث عن الواقع وهو المعنى الأقرب كثيرًا، لكننا على وجه آخر نتراجع تمامًا عن القول بوجود سيرورة تحتيم. وهذا ما لست، شخصيًا، مستعدًا له. والحق أن السؤال المفتاحي الذي يطرح نفسه عن فكرة الكلية من أساسها في النظرية الثقافية هو: هل تشتمل فكرة الكلية على فكرة القصدية؟ فإذا كانت كلية الأشياء عينية هكذا ببساطة، إذا كانت تعني تقدير وجود حشد حافل من الممارسات المتنوعة والمتزامنة هكذا ببساطة، فهي فارغة بالأساس من أي محتوى يمكن وصفه بالماركسي. أما القصدية، فكرة القصدية، فتعيد السؤال المفتاحي، أو بالأحرى التأكيد الأساسي. فبينما من الصحيح أن أي مجتمع هو كلٌّ معقد من هذه الممارسات، يصح أيضًا أن لأي مجتمع تنظيم محدد خاص، بنْية محددة خاصة، وأن مبادئ هذا التنظيم وهذه البنية يمكن رؤيتها بوصفها متصلة اتصالًا مباشرًا بمقاصد اجتماعية معينة، مقاصد نعرّف المجتمع من خلالها، مقاصد كانت من واقع خبرتنا كلها خاضعة لحكم طبقة بعينها. وقد كانت إحدى التبعات غير المتوقعة لفجاجة نموذج القاعدة/البنية الفوقية هي استسهال قبول النماذج التي تبدو أقل فجاجة -النماذج الخاصة بحالة كلية أو بكلٍّ معقد- لكنها تُسقط حقائق القصدية الاجتماعية، والطبيعة الطبقية لمجتمع بعينه وهلم جرا، ما يذكرنا بمدى خسارتنا إنْ تركنا التأكيد على البنية الفوقية جملة وتفصيلًا. وهكذا فمن العسير أن أرى سيرورات الفن والفكر بوصفها فوقية بالمعنى الذي تنطوي عليه الصيغة الجاهزة في استخدامها الشائع. ولكن ليس معنى ذلك أن نعجز عن رؤية عنصر فوقي في مجالات كثيرة من مجالات الفكر الاجتماعي والسياسي -أنواع معينة من المصادقة التنظيرية، أنواع معينة من القانون، أنواع معينة من المؤسسات، وهي في نهاية المطاف جزء أصيل من البنية الفوقية كما في صياغات ماركس الأصلية- وفي كل ما هو نحو ذلك ضمن الجهاز الاجتماعي، وفي جانب مصيري من النشاط والتشكيل السياسي والأيديولوجي، وإلا عجزنا تمامًا عن تمييز الواقع. هذه القوانين، الدساتير، النظريات، الأيديولوجيات، المزعوم بأنها طبيعية، أو بأنها صالحة وذات شأن في كل زمان ومكان، يتعين ببساطة أن تُرى بوصفها تعبر عن، وتصادق على، سيطرة طبقة بعينها. والحق أن الصعوبة الكامنة في مراجعة الصيغة الجاهزة الخاصة بالقاعدة والبنية الفوقية كانت تتعلق من نواحٍ كثيرة بتصور عند مناضلين كثيرين -يتعين عليهم أن يكافحوا مؤسسات وأفكارًا كهذه مثلما يخوضون المعارك الاقتصادية- مفاده أن دور هذه المؤسسات وأيديولوجياتها في العلاقة القائمة هو التبعية وإضفاء الشرعية، وأن دعاواها بالصلاحية والشرعية في كل زمان ومكان يتعين إنكارها ومكافحتها، وإلا تعذرت رؤية الطبيعة الطبقية للمجتمع. وقد كان هذا هو تأثير مفهوم الكلية في بعض طبعاته كوصف للسيرورة الثقافية. والحق أني أعتقد بإمكان استخدام فكرة الكلية الاستخدام اللائق فقط إذا جمعنا بينها وذلك المفهوم الماركسي الجوهري الآخر والمتمثل في «الهيمنة».

تعقيد الهيمنة

يتمثل إسهام غرامشي الكبير في تأكيده على الهيمنة، وكذلك في فهمه إياها بعمق نادر في اعتقادي. فالهيمنة تفترض وجود شيء كلي بحق، لا ثانوي أو فوقي وحسب، وإنما مَعِيش بعمق بالغ، ويشبع المجتمع إلى حد بالغ، بل ويشكل، بتعبير غرامشي، حدود الحس الفطري عند معظم الناس الواقعين تحت سطوته، وهو من العمق والإشباع بحيث أنه نظير مكافئ لواقع الخبرة الاجتماعية على نحو أوضح بكثير جدًا من أي أفكار مجردة نابعة من الصيغة الجاهزة الخاصة بالقاعدة والبنية الفوقية. فلو أن الأيديولوجيا لم تَعْدُ أن تكون فكرة مجردة ما مفروضة علينا، لو لم تكن أفكارنا السياسية والثقافية وافتراضاتنا وعاداتنا سوى نتيجة لتطويع وتلاعب محدد، لنوع من التدريب المكشوف يمكن ببساطة إنهاؤه أو التراجع عنه، لكان المجتمع أسهل حركة وتغيرًا منه في الممارسة الفعلية الآن أو في أي وقت سابق. وفكرة الهيمنة هذه بوصفها مشبعة لوعي مجتمع تبدو في الصميم. ومن فضل الهيمنة على أفكار الكلية العامة أنها تؤكد في الوقت نفسه على حقائق التسيُّد.

إلا أن ما يصلني أحيانا من نقاشات الهيمنة يشعرني بأنها بدورها، كمفهوم، تُجر إلى الوراء باتجاه الفكرة الموحدة والساكنة التي قد آلت إليها «البنية الفوقية» في استخدامها العادي. وحري في اعتقادي بمن يتحدث عن أي تشكُّل اجتماعي حقيقي أن يروي خبر الهيمنة رواية شديدة التعقيد. وعلينا فوق كل اعتبار آخر أن نروي خبرها رواية تفسح المجال لما فيها من عناصر التغيير الحقيقي والدائم. علينا التأكيد على كون الهيمنة ليست وحدة واحدة، بل على كون بناها الداخلية الخاصة بالغة التعقيد، ويتعين باستمرار تجديدها وإعادة خلقها والدفاع عنها، ويمكن باستمرار، والعلة واحدة، تحدّيها، وتعديلها من نواحٍ بعينها. لذا وبدلا من الحديث ببساطة عن «الهيمنة»، عن «هيمنة»، سأطرح نموذجًا يفسح المجال لهذا النوع من التفاوت والتناقض، ولما فيه من طوائف من البدائل وسيرورات تغيُّر.

لكن هناك أمرًا جليًا في بعض أفضل ما في التحليل الثقافي الماركسي هو أن غربته فيما قد يجوز لي تسميته بالمسائل الحِقَبية أقل بكثير جدًا منها فيما يتعين علي تسميته بالمسائل التاريخية. وأعني بذلك أنه عادةً أفضل بكثير جدًا في تمييز الملامح العريضة للحقب الاجتماعية المختلفة، كما بين المجتمعين الإقطاعي والبورجوازي، أو ما عداهما، منه في تمييز الأطوار المختلفة للمجتمع البورجوازي، واللحظات المختلفة في الأطوار نفسها: تلك السيرورة التاريخية الحقة التي تتطلب دقة ورهافة تحليل أكبر بكثير من التحليل الحقبي الذي يستوقفنا دائمًا والمعنى بالملامح والتضاريس الرئيسية.

نأتي الآن إلى النموذج النظري الذي سعيت منذ حين إلى تطبيقه. وأول كلامي أنه في أي مجتمع، في أي فترة بعينها، توجد منظومة ممارسات ومعانٍ وقيم مركزية، من الجائز والملائم أن نسميها متسيدة ونافذة. لا ينطوي هذا على أي افتراض مسبق عن قيمتها. لا أعني أكثر من أنها مركزية. بل كنت لأسميها منظومة جامعة، لولا أنها تسمية قد تدعو إلى اللَّبس، إذ إن غرامشي نفسه يستخدم كلمة «جامعة» ليعني بها ما هو فرعي مقابل ما هو عام ومتسيد من عناصر الهيمنة.[3] وبأي حال من الأحوال وكما أتصورها ذهنيًا فهي المنظومة المركزية والنافذة والمتسيدة من المعاني والقيم التي لا يمكن وصفها فقط بالمجردة فهي منظمة ومعيشة. ولذا لا تُفهَم الهيمنة من باب أنها مجرد آراء أو مجرد تطويع وتلاعب. إنها كيان كامل من الممارسات والتوقعات من توزيعنا للطاقة إلى فهمنا العادي لطبيعة الإنسان وعالمه. إنها طائفة من المعاني والقيم التي إذ تُخبَر بما هي ممارسات تبدو إثباتا للمعاني والقيم وهكذا في الاتجاهين. فتشكل إحساسًا بالواقع عند أغلب أهل المجتمع، إحساسًا بمطلق لأن من الصعب بمكان على أغلب أفراد المجتمع، في أغلب نواحي حياتهم، أن يذهبوا إلى واقع معيش أبعد منها. لكنها ليست بأي معنى من المعاني منظومة ساكنة، إلا عند لحظة إجرائية من التحليل المجرد. وعلى العكس من ذلك لا نستطيع أن نفهم ثقافة نافذة ومتسيدة إلا إذا فهمنا ما تعتمد عليه من سيرورة اجتماعية حقيقية: أعني سيرورة الاحتواء والاستيعاب. وللاستيعاب أحْوِلة، وله ولها أهمية اجتماعية كبرى، وله عرَض في مجتمع كمجتمعنا شأن اقتصادي معتبر. والمؤسسات التعليمية هي عادةً الوكالات الرئيسية لبث ثقافة متسيدة نافذة، ويمثل هذا الآن نشاطًا اقتصاديًا، بقدر كونه ثقافيًا، رئيسيًا؛ بل هو كلا الشيئين في آن معًا. وزيادة على ذلك، وعلى مستوى فلسفي، على المستوى النظري الحق وعلى مستوى تاريخ شتى الممارسات، هناك سيرورة أسميها التراث الانتقائي: ذلك التراث الذي، وبموجب شروط ثقافة متسيدة نافذة، دائمًا ما يمرَّر بصفته «التراث»، «الماضي المعتد به» بألف لام التعريف. لكن الانتقائية دائمًا هي لب المسألة، الطريقة التي بها، ومن مدى كامل محتمل يسع مناطق من الماضي والحاضر، تنتقى معانٍ وممارسات بعينها للتأكيد عليها، وتهمل وتستبعد معانٍ وممارسات أخرى. والأخطر شأنًا أن بعض هذه المعاني والممارسات يعاد تفسيره أو يخفف أو يصاغ في أشكال تدعم عناصر أخرى في الثقافة المتسيدة النافذة أو على الأقل لا تتناقض معها. سيرورات التعليم، السيرورات الخاصة بتدريب اجتماعي أوسع كثيرا في مؤسسات من شاكلة الأسرة، التعريفات العملية وتنظيم العمل، التراث الانتقائي على المستوى الفكري والنظري: كل هذه القوى منخرطة في عملية صنع وإعادة صنع مستمرة لثقافة متسيدة نافذة، وعلى هذه القوى، إذ تُخبَر وتنبني في صميم عيشنا، يعتمد واقعها. وإذا لم يكن ما نتعلمه في سياق ذلك سوى أيديولوجيا مفروضة علينا، أو معانٍ وممارسات قابلة للعزل تخص الطبقة الحاكمة، أو قسمًا من هذه الطبقة، تُفرض على الآخرين، وحاضرة في أذهاننا وحسب، فكم كان من الأسهل الإطاحة بذلك الشيء—ولكان هذا من دواعي سرور المرء.

والأمر لا يتوقف عند الأعماق التي تصل إليها هذه السيرورة، منتقية ومنظمة ومفسرة خبرتنا. فهي كذلك نشطة ومتوائمة باستمرار، إنها ليست الماضي وحسب، ولا قشورًا أيديولوجية يابسة يمكننا نبذها بسهولة أكبر. وكيف لها بذلك، في مجتمع معقد، إلا أن تكون شيئًا أشد جسامة وأكثر مرونة من أي أيديولوجيا مجردة مفروضة. ومن ثم علينا التعرف على المعاني والقيم البديلة، الآراء والمواقف البديلة، بل بعض معاني العالم البديلة، التي يمكن تقبلها والتساهل معها في نطاق ثقافة نافذة ومتسيدة بعينها. وهذا ما قد بخسته حقه من التأكيد أفكارنا عن بنية فوقية، بل وفكرة البعض عن الهيمنة. وضعف التأكيد يفتح السبيل للتقهقر إلى اكتفاء محايد بالتعقيد. في ممارسة السياسة، على سبيل المثال، هناك أنماط بعينها من المعارضة مستوعَبة حق الاستيعاب، وهي مع ذلك، وفي نطاق تلك الشروط، معارضات حقيقية، تحس وتخاض مغالَبة. أما وجودها في نطاق الاحتواء والاستيعاب فالشاهد عليه أنها، مهما بلغت شدة الصراع الداخلي أو التفاوت الداخلي، لا تبرح عمليًا حدود التعريفات المركزية النافذة والمتسيدة. يصدق هذا، مثلًا، على ممارسة السياسة الپرلمانية، وإن كانت قواها الداخلية المعارضة حقيقية. وهو يصدق على طائفة كاملة من الممارسات والحجج، موجودة في أي مجتمع حقيقي، لا يمكن بأي طريقة اختزالها إلى غطاء أيديولوجي، لكن يمكن بالرغم من ذلك تحليلها بوصفها جامعة، بمعنى الكلمة عندي، إذا وجدنا أنها، مهما تكن شدة الخلاف والتفاوت الداخليين، لا تتجاوز التعريفات المركزية الجامعة.

لكن إن كان هذا قولنا، فهو يوجب علينا التفكير ثانية حول مصادر ما ليس جامعًا؛ مصادر تلك الممارسات والخبرات والمعاني والقيم التي ليست جزءًا من الثقافة المتسيدة النافذة. يمكننا التعبير عن هذا بطريقتين. من الواضح أن هناك ما يمكننا تسميته بديلًا عن الثقافة المتسيدة النافذة، وهناك شيء آخر يمكننا تسميته مخالفًا لها، بالمعنى الحقيقي للمعارضة. إن مدى وجود هذه الأشكال البديلة والمخالفة هو في حد ذاته مسألة خاضعة للتفاوت التاريخي الدائم الذي يطرأ في الظروف الحقيقية. وفي مجتمعات بعينها من المحتمل أن نجد مساحات من الحياة الاجتماعية فيها بدائل حقيقية فعلًا متروكة وشأنها على الأقل. (لو أتيحت للجميع تكون، بالطبع، جزءًا من التنظيم الجامع.) ووجود إمكانية المعارضة، ووجود التعبير عنها، ودرجة انفتاحها، وهلم جرا، أمور تعتمد على قوى اجتماعية وسياسية شديدة التحديد. وإذن فحقائق الأشكال البديلة والمخالفة من الحياة الاجتماعية والثقافة، من جهة علاقتها بالثقافة النافذة والمتسيدة، يتعين الإقرار بخضوعها للتفاوت التاريخي، وبرجوعها إلى مصادر شديدة البروز، وبأنها من حقائق الثقافة المتسيدة نفسها.

الثقافات المترسبة والبازغة

أما الآن فأقدم تمييزًا إضافيًا حان وقت إدخاله، بين الأشكال المترسبة والأشكال البازغة من الثقافة البديلة والمخالفة على السواء. أما «مترسبة» فأعني بها أن بعض الخبرات والمعاني والقيم التي تتعذر إجازتها، أو يتعذر التعبير عنها بشروط الثقافة المتسيدة، يعاش ويمارس بالرغم من ذلك على أساس الراسب -الثقافي وكذلك الاجتماعي- المتخلف عن تشكل اجتماعي سابق ما. ولنا في قيم دينية بعينها مثال حي على هذا، على خلاف الاحتواء والاستيعاب الجلي لأغلب المعاني والقيم الدينية في المنظومة المتسيدة. ويصدق الأمر نفسه، في ثقافة كبريطانيا، على أفكار بعينها مستمدة من ماضٍ ريفي، تحظى بشعبية بارزة بشدة. وبين ثقافة مترسبة والثقافة المتسيدة النافذة مسافة تفصلهما عادة، لكن على المرء أن يقر بأن الأولى، في سياق النشاطات الثقافية الحقيقية، قد تحتوى وتستوعب في الثانية. وهذا لأن جزءًا ما منها، طبعة ما منها -على الأخص إذا كان الراسب يعود إلى مناطق رئيسية ما من الماضي- سيكون في أحوال كثيرة قد تعين استيعابه كيلا تفتقر الثقافة المتسيدة النافذة إلى معنى في تلك المناطق. وكذلك لأن ثقافة متسيدة لا يمكنها في لحظات بعينها أن تسمح بما يزيد عن الحد من هذا النوع من الممارسة والخبرة الواقع خارجها، إلا مخاطِرة على الأقل. الضغوط إذن حقيقية، لكن معاني وممارسات بعينها مترسبة حقا تنجو في بعض الحالات المهمة.[4]

وأما «بازغة» فأعني بها، أولًا، أن معاني وقيمًا جديدة، ممارسات جديدة، دلالات وخبرات جديدة، تتخلق باستمرار. لكن عندئذ تحدث محاولة أبكر كثيرًا لاحتوائها واستيعابها، لمجرد أنها تكاد تكون جزءًا من الممارسة المعاصرة النافذة منها وليست بعدُ منها. والحق أنه من اللافت والدال في وقتنا هذا كم يكون مبكرًا جدًا وقوع هذه المحاولة، كم تقف الثقافة المتسيدة الآن بالمرصاد لأي شيء قد يرى بازغًا. علينا إذن أن نرى، علاقة مؤقتة، بمعنى من المعاني، بين ثقافة متسيدة وثقافة مترسبة من ناحية وبينها وثقافة بازغة من ناحية أخرى. ولكن ليس بوسعنا أن نفهم هذا إلا إذا ميزنا الفروق، ما يتطلب تحليلًا شديد الدقة، بين المترسب-المستوعب والمترسب غير المستوعب، وبين البازغ-المستوعب والبازغ غير المستوعب. وإحدى الحقائق المهمة عن أي مجتمع بعينه هي مدى توغله في الممارسات والخبرات الإنسانية بكامل نطاقها سعيا للاستيعاب. وقد يصدق على بعض أطوار أسبق من المجتمع البورجوازي، على سبيل المثال، أنها شهدت مجالات من الخبرة لا غرض له فيها، وكان منفتحًا على إلحاقها بنطاق الحياة الخاصة أو الفنية، واعتبارها شأنًا ليس من صميم اختصاص المجتمع أو الدولة. كان هذا يتماشى مع ضروب محددة من التسامح السياسي، حتى لو كان ذلك التسامح في حقيقته إهمالًا متعمدًا. لكني واثق من أن ما يصدق على المجتمع الذي نشأ وظهر منذ الحرب [العالمية] الأخيرة، هو أنه، بالتدريج، وبسبب تطورات في الطابع الاجتماعي للعمل، وفي الطابع الاجتماعي للاتصالات، وفي الطابع الاجتماعي لاتخاذ القرار، يتمدد أبعد كثيرًا من أي وقت مضى في تاريخ المجتمع الرأسمالي، داخل مناطق بعينها من الخبرة والممارسة والمعنى، بقيت حتى الآن متنازلا عنها. وهكذا فإن القرار النافذ، بشأن ما إذا كانت ممارسة ما بديلة أو مخالفة، كثيرًا ما يُتخذ الآن في حدود نطاق أضيق بكثير جدا.[5] ثمة تمييز نظري بسيط بين البديل والمخالف، أي بين امرئ يعثر ببساطة على طريقة مختلفة للعيش ويرغب في تركه يعيشها في سلام، وبين امرئ يعثر على طريقة مختلفة للعيش ويريد تغيير المجتمع في ضوئها. وهذا هو عادة وجه الاختلاف بين الحلول الفردية والجماعية الصغيرة للأزمة الاجتماعية والحلول التي تنتمي بالمعنى المضبوط إلى الممارسة السياسية، والثورية في المحصلة. لكن الخط الفاصل، على أرض الواقع، بين البديل والمخالف رفيع جدًا في الأغلب. فالتساهل الذي قد يقابَل به معنى أو ممارسة قد يعني تساهلًا مع انحراف، وقد لا يعني كونه انحرافًا أكثر من أنه مجرد طريقة خاصة للعيش كغيرها من الطرق. ولكن مع تمدد النطاق الضروري للتسيد النافذ، يمكن للثقافة المتسيدة أن ترى في المعاني والممارسات نفسها تحديًا لها لا مجرد تجاهل لوجودها أو ازدراء لها.

وبهذا تصل أي نظرية ماركسية عن الثقافة إلى مرحلة مفصلية تقتضي التمكن من تقديم شرح كافٍ لمصادر تلك الممارسات والمعاني. بمقاربة تاريخية عادية، يمكننا أن نفهم على الأقل بعض مصادر المعاني والممارسات المترسبة. فهي نتاج لتشكلات اجتماعية أسبق، تولدت فيها معانٍ وقيم حقيقية بعينها. ثم يحدث، فيما يعقب ذلك من تعثر مرحلة بعينها من مراحل الثقافة المتسيدة، رجوع إلى تلك المعاني والقيم التي تخلقت في ظل مجتمعات حقيقية في الماضي، وما زال يبدو لها شيء من الثقل إذ تمثل مناطق من الخبرة والتطلعات والإنجازات الإنسانية، تبخسها الثقافة المتسيدة أو تعارضها، بل وقد لا تستطيع الاعتراف بها. لكن مهمتنا النظرية الأوعر هي التوصل إلى شرح وتفسير للممارسة الثقافية البازغة يخلو من الماورائيات ومن العنديات. وعلاوة على ذلك، فإن جزءًا من إجابتنا على هذا السؤال يمس سيرورة مكوث الممارسات المترسبة.

الطبقة والممارسة الإنسانية

يضع متن النظرية الماركسية في متناولنا بالفعل أحد المنابع. ألا وهو تشكل طبقة جديدة، وعي طبقة جديدة بنفسها. ويبقى هذا، دون شك، أمرًا له أهمية محورية بحق. وبالطبع، فسيرورة التشكل هذه في حد ذاتها كفيلة بتعقيد أي نموذج بسيط من قاعدة وبنية فوقية. كما تزيد التعقيدات أمام نظرية الهيمنة في بعض طبعاتها التي لا جديد فيها، ودعك من أن هدف غرامشي برمته كان أن يشهد ويخلق خلقًا عن طريق التنظيم تلك الهيمنة من النوع الپروليتاري القادر على تحدي الهيمنة البورجوازية. لنا إذن في بزوغ طبقة جديدة مثال على مصدر أصيل لممارسة جديدة. ولكن علينا أيضًا تمييز أنواع أخرى بعينها من المصادر، وبعضها شديد الأهمية في السيرورة الثقافية. ودعوني أقول إن بإمكاننا تمييزها على أساس هذا الطرح: أنّ لا نمط إنتاج، ومن ثم فلا مجتمع أو نظام اجتماعيًا متسيدًا، ومن ثم فلا ثقافة متسيدة، يستنفذ وتستنفذ حقا ما هناك من ممارسة إنسانية، من طاقة إنسانية، من قصد إنساني. بل ولا يبدو لي أن هذا التأكيد مجرد طرح سلبي، يسمح لنا بتعليل أشياء بعينها تحدث خارج سياق التسيد. والعكس هو الصحيح، فحقيقة من حقائق أنماط التسيد أنها تقصي الممارسة الإنسانية بكامل طيفها بعد أن تنتقي منها. وصعوبات الممارسة الإنسانية خارج سياق التسيد أو في مواجهته هي بالطبع صعوبات جدية. والأمر كبير الاعتماد على ما إذا كانت الممارسة تقع في منطقة للطبقة المتسيدة والثقافة المتسيدة فيها ما تكسبه أو تخسره. فإذا كانت حسابات المكسب والخسارة ناصعة، ستجد ممارسات جديدة كثيرة يدا تمتد إليها، وتستوعبها إن أمكن، وإلا استؤصلت استئصالًا وبكل غلظة. ولكن في مناطق بعينها، ستوجد في فترات بعينها ممارسات ومعانٍ لا تُقرَب. ستوجد مناطق من الممارسة والمعنى تعجز الثقافة المتسيدة، بأي معنى جدي، عن تمييزها، عجزًا يكاد يكون بحكم الطبيعة المحدودة لهذه المناطق، أو بحكم حالتها من التشوه العميق. ويسمح لنا هذا بتحديد موقفنا من الفرق الملحوظ بين ممارسات دولة رأسمالية ودولة على غرار الاتحاد السوڤياتي المعاصر، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالكتّاب. فبما أن التراث الماركسي أجمع كله على أن الأدب نشاط مهم، بل مصيري، فإن الدولة السوڤياتية أشد صرامة في تمشيط المناطق التي يجرب فيها الكتاب طبعات مختلفة من الممارسة، معاني وقيما مختلفة، ويعبرون عنها. أما في الممارسة الرأسمالية، فإذا لم يكن الشيء جالبًا لربح، أو إذا لم يكن يوزَّع على نطاق واسع، أمكن لبعض الوقت إغفاله، على الأقل طالما بقي بديلًا. فإذا أصبح مخالفًا على نحو صريح، فإنه، بالطبع، يفاتَح أو يتعرض للهجوم.

مفاد كلامي إذن أن مناخ التسيد، بالنسبة إلى النطاق الكامل من الممارسة الإنسانية عند أي نقطة زمنية، عبارة عن عملية انتقاء وتنظيم واعية. واعية على الأقل في حالتها مكتملة التكوين. لكن هناك دائمًا مصادر للممارسة الإنسانية الحقيقية يهملها هذا المناخ ويستبعدها. وقد تكون هذه المصادر مغايرة للمصالح الآخذة في التطور والتعبير عن نفسها والخاصة بطبقة ناشئة. فقد تشمل، مثلا، تصورا بديلًا عن الآخرين، في العلاقات الشخصية المباشرة، أو تصورات جديدة عن المواد والوسائط، في الفن والعلوم، وفي حدود بعينها يمكن لهذه التصورات أن تمارس. والعلاقات القائمة بين النوعين من المصادر -الطبقي منها وذلك المتمثل في منطقة إنسانية مستبعدة- ليست بالضرورة وبأي حال من الأحوال علاقات تناقض. فأحيانا ما يكونان شديدي التقارب، وعلى العلاقات القائمة بينهما يعتمد الكثير مما يجري في الممارسة السياسية. أما ثقافيًا ونظريًا فيمكننا أن نرى منطقتين متمايزتين.

وبالعودة، في ضوء النقاش السابق، إلى السؤال الثقافي في صيغته الأكثر اعتيادية-ما هي أشكال العلاقة بين الفن والمجتمع، أو بين الأدب والمجتمع؟، فأول ما يقال هو أن أشكال العلاقة بين الأدب والمجتمع لا وجود لها بذلك التجريد. فالأدب موجود منذ البداية كممارسة قائمة في المجتمع. بل وإلى أن توجد، هي وكل ما عداها من الممارسات، فليس بالإمكان رؤية المجتمع بوصفه مكتمل التكوين. لا يكون مجتمع ماثلًا للعيان قابلًا للتحليل حتى تكون كل ممارسة من ممارساته قد توفرت فيه. لكن هذا التأكيد ناقص من دون تأكيد ضروري في الجهة المقابلة: أننا لا نستطيع فصل الأدب والفن عن الأنواع الأخرى من الممارسة الاجتماعية، بحيث نخضعهما لقوانين خاصة حقا ومنفصلة. فقد تكون لهما سمات خاصة حقا كممارستين، لكن لا يمكن عزلهما عن السيرورة الاجتماعية العامة. وما هي إلا إحدى طرق التأكيد على هذا أن ننفي، بإصرار، اشتغال الأدب حصرا داخل واحد من القطاعات التي سعيت إلى وصفها في هذا النموذج. سيكون من السهل القول، وهذا من البلاغات المألوفة، إن مجال عمل الأدب هو القطاع الثقافي البازغ، بأنه يمثل المشاعر الجديدة، المعاني الجديدة، القيم الجديدة. ربما نقنع أنفسنا بهذا الكلام نظريًا، بالحجة المجردة؛ فلمّا نكثر من قراءة الأدب، من أول الطيف إلى آخره، من دون التحايل بأن نسمي أدبًا فقط ما قد انتقيناه بالفعل بوصفه يجسد معاني وقيما بعينها وبدرجة بعينها من الشدة والكثافة، سيرغمنا هذا على الإقرار بأن فعل الكتابة، الممارسات الخطابية في الكتابة والكلام، إنتاج الروايات والقصائد والمسرحيات والنظريات، كل هذا النشاط يحدث في سائر مناطق الثقافة.

لا يظهر الأدب ويتبدى بأي حال من الأحوال في القطاع البازغ فقط، هذا القطاع الذي، في الحقيقة، دائما ما يندر فعلا وجوده. فالكثير من الكتابة هو من نوع مترسب، وقد صدق هذا بعمق على الكثير من الأدب الإنجليزي في نصف القرن الأخير. وقد انتمى بعض من صميم معانيه وقيمه إلى الإنجازات الثقافية الخاصة بمراحل ماضية بعيدة من مراحل المجتمع. وهذه الحقيقة، والعادات الذهنية القائمة عليها، واسعة الانتشار إلى حد أن «الأدب» و«الماضي» يصبح بينهما تطابق مؤكد في أذهان كثيرة، ومن هنا يقال إن الأدب كان وانتهى الآن: كل ذلك المجد انطوى. إلا أن معظم الكتابة، في أي فترة، بما في ذلك وقتنا الحالي، شكل من أشكال المساهمة في الثقافة المتسيدة النافذة. بل أن الكثير من خصائص الأدب، كفاءته في تجسيد وتقمص وأداء معانٍ وقيم بعينها، أو في أن يصوغ بأشكال خاصة فريدة، إبداعية، ما كان لولاه سيبقى مجرد حقائق عامة، يمكّنه، وبقوة هائلة، من تحقيق وظيفة هذه الثقافة بجعلها نافذة. ولا بد بالطبع أن نضيف إلى الأدب الفنون البصرية والموسيقى، وفي مجتمعنا هذا هناك الفيلم والإذاعة، هذان الفنان قويا التأثير. لكن النقطة النظرية العامة يفترض أن تكون واضحة. فإن كنا نبحث عن أشكال العلاقة بين الأدب والمجتمع، لا يمكننا أن نفصل هذه الممارسة الواحدة عن كيان متشكل قوامه ممارسات أكثر، ولا أن نحدد الممارسة الأدبية المعنية ثم نعقد علاقة موحدة وساكنة ولا تاريخية بينها وتشكل اجتماعي مجرد ما. ففنون الكتابة والفنون الإبداعية والأدائية، في نطاقها الكامل، أجزاء من السيرورة الثقافية بشتى الأشكال، وفي شتى القطاعات، التي حاولت أن أصفها. وهي تسهم في الثقافة المتسيدة النافذة وتمثل تعبيرًا مركزيًا عنها. وهي تجسد المعاني والقيم المترسبة، التي ليست كلها مستوعبة، وإن كان الكثير منها مستوعبًا. كما تعبر وبشكل يعتد به عن بعض الممارسات والمعاني البازغة، إلا أن بعضًا من هذه قد يستوعب في نهاية الأمر، إذ تصل إلى الناس وتبدأ التأثير فيهم. وهكذا ففي الستينيات، بان تمامًا في بعض فنون الأداء البازغة أن الثقافة المتسيدة طرقت بابها بغية تحويلها أو السعي إلى تحويلها. وفي سياق هذه العملية، بالطبع، فإن الثقافة المتسيدة نفسها تتغير، ليس في صلب تكوينها، ولكن الكثير من ملامحها المعبرة يتغير. وعلى كلٍّ فهي في مجتمع حديث لا بد أن تتغير دومًا على هذا النحو، إن كان لها أن تبقى متسيدة، إن كان للإحساس بها أن يظل مركزي الحضور وبأشكال حقيقية في سائر أنشطتنا واهتماماتنا الكثيرة.

النظرية النقدية بوصفها عملية استهلاكية

ما هي إذن ترتُّبات هذا التحليل العام على تحليل الأعمال الفنية المحددة؟ هذا هو السؤال الذي يبدو أن أغلب نقاش النظرية الثقافية يتوجه نحوه: اكتشاف طريقة، بل وربما منهجية، يمكن من خلالها فهم ووصف الأعمال الفنية المحددة. ما كنت لأوافق على أن هذا هو الاستخدام المحوري للنظرية الثقافية، لكن دعونا نفكر فيه للحظة. ما يبدو لي مسترعيًا جدا للانتباه هو أن أشكال النظرية النقدية المعاصرة تكاد كلها تكون نظريات استهلاك. أي أنها معنية بفهم شيء استعمالي بحيث يتسنى استهلاكه استهلاكًا مربحًا أو صحيحًا. كانت نظرية «الذوق» أبكر مراحل نظرية الاستهلاك، حيث هذا الرابط بين الممارسة والنظرية حاضر مباشرة في اسمها ذي الصورة الاستعارية. ومن الذوق جاءت فكرة «الحساسية» لتنقلنا إلى مستوى أرقى، حيث كان استهلاك عيون الأدب والفن عن طريق الحساسية هو الممارسة المعتنقة بوصفها عين القراءة، فصار النشاط النقدي وظيفة من وظائف هذه الحساسية.[6] ثم جاءت نظريات أكثر تطورا، في عقد 1920 مع إ.أ. رتشاردز، ولاحقا كما في حركة «النقد الجديد»، دُرست فيها تأثيرات الاستهلاك دراسة مباشرة. فصار الكلام عن العمل الفني بوصفه شيئًا استعماليًا بعبارات أصرح. «ما الأثر الذي يحدثه فيّ هذا العمل (أي القصيدة كما كانت توصف عادة)؟» أو، «ما أثره عليّ؟»، كما صيغ السؤال لاحقًا ضمن مجال أوسع كثيرًا يخص دراسات التواصل. فكان تطورًا طبيعيًا أنْ صارت فكرة العمل الفني بوصفه شيئًا استعماليًا، بوصفه نصًا، بوصفه مصنوعة معزولة، فكرة مركزية في كل نظريات الاستهلاك اللاحقة هذه. ولم يتوقف الأمر عند إغفال ممارسات الإنتاج، على الأخص وأن هذا الإغفال التحم مع الاعتقاد الذي مؤداه أن أغلب الأدب المهم على أي حال وصلنا من الماضي. كانت المحصلة أن الشروط الاجتماعية الحقيقية للإنتاج أُهملت إذ اعتُقد أنها في أفضل الأحوال ثانوية. فقامت العلاقة الحقة دائمًا بين الذوق، أو الحساسية أو تدريب القارئ، وبين هذا العمل المعزول، هذا الشيء الاستعمالي «في حد ذاته وكما هو حقا»، حسب الطريقة الشائعة التي عبر بها أغلب الأفراد. لكن فكرة العمل الفني بوصفه شيئًا استعماليًا كان لها تأثير نظري واسع إضافي. فأنت إذا طرحت أسئلة عن العمل الفني منظورا إليه كشيء استعمالي، قد يكون من بينها أسئلة عن مكونات إنتاجه. والحال، كما تصادف، أن أحد استخدامات الصيغة الجاهزة من القاعدة والبنية الفوقية كان منسجمًا مع هذا تمام الانسجام. فكانت مكونات عمل فني هي الأنشطة الحقيقية الخاصة بالقاعدة، وكان بإمكانك أن تدرس الشيء لتكتشف هذه المكونات. بل وكنت أحيانا تدرس المكونات ثم تسقطها على الشيء. أو أيا يكن لكن العلاقة المطلوب إيجادها كانت تقوم دائمًا بين شيء ومكوناته. لكن هذا لم يَصدق فقط على الافتراضات الماركسية لقاعدة وبنية فوقية. كان يصدق كذلك على شتى أنواع النظرية النفسية، سواء اتخذ شكل الأنماط البدائية، أو الصور الكامنة في اللاوعي الجمعي، أو الأساطير والرموز، التي اعتبرت هي مكونات الأعمال الفنية المحددة. أو، زد على ذلك، السيرة، أو السيرة النفسية وأشباهها، حيث كانت المكونات كامنة في حياة الإنسان وكان العمل الفني شيئًا تُكتشف فيه مكونات من هذا النوع. وحتى في بعض الأشكال الأشد رصانة من النقد الجديد والنقد البنيوي، فقد كتب البقاء لهذا الإجراء الضروري المتمثل في رؤية العمل بوصفه شيء يتعين اختزاله إلى مكوناته، حتى لو أنه قد يعاد تركيبه لاحقًا.

الأشياء الاستعمالية والممارسات

أعتقد الآن أن هناك أزمة بين هذه الرؤية للعمل الفني بوصفه شيء استعمالي وبين النظرة البديلة للفن بوصفه ممارسة، وهي أزمة زماننا الحقيقية في النظرية الثقافية. وبالطبع يأتي الاعتراض الفوري على هذا بأن العمل الفني هو شيء مادي: أن أعمالًا شتى بقيت من الماضي، منحوتات محددة، لوحات محددة، مباني محددة، وهذه أشياء. وهذا بالطبع صحيح، لكن طريقة التفكير نفسها تطبَّق على الأعمال التي ليس لها مثل هذا الوجود المادي المحدد. فليست هناك «هاملت» ولا «إخوة كارامازوف» ولا «مرتفعات وذرنغ» بالمعنى الذي توجد به لوحة عظيمة محددة. ليست هناك «سيمفونية خامسة»، ولا عمل واحد في سائر المجال الخاص بالموسيقى والرقص والأداء يتصف بأنه شيء مادي على نحو قابل للمقارنة مع تلك الأعمال التي بقيت في الفنون التشكيلية[7]. إلا أن عادة التعامل مع كل هذه الأعمال بوصفها أشياء مكثت لأن هذا افتراض نظري وعملي مسبق مبدئي. ولكن في الأدب، على الأخص في المسرح، وفي الموسيقى وفي رقعة واسعة جدا من الفنون الأدائية، ما بين يدينا ليس أشياء وإنما مدونات مرمَّزة. وهذه المرمَّزات يتعين تفسيرها بطريقة فاعلة، وفقا لتقاليد بعينها. بل إن هذا يصدق على مجال أوسع حتى من هذا. فالعلاقة بين صنع عمل فني وتلقي عمل فني هي دائما علاقة فاعلة، وتخضع لتقاليد، هي في حد ذاتها أشكال من التنظيم الاجتماعي والعلاقة الاجتماعية، وهذا مختلف جذريًا عن إنتاج واستهلاك شيء استعمالي. إن العمل الفني نشاط فاعل وممارسة، وهو في أشكاله الممسوكة، بالرغم من أنه قد يتخذ في بعض الفنون طابع شيء مادي، يظل ممسوكًا فقط من خلال التلقي الفاعل والتفسير. وهو ما يجعل الترميز، في فنون كالمسرح والأدب والموسيقى، مجرد حالة خاصة من حقيقة أوسع كثيرًا.

وما يمكن لهذا أن يبينه لنا هنا بشأن ممارسة التحليل أن علينا القطع مع فكرة عزل شيء مادي ثم اكتشاف مكوناته. فعلى العكس علينا أن نكتشف طبيعة ممارسة ثم شروطها. وكثيرًا ما قد تتشابه هاتان العمليتان جزئيًا: وفي حالات أخرى كثيرة تكونان من نوعين مختلفين جذريًا. ولعلي أختتم بملاحظة على الطريقة التي يمس بها هذا التمييز التراث الماركسي الخاص بالعلاقة بين الممارسات الاقتصادية والاجتماعية الأولية والممارسات الثقافية. إذا افترضنا أن ما يُنتَج في الممارسة الثقافية هو سلسلة من الأشياء، فلسوف نشرع، كما في أغلب الأشكال الرائجة من اتباع إجراء علم اجتماعي-نقدي، في اكتشاف مكوناتها. وفي إطار تأكيد ماركسي ستكون هذه المكونات آتية مما اعتدنا أن نسميه القاعدة. سوف نعزل ملامح بعينها يمكننا إن جاز التعبير أن نميزها في شكلِ مكوِّن، أو سنسأل بأي سيرورات تحول أو توسط مرت هذه المكونات قبل أن تصل على هذه الحالة الممسوكة. لكني أرى أن ما يجب أن نبحث عنه ليس مكونات منتج وإنما شروط ممارسة. فعندما نجد أنفسنا نعاين عملًا محددًا، أو مجموعة أعمال، مدركين في الأغلب، بينما نفعل ذلك، جماعيتها الصميمة بقدر فرديتها غير القابلة للاختزال، يُفترض أن يصرفنا ذلك إلى واقع ممارستها وشروط الممارسة حسبما نُفِّذت. وأظن أن أسئلتنا النابعة من هذا مختلفة جوهريًا. تأمل مثلا الطريقة التي تعقد بها الصلة في النقد العقائدي القويم بين ما هو شيء وبين نوع فني. فنحن نتعرف عليه من ملامح بارزة معينة، ثم نلحقه بتصنيف أعم، النوع الفني، ثم قد نجد مكونات النوع في تاريخ اجتماعي محدد (وإن كان حتى ذلك مفتقَدًا في بعض تناويع النقد الماركسي، فيُفترض أن يكون النوع الفني تصنيفًا ثابتًا ما، ينتمي إلى مقولات العقل). لا يبدو أن هذا النوع من متابعة العملية هو المطلوب. فتمييز علاقة نمط جمعي بمشروع فردي -وهذان هما المقولتان الوحيدتان اللتان يمكننا افتراضهما مبدئيًا- يعني تمييز ممارستين متصلتين. أي أن المشاريع الفردية فرديةً لا تُختزل والتي هي الأعمال المحددة، قد يكون من شأنها إذ نَخبرها ونحللها أن تُظهر تشابهات تسمح لنا بتجميعها في أنماط جمعية. وهذه الأنماط ليست دائمًا أنواعًا فنية بأي حال من الأحوال. فقد توجد في هيئة تشابهات داخل أنواع فنية وعابرة لها. قد تكون ممارسة لجماعة في فترة زمنية، أكثر منها ممارسة خاصة بطور من أطوار نوع فني. ولكن إذ نكتشف طبيعة ممارسة محددة، وطبيعة العلاقة بين مشروع فردي ونمط جمعي، نجد أننا نحلل كلًا من تأليفها الفاعل وشروط تأليفها، كشكلين للسيرورة نفسها، وفي أي من الاتجاهين يتمخض هذا عن مركَّب من تمدد العلاقات الفاعلة. ويعني هذا، بالطبع، أننا بلا إجراء متبع تمليه طبيعة الشيء. ما لدينا هو مبادئ العلاقات بين الممارسات، في إطار تنظيم قصدي قصدية قابلة للاكتشاف، ولدينا الفرضيات الخاصة بالمتسيد والمترسب والبازغ. لكن ما نبحث عنه بحثًا فاعلًا هو الممارسة الحقيقية التي استُلبت إلى حد التشيؤ، والشروط الحقة لممارسة -سواء كتقاليد أدبية أو كعلاقات اجتماعية- والتي استُلبت لتصبح مكونات أو مجرد خلفية. وهذا الطرح العام في الأساس بغرض التوكيد، لكن يبدو لي أنه تطبيقًا وتنظيرًا، يرجّح في آن معا نقطة القطيعة مع، ونقطة الانطلاق من، تراث ثقافي ماركسي فاعل ومتجدد.

 

[1] الكلمة في الأصل الألماني هي: bestimmt، وفي النص الإنجليزي: determines أما في العربية فدائمًا ما تترجم إلى «يحدد» كما في هذه النسخة العربية من الجملة التي يشير إليها وليمز (في تصدير/مقدمة الطبعة الأولى، 1859، من [«نحوَ نقد الاقتصاد السياسي»] Zur Kritik der Politischen Ökonomie أو «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» A Contribution to the Critique of Political Economy): «في إنتاج الناس الاجتماعي لحياتهم يدخلون في علاقات محددة، ضرورية ومستقلة عن إرادتهم، وهي علاقات إنتاج تطابق درجة معينة من تطور قواهم الإنتاجية المادية. ويشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي يشكل الأساس الحقيقي الذي يقوم فوقه صرح علوي قانوني وسياسي وتتمشى معه أشكال اجتماعية. فأسلوب إنتاج الحياة المادية هو شرط العملية الاجتماعية والسياسية والعقلية للحياة بوجه عام. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.« («نقد الاقتصاد السياسي»، كارل ماركس، ترجمة راشد البراوي، الطبعة الأولى، 1969، دار النهضة العربية، القاهرة). وتستخدم ترجمة أخرى الكلمة نفسها بالتبادل مع «يعيّن»: «فأسلوب إنتاج الحياة المادية يعيّن عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة، وليس وعي البشر هو الذي يحدد كينونتهم بل كينونتهم الاجتماعية هي التي تعيّن بالعكس وعيهم.« («إسهام في نقد الاقتصاد السياسي»، ترجمة أنطون حمصي، 1970، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، دمشق).—المترجم.

[2] الأرجح أن المؤلف يشير إلى الفقرة نفسها المشار إليه آنفا (انظر الهامش السابق)، لكنه إذ يعود ويشير إليها بشكل محدد في كتابه (Marxism and Literature (Oxford: Oxford University Press, 1977), p76)، يبدو أنه يصحح قراءته فينسب صيغة الجمع إلى ترجمة إنجليزية واسعة الانتشار لا إلى الأصل الألماني وهو: «ein juristischer und politischer Überbau«.—المترجم.

[3] هذه إشارة إلى مصطلح ومفهوم «المرحلة الاقتصادية-الجامعة» fase economico-corporativa عند غرامشي، سواء في تشكل الدولة أو الحركات المناهضة للنظام، وهي مرحلة بدائية لا تعني على سبيل المثال تضامنا حقيقيا بين الطبقات المَسودة أو وعيا حقيقيا بالمعنى الأوسع للمصالح المشتركة، فتَجمع فقط على أسس اقتصادية ضيقة، بين النقابي وزميله على سبيل المثال، أو الحرفي والحرفي. ويرد المصطلح في الأدبيات العربية المؤلفة والمترجمة بأشكال متنوعة تختلف في نقل كلمة «corporativa أو كما في الإنجليزية «corporate».—المترجم.

[4] في بعض الإشارات العربية لنموذج وليمز، كما في بعض الترجمات لأعمال تشير إليه، ترد مصطلحاته الخاصة بالثقافة هكذا في الأغلب: «المهيمنة»، «المعارضة»، «المتبقية»، «المنبثقة»، عوضًا عن اختيارات المترجم هنا وهي (على الترتيب): «المتسيدة»، «المخالفة»، «المترسبة»، «البازغة». ومن غير الواضح لي إن كان اختيار «البديلة» أيضا فيه اختلاف. ويبدو أن أيا من هذه المصطلحات لا يرد في كتب وليمز المترجمة القليلة نسبيًا وهي: «أورويل»، ترجمة ماهر كيالي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر (أعلام الفكر العالمي: ؟)، بيروت، 1976؛ «الثقافة والمجتمع (1780-1950)»، وجيه سمعان، دار الشؤون الثقافية العامة (آفاق عربية: ؟)، بغداد؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب (الألف كتاب الثاني: ؟)، القاهرة، 1986(مشروع النشر المشترك—وطبعة لاحقة: مكتبة الأسرة (الأعمال الفكرية: ؟)، 2001)؛ «طرائق الحداثة: ضد المتوائمين الجدد»، فاروق عبد القادر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (عالم المعرفة: 246)، الكويت، 1999؛ «الكلمات المفاتيح: معجم ثقافي ومجتمعي»، نعيمان عثمان، المركز القومي للترجمة (المشروع القومي للترجمة: 980)، القاهرة، 2005(وطبعة لاحقة: المركز الثقافي العربي، 2007). ويشير فاروق عبد القادر في «طرائق الحداثة» إلى ترجمة عربية، تعذر الوصول إلى معلومات عنها أو التأكد من وجودها، لكتاب وليمز المبكر (1952) «الدراما من إبسن إلى إليوت». والجدير بالذكر أنه قد تلت ظهور أحدث هذه الترجمات طبعة عربية من كتاب جماعي يبني على مشروع وليمز المعجمي الثقافي: «مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع»، سعيد الغانمي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2010.—المترجم.

[5] أو بعبارات أوضح وأبسط كما ورد في كتابه الصادر في 1977، وغير المترجم إلى العربية (والتغليظ من عندي): «وهكذا فقد تعاظم الآن إلى حد يعتد به نطاق التوغل النافذ للنظام المتسيد في كامل السيرورة الاجتماعية والثقافية. وهذا بدوره يضيف لمشكلة البزوغ حدة خاصة، ويضيق الفجوة بين العناصر البديلة والمخالفة.» (Raymond Williams, «Dominant, Residual and Emergent,« p. 126 in Marxism and Literature. Oxford: Oxford University Press, 1977.)—المترجم.

[6] من بين كل المصطلحات والمفاهيم الواردة في المقال فإن «ذوق» taste و«حساسية»  sensibility هما من بين الكلمات القليلة التي أفرد لها وليمز مداخل في معجمه للكلمات المفتاحية (إضافة إلى «حتم» determine و«توسط» mediation و«هيمنة» hegemony)، إذا استبعدنا بالطبع كلمات كبيرة وعامة مثل «أدب» literature و«ثقافة» culture و«نقد» criticism. وبينما يقدم وليمز لكلمة «culture» باعتبارها من بين أعقد كلمتين أو ثلاث في اللغة الإنجليزية، يستهل مدخل «sensibility» واصفًا إياها بأنها «كلمة شديدة الصعوبة» دلاليًا وتاريخيًا. والملاحظ أنه بينما كان استخدامها قد تراجع في الغرب كما يشير هو، إلا أنها ما زالت حاضرة وبقوة في الخطاب النقدي العربي، حضورًا يبدو أنه تزايد تحديدًا بعد تراجعها ذلك، ما يدعو إلى نقاش مستقل لها، تتبعا لتواريخها وتطويرا لتعريفاتها وفكًا لالتباساتها. المترجم.

[7] ربما أكون قد سمحت لنفسي هنا بتصويب الأصل إلى «الفنون التشكيلية»، بدلًا من ترجمته بأمانة زائدة إلى «الفنون البصرية». فالصور المتحركة هي من الفنون البصرية وهي مثل الموسيقى والأدب لا وجود فيها لأصل أو عمل مادي، والفرق بين الفيلم السينمائي بالذات واللوحة هائل وحاسم من هذه الناحية تكنولوجيا وسياسيا. التناول النقدي المؤسس لهذا الفارق هو بالطبع مقال ڤالتر بنيامين «العمل الفني في عصر الاستنساخ الميكانيكي». المترجم.

اعلان
 
 
رايمند وليمز 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن