للمنفى قصة أخرى: أنو كاشينا
 
 

في مثل هذه الأيام، قبل تسع سنوات، مرت ثورة كبرى من شوارع وميادين القاهرة والإسكندرية وعدد من المدن المصرية بمحافظات في الدلتا والقناة والصعيد، ثورة لم يتوقعها النظام أو صانعوها والمشاركون بها. حققت الثورة انتصارًا، لم يبد منقوصًا حينها؛ خلعت رأس النظام، الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتسببت في ارتباك شديد للدولة العميقة. تصاعد هذا الارتباك مع أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ مصر الحديث، والتي جلبت للحكم جماعة الإخوان المسلمين في البرلمان ثم الرئاسة. انقلب الشعب على الجماعة وأطاح الجيش بها في 2013. 

منذ هذا التاريخ، تعيش مصر إغلاقًا تامًا للمجال السياسي، وكان من ضمن مظاهر هذا الإغلاق معاقبة كل من كان لهم علاقة بشكل ما بثورة 2011. الجميع مهدد بالسجن، الذي أصبح سياسة منهجية، أو بالتشويه في أقل الأحوال. هذا الوضع دفع العديد ممن كانوا أكثر حظًا إلى الهجرة بأشكال مختلفة، في واحدة من أكبر موجات النزوح الجماعي من مصر الحديثة. ورغم تعدد أسباب النزوح بين الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن الأسباب السياسية حظيت بنسبة كبيرة من أسباب النزوح لهؤلاء الذين كان لهم دورًا في إرباك النظام في 2011.

تبدو كلمة المنفى في أذهان الكثيرين منا شاعرية للغاية، تعكس الهزيمة وتعكس أيضًا النجاة من الهزيمة. تحمل الكلمة ثقلًا كبيرًا. في حركة تاريخ العالم، كانت، ولا زالت، هناك موجات نزوح جماعية في أوقات الاضطرابات السياسية؛ خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، خلال حكم النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا، والآن مع الحروب الأهلية في دول إفريقية وعربية، ما خلق أزمة عابرة للحدود تتعلق باللاجئين.

دخل منفيون حيوات جديدة منعزلة عن ماضيهم، وغرق آخرون في حنين لبلادهم التي أُجبروا بدرجات مختلفة على تركها. في مجموعة القصص هذه نتحدث مع الذين عاشوا في مكان بين قطيعة الماضي والحنين.. الذين جعلوا من حيواتهم في المنفى بداية جديدة، ليست بالتحديد منفصلة عن ماضيهم المنخرط في البلد الأم.

استغرق الترتيب لهذه المقابلة، التي جرت في كافيه مكسيكي بمنطقة بروكلين في نيويورك أكتوبر الماضي عدة أشهر، حيث كان أنو كاشينا، الراقص الثلاثيني من مواليد المعادي في القاهرة والمقيم حاليًا بنيويورك، في محاولات مستمرة لخلق استقراره في المدينة الصاخبة.

يعمل أنو كبائع بدوام جزئي في أحد المحال التجارية. في وقته الآخر، يحاول أن يرقص.

اسم كاشينا بالهندية يعني «الولد اللي روحه بترقص، واسم أنو هو اسم الدلع اللي بحبه» يقول أنو الذي فضل استخدام هذا الاسم عوضًا عن اسمه الرسمي، خاصة بعد أن أصبح الاسم المعروف به منذ سنوات.

كجزء من منحته الدراسية الثقافية في نيويورك، التي حصل عليها في 2017، نظم أنو عروضًا حظيت على تقدير جيد، ما فتح أمامه فرصًا في مهرجانات فنية خارج نطاق الجامعة في المدينة وخارجها. كانت عروضه الفنية ولا تزال منطلقة من تجربته المصرية. «اشتغلت على مشاريع لها علاقة بالثورة والسجن، وموت الأمل والموت البطيء، وعدم مرور الوقت، عن عقوبة الإعدام، وعن الحبس الانفرادي، وعن قد إيه أنا حر هنا وأنا عقلي في مصر اللي مفيهاش حريات. كنت مهتم إني أعبر عن نفسي وكمان أنقل للناس هنا اللي بيحصل في الجزء ده من العالم. كنت كمان حاسس بذنب ومسؤولية إني مشيت».

قدم أنو عرضًا راقصًا عن الإعدام في مظاهرة احتجاجية في العاصمة الأمريكية واشنطن. ربما لم يكن أنو مسيسًا بالمعنى التقليدي، لكنه وجد دورًا سياسيًا من خلال إمكاناته، وهي الرقص والتعبير الجسدي. ما لم يقله أنو أيضًا عن الرقص أنه لا يبدو وكأنه وسيلته للتعبير عن نفسه فقط، لكنه يبدو كوسيلته للتصالح مع ما مر به، وأوصله إلى نيويورك في نهاية المطاف.

أنو أثناء إجراء المقابلة معه في كافيه مكسيكي في بروكلين

خلال العرض الأول لأنو في الشارع في مصر شعر بتوتر غير معتاد لا يشعر به على خشبة المسرح، لكن سرعان ما ذهب هذا التوتر، «لما الناس العادية اللي مش بيروحوا المسارح واللي كانوا مكرمشين وشهم اتبسطوا»، لذلك أصبحت عروض الشارع هي الأحب إلى قلبه. وحين رقص في شوارع نيويورك للمرة الأولى كان شعوره مختلفًا. «حسيت أن الناس نضيفة قوي، وأن الرقص متاح، وافتكرت الرقص  في مصر، وحسيت إني عايز أرقص هناك في الحتة اللي فيها مشاكل».

هو يفضل أن يقدم عروضًا راقصة حيث الرقص غير متاح وغير معتاد، حين يكون تجربة جديدة لشخص يمر بالصدفة، ولم ير عروضًا مسرحية في حياته، لكنه لن يقدم جديدًا ربما لشخص رأى عشرات العروض بالشارع والمسرح. هذه ربما المشكلة الأولى التي يقصدها أنو، أما المشاكل الأخرى قد ترتبط بحياته الإشكالية في مصر، والحياة الإشكالية في مصر بشكل عام التي أثقلته بتجارب، حتى إن كانت مريرة، إلا أنها كانت مادته في التعبير عن نفسه من خلال الرقص.

في مصر، ارتبط شعور أنو بالغربة باختياراته الشخصية بالأساس، لهيئته غير التقليدية، ومهنته غير المعتادة أيضًا. علاقته المتحررة بجسده، خارج الحدود التي وضعها المجتمع للحفاظ على انغلاقه، جعلته يعاني كثيرًا. رغم اعتياده سماع تعليقات حادة وعنيفة أحيانًا بسبب شعره الطويل، واصطياده من قبل الأمن أيضًا بسبب «شكله»، إلا أن الأمر كثيرًا ما أربكه وأربك علاقته مع جسده، وهي العلاقة الهامة في مهنته كراقص، لذلك هذا النوع من الاغتراب تحديدًا لم يشعر به في نيويورك.

ولكن الاندماج في واحدة من أكبر مدن العالم وأسرعها إيقاعًا لم يكن هينًا. فهو لم يستطع حتى هذه اللحظة، منذ وصوله هنا في 2017، الانسجام بشكل كامل مع موجة المدينة. شهره الأول في نيويورك كان مربكًا، «مكنتش بخرج، كنت بروح الجامعة وأروح، مكنتش عارف لا أتعامل وأتفاعل مع الناس هنا ولا أصحابي في مصر». أصبح الأمر أكثر صعوبة بعد انتهاء المنحة الدراسية التي حصل عليها في نهاية 2018، ففي النهاية كانت حياته وقت المنحة أكثر استقرارًا، لأنه كان يحصل على راتب من الجامعة كجزء من منحته.

بعد انتهاء المنحة قرر أنو البقاء في الولايات المتحدة، خاصة أن جميع أصدقائه نصحوه بعدم العودة، فبدأ في توفيق أوضاعه كلاجئ. يقول «نقلت لبيت تاني كان غالي شوية، وبدأت أدور على شغل. ملقتش شغل، ودفعت كل فلوسي اللي كنت محوشها في الإيجار. ملقتش شغل لإني معنديش ورق، وكان عندي مشاريع رقص موقوفة عشان الورق بردو. في يناير 2019 لقيت شغل مش محتاج ورق في محل بيتزا لكني كنت بشتغل خمس أو ست أيام عشر ساعات يوميًا أو أكتر، فمكانش عندي أي وقت أعمل أي حاجة تانية، غير مقابلة المحامية اللي بتساعدني في وضعي القانوني. قعدت في محل البيتزا لحد أول يونيو، عشان طلعلي تصريح عمل، فمشوني عشان مايدونيش فلوس أكتر( تصريح العمل يفرض على صاحب العمل حقوق مالية واجتماعية له). لما دورت على شغل تاني طلبوا مني ضمان اجتماعي (وهو رقم يحصل عليه المواطنون الأمريكيون والمقيمون هناك، ويمكنهم من العمل بشكل قانوني، لأنه مرتبط بالدخل والضرائب على الدخل)، مكانش موجود، اضطريت اسيب بيتي وأقعد عند أصدقاء شهرين. في شهر سبتمبر طلعلي الضمان الاجتماعي، ولقيت أوضة في بيت. كانت مخزن، قعدت أنضفه شهرين».

يشعر أنو بالامتنان لوجوده في نيويورك، لكن هذا الامتنان ممزوج بذنب تجاه أصدقائه الذين تركهم في مصر. لا يزال غير مستقر، لكنه يعتقد أن الزمن سيغير من الأمر، خاصة أنه هناك منذ سنتين فقط. يصف أنو مكانه المركب بين هنا وهناك «صحيح أنا قادر أمشي في الشارع براحتي، لكن خبرتي مع الأذى بتخليني خايف من الأذى حتى هنا. لو لقيت حد بيبصلي مثلا لسة بتوتر. بالمقارنة بمصر عايش حياة لطيفة على مستوى الحرية الشخصية. محدش هيحكم على شكلي هنا زي مصر. أنا غريب عن الثقافة والمجتمع، عشان لسة معرفهاش. وعشان الناس هنا بتخاف من بعض، لكن ماقدرش أقول إني حاسس بغربة هنا لإني كنت حاسس بغربة في مصر».

يحاول أنو الاندماج مع المجتمع العربي في المدينة، ويحاول التركيز في مشاريعه الفنية، لكنه عالق في شعور صاحبه من مصر وهو: «دايما حاسس إني مش من حقي حاجات كتير، حتى على المستوى الشخصي. فالنتيجة إني ممكن أتنسى عادي».

حين اندلعت الثورة في يناير 2011، كان أنو في عامه الدراسي الثاني بإعلام جامعة القاهرة للتعليم المفتوح. «لما قامت الثورة حسيت أن وجودي في الشارع أفيد من إني أكتب فنفضت لإعلام، كنت حاسس إني بعرف أجري بعرف أحدف طوب، ففضلت في الشارع، وما حبيتش كمان طريقة التعليم في الجامعة، فسبتها».

قبل اندلاع الثورة، كانت هناك مجموعات سياسية منظمة، وكان هناك دائمًا الأشخاص المتواجدون على أطراف العمل السياسي، هم مهتمون ومتابعون، وقد يشاركون بالمصادفة بين الحين والآخر، لكنهم لا ينتظمون سياسيًا، كانت الثورة المصرية ساحة لهؤلاء الأشخاص لانخراط سياسي أكبر. كان أنو ممن كانوا على الأطراف، فكانت له مشاركات سياسية متقطعة وغير منظمة، كمشاركته عدة مرات في توزيع منشورات سياسية لحركة 6 أبريل والجمعية الوطنية للتغيير، ومشاركته في بعض التظاهرات في الفترة بين 2008 و 2010. خلال ذلك الوقت، ألقي القبض عليه لمدة يومين أثناء حضوره إحدى المباريات بسبب حيازته «كتاب عن اليهود»، على حد قوله.

لم تكن تلك المرة هي الوحيدة التي ألقي القبض عليه فيها، ورغم أنه كاد أن يقبض عليه أكثر من مرة في مشاركاته بأحداث الثورة من يناير 2011، والتي توقفت بعد 30 يونيو 2013، بعد شعوره بأنه لم يعد طرفًا في المعركة بين الإخوان والدولة، ولكن لسوء حظه كانت المرة الثانية التي يلقى القبض عليه في أغسطس 2013، للاشتباه في كونه «إرهابي».

«يومها كنت راجع من شغلي في محل هدوم في المهندسين، ورايح أجيب واحدة قريبتي عشان كان فيه مظاهرات وعنف، سألت عسكري جيش عشان الطريق مقفول، شافني بتيشيرت مكتوب عليه (الواقع اتفشخ) وشورت وكروكس وبوني تيل فشكلي ماعجبوش فقالي أنت مش هتمشي من هنا، وكلبشني وشتمني وفتشوا في حاجتي وقعدوا يسألوني عن تأشيرات السفر، ولقوا كتب سيناريو وفلاشات عليها أفلام فخدوها عشان يشوفوها، وابتدت ناس عادية تيجي تشتم وعايزين يضربوني».

اتضح له بعد قليل أن المارة والعساكر ظنوا أنه قناصًا كان يضرب عليهم نارًا من أعلى إحدى البنايات المجاورة، فاعتدوا عليه بالضرب قبل تسليمه لضباط الداخلية. يقول «سلموني للداخلية واتحبست في مدرعة واتكهربت. واتضربت ضرب مبرح، لغاية دلوقتي آثار الضرب موجودة، وقعدت أيام بعدها مش قادر أبلع. ودوني مديرية أمن الجيزة واتضربت تاني واتحقق معايا. وقت الضرب اتصورلي فيديو واتنشر، فابتدت الناس تقول إن ده راقص مش إرهابي. بالليل جم محامين وخرجت تاني يوم الضهر من النيابة، واشترطوا لخروجي إني أقول إن الشعب اللي ضربني وأن الجيش والشرطة هم اللي حموني.. أنا مافرقش معايا».

هذا الحادث بدأ بسبب شكل أنو الذي لم يعجب الضباط على حد قوله، فالشعر الطويل يعني أنه عضو في 6 أبريل، لكنه في الحقيقة شعره الطويل هذا لم يعجب المجتمع كله طوال حياته، يقول «من زمان وأنا مطول شعري، وكان عندي مشكلة مع المجتمع، وخصوصا وقت الجامعة أنهم بيعاملوني إني كائن فضائي».

كان لواقعة القبض والتعذيب تأثيرًا كبيرًا على أنو، الذي دخل في مرحلة سيئة من التعب النفسي، ربما بدت مظاهره في الارتباك الذي كان واضحًا في محاولاته لتجاوز ما حدث. «كنت بشوف حاجات غريبة وخيالات، وفكرت في الانتحار، وقعدت شهر ونص مابنزلش. التجربة دي أثرها النفسي لسة موجود. للتعافي كملت نزول مظاهرات زي مظاهرة الشورى، وشغلت نفسي جدًا بالشغل والرقص، لكن اكتشفت أن الانشغال ده مكانش صحي، واكتشفت ده هنا في نيويورك وأنا لوحدي مفيش أصحاب يشغلوني. مكنتش بعرف أنام، مكنتش عارف أتدرب ومش قادر أفكر في أي حاجة غير اللي حصلي. وده ابتدى يحصل بعد ما جيت بتلات شهور، وزاد بعد ما كملت سنة هنا».

أنو في بروكلين نيويورك

لم يكن أنو قد تعافى بعد مما حدث له في أغسطس 2013، حتى قبض عليه في 21 يونيو 2014 من مسيرة إلى قصر الاتحادية، كانت تطالب بالإفراج عن المعتقلين، وهي القضية التي عرفت فيما بعد باسم «مسيرة الاتحادية» وحكم على معتقليها ومن ضمنهم أنو بالسجن ثلاث سنوات، خفف إلى سنتين، ثم خرجوا في عفو رئاسي قبل انقضاء المدة في سبتمبر 2015.

بدأ ذلك اليوم بشكل جيد عكس نهايته. كان أنو يصمم للمرة الأولى عرضًا راقصًا. بعد انتهاء البروفة، توجه إلى نقطة التجمع، وبدا له أن هذه المظاهرة لن تمر على خير، لأن المنطقة «كانت متلغمة أمن» على حد قوله. قرر منظمو المسيرة تغيير الاتجاه، لكن الأمر لم ينجح، فـ «البلطجية» المتعاونون مع الداخلية لاحقوهم بالسيارات قبل الهجوم عليهم. «ودوني قسم النزهة ولقيت 30 حد هناك، محدش حقق معايا، وهم مكانوش فاهميني بدقتي وشعري والشبشب وشكل محفظتي. ما تحققش معايا. اتهمونا إننا سرقنا 50 جنيه من محل وكسرنا ممتلكات خاصة وعامة، سابوا ناس، وفضلوا حابسيني أنا وأربعة كمان. رحت النيابة تاني يوم، وقعدنا خمس أيام في القسم وبعدين ودونا سجن طرة استقبال، قعدت فيه لغاية ما خرجت».

كانت تجربة السجن بالنسبة لأنو نفسية بالأساس، يصفها بأنها من أكثر التجارب المؤذية في الحياة، «قاعد في شبرين، زنزانة تلاتة متر فيها 14 واحد في عنبر إسلاميين، وكانوا دايما بيسخنونا على بعض. التريض كان بيبقى في قفص مقفول أو في العنابر. في البداية كانت الكتب بتدخل، بعدين كل حاجة اتمنعت حتى العيش. فكرة أن مفيش أي خصوصية في السجن حتى لو مع حبايبك حاجة مرعبة. قعدت أسبوعين في التأديب عشان موبايل في الزنزانة. اتضربنا مرات في خلافات مع الضباط ومع الإسلاميين واتحلقلي مرتين، واتهددنا من إسلاميين محكوم عليهم بالإعدام وحبسونا شهر ونص في الزنزانة خوفًا علينا لحد ما نقلونا».

اكتشف أنو أن الطريق الذي اختاره يمتد تأثيره على القريبين منه. «كان بييجي يزورني أخويا وأختي، والدي كان كبير في السن وما يقدرش ييجي، أبويا من حزنه بعد الحكم عليا بتلات سنين جاله القلب، وعمل عملية من غير ما اعرف. أختي اللي كانت لسة والدة كانت بتيجي الزيارة وبيتم التحرش بيها في التفتيش وهي داخلة. الناس دي مالهاش ذنب، صحابي اللي كانوا بييجوا وما يعرفوش يدخلوا. أبويا أتوفى بعد ما خرجت بأربع شهور».

في الأشهر الأولى بالسجن، كان أنو يفكر في مشاريعه الفنية المُعطلة. «كان نجمي طالع في الرقص، ومع التأجيلات كنت بفكر أن مشاريعي باظت، لكن كنت بفكر أنهم هيكدرونا شوية ويطلعونا، لما جه الحكم كان خلاص. كنا عايزين نخرج بأي شكل، لكني تأذيت من الخروج بعفو، لأني حسيت إني قليل وأنه بيتمن علينا وأننا بنتخلى عن مبادئنا وكده، لكن أنا كنت وصلت لمرحلة إني هموت واشوف الشارع».

أنو في منزله في نيويورك يرسم مشاهد عرضه القادم

بدأ أنو في ممارسة الرقص المعاصر في 2010، لكنه احترف المهنة بعد الثورة، حيث شارك في عروض جماعية وفردية في مسارح بالقاهرة والإسكندرية، وفي مهرجانات فنية، لكن الرقص لم يكن أبدًا كافيًا للمعيشة، لذلك كان عليه دائمًا تأمين فرص عمل أخرى للمعيشة، «اشتغلت كل حاجة، شيال ونحات وفي الكهربا والنجارة واشتغلت في بنك، لكن محلات اللبس يمكن هي أكتر حاجة اشتغلت فيها».

بعد خروجه من السجن، حاول أنو الاندماج، لكنه لم يستطع تجاوز تجربتي السجن والتعذيب. لم يعد إلى طبيعته، كل الأماكن والشوارع والأشخاص كانوا يذكرونه بما مر به. بعد ثلاثة أشهر من خروجه حاول شغل نفسه بالعودة إلى العمل، فتقدم للدراسة في مدرسة للرقص المعاصر في نوفمبر، وكانت مدة الدراسة عام. خلال ذلك العام ازدادت الأمور صعوبة. كان أنو يشعر دائمًا بأنه تحت المراقبة، كان يرى وجوه غريبة في الشارع، منها وجوه من عذبوه والضباط المسؤولين عن سجنه. بينما ازداد شعوره بالغربة، مع التعليقات الساخرة والمسيئة التي كان يستمع إليها يوميًا من المارة تعليقًا على شكله، في طريقه من منزله إلى مدرسة الرقص.

كوابيسه التي تتعلق باعتقاله مجددًا جعلته يشعر بخوف دائم عطله حتى عن التركيز في الشيء الذي يحبه وهو الرقص، فكان القرار هو السفر.

«أصدقاء ساعدوني إني أدور على منح وأقدم، وخلال 2016 بعت لأكتر من منحة، منهم اللي اخدتها في أمريكا واتقبلت في أبريل 2017»، لكن الأمور في مصر لا تجري بهذه السلاسة. يقول أنو «يوم الإيميل اللي جالي بقبولي في المنحة كنت بدفن واحد صاحبي مات في حادثة، فمعرفتش اتبسط بالمنحة». لم يعلم أنو على الفور تفاصيل منحته الثقافية، التي يقبل فيها أولًا، ثم تحدد الجامعة والمدينة التي سيقيم فيها في الولايات المتحدة، لاحقًا، كان الاختيار جامعة نيويورك، وكان السفر في نوفمبر 2017 لمدة عام كمنحة ثقافية للعمل على مشروع فني.

«كنت خايف إني معرفش أسافر، حسيت الدنيا بتتقفل وبتبوظ، وكان عندي قلق دايم إني هاتمسك. كنت بمشي اتلفت حواليا طول الوقت. كنت قلقان طبعا اتمسك في المطار، وكنت مخضوض وقلقان من المجهول، لأن خبرتي مع المجهول أنه دايمًا خرة. فضلت شوية بعد ما سافرت حاسس أنهم جابوني غلط، من كتر ما كل حاجة كانت مفتوحة قدامي وأنا بس المفروض اشتغل. أنا متعود أن كل حاجة مقفلة. كان عندي سكن ومكتب في الجامعة وكل اللي بطلبه بيحصل، فقعدت مع مديرة الجامعة أتأكد أنهم مش جايبيني بالغلط».

اليوم، وبعد سنتين في المدينة، المرة الوحيدة التي فكر فيها أنو في العودة إلى مصر كانت في سبتمبر، «حسيت إني عايز أرجع مصر في الشارع». بسبب شعوره بالغضب شارك أنو عددًا من المصريين في نيويورك تظاهرات تضامنًا مع احتجاجات سبتمبر ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي كان متواجدًا في المدينة في ذلك الوقت، ومنذ ذلك الحين يحاول بعض المصريين بنيويورك تطوير تحركات سياسية أوسع على حد قوله.

كانت مظاهرات سبتمبر قد دعا إليها المقاول والممثل محمد علي بعد نشره سلسلة من الفيديوهات التي اتهم فيها الرئيس عبدالفتاح السيسي وقيادات بالقوات المسلحة بالفساد المالي.

«لو كنت في مصر دلوقتي، مش عارف كنت هابقى عارف أعمل إيه وماعملش إيه. كنت هاحاول أعمل العروض اللي بعملها هنا، حتى لو كان هيبقى عندي قلق، اللي هو القلق بتاع إني أمشي في الشارع عادي. آخر عرض عملته في مصر كان في نوفمبر 2013».

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن