«المصرية للملاحة» تصل إلى التصفية.. «خطة مرسومة من نهاية التسعينات»
 
 

قررت الجمعية العمومية للشركة المصرية للملاحة البحرية، التابعة لقطاع الأعمال العام، منذ أيام تصفية الشركة. وبحسب قرار التصفية، فإن خسائر الشركة المتراكمة -نحو مليار جنيه- هي السبب الرئيسي للتصفية.

كانت وزارة القطاع العام صدّقت في مارس 2019 على قرار تصفية الشركة القومية للأسمنت، ومن بعده جاء قرار تصفية واحدة من أكبر شركات الملاحة البحرية خلال 2020، والذي لن يكون الأخير، حسبما أكد وزير قطاع الأعمال هشام توفيق، في حواره أمس مع «المصري اليوم»، أن الإعلان عن حالة تصفية شركة ثالثة سيتم قريبًا، مشيرًا إلى أن قرار التصفية  الشركة الثالثة تأخر لمدة سنة.

يتشابه وضع المصرية للملاحة مع حالة أخرى داخل القطاع العام، وهي شركة الحديد والصلب التي صدر بشأنها قرار جمهورى بتشكيل لجنة، برئاسة شريف إسماعيل، مستشار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء السابق، لدراسة أوضاعها بعد أن سجلت خسائرها قيمة بلغت نحو ثمانية مليار جنيه.

تأتي هذه الخطوات بالتصفية ضمن خطة أوسع تقوم الدولة في جزء آخر منها بطرح نسبة من أسهم بعض الشركات في البورصة للمستثمرين ضمن برنامج الطروحات الحكومية. لكن، وبحسب مراقبين مختلفين، فإن تصفية الشركة العريقة لم تكن حتمية، واتهم المراقبون السياسات المتعمدة التي بدأت منذ عقود بأنها السبب في الحالة التي وصلت إليها الشركة.

تاريخ طويل

تعمل الشركة المصرية للملاحة البحرية في مجال الملاحة منذ ما يقرب من 150 سنة. كانت الشركة امتدادًا لأخرى هي «بواخر البوستة الخديوية» التى أنشأها الخديوى إسماعيل عام 1873، لنقل البضائع بمختلف أنواعها وكذلك الركاب، قبل بيعها لإنجلترا. وفي أوائل القرن العشرين، اشترى أحمد عبود باشا أحد أعيان تلك الفترة الشركة ومصرّها، إلى أن تم تأميمها عام 1961 وأصبح اسمها «الشركة المصرية للملاحة البحرية»، ودُمجت مع شركة الإسكندرية للملاحة البحرية التي تأسست عام 1931، وشركة مصر للملاحة البحرية التي أسسها طلعت حرب ومجموعة بنك «مصر» عام 1937.

وعقب إصدار قرار رئيس الجمهورية رقم 60 لسنة 1971 بشأن قانون المؤسسات العامة وشركات القطاع العام، قُنّن الوضع القانوني للشركة وأصبحت تنتمي للقطاع العام. وتمتلك الشركة الوطنية للملاحة 90% من أسهم الشركة المُصفاة بينما تؤول 8% منها للشركة القابضة للنقل، و2% تابعة لشركة الإسكندرية لتداول الحاويات (وهي شركة مدرجة ضمن برنامج الطروحات الحكومية بالبورصة).

ولا تقتصر أنشطة الشركة على النقل البحري الدولي، وإنما تمتد إلى بيع واستئجار جميع أنواع السفن ومهمات البحر، والنقل البحري، إلى جانب أعمال الوكالة البحرية والسياحية بجميع أنواعها.

اعتادت الشركة نقل القمح والبترول والأسلحة، كما توسعت في العمل بأكثر من خط ملاحي أهمها بين البحرين المتوسط والأحمر وخط الشمال وخط الأدرياتيكي (خط ملاحي بين مينائي الإسكندرية وريجيكا الكرواتي على البحر الأدرياتيكي، وهو بوابة لنفاذ الصادرات المصرية إلى منطقتي وسط وجنوب أوروبا)، بحسب سمر سامي الممثل القانوني للجنة النقابية بالشركة. ومن أشهر نشاطاتها رحلات نقل المخزون الحربي أثناء حرب الخليج وإعادة المصريين من العراق، ويعمل بالشركة الآن حوالي 393 عاملًا في مختلف التخصصات.

خسائر .. أم تخسير؟

أرجعت الجمعية العمومية للشركة قرارها بتصفية الشركة إلى الخسائر التي سجلتها القوائم المالية للشركة على مدار سنوات عديدة مضت، حيث بلغ صافي خسائر في 2018 مبلغ 115.5 مليون جنيه، إضافة إلى الخسائر المرحلة (من 2005 حتى 2017) البالغة 883.65 مليون جنيه، وبذلك يبلغ إجمالي رصيد الخسائر حتى 31 ديسمبر 2018 نحو مليار جنيه، بحسب النائب  البرلماني هيثم الحريري.

وتعتبر  التأمينات والشركة القابضة والجمارك أهم الجهات المدينة لـ«المصرية للملاحة» إلى جانب ديون خارجية كانت تمثل تكاليف صيانة وإصلاح سفن الشركة وإمدادها بالوقود أثناء قيامها بالرحلات دولية بموانئ العالم، وتراكمت تلك الديون بالفوائد، دون سداد لتثقل الشركة وتزيد الخسائر.

الحريري اعتبر أن الخسائر التي حققتها الشركة متعمدة، ووصفها لـ «مدى مصر» بالإفساد المقصود للانتهاء من الشركة بالتصفية، لافتًا إلى أن إدارات الشركة المتوالية أهملت الأسطول المملوك للشركة ولم يتم صيانة السفن ولا تحديثها ولا إعادة هيكلتها وهو ما أدى إلى تراكم الخسائر وتقلص عدد السفن المملوكة للشركة يومًا بعد الآخر.

المنطق ذاته أشار إليه رئيس الشركة الأسبق اللواء نبيل لطفي، والذي قال، في تصريحات صحفية في 2015، إن «رؤسائها السابقين تخلصوا من سفنها من خلال البيع تحت بند (الإحلال والتجديد)، عن طريق بيعها خردة أو بيعها كسفن لشركات أخرى، لكن الواقع يشير إلى أنه لم يحدث إحلال وتجديد لسفن الشركة، وأصبحت الشركة مُثقلة بالديون، لدرجة أن أحد الجهات الدائنة حجزت على سيارات الشركة فاضطرت الشركة لتأخير سيارات لتغطية احتياجاتها»، بحسب تصريحاته.

يضيف الحريري أن إحدى السفن المملوكة للشركة واسمها «مرسى علم» تعطلت في ميناء سوداني في أبريل 2018 وخاطب الميناء الشركة لإصلاح السفينة وسحبها من الميناء لتعطيلها حركة مرور السفن. لكن إدارة الشركة لم تتحرك لإصلاح وسحب السفينة المعطلة إلا في أكتوبر 2019، وهو ما كلف الشركة نحو 500 ألف دولار غرامة للسودان عن التأخر في سحب السفينة، ما راكم مزيدًا من الديون والخسائر.

ترى سامي أن خطة الإهمال والتصفية مرسومة بدقة منذ نهاية التسعينيات، وتحديدًا في عام 1997 حينما تم تقييم أصول الشركة المصرية للملاحة بقيمتها الاسمية (الدفترية)، والتي كانت أقل من قيمتها السوقية الفعلية بفرق كبير، وتلك كانت الخطوة الأولى في الخطة. والتي أعقبها قرار الشركة القابضة بزيادة رأسمال الشركة الوطنية للملاحة التابعة لها وذلك بالاستحواذ على أصول «المصرية للملاحة» التابعة أيضًا للقابضة، وتم هذا الاستحواذ بالقيمة الدفترية للأصول بدلًا من قيمتها السوقية. وتعتقد سامي إن الهدف من ذلك أن «نصل إلى ما نحن فيه الآن».

كما تعتبر سامي أن ما يثبت تعمد إدارات الشركة المتتالية تخسيرها عدد من الممارسات مثل عدم تحديث الأسطول المملوك للشركة منذ عام 2000، وهو تاريخ آخر سفينة حديثة دخلت لأسطول الشركة، لافتة إلى أن عمر السفينة في السوق الملاحي يصل لنحو خمس سنوات ويتم استبدالها بالأحدث وربما صيانتها واستبدال أجزاء منها بما هو أحدث لتعمل بكامل طاقتها.

وتعتقد سامي أن الرئيس الأسبق للشركة اللواء نبيل لطفي، هو الرئيس الوحيد الذي حاول إنقاذ الشركة من عثرتها المالية والفنية، واستغاث بكل المسؤولين في الدولة بدءًا من رئيس الشركة القابضة وانتهاءً برئيس الجمهورية، ولكن لم يسمعه أحد وهو ما دفعه للاستقالة، بحسب تعبيرها.

وقال لطفي في تصريحات صحفية عقب استقالته، إنه «حاول إنقاذ الشركة من عثرتها خلال الشهور التى تولى فيها رئاستها، لكنه اصطدم بالحجز الإداري الواقع على سفن الشركة وعدم قدرتها مغادرة الحدود المصرية، وأنه استطاع إجراء عَمرات لأربع سفن خلال العام الماضي، لكن الديون منعته من استكمال مهامه».

تأثير هذه السياسات يتضح عند النظر لتدهور حجم أصول الشركة عبر العقود الماضية. وكانت الشركة تمتلك 70 سفينة أخذت في التقلص خلال التسعينات لتصبح 18 فقط بحلول 2002، فيما بلغ العدد الحالي للشركة قبيل قرار التصفية سبع سفن لايصلح منهم للعمل سوى سفينتين والخمس الأخرى متهالكة تمامًا، بحسب سامي.

نية مبيتة

قرار الجمعية العمومية بشأن التصفية يأتي مخالفًا لثلاثة قرارات سابقة لجمعيات عمومية غير عادية للشركة في 22 أكتوبر 2017، و26 أبريل 2018، و3 مارس 2019، بشأن اتخاذ القرارات التنفيذية لإعادة هيكلة الشركة وفقًا لدراسة أعدتها إحدى شركات الاستشارات التي استعانت بها «المصرية للملاحة» لدراسة وضع الشركة وإعادة هيكلة منظومة العمل بها.

يشير الحريري إلى أن «المصرية للملاحة» استعانت بشركة «المجموعة الاقتصادية للاستشارات المالية» في أبريل 2015 لعمل دراسة حول وضع «المصرية للملاحة»، وأفضل الحلول الممكنة لإنقاذ الشركة هيكليًا وماليًا. موضحًا أن الداسة انتهت إلى رفض تام لمقترح التصفية نظرًا لعدة أسباب أهمها ثبوت إمكانية استمرار الشركة وفقًا لدراسة الجدوى التي أعدتها شركة الاستشارات، وارتفاع تكلفة تمويل المعاش المبكر للعاملين بالشركة، إلى جانب عدم وجود ذراع ملاحي آخر للدولة المصرية، طبقًا للحريري.

وطرحت الدراسة أكثر من رؤية وخيار لاستمرارية الشركة من بينها أن تبيع عددًا من السفن المتهالكة خردة وتشتري سفينتين مستعملتين بدلًا من السفن المُباعة لاستعادة حركة التشغيل، بحسب الحريري.

كان النائب البرلماني قد تقدم ببيانين عاجلين وسؤالين للحكومة واستجوابين وطلبين إحاطة خلال الشهرين الماضيين بشأن الشركة ولكن لم يُنظر في أي منها.

ماذا عن العمال؟

بحسب الممثل القانوني للجنة النقابية للشركة، فإن المطلب الرئيسي للعاملين البالغ عددهم 393 والذين التقتهم لجنة من وزارة القوى العاملة اليوم هو الرجوع عن قرار التصفية. وقالت سمر سامي: «لا نريد تصفية الشركة، فليأخذوا أموال تعويضات العاملين ومستحقات معاشهم المبكر ويضخوها بداخل الشركة لإعادة تشغيلها». وأضافت سامي أن عددًا كبيرًا من العاملين لن يحصلوا على تعويضات المعاش المبكر نظرًا لأن أغلبهم يتراوح سنه بين 35-45 سنة ولم يكملوا 20 عامًا في الخدمة، وبالتالي ستكون البطالة هي المصير المحتوم لهم ولأسرهم.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن