فرفور.. جوكر الستينيات المصرية
 
 

حاليًا يجني فيلم الجوكر (2019؛ إخراج: تود فيليببس) حصاده من الجوائز العالمية بعد اكتساحه شبابيك التذاكر في الدول المختلفة، ومن ضمنها مصر التي جذب فيها الفيلم 40 مليون جنيه من أموال مشاهدي السينمات، ليكون الأعلى من حيث الإيرادات مقارنةً بكل الأفلام الأجنبية المعروضة محليًّا منذ 2011.

وانتشر على السوشيال ميديا منذ بداية عرض الفيلم في أكتوبر الماضي الكثير من «الكوميكس» و«الكولاجات» التي تستدعي شخصية الجوكر في الواقع المصري، مثل التي وضعت الجوكر أمام الفرن البلدي وفي المواصلات: أو مثل التي تمنت مواجهة بين الجوكر والإعلاميين عمرو أديب وأحمد موسى: استدعاء الشخصية قد يعبر عن الاحتياج لمواجهة الواقع المستدعى إليه بروحها التي نتمنى لو تقمصها. وحين تكون الشخصية هنا هي الجوكر الأيقونة الخيالية لتحدي السلطة، يمكننا فهم هدف الاستدعاء بسهولة.

وفي هذا المقال، نأخذ الاستدعاء خطوة أبعد من «الكولاجات»، فنعرض شخصية فرفور، التي قدمها يوسف إدريس، والتي أراها قريبة من الجوكر وتقف فريدة في الأدب المصري بجذور ضاربة في التراث الشعبي، ونقارن بين بناء الشخصيتين وما آل إليه تمرد كل منهما.

«يا إخواني عايز أقدم لكم الليلة أكبر وأعظم وأمتن فرفور ظهر على وجه الأرض» (من مسرحية الفرافير)

في سبتمبر 1963، بلور يوسف إدريس شخصية «فرفور» في مسرحيته «الفرافير»، مستمدًّا الشخصية من فن السامر الشعبي المصري، وهو شكل مسرحي بسيط كان يقام في المناسبات مثل الأفراح والموالد، يؤدي فيه مجموعة من الممثلين شبه المحترفين رواية اختلقوها قبل العرض مباشرة، والشخصية الأساسية فيه كانت تسمى فرفور (أو زرزور في بعض القرى) يأخذ من جمل كل الشخصيات الأخرى فرشته التي يركب عليها ليطلق مسدس سخريته من كل شيء في الواقع بمواقفه وآرائه الصادمة وحركاته المتهكمة.

غلاف مسرحية الفرافير، طبعة مكتبة مصر، الطبعة الثامنة، 1988

وتتكون مسرحية الفرافير من جزئين، وهما يدوران في «أي مكان» و«أي زمان»، عن رواية ينبغي أن يقدمها شخصية «المؤلف» للجمهور، ولا نعرف من هذه الرواية ملامح إلا أنها تتكون من فرفور وسيده «السيد»، ثم يتركهما «المؤلف» ويرحل ليجدا نفسيهما في فراغ وجودي لا يدريان لنفسيهما نصًّا يسيران وفقه، فيبدأ «السيد» باختيار اسم وزوجة ووظيفة لنفسه باستخدام مشورة فرفوره وجهده، ويقرر أن يعملا حانوتيين في النهاية، لكن «السيد» يفضل الراحة ولا يعمل بيده لأنه سيد، تاركًا الشقاء لفرفور الذي يحتج طوال الوقت من كونه الفرفور الذي يجب عليه خدمة سيده.

وفي الفصل الثاني من المسرحية، يقود فرفور السيد لنزع الألقاب عن نفسيهما وأن يكونا متساويين، لكنهما يريان ألا مفر من وجود سيد ومسود، فيجربان عكس الأدوار لكن لا يفلح ذلك أيضًا، لأن السيد يبقى سيدًا والفرفور يبقى فرفورًا، ثم تقترح شخصية «عامل الستار» عليهما الانتحار لينهيا الرواية، وهنا يختلط انتحارهما الحقيقي بانتحارهما في الرواية، ونراهما مربوطين بحبل مشنقة الانتحار ويجد فرفور نفسه مدفوعًا بقوة «النظام» الخفية للدوران حول سيده، ويظل يصرخ حتى ينحاش صوته ويفقد القدرة على الكلام.

عبد السلام محمد في دور «فرفور« في عرض للمسرحية عام 1964 إخراج كرم مطاوع

وجوكر «فيليبس»، مثل فرفور إدريس، يقف على خط استلهام طويل يمتد إلى رواية لفكتور هوجو عام 1869 باسم «الرجل الضاحك» (The Man Who Laughs) عن طفل ينشأ بتشوه في فمه ليجعله يبدو مبتسمًا باستمرار مما يحفر له مسارًا مهنيًّا مأساويًّا بكونه مهرجًا، والتي تحولت إلى فيلم أمريكي صامت شهير عام 1928 بالاسم نفسه، ومنه بنيت الشخصية باسم الجوكر في «الكوميكس» الأمريكية عام 1940، ومنذ ذلك الوقت تطورت الشخصية في «الكوميكس» ثم التلفزيون ثم السينما أخيرًا.

وفي كل مرة، قدم المؤلفون شخصية الجوكر بقصة خلفية مختلفة تمامًا، فلم يعد هناك نسخة واحدة من الجوكر، لكن النسخ المختلفة تتفق في السمة الأساسية؛ السخرية العبثية في وجه السلطة. وهي السمة نفسها التي حافظ عليها إدريس في فرفوره الذي بلوره في مسرحيته.

لكن بعكس النسخ السابقة لشخصية الجوكر، قدم تود فيليبس نسخة 2019 بمدخل إنساني كامل، فخلف الجوكر نرى آرثر فليك الذي يعمل لدى وكالة تأجير مهرجين، ويعول أمه العاجزة وحيدًا في مدينة جوثام المظلمة التي يعاني سكانها من التهميش والقذارة والانفصال عن الطبقة الثرية ذات النفوذ، والمعزول اجتماعيًّا بالأساس بسبب إصابته باضطراب عدم الثبات الانفعالي (Pseudobulbar affect)، ويكتشف لاحقًا أن أمه هي الأخرى مريضة نفسيًّا كانت قد تبنته وادعت أوهامها أنه ابنها، وأن طفولته كانت عذابًا طويلًا شوهه للأبد، فتتحول شخصيته بالتدريج إلى الجوكر المتمرد الفوضوي الذي ينقلب على كل من آذوه وكبتوه.

أفيش فيلم الجوكر (2019)، إخراج: تود فيليبس

ولنقارن بين شخصيتي فرفور والجوكر بدقة أكبر، سنعتمد فيما يلي على الأبعاد الثلاثة التقليدية لتحليل الشخصية الدرامية؛ البعد الجسماني، والبعد النفسي، والبعد الاجتماعي.

البعد الجسماني.. الجسد التافه في المجتمع الذكوري

مثل الجوكر، وصف إدريس فرفور بأنه يرتدي «بدلة قديمة جدًّا ذات شكل خاص هي مزيج من رداء البهلوانات والأراجوزات والمهرجين في السيرك».

كما اشترط إدريس أن يكون فرفور ذا «جسد خفيف ضئيل»، لتكون هيئته في مجملها ذات «قدرة على السخرية والإضحاك»، يثير الإحساس بقلة شأنه فتستغرب منه أي تساؤل يلقى له بال. وكذلك كانت شخصية الجوكر نحيفة إلى درجة محورية في بناء الشخصية؛ فالمشهد الأول من الفيلم يقدم لنا آرثر بكونه شخصًا ضعيفًا يسهل على الأطفال أن تسرق منه ما يملك وتضربه لاحقًا. كما أنه تعرض للضرب في مشهد آخر مهم على يد ثلاثة متحرشين بامرأة في المترو (دقيقة 30).

وركز المخرج على هذه النحافة في مشهدين بارزين ارتبطا بتطوره إلى شخصية الجوكر؛ منهما مشهد تقوقع آرثر على نفسه وهو يحاول توسعة حذائه قبل أن يعطي له زميله راندال المسدس (دقيقة 15)، والمشهد الثاني وهو يرقص عاريًا بالمسدس قبل أن تنطلق منه الرصاصة بالخطأ وتثير فزعه (دقيقة 22). وتكفي حقيقة أن واكين فينكس مؤدي الشخصية استقطع 24 كيلوجرامًا من وزنه بحمية غذائية قاسية حتى نعرف أهمية «الجسد الخفيف الضئيل» في شخصية الجوكر.

كما أن الشخصيتين كلاهما على قدر من القبح أكثر من الجمال، ففي المسرحية ترفض إحدى الشخصيات الزواج من فرفور قائلة: «أنا أتجوزك أنت.. ليه؟ قلة شغل.. قلة عقل.. قلة مقام..». ورغم وسامة فينكس الأصلية، كان لهيئة الجوكر صفة غرابة الأطوار أكثر من أي صفة أخرى، كما قال له مديره في العمل: «الكثيرون هنا يعتبرونك مسخًا، لكنك تروقني، ولا أعرف لما تروقني أصلًا» (دقيقة 18).

هذه الصفات الجسدية من النحافة والضآلة الموحية بقلة الشأن والنفور والاستغراب تضع الشخصيتين على هامش بيئتيهما المدنية الحديثة ذات المركز الذكوري المقدس للقوة والمثال الجسدي القويم، وهذا ما يتضح أكثر في بعدهما الاجتماعي.

البعد الاجتماعي.. الصراخ من الهامش

شخصية فرفور من أساسها إلى نهايتها تدل إلى كونه خادم شخصية «السيد» الممثلة للمركز في المسرحية، لكنه مع ذلك يبقى رافضًا لوضعه الذي يبدو كونيًّا في عالم المسرحية، فبينما يعرض على سيده ألقاب العائلات المختلفة يسخر من كل واحدة منها، وأثناء عرضه للوظائف المدنية المتعددة يظهر فورًا تهافت كل واحدة منها، حتى يقول له سيده: «أنت يعني حكايتك إيه بالظبط.. أنت يا وله مافيش حاجة عاجباك أبدًا… أمال الناس عايشة إزاي؟« فيرد: «ومين قال إنهم مبسوطين… (مخاطبًا الجمهور) أنتو يا جماعة ياللي هنا… اللي مبسوط من شغله يرفع إيده.. (ينتظر قليلًا) أهه.. شايف بقى يا سي سيد ولا واحد رفع إيده».

وكذلك تسيطر ملامح الهامش على بيئة شخصية الجوكر؛ فهو يعمل في وظيفة المهرج الهامشية العاجز حتى عن دخول عالم المسارح الكوميدية الرسمية، وهو يعيش مع أمه في شقة بمبنى رث يتعطل الأسانسير به باستمرار (دقيقة 20)، وتؤكد لنا جميع المشاهد ألا أحد في عالمه يهتم لوجوده، حتى برنامج العلاج النفسي الذي كان بالكاد يدعمه ليقف على قدميه، قطعت المدينة عنه دعمه المادي وتوقف (دقيقة 40). وتبدو مدينة جوثام كلها هامشية في الحقيقة بما فيها من إهمال وتراكم للقمامة يظهر في معظم المشاهد، ولا نرى لها مركزًا إلا من خلال الإعلام، وبالتحديد الإعلامي موراي فرانكلين (يؤديه روبرت دينيرو)، ومن فوقه توماس وين (يؤديه بريت كولن) رجل الأعمال الثري الواصل سياسيًّا المرشح الأكيد لعمودية المدينة، والذي يعزز من مركزيته أن دفعتنا الأحداث إلى الاعتقاد بأنه أبو آرثر (من الدقيقة 49 حتى 72)، ثم يتحول بعد ذلك لرمز كل الظلم والتهميش اللذين تلقيهما المدينة على أبنائها، ولذلك يقتله أحد أفراد ثورة المهرجين أمام ابنه وزوجته (في الدقيقة 109).

 البعد النفسي.. النكتة المعادية للمركز

و«فرفور» هو شخصية مغتربة وإن بدا دائم الانخراط في الحدث، فلا أحد يشابهه، فهو وحده مقابل النظام والعالم والأعراف بما فيها من «السيد» وزوجته، و«المؤلف» وما يطرحه. وهو لا يجد عزاءه في أي شيء، ولا حتى في الفلسفة: «أنا ضيعت عمري أقرا فلسفة وأقعد لك بالسنة أقرا كتب عشان قال إيه يثبتوا لي فيها في الآخر إني قال إيه موجود… وكانت النتيجة إني أهه بشتغل فرفور».

والاغتراب هي صفة أساسية لدى الجوكر، فالشخصية من أساسها يستغربها الناس وينبذونها، ولا أحد يراه مضحكًا رغم عمله مهرجًا وإرادته للوصول إلى العروض الكوميدية، وعلى رأسهم أمه (دقيقة 22)، ثم الإعلامي فرانكلين موراي الذي يستهزأ من عرضه الكوميدي الوحيد (دقيقة 60). وهو لا صديق لديه ولا قريب ومقطوع من شجرة، فحتى الحبيبة (التي ظهرت في الدقيقة 19) التي بدت في مشاهد متفرقة تالية أنها هي من تهون عليه كل هذا الظلام، نكتشف وبكل قسوة (في الدقيقة 78) أنها مجرد وهم من صنع خياله بعد أن تأكد أن أمه التي قضى عمره في رعايتها ليست أمه (في الدقيقة 74) ، وأنه شخص لا يعرف لنفسه أصلًا.

وفرفور دائم السؤال والقلق ومحاولة الحركة، شديد الثورية، لا يسلم بأي شيء، ويتمرد على السلطة ويهزأ بها ممثلة في «المؤلف» ثم «السيد» الذي تساءل عن سبب كونه سيدًا. وتمكنه صفة الهزلية من إحداث الفجوات المستمرة في سلطة «المؤلف» و«السيد» المتهاوية ليطرح أسئلته، فهو يسخر من السلطة ومن كل شيء على مدار المسرحية. فمنذ البداية، يدخل فرفور المسرحية في غير دوره، وحين يقول له المؤلف بحدة: «أنت دخلت إزاي يا ولد يا فرفور قبل ما أخلص.. مين قال لك تدخل؟.. زي ما دخلت أخرج.. يللا»، يرد متحديًا: لا يا حدق دا أنت اللي تخرج.»، كما أنه يسخر من سيده قائلًا: «الراجل دا موش عارف ليه بيفكرني بخالتي نبوية.. كانت تخينة كده وعندها ييجي 18 عيل.. وطول النهار عاقدة بوزها وعليها تكشيرة كنت كل ما أشوفها أموت على نفسي من الضحك.. أصلي بقيت أقول في سري منين جد كده ومنين خلفت كبشة العيال دي كلها».

أما الجوكر فيبدو منذ البداية قلقًا من العالم الخارجي لأسباب وجيهة، فيقول في أول مشهد له مع المعالجة النفسية: «هل أتوهم أم أن الوضع يزداد جنونًا في الخارج؟»  (دقيقة 5)، وحتى نهاية الثلث الأول من الفيلم يبدو آرثر فليك راغبًا يائسًا بالانخراط في المجتمع الرافض له ولنكاته، ثم يقضي الثلث الثاني في مرحلة التحول التي تبدأ بقتله المتحرشين الثلاثة في المترو وتكتمل بقتله من أعطاه المسدس، ليكون قتله الثاني، ثم ظهوره بهيئة الجوكر في طريقه إلى برنامج موراي فرانكلين. ورحلة تحوله بالأساس هي رحلة تحول لسحب المركز من العالم الخارجي وبنائه داخل ذاته، فيقتل الصوت الساخر من نكاته من الخارج ويقيم لها وزنها داخل نفسه التي يعطيها الحق الحصري في النهاية لأن تحكم على نكاته. وأتى التحول بثماره فيما بعد بنشر بذوره في ذوات أبناء المدينة المهمشين وقيام ثورة المهرجين.

لقد استطاع جوكر 2019 إذن أن يخترق ظلام الهامش وكسر المركز، أما فرفور 1963 فلم يصل بأسئلته الفلسفية الوجودية إلى شيء، لأنه في عالم فرفور يبدو ألا شيء يمكن الوصول إليه، فالوضع محتوم، وحتى الإجابات التي يسعى إليها «فرفور» غير موجودة، و«السيد» مسيطر على مركزه إلى ما لا نهاية. فما الذي امتلكه الجوكر وغاب عن فرفور؟

أصل العبثية

مع تبعات الحرب العالمية الثانية (1939-1945) السلبية على فكر الإنسان ووجدانه، ظهرت الشخصيات الدرامية الغارقة كليًّا في أزماتها الوجودية، التي تواجه انعدام المعنى من وجودها، أو ترى معنى ينقطع الوصول إليه، وتتهاوى لديها كل اليقينيات والآمال وتسودها الشك اللازم والتشاؤم الثقيل. لا تتحرك الشخصيات من نقطة إلى أخرى، وهذه سمة أساسية في كل المسرحيات التي صنفت ضمن مسرح العبث، أو مسرح اللا معقول.

تدور الشخصيات في هذا المسرح داخل عقد متداخلة سرمدية لا نرى لها بداية ولا نصل فيها إلى نهاية. وذلك يعني أن الشخصيات لا تتفاعل مع بعضها تفاعلًا حقيقيًّا، بل تثرثر ولكنها لا تَسمع ولا تُسمع، وتتقافز لكنها لا تؤثر ولا تتأثر، فهي إذن بلا صراع بينها، ولذلك نرى لغتها مقطوعة، كلها فراغات واهتراءات، وكل شيء في دوائر مفرغة يدور.

ويتبع ذلك أن مسرح العبث لا نرى فيه البطل بمعنى «الشخصية الارتكازية في القطعة المسرحية»، والتي هي «دائمًا محط اهتمام المتفرج ومثار عواطفه.. العمود الأساسي الذي تدور حوله رحى الوقائع»، بل لها سمات صنفها النقاد ضمن مسمى خلقوه لها خصيصًا باسم «البطل الضد – Anti-hero»، وتعريفه أنه «الشخصية الرئيسية في المسرحية الحديثة شبه الجادة، والتي تبدو مهزومة ومتواضعة وذليلة وعقيمة وعاجزة وسلبية» (التعريفات من معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية لإبراهيم حماده).

وتمثل السخرية في كثير من المسرحيات العبثية السلاح الوحيد في مواجهة العبث وسيطرة المركز غير المجدي. ولطالما رأى صمويل بيكيت، الذي هو أحد مؤسسي هذا المسرح، أن «البؤس والفكاهة متصلان اتصالًا مصيريًّا، وألا شيء يثير الضحك والسخرية أكثر من البؤس» (بول شاوول).

فرفور المهزوم  والجوكر المنتصر

نستطيع أن نرى في مسرحية الفرافير آثارًا واضحة لمسرح العبث، وفي شخصية فرفور بالتحديد ظلالًا قوية لشخصياته، ففرفور لا نراه يواجه بؤسه إلا بالسخرية، ولغته منقطعة المعنى. لا توصله تساؤلاته إلى نتيجة، ولا تثمر حركاته أي جدوى، بل تستمر في دائرة مفرغة تتضح جلية في نهاية الحتمية التي لم يستطع فرفور الفكاك منها، وهي استمرارية الدوران حول مركزية السيد مشدودًا بقوة الجاذبية حتى يتحول إلى كتلة صماء لا صوت لها.

نهاية مسرحية الفرافير، المسرح القومي (1964)، إخراج: كرم مطاوع

وكذلك يمكن أن نرى في شخصية الجوكر ظلالًا أخف لشخصيات مسرح العبث، خاصة في عزلته وانقطاع سعيه عن أي معنى يمكن الوصول إليه وفي الكابوسية المطبقة على عالمه كله، وفي ضحكه الذي يتوقف عن السيطرة عليه في مواجهة كل هذا البؤس.

لكن نهاية الجوكر تخبرنا بأن «البطل الضد» الذي أخبرنا عنه النقاد لم يعد بطلًا ضدًّا، بل نجح في التمرد وخرج عن إطاره وفتّت سلطة المركز وبعثره، وهو ما يمكن اعتباره انتصارًا مفتوحًا لشخصية ظلت «مهزومة ومتواضعة وذليلة وعقيمة وعاجزة وسلبية».

هذا الانتصار الذي ميّز الجوكر عن فرفور المهزوم هو نتاج تطورات إنسانية حدثت على مدار كل الأعوام الستة والخمسين الفاصلة بينهما. وقياسًا على نموذج النسخ المتتالية التي تطورت به شخصية الجوكر، نرى في شخصية فرفور معينًا خصبًا غير مستغل في الدراما المصرية.

اعلان
 
 
إسلام صلاح الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن