لن أخرج من جلباب أبي: شيخ الأزهر وتنجيد الخطاب الديني

في زمن لم يعشه الغالبية العظمى من شباب هذا المجتمع، كانت مهنة المنجد، التي كادت أن تندثر اليوم، واحدة من أهم المهن الحرفية. كان ذلك قبل ظهور المراتب والوسائد الإسفنجية، ومن بعدها «المرتبة أم سوست» والمرتبة الطبية إلخ. في ذلك الحين كانت مراتب الأسرة والوسائد جميعها تُحشى بالقطن. وبرغم أن القطن كان يوفر مرونة كبيرة، ومن ثم راحة لأجساد من ينامون أو يجلسون على هذه المراتب، إلا أنه بمرور الزمن كان يتشرب الرطوبة من الجو (ومن عرق المستخدمين)، فيفقد مرونته، ولا يوفر الراحة المطلوبة، وبالتالي كانت الأُسر المستورة والموسرة تحتاج كل حين إلى تجديد «الفرش»، وكان التجديد يتلخص في «التنجيد»، وهي عملية يتم فيها إخراج محتوى المراتب، أي القطن، لتهويته وتعريضه للشمس ليتخلص من الرطوبة التي امتصها، ثم إعادته إلى نفس الغلاف القماشي الذي كان فيه، أو استبدال هذا الغلاف بآخر جديد. المهم أن القطن يبقى هو نفسه، فهو كان يمثل جزءًا من ثروة الأسرة، وغالبًا ما كان يتوارث بين أجيالها، ليصبح تراثًا لها.

عقد الأزهر على مدى يومين مؤتمرًا عالميًا تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، وبحضور ومشاركة الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، أحمد الطيب. المؤتمر الذي يحظى برعاية الرئيس يحمل عنوانًا لطالما أبدى اهتمامه به. العنوان وهو «تجديد الخطاب الديني»، تسبب في مشاحنات بين الرئيس، الراعي، وبين الشيخ، رأس المؤتمر، في مواقف عدة. ومن خلال هذه المشاحنات اكتسب الطيب سمعة عابرة لخطوط الانقسامات السياسية الساخنة، التي استقطبت المهتمين بالشأن العام منذ إزاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي، في يوليو 2013. فالطيب يبدو وكأنه المسؤول الوحيد في هذه الدولة الذي يتمتع بقدر من الاستقلالية وبعضًا من الشجاعة، تسمحان له بالوقوف في وجه سلطة لا تتسامح مع أي قدر من الاختلاف عن خطها، حتى وإن أتى من داخلها أو من المقربين منها.

ولكن، ما العلاقة بين تجديد الخطاب الديني ومؤتمره، وبين تجديد المراتب أو تنجيدها؟ في جلسة المؤتمر في يومه الثاني، وقعت مشاحنة، أو مماحكة، كان طرفاها هما الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، والدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر. ألقى الخشت كلمته أمام المؤتمر، ثم قام شيخ الأزهر بالتعقيب عليها، وكان أول ما اهتم بالحديث عنه هو تشبيه الخشت للحاجة إلى تجديد الخطاب الديني بحاجة سكان بيت قديم متداعٍ إلى تجديده، ولا يكون ذلك، في رأيه، إلا بخروجهم منه وبناء بيت جديد. وكان تعقيب الطيب أن ما يدعو إليه الخشت هو «هجر» البيت، بينما يكون تجديده بإعادة بنائه بمواد بناء أحدث مع البقاء فيه. ثم انتقل الطيب في تعليقه إلى نقطة أخرى من حديث الخشت، أغلب الظن أن غالبية المتابعين من غير المتخصصين لم يفهموها، لا من الخشت ولا من الطيب في تعقيبه. فقد ارتكب الخشت في الحقيقة خطأً أو ربما خطيئة، إما تعمدها أو أتاها ساهيًا، وفي الحالتين فهو قد أساء التقدير، إذ أنه جرؤ على نقد الأشاعرة في قلب جامعة الأزهر وأمام شيخه. فمن هم الأشاعرة وما شأن الأزهر بهم؟

هذا سؤال يطول شرح إجابته، ولكني سأحاول هنا الاختصار والتبسيط قدر المستطاع. الأشاعرة يُنسبون إلى أبي الحسن الأشعري، المتوفي في القرن الرابع الهجري، وهو مؤسس مذهبهم. وهو ليس مذهبًا فقهيًا كالمذاهب الأربعة، الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، ولكنه مذهب كلامي. والمذاهب الكلامية هي مذاهب في أصول العقيدة، وليست مذاهب في الفقه وأصوله. ويسمى المنتمون إليها والمشتغلون بها بأصحاب الكلام أو الكلاميين. ويسمى مجالهم بعلم الكلام، وهو الاسم الأكثر شيوعًا، ولكن بين أسمائه أيضًا، علم التوحيد، وعلم الأسماء والصفات، وغير ذلك. وقد بدأت الحاجة إلى هذا العلم بعد اختلاط العرب المسلمين بغيرهم من الأمم التي غزوا أراضيها، وكانت لها أديان أقدم، لها علوم لاهوتية تطورت عبر قرون، وكذلك مع تراكم المسائل السياسية التي سعى الناس إلى توفيقها مع العقيدة الدينية المؤسسة لمنظومة الدولة حينها. مصدر التأثير الأكبر على علم الكلام كان اللاهوت المسيحي الذي انبنى عبر قرون على الفلسفة الهلنستية، وبصفة خاصة فلسفة أفلوطين، ولكن قضايا علم الكلام كانت كلها مستمدة من واقع الخلاف السياسي في الإمبراطورية الإسلامية في عهد الأمويين والدولة العباسية في بداياتها. وكانت أهم المدارس الكلامية، التي ذكرها شيخ الأزهر الأشاعرة، وقبلهم المعتزلة، والماتريدية، وممن لم يذكرهم الطيب، المرجئة وهم أقدم الكلاميين، وأصحاب مبدأ أنه لا يجوز نقض بيعة الحاكم وإن كان فاسقًا (أي مرتكبًا للكبائر)، وكانت تلك قضية هامة في عهد الأمويين وتصاعد حركات الخوارج، وأتباع آل البيت العلويين ثم العباسيين ضدهم.

لعلم الكلام أهمية بالغة في صياغة العقيدة الإسلامية كما نعرفها اليوم، وهو يقابل علم اللاهوت في المسيحية، في حين ينظر إليه البعض على أنه أقرب إلى الفلسفة، ويرى الدكتور علي سامي النشار، أستاذ الفلسفة الإسلامية الراحل، والذي لقب برئيس الأشاعرة في العصر الحديث، أن علم الكلام هو ذروة الفلسفة الإسلامية والمستحق حصرًا لتمثيلها، وهو بذلك يُخرج فلاسفة الإسلام كافة، من الفارابي وابن سينا وحتى ابن رشد، من تحت مظلة الفلسفة الإسلامية، ويُلحقهم بالفلسفة الإغريقية التي نقلوا عنها. في المقابل يخرج ابن رشد، في كتابه الشهير «فصل المقال» وكذلك في «تهافت التهافت»، علم الكلام من الفلسفة بالجملة، فهو يفرق بين ثلاثة أشكال للخطاب منها الخطاب الجدلي، الذي يبدأ أصحابه بمجموعة من المسلمات التي يتفقون على مرجعيتها ثم يختلفون في تفسيرها، ويُنسب إلى هذا الخطاب علم الكلام وأصحابه، أما الخطاب الفلسفي عند ابن رشد فهو خطاب البرهان، الذي لا يبدأ بالتسليم بشيء بل يرتقي من معطيات الحواس ليبني المعرفة النظرية بطريق البرهان المنطقي. وأيًا ما كان الأمر، فإن عقيدتنا اليوم هي نتاج معارك أصحاب الكلام، التي احتدمت في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وبلغت حد إسالة الدماء. وقد لا يعلم الكثيرون أن المحنة الشهيرة للإمام أحمد ابن حنبل، عندما حبسه الخليفة المأمون وضربه، كانت لرفضه القول بخلق القرآن، وهي عقيدة المعتزلة، الذين تبنى المأمون مذهبهم، وحاول حمل الناس على اتباعه. ثم أتى دور المعتزلة لاحقًا لينكل بهم الخليفة المتوكل، عندما ترك مذهب الاعتزال وكفَّر أصحابه. وظل مذهب المعتزلة منبوذًا مُضيقًا عليه حتى عهد قريب، عندما بدأ بعض العلماء المحدثين يهتمون به، ومنهم المفكر الإسلامي محمد عمارة في بداية إنتاجه الفكري، وقد تراجع لاحقًا عن إعجابه به.

المذهب الأشعري هو الأخير زمنيًا في سلسلة المذاهب الكلامية، وكان له في النهاية الغلبة عليها وبصفة خاصة في مواجهة مذهب المعتزلة، أصحاب قضية خلق القرآن (كلام الله)، والتي سُمي علم الكلام نفسه نسبة إليها. وقد أصبحت عقيدة الأشاعرة مع تبني الخلفاء لها منذ عهد الخليفة المتوكل العباسي، هي عقيدة ما أصبح يسمى بأهل السنة والجماعة، وهي لذلك العقيدة السائدة بين علماء المسلمين، ومنهم علماء الأزهر جميعًا، فيما عدا السلفيين الذين يرفضون علم الكلام بالجملة، ويصلون إلى حد تكفير أصحابه كلهم، وحتى اليوم تستخدم أشعرية الأزهر سلاحًا ماضيًا للسلفيين ضد شيوخه، وربما ذلك واحد من أسباب اهتمام شيخ الأزهر بالرد على كلمة الدكتور الخشت، الذي عاب على الأشاعرة الأخذ بأحاديث الآحاد، وهذه تفصيلة أخرى غالبًا لم يفهمها غير المتخصصين، خاصة عندما تطرق الخشت وكذلك الطيب إلى قضية العلم الظني واليقيني.

كان تعقيب الطيب على هذه النقطة هو الزعم بأن الأشاعرة وغيرهم من الكلاميين (حتى) المعتزلة لم يبنوا عقائدهم على أحاديث الآحاد بل على الأحاديث المتواترة وحدها. وهو زعم أقل ما يقال فيه أنه غير صحيح، بل مستحيل الصحة. فالأحاديث المتواترة اختلف العلماء على عددها ومنهم، مثل ابن الصلاح (أحد أبرز علماء الحديث وصاحب رسالة هي الأكثر شيوعًا بين دارسي هذا العلم)، من رأى أنها «عزيزة» لا تكاد توجد. ولم يُعد ابن الصلاح بينها إلا حديثًا واحدًا. فالتواتر يعني أن ينقل الحديث جماعة كبيرة من الرواة عن الرسول نفسه، ثم ينقلها عنهم جماعة أخرى ثم أخرى وهكذا. والواقع أن التواتر هو سند القرآن نفسه، وسند العبادات المختلفة، ومنها أعداد ركعات الصلوات وكيفية الوضوء إلخ. أما في الأحاديث، فإن أكبر عدد للرواة المباشرين عن الرسول لحديث واحد بلغ 60 راويًا، منهم العشرة المبشرون بالجنة، وذلك هو حديث «من كذب عليّ متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار». وقد اختلف العلماء على عدد الرواة المباشرين، الذين يشترط توفرهم ليعد الحديث متواترًا، ومنهم من ترخص فلم يشترط عددًا، ثم اختلفوا كذلك فيما إذا كان الحديث يعد هو نفسه فقط إن انتقل بلفظه أم بمعناه أيضًا. وفي المحصلة فإن أشهر كتب الحديث المتواتر، وهو كتاب السيوطي، أحصى 113 حديثًا، وأكبر عدد لها أحصاه الكتاني وبلغ 310. وذلك كله من بين عشرات الآلاف من الأحاديث التي وصلت إلينا، ومنها آلاف متفق على صحتها (أي صححها كل من البخاري ومسلم). والحقيقة أن علماء الكلام من كل المذاهب لم يقتصروا على الأحاديث المتواترة، ولا كان ذلك ليكفيهم، بل إنهم لم يكتفوا بالأحاديث الصحيحة، على كثرتها، واستخدموا أحاديث حسنة وموقوفة بل وضعيفة وموضوعة.

ولكن علم الكلام هو علم أصول الدين، وبالنسبة للطيب فالتشكيك في الأساس النصوصي لعلم الكلام، وخاصة عند الأشاعرة، هو تشكيك في الدين كله، وهو هدم للبيت من الأساس. وهو، على خلاف ما يعتقد البعض من المعجبين بتعقيبه، لم يكن يشير بطرف خفي إلى السلفيين، فهم أكثر من غيرهم استخدامًا للأحاديث على اختلاف درجة صحتها في استنباط الأحكام، ويكفي القول أنه ليس من أحاديث النقاب ما هو مرفوع إلى النبي، وكلها موقوفة على تفسيرات للتابعين، وقد ثار السلفيون على واحد من أكثر علماء الحديث المحدثين أهمية وإجلالًا عندهم، وهو الشيخ الألباني، لأنه صحح حديث عائشة عن الحجاب (العادي وليس النقاب)، وهو بالمناسبة حديث ضعيف. فليس ما يأخذه السلفيون على الأشاعرة والكلاميين هو استعانتهم بأحاديث غير متواترة، بل هو استخدامهم للمنطق العقلي المأخوذ عن الإغريق في الاستنتاج.

هذه النقطة حول الأشاعرة والأحاديث المتواترة متممة للنقطة الأولى حول هجر البيت في مقابل إعادة ترميمه، وهما معًا لب تعقيب الطيب على الخشت، والذي يفهمه كلاهما مع من كان حولهما من المتخصصين، أما بقية التعليق فهو موجه للجمهور العام، وفيه لم يخرج الطيب عن النمط المعتاد لوضع التراث في مقابل الحداثة، فهو يرى التراث اليوم معرضًا لحملة شعواء من الحداثيين، وهو يدافع عن هذا التراث بمنطق أنه قد حقق للمسلمين رفعتهم في بداية تاريخهم، ودليله أن الإسلام قد غزا العالم حتى «كانت قدمه الأولى في الصين والأخرى في الأندلس»، وهو منطق يمكن أن نحكم به بأن تراث المغول أكثر نجاحًا من تراث المسلمين، حيث أن إمبراطوريتهم بدأت برعاة بسطاء، ثم غزت العالم بما فيه الصين وكل المشرق الإسلامي، ووقفت على أبواب أوروبا ومصر. وإذا كان تقييم التراث الأخلاقي والثقافي يعتمد على الغلبة والغزو، فقد حملت الحداثة الإمبراطورية البريطانية إلى ذروة التوسع الاستعماري الذي عرفته البشرية، وهي اليوم تحمل الولايات المتحدة إلى ذروة أبعد في السيطرة على مقدرات العالم كله. ومن هنا يتبين أن منطق الطيب ليس إلا الوجه الآخر لنفس العملة التي يستخدمها من يقولون أن تخلف الأمم الإسلامية ناتج عن تأخرها في اللحاق بقطار الحداثة.

لب المماحكة بين الطيب والخشت هو بالضبط الخلاف حول ما إذا كان علينا أن نتخلص من المرتبة القديمة التي لم تعد تريحنا، فنستبدلها بأخرى جديدة (ربما بسوست) وهذه مقاربة الخشت، أو أن علينا أن نعيد تنجيد مرتبتنا القديمة بأن نخرج تراثنا للشمس ونخلصه من العطن والرطوبة (والكلكعة). ولكن هذه المماحكة ليست إلا الطرف الظاهر من جبل الجليد الذي يمثل الصراع حول من يكون له الدور الحاسم في إعادة تشكيل الواجهة الدينية للدولة، فعندما كرر الرئيس رغبته في تجديد الخطاب الديني، كان يضع للدولة واحدة من مهامها الأساسية كما يراها في المرحلة الحالية، وبعبارة أوضح، في مواجهة الإخوان (ومن ورائهم فصائل الإسلاميين كافة).

لفهم أهمية هذه المهمة، ربما ينبغي أن نستعين ببعض من تحليل الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، وبصورة مبسطة، كان أحد أهم المفاهيم التي اصطنعها بورديو هو مفهوم رأس المال الاجتماعي، ومن خلاله بنى مفهوم الحقول الاجتماعية. دون الإغراق في التفاصيل، يرى بورديو أن رأس المال المؤثر اجتماعيًا ليست الثروة الاقتصادية هي صورته الوحيدة، حتى وإن كانت الرئيسية والأبعد تأثيرًا، ولكن ثمة صورًا عديدة لرأس المال الاجتماعي، يراكمها الأفراد داخل حقول اجتماعية مختلفة. في الحقل الأكاديمي مثلًا تمثل المكانة العلمية المعترف بها والوظيفة الجامعية وغير ذلك صورًا لرأس المال الذي يجمعه ويستخدمه أصحاب هذا الحقل، وثمة الحقل الثقافي وفروعه الفنية والأدبية المختلفة، ثم هناك الحقل الديني، وفيه تمثل سيادة خطاب ديني بعينه الصورة الرئيسية لرأس المال الخاص به. ثم يراكم اللاعبون في هذا الحقل، أفرادًا كانوا أو مؤسسات، رؤوس أموالهم من خلال التنافس على المواقع الهامة في تمثيل الخطاب الديني الذي ينتمون إليه. وبعبارة أخرى قيمة أي موقع في الحقل الديني مستمدة من سيادة ونفوذ الخطاب الذي يمثله هذا الموقع. فمشيخة الأزهر منصب رفيع له مكانته في الحقل البيروقراطي للدولة حاليًا، ولكن قيمتها الحقيقية مستمدة من قدر سيادة الخطاب الديني الذي تمثله مؤسسة الأزهر في المجتمع، وأثر وثقل هذا الخطاب بين جمهور المسلمين، وبالتالي مدى قدرة هذه المؤسسة على أن توجه حركة الناس، أو أن تثبطها.

تاريخ الحقل الديني في مصر معقد ومليء بالتفاصيل، وبصفة خاصة في علاقته بحقل السلطة، المهيمن على بقية الحقول. وفي حقل السلطة يمثل أصحاب رؤوس الأموال الأكبر في حقولهم، هذه الحقول في المنافسة على تقاسم النفوذ في الدولة ككل. وتاريخيًا بلغ حجم نفوذ الحقل الديني في مصر ذروته، عشية وصول محمد علي باشا إلى حكم مصر. فعلماء الأزهر، الذين راكمت مؤسستهم رأسمالها عبر قرون، كانوا القادة الفعليين للحراك الشعبي، وهم عمليًا من أجلسوا محمد علي على كرسي الولاية، بعدما قادوا الشعب لخلع الوالي العثماني (أحمد خورشيد).

وقد كانت سياسة الدولة المصرية الحديثة، منذ عهد مُنشئها محمد علي، تجاه الحقل الديني هي استيعابه وتثبيط نفوذه. وقد أنتجت بيروقراطية الدولة الحديثة بجناحيها المدني والعسكري، حقلين جديدين زاحما الحقل الديني، وتنافسا معه على النفوذ المجتمعي. وفي ذلك كان عبدالناصر امتدادًا لتراث هذه الدولة، عندما قرر استتباع الحقل الديني بشكل كامل للحقل البيروقراطي (مجموع المؤسسات الرسمية للدولة)، بجعل الأزهر مؤسسة من مؤسسات الدولة وشيخه أحد كبار موظفيها. ولكن هذا حدث في الوقت الذي كان الحقل الديني قد أصبح فيه مجالًا للصراع، حول رأس المال الخاص به، بين أطراف جديدة، أهمها الإخوان المسلمون ثم من خرج من عبائتهم من تنظيمات الإسلام السياسي، حتى استقبل هذا الحقل السلفيين بعد هجرات البترول شرقًا. وفي الوقت الذي منح فيه هؤلاء الوافدون للحقل الديني في مجمله قدرة تنافسية جديدة عادت به إلى الصدارة في المنافسة على النفوذ المجتمعي، فقد أججوا الصراع داخل الحقل الديني نفسه بأن قدم كل منهم خطابًا منافسًا للخطاب التقليدي لمؤسسة الأزهر. ولم يكن باﻹمكان عزل ذلك عن الدولة نفسها. فخطاب مؤسسة اﻷزهر الديني، هو خطاب الدولة المصرية الحديثة الديني. وقد تجلت خطورة نجاح الخطاب الديني خارج مؤسسة الأزهر في اكتساب المساحة اﻷكبر في المجتمع، عندما حقق اﻹخوان نجاحاتهم الانتخابية الأولى قبل الثورة. فرؤوس الأموال حسب بورديو يمكن تسييلها أو تحويلها من صورة إلى أخرى، وقد نجح اﻹخوان في تحويل رأسمالهم في الحقل الديني إلى رأسمال سياسي، وكذلك فعل السلفيون في أول انتخابات بعد الثورة، ومعًا حاز ممثلو الطرفين حوالي 75% من أول برلمان مصري منتخب في انتخابات حرة.

استعادة الدولة ونظامها الحالي للسيطرة على الحقل الديني حتى لا يكون مجالًا لمراكمة نفوذ يمكن إعادة استخدامه في حقل السلطة للمنافسة على السيطرة على الدولة نفسها، هي المهمة التي يستخدم الرئيس عنوان «تجديد الخطاب الديني» اسمًا كوديًا لها. وهي مهمة في صميم استعادة الدولة القومية العلمانية لمقومات استمراريتها. فكما تزعم المفكرة الراحلة، باكستانية اﻷصل، صبا محمود، ليست العلمانية هي الفصل بين الدين والدولة بقدر ما هي سيطرة الدولة الحديثة على الخطاب الديني وتشكيلها له بحيث يكون امتدادًا داعمًا لخطابها القومي، وليكون أحد مؤسساتها التي تستخدمها في دعم هيمنتها على المجتمع. فالدولة الحديثة لا تنبذ الدين أو تهمشه، بل هي تعلمنه، وتقومنه. تنزله إلى اﻷرض، وتجعله شأنًا دنيويًا، بقدر ما أنه لا يعود يربط الناس بالسماء بقدر ما يربطهم بمعبود أرضي هو الدولة نفسها.

مقاربة الخشت لتجديد الخطاب الديني تزعج الطيب، لأنها تسعى لنسف رأس مال مؤسسة الأزهر في الحقل الديني، فالتراث الديني التقليدي هو رأس مال هذه المؤسسة، وعقيدتها الأشعرية هي أحد عوامل توليد رأس المال هذا، فكما أشار الطيب نفسه، عقيدة اﻷشاعرة هي العقيدة الوسطية، وهذا سر نجاحها عبر القرون، وبصفة خاصة هو سر كسبها لمحبة الناس ورضا السلطة في نفس الوقت. فالعقيدة الأشعرية أتت ردًا على المذاهب الكلامية السابقة التي استقطبت الناس بين متناقضات عقائدية حادة، فبينما قال المعتزلة بتخيير اﻹنسان مطلقًا، وقال معارضوهم بجبريته مطلقًا، أتى الأشاعرة بفكرة الكسب في منتصف المسافة، وهي فكرة تستعصي على الفهم في عصرنا هذا، ولكنها تمنح البشر قدرًا من المسؤولية عن أفعالهم دون أن تجرد الإله من كامل هيمنته على مصائرهم. وبينما قال المعتزلة بتنزيه الله عن كل تجسيم إلى حد أنهم فرغوا كل صفاته من معناها المباشر، وقال المجسمة بانطباق الصفات التجسيمية كاملة حتى جردوا اﻹله من تعاليه على العالم ووضعوه فيه، أتى الأشاعرة مرة أخرى بتخريج يستعصي على الفهم ولكنه يحل المسألة، فالله له يد، لكنها ليست كأيدينا، وهو يستوي (يجلس) على العرش ولكن ليس كاستواء أحدنا على كرسيه، إلخ. عقيدة الأشاعرة، كأنما وضعها جهاز أمني بهدف التخلص من مسببات الخلاف التي قد تعكر صفو السلم اﻷهلي والأمن في المجتمع، وتضع الشعب في تناقض مع حكامه أحيانًا.

حماس الطيب في الذود عن حياض الدين كما يراه، حقيقية، ولكنه الدين بصورته التي تمثل رأس ماله الشخصي ورأس مال مؤسسته، ومقاربته هي المزايدة على الإسلاميين خارج المؤسسة باستخدام نفس خطاب المواجهة بين الدين وبين الحداثة، وهو خطاب نشأ أزهريًا على أي حال، واستخدمه الأزهريون في مواجهة محمد عبده، وعلي عبدالرازق، رغم كون الرجلان في النهاية أزهريين. ولكن صوت هذا الخطاب قد خفت في مراحل صعود خطاب التحديث القومي الناصري، وتم استيعابه فيه. ثم أصيب بالترهل الذي أصاب البيروقراطية المدنية بكاملها في عهد مبارك، ولكن الطيب اليوم يعيد نفخ روح جديدة (قديمة) فيه. وظني أن فرص نجاحه في فرض سيطرة المؤسسة الأزهرية على مشروع تجديد الخطاب الديني أكبر كثيرًا من أن يكون لغير هذه المؤسسة أي ظل من أمل في منافستها، ومن ثم فإن مقاربة الطيب التي تبقينا في البيت القديم مع إدخال بعض من الترميمات، أو تعيد تعبئة القطن القديم ذاته في غلاف جديد، بعد تهويته لتوفير راحة أكبر لمؤخرة السلطة، هي الأقرب لأن ترسم أجندة الحقل الديني بكل انعكاساته على كامل حياتنا الاجتماعية، لفترة طويلة قادمة.

اعلان
 
 
تامر موافي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن