للمنفى قصة أخرى: عبدالرحمن منصور
 
 
عبد الرحمن منصور في منزله في نيويورك
 

في مثل هذه الأيام، قبل تسع سنوات، مرت ثورة كبرى من شوارع وميادين القاهرة والإسكندرية وعدد من المدن المصرية بمحافظات في الدلتا والقناة والصعيد، ثورة لم يتوقعها النظام أو صانعوها والمشاركون بها. حققت الثورة انتصارًا، لم يبد منقوصًا حينها؛ خلعت رأس النظام، الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتسببت في ارتباك شديد للدولة العميقة. تصاعد هذا الارتباك مع أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ مصر الحديث، والتي جلبت للحكم جماعة الإخوان المسلمين في البرلمان ثم الرئاسة. انقلب الشعب على الجماعة وأطاح الجيش بها في 2013. 

منذ هذا التاريخ، تعيش مصر إغلاقًا تامًا للمجال السياسي، وكان من ضمن مظاهر هذا الإغلاق معاقبة كل من كان لهم علاقة بشكل ما بثورة 2011. الجميع مهدد بالسجن، الذي أصبح سياسة منهجية، أو بالتشويه في أقل الأحوال. هذا الوضع دفع العديد ممن كانوا أكثر حظًا إلى الهجرة بأشكال مختلفة، في واحدة من أكبر موجات النزوح الجماعي من مصر الحديثة. ورغم تعدد أسباب النزوح بين الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن الأسباب السياسية حظيت بنسبة كبيرة من أسباب النزوح لهؤلاء الذين كان لهم دورًا في إرباك النظام في 2011.

تبدو كلمة المنفى في أذهان الكثيرين منا شاعرية للغاية، تعكس الهزيمة وتعكس أيضًا النجاة من الهزيمة. تحمل الكلمة ثقلًا كبيرًا. في حركة تاريخ العالم، كانت، ولا زالت، هناك موجات نزوح جماعية في أوقات الاضطرابات السياسية؛ خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، خلال حكم النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا، والآن مع الحروب الأهلية في دول إفريقية وعربية، ما خلق أزمة عابرة للحدود تتعلق باللاجئين.

دخل منفيون حيوات جديدة منعزلة عن ماضيهم، وغرق آخرون في حنين لبلادهم التي أُجبروا بدرجات مختلفة على تركها. في مجموعة القصص هذه نتحدث مع الذين عاشوا في مكان بين قطيعة الماضي والحنين.. الذين جعلوا من حيواتهم في المنفى بداية جديدة، ليست بالتحديد منفصلة عن ماضيهم المنخرط في البلد الأم. 

قبل تسع سنوات، قضى عبدالرحمن منصور، الذي يُعرّف نفسه كمشتغل بالإعلام، مثل هذه الأيام في معسكر تدريب للجيش كمجند. ما حدث في مصر في 25 يناير 2011 وصلت أصداؤه إليه: «المعسكر اتكهرب، وبالليل جولي أصدقاء زيارة وحكولي اللي حصل بره وإن ناس ماتت». 

لم يكن شيئًا عاديًا لعبدالرحمن، الشاب الثلاثيني اليوم، أن تحدث ثورة كهذه وهو مجند لدى الجيش. فلقد عمل كثيرًا من أجل هذه اللحظة. 

سمعت اسم عبدالرحمن منصور مع أحداث الثورة، ومن بعض الأصدقاء المشتركين، لكن للمصادفة قابلته في أكتوبر الماضي فقط بمدينة نيويورك، حيث يقيم منذ أغسطس 2014. بعد ثماني سنوات، لم يكن لديّ تصورًا معينًا عن شكله، المقابلة الأولى كانت في مطعم بأحد الفنادق القديمة بوسط المدينة، ثم تعددت اللقاءات في منطقة مانهاتن، وفي منطقة أستوريا، المعروفة بكثافة الجالية العربية والمصرية بها، ومع أصدقاء في حدائق عامة وفي منازل بعضهم، بينما جرى الحوار بمنزله في قلب المدينة. لا يحتاج الأمر وقتًا طويلًا لملاحظة الهدوء والحكمة اللذين يتصف بهما الشاب صغير الحجم نسبيًا وكثيف الشعر نسبيًا أيضًا، ذو اللغة الموزونة التي تعكس ثقافة وخبرة حياتية جيدة.

لم تكن الثورة المصرية وليدة يناير 2011 فقط، فلقد شهدت مصر في العشر سنوات السابقة على الثورة شدًا وجذبًا في المجال السياسي بين السلطة ومعارضيها. يمكننا القول إن وتيرة هذا الشد والجذب أخذت في التصاعد مع تأسيس حركة كفاية في 2004، ثم حركة استقلال القضاء في 2006 والحراك العمالي في 2007 والذي توج بأحدث المحلة في 6 أبريل 2008، وغيرها من التحركات في المجال العام.

تزامنت السنة الأولى لعبدالرحمن، ابن قرية نوس البحر بالدقهلية، في كلية تجارة إنجليزي بجامعة المنصورة مع الاحتجاجات ضد التعديلات الدستورية في مايو 2005، والتي فُصّلت لتصب في خطة توريث الرئاسة لنجل الرئيس الأسبق حسني مبارك. شهدت تلك الاحتجاجات تحرش قوات الأمن بالمتظاهرات أمام نقابة الصحفيين، فيما سيُعرف بعد ذلك بـ«الأربعاء الأسود». بعدها جاءت، أحداث القضاة التي بدأت مع الانتحابات البرلمانية خلال شهري نوفمبر وديسمبر من نفس العام، بسبب ما جرى من انتهاكات وتزوير في العملية الانتخابية ومطالبة القضاة باستقلالهم عن الدولة حتى تصاعدت الأزمة في العام التالي بمحاكمة عدد من القضاة تبعها احتجاجات واعتصامات لقضاة ونشطاء ضد الحكومة.  

في الكلية، بداية اهتمامه بالشأن العام والصحافة. بدأ عبدالرحمن في مراسلة عدد من المواقع الإلكترونية الناشئة مثل موقع «عشرينات»، كما قام بإصدار مجلة صحفية بالكلية شملت مقالات وأشعارًا لمَن كانوا يُصنفون كمعارضين للنظام. حقق توزيع العدد الأول من هذه المجلة نسبة عالية فاقت توزيع المجلات التابعة لطلبة جماعة «الإخوان المسلمين» والحزب «الوطني» في جامعته. فكانت النتيجة استدعاء عبدالرحمن وتهديده بالرفت من قِبل عميد الكلية. بنهاية العام الدراسي الأول، لم يجد عبدالرحمن نفسه في المواد الحسابية، فاتفق مع أسرته على أن ينتقل لدراسة الصحافة في جامعة المنصورة، فقد كانت رغبته الأولى دراسة العلوم السياسية، ولكن مجموعه في الثانوية العامة لم يسمح له بذلك. قرر أيضًا أن يقيم بالقاهرة لاستكمال عمله بمراسلة مواقع صحفية، وبالفعل بدأ يعيش بين المدينتين

كان النشاط السياسي بالجامعة يهيمن عليه قطبا السياسة الأساسيان آنداك: جماعة الإخوان المسلمين والحزب الوطني، فقرر عبدالرحمن الانضمام للإخوان في 2005. في الوقت نفسه، لم ينتظم عبدالرحمن في حضور المحاضرات، لأنه اكتشف أنه لا يحتاج إلى الحضور للنجاح بتقديرات جيدة. «كان عندي وقت طويل لاستكشاف مصر بمنظور العائد من الخليج»، يقول عبدالرحمن، الذي عاش بين مصر السعودية طوال طفولته وحتى وصوله للثانوية العامة. رحلة الاستكشاف الخاصة به أخذت طابعًا سياسيًا دفعه للانخراط في مجموعات مختلفة. مع بدء موجة التدوين على الإنترنت، أنشأ عبدالرحمن مدونته «مراسل الأرض»، وشارك في أنشطة وفعاليات لمجموعات «كفاية» و«الاشتراكيين الثوريين» وأمواج التغيير، ولاحقًا «6 إبريل»، مع استمراره في التغطية الصحفية لمدونته ولمواقع صحفية أخرى

استمرت عضويته في «الإخوان المسلمين» ثلاث سنوات فقط. وفي 2007 ترك الجماعة بعد حادثتين متتاليتين جعلته يجد نفسه مختلفًا عنهم، على حد قوله. «المرة الأولى لما قرروا يحققوا معايا لما اتكلمت مع بنت إخوانية، لأنهم كانوا بيفصلوا بين البنات والولاد في الأنشطة الطلابية. والخلاف التاني بسبب اعتراضي أنا وزمايل شباب على برنامج [مشروع حزب] الإخوان، اللي قال إن الأقباط والمرأة مش من حقهم يترشحوا للحكم، ووقتها حصلت خلافات كتير معاهم فمشيت».

2009، كانت بداية لمشاركة سياسة مختلفة لعبدالرحمن. «مع ظهور [محمد] البرادعي، بعت وائل غنيم، اللي مكنتش أعرفه وقتها لمدونتي يقول إنه معجب بيها وعايز يتعرف عليّا. فابتدينا نتكلم بالتزامن مع نزول البرادعي لمصر. قالي أنا عايز أعمل حملة لدعم البرادعي على فيسبوك وسألني لو أحب أشتغل معاه، فقلتله طبعًا أحب. اشتغلنا أنا وهو على الصفحة اللي هي بقت دلوقتي صفحته الرسمية. بعد شهور قليلة الصفحة سمّعت، فلما البرادعي نزل مصر وائل قاله إننا عملنا الصفحة فقعدنا معاه. بعدين اشتبكنا مع الجمعية الوطنية للتغيير [تأسست في فبراير 2010 على يد البرادعي كائتلاف معارض ضمّ نشطاء وسياسيين من أطياف سياسية متنوعة] لحد ما حصل خالد سعيد».  

يتابع عبدالرحمن: «نفس السيناريو اتكرر مع خالد سعيد، و[وائل] قالي إنه عايز يعمله صفحة [على فيسبوك] وبعد ما عملها بتلات أيام طلب مني اني اشتغل معاه على الصفحة، وأدرنا الصفحة أنا وهو». وفي ديسمبر من العام 2010، دعت صفحة «كلنا خالد سعيد»، المصريين للتظاهر ضد التعذيب وضد وزير الداخلية حينها، حبيب العادلي، والمطالبة بحق الشاب السكندري الذي قُتل جراء التعذيب على يد رجال الشرطة الداخلية في يونيو من العام نفسه. دعت الصفحة لعدة تظاهرات وصولًا إلى تظاهرات 25 يناير. 

حتى ذلك الوقت، لم يدرك عبدالرحمن حجم تأثير صفحة «كلنا خالد سعيد»، رغم كثافة المشاركات في الاحتجاجات التي دعت إليها الصفحة منذ إنشائها. «لغاية إيفينت 25 يناير كان بس فيه نقاشات مع أحزاب ومجموعات سياسية. إيفينت يناير.. اللي أنا كنت فاكره إنه هيبقى مظاهرات ضد وزير الداخلية وخلاص، الأحزاب و6 أبريل اتبنوا الدعوة. كنا بالفعل عندنا خريطة تجمعات من التظاهرات السابقة، و6 أبريل عملوا خريطة تانية». 

امتدت توابع 28 يناير «جمعة الغضب»، إلى معسكر التدريب، الذي بدأه عبدالرحمن في 17 يناير، وكأنه صورة مصغرة من المجتمع، «حالة من التوتر، خاصة بعد منع الزيارات في الأيام الأولى من فبراير»، يقول عبدالرحمن.

«مكانش فيه ناس كتير تعرف علاقتي بالصفحة. مارضيتش أقول لأهلي. أبويا نزل من السعودية عشان الثورة من غير ما يعرف. بعد ما اتقبض على وائل غنيم في 27 يناير، أصدقائي بلغوا أهلي عشان خافوا يحصلي حاجة خصوصا وأنا في الجيش. أهلي اتأثروا جدًا لما عرفوا، وجم زاروني في المعسكر يوم تنحي مبارك»، يقول عبدالرحمن. 

خلال ذلك الوقت الاستثنائي، في أوج الحراك السياسي في تاريخ مصر الحديث، ظل عبدالرحمن عالقًا في معسكر التدريب. «طول الوقت ده أنا كان عندي مشاعر ملتبسة من الفخر والذعر، وإحساس يا ريتني أموت زيهم. فكرت في الهروب من المعسكر». 

كانت المرة الأولى لعبدالرحمن في ميدان التحرير في إجازته الأولى من الجيش في 15 فبراير. «شفت كل الفيديوهات لأول مرة وكان أسبوع من العياط. أنا قعدت شهور طويلة في 2011 و2012 بتعافى من إحساسي بالمسؤولية عن اللي حصل، من افتقادي للمشاركة بجسدي لغاية اللي اتصدروا في المشهد».

حين عاد عبدالرحمن إلى المعسكر من إجازته الأولى منذ اندلاع الثورة التي شارك في الدعوة إليها، كانت معلومة مشاركته تلك قد سبقته: «كانت سنة صعبة جدًا، طبعًا مش زي اللي مات أو اتعور، لكنها كانت صعبة» بالنسبة له.

خلال فترة تجنيده بالجيش، استمر عبدالرحمن في إدارة «كلنا خالد سعيد» والمشاركة في فعاليات سياسية مختلفة في فترات إجازته من التجنيد، وتسببت مشاركاته تلك في مشكلات أكبر مع الجيش. بعد انتهاء فترة تجنيده في مارس 2012، شارك عبدالرحمن في تأسيس حزب «الدستور»، وعمل على ملف الطلبة، واشتغل كباحث في مجال الأفلام الوثائقية. انهمك عبدالرحمن في عمله السياسي والمهني، وكانت الأجواء السياسية مشجعة نسبيًا مع وجود مجال للعمل السياسي، لذا قرر تأجيل سفره للدراسة في الولايات المتحدة، والذي فكر فيه في 2011، للعام التالي، بعد أن تم قبوله في منحة دراسية

رغم أن الأمور بدت، على حد قوله، سيئة بنهاية 2012، لكن مساحة ما للعمل السياسي بقت موجودة، أما في 2013، خصوصًا بعد 30 يونيو، بدا له أن هناك أبعادًا سلطوية قادمة. «اتبنى في دماغي تصور عن مصر مع الثورة انها مصر الحرية والكرامة، كنت عايز تأريخ ذهني كويس عن مصر. مكنتش عايز أحضر لحظات الانهيار الصعبة». 

خلال اعتصام رابعة العدوية، والذي استمر منذ يوليو 2013 حتى فضه الدموي في منتصف أغسطس، بدا المستقبل لعبدالرحمن، مثلما بدا لآخرين مشتغلين بالعمل العام، نفقًا مظلمًا. هذا التخوف دفع عبدالرحمن إلى السعي لمبادرة لحل الموقف، حين طرح المبادرة على طرفي الأزمة وقتها، قيادات الحكومة وقيادات الإخوان المسلمين، لاقت الرفض من الطرفين، وكانت النتيجة تهديدات مبطنة لعبدالرحمن من الطرفين، لكن خوفه الأكبر كان من اعتقاله في أي لحظة، فكان قرار السفر

«تذكرتي كانت يوم 16 أغسطس بعد رابعة بيومين. وأنا بعمل بوردينج في المطار جالي لواء قالي تعالى هنا انت رايح فين، قلتله رايح أمريكا، قالي أمريكا ايه لو ما خدتش شنطك ومشيت هاحبسك، فخدت شنطي ومشيت. وسألت معارف وعرفت اني مش ممنوع من السفر بس اتنصحت اني لازم أمشي قريب. فحجزت تذكرة لايطاليا بعدها بتلات أيام ومنها على شيكاغو. التذكرة الأولانية حجزتها قبل رابعة وكان معاد الرجوع 22 يناير 2014 عشان احتفل بذكرى الثورة، وكنت رايح بشنطتين، راجع بعد أربع شهور. لما مشوني من المطار في المرة الأولانية قلت لأهلي اني لما هاروح تاني المطار يا هيتقبض عليا يا مش هارجع دلوقتي». 

منذ اللقاء الأول معه في نيويورك، بدا عبدالرحمن جزءًا من المدينة وليس زائرًا أو غريبًا. مندمج، متزوج حديثًا، وزوجته أيضًا مقيمة في المدينة. يمارس الرياضة يوميًا لاكتشاف المدينة ولتخفيف الضغط بركوب العجل أو سيرًا على الأقدام. يقضي أيامه ما بين أعمال مكتبية أو بحثية في المنزل، وأنشطة اجتماعية مع أسرته وأصدقائه ومعارفه المصريون والعرب والأمريكيين.

عبد الرحمن منصور في منزله في نيويورك

لم يكن الأمر هكذا منذ البداية. لمدة عام، درس عبدالرحمن تجارة الأعمال في جامعة شيكاغو، ثم انتقل إلى نيويورك في أغسطس 2014، حيث بدأ دراسة الماجستير في الصحافة الدولية بجامعة نيويورك. كان عبدالرحمن قد قرر قبل ذلك بسبعة أشهر، تحديدًا في يناير 2014، عدم العودة إلى مصر في موعد طائرته في 22 يناير. لا يزال محتفظًا بتذكرة الرجوع التي لم يستخدمها. «وقتها كان فيه حملات اعتقالات لنشطاء وتسريبات، منها تسريب ليا، وأشخاص اتمنعوا من السفر، ونصحني أصدقاء اني ما أرجعش»، على حد قوله

«كان عندي ذعر وما كنتش بعرف أنام إلا لما بكلم حد من مصر، وقتها كانت حقائق اللي حصل في رابعة ابتدت تتعرف، فضل يجيلي كوابيس لغاية ديسمبر 2013 لما اتعرّفت على مجموعة شباب عرب وبقينا أصدقاء. قبلها كنت وحيدًا تمامًا وماكنتش مستسيغ اللغة في التعبير عن مشاعري، وكان عندي هلع دائم على أصدقائي اللي هناك. فكان بيبقى عندي شغل ومذاكرة لكن ما أقدرش أنام إلا لما أطمن عليهم عشان فرق التوقيت». لا تزال اللغة تشكل عائقًا لعبدالرحمن في التعبير عن مشاعره، ولا تزال أخبار مصر والخوف على الأصدقاء في مصر يلاحقه حتى اللحظة

حتى العام 2017، أقام عبدالرحمن في الولايات المتحدة بتأشيرات طالب وباحث، رفض التقديم على «الجرين كارد» على أمل العودة. «كنت بقول اني هارجع مصر وان فيه مستقبل سياسي في مصر»، يقول عبدالرحمن. لكنه كان قد استنفد كل التأشيرات المتاحة، كما أنه استنفد مخزون الأمل في العودة على ما يبدو، وبالفعل قدم وحصل على «الجرين كارد» في نفس العام

تحتل مصر مساحة كبيرة من حياته الاجتماعية في نيويورك. لديه صداقات قوية مع عدد لا بأس به من الكتاب والباحثين المصريين المقيمين في نيويورك، بعضهم قادر على زيارة مصر، والبعض مهدد بالحبس حال عودته، يلتقيهم بانتظام. في أحد هذه اللقاءات التي حضرناها بداية أكتوبر الماضي، دار معظم الحديث حول احتمال العودة إلى مصر نتيجة الحماس الشديد الذي أصاب عدد من الجالسين على خلفية دعوات التظاهر في 20 سبتمبر الماضي، حتى وصف أحد الجالسين شعوره وقتها: «احنا كنا بنقول خلاص يلا نحضر الشنط عشان هنرجع». كان ذلك قبل الهجمة الأمنية العنيفة الممتدة حتى اللحظة، والتي شملت في الأيام الأولى أكثر من ألفي معتقل. تراجعت فكرة العودة مجددًا.

«هنا مفيش أمريكا، زي ما القاهرة مش مصر، أنا بحس هنا اني نيويوركي مش أمريكي. أمريكا حسيتها في تكساس وفي شيكاغو مش في نيويورك. في الشرق الأوسط العواصم لا تمثل الدول، خصوصًا في مدن كبيرة زي القاهرة أو طهران أو اسطنبول مثلًا، لأنهم أكثر تقدمية، نيويورك كده بردو».

«فيه قواسم كتير مشتركة خليتني أعيش القاهرة في نيويورك. نيويورك بالنسبة لي هي القاهرة، عشان التنوع، وان مفيش سكان أصليين غير قلة. مدينة بتجري ورا أحلام محدش عارف يوصلها، بيجروا ورا المجهول، زي القاهرة. سعي لتحسين الحياة رغم اللا يقين واللا استقرار، مع فارق ان الحياة في نيويورك أصعب وأكثر كثافة وتعقيد بأضعاف عن القاهرة»

«في نيويورك شفت ضآلة البني آدم وقصته، لأني جيت من نضال محلي بسردية واضحة عن الظلم والدكتاتورية مقابل نضالات ومعارك أكبر وأصعب، اللي هي معارك المواطن الأمريكي، زي التأمين الصحي. اكتشفت حركة عالمية للعدالة الاجتماعية في أمريكا، وشفت رمزية تحرير الثورة هنا بردو، وكان مستحيل أشوف أهمية اللي حصل والمطالب بتاعتنا وأنا في مصر، لكن أنا شفت ازاي الحراك المصري والعربي بيوصل وول ستريت. اكتشفت اني أخدت من تجربة التحرير اللي يخليني أفهم نيويورك». من ضمن ما فهمه عبدالرحمن في نيويورك عن مصر، على سبيل المثال، مؤيدو الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وذلك حين شاهد مؤيدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. اكتشف أن أحد مشكلات 2011 هي أن قدرتنا الاستيعابية كانت منخفضة، وأنه كان هناك ما أسماه بـ«طوئفة» للسياسة. اكتشف أيضًا أن طمأنة المجتمع أمر مهم

يشعر عبدالرحمن بأنه مدين للمدينة التي طورت أفكاره ورؤيته للعالم والتي فهم فيها معنى الحياة بكل قسوة. «قلبي معلق بين القاهرة ونيويورك. ما قدرش أوصف نفسي بوصف معين زي مغترب أو منفي. كنت مدرك وأنا جاي أمريكا اني جاي على مسار طويل وصعب لكنه أكثر رحابة، فما سمحتش للتعلق بمصر انه يمنعني من الحياة والتحقق هنا».

«الحزين اني مش شاعر بغربة، احنا دايما عندنا رغبة في ابتذال الألم، يعني لازم لما نمشي يكون الأمر حزين، طبعا الافتقاد مهم»، هكذا يتعامل عبدالرحمن بخفة متجاوزًا الأثر النمطي للمنفى/ الغربة. يستشهد في وصفه لمشاعره تجاه الأمر بقصتيين في التاريخين المصري والألماني، «أحمد عرابي لما اتنفى عاش حياته واتجوز وعمل مدرسة لتعليم اللغة العربية، لسه لحد دلوقتي، ما وقفش عند الحزن، أنا كمان قررت ما قفش عند الحزن. الثورات تأكل أبنائها كما قالت هنا أريندت، لكنها لما اتنفت لنيويورك عملت مدرسة يسارية للفنون والفلسفة، هي واحدة من أهم المدارس اللي بتخرج آلاف سنويًا».

عبدالرحمن مقتنع أن التاريخ يحمل كل الاختيارات والتوجهات، لكن القرار لنا في النهاية. «من الممكن أن تؤكل سريعًا، مش عايز أبدو قاسي طبعًا لأن في مصر انت ستؤكل كده كده، لكن حين تملك قرارك وحريتك الشخصية عندك القدرة النسبية انك لا تؤكل ولا تنسى، فأنا كنت مهموم اني لا أؤكل ولا أغرق في الحزن. إزاي أبقى وأفضل مهموم وأقدر أساهم في قضيتي».

مجددًا، انتفاء الشعور بالاغتراب لا يعني انفصاله عما يحدث في مصر، فهو لا يزال يتمنى العودة والمساهمة في مشروع التغيير السياسي في مصر. يقول: «لما جيت قريت تجارب منفيين سياسيين زي التوانسة في فرنسا وزي هنا أريندت في أمريكا، وعن شغلهم السياسي والحقوقي في المنفى. وفي 2013 قريت كتاب تشريح الثورة، والكتاب ده أنقذني من الجنون، ولما قريته وصلت لحلين: ان اللي حصل في بلدنا مش بدعة، مكرر في التاريخ، وكمان معكوسه مش بدعة، ولازم نتعلم من شواهد وأخطاء التاريخ، عشان أعرف أعمل إيه».

سؤال مصر أصبح سؤالًا عربيًا في ذهن عبدالرحمن، لأن إشكاليات المنطقة واحدة في رأيه، ولأن قدرة الثورات المضادة العربية على التعاون مع بعضهم البعض أكبر كثيرًا من قدرة الديمقراطيين العرب على التعاون مع بعضهم، لذلك هو مهموم في دراسته وعمله بالمنطقة العربية وليس مصر فقط

يعتقد عبدالرحمن أنه مع موجات النزوح من مصر المتزايدة، سيكتشف المصريون المهاجرون أدوارهم الجديدة في علاقاتهم بمصر. ما يحاول عبدالرحمن فعله، وهو يصفه بأنه لا يزال محدودًا وإصلاحيًا جدًا، هو إبقاء صوت المصريين حيًا، عن طريق الكتابة والبحث ومساعدة مصريين معتقلين أو مهاجرين. «الدور ده مكنتش هقدر أعمله في مصر لأني كنت هبقى في السجن، أو في أحسن الأحوال مطحون ورا لقمة العيش في ظل المشي على الزجاج، مفيش فرص، ولو فيه فهي محفوفة بالمخاطر خصوصًا في مجال الإعلام، مش بيمشوا على زجاج بل على جمر. في أي لحظة ممكن يتحبسوا أو يتمنعوا من السفر». 

في سبتمبر الماضي، تفاعل عبدالرحمن مع الأحداث بالكتابة وبالمشاركة في تظاهرات المصريين في نيويورك، لكن رغم تأكيده على أن التظاهر طرف أصيل في أي تفاوض سياسي، إلا أنه يرى المعضلة أكبر من ذلك بكثير، ففي رأيه، كلٌ من  النظام والمعارضة في أزمة، حتى لو كان السبب الرئيسي فيها هو النظام الذي أغلق المجال العام، فلم يبق هناك أحزاب أو عمل سياسي لاستيعاب الغضب عبر السياسة والانتخابات. «بعكس يناير، الأفق مش واضح في اللحظة دي، فحتى لو حصلت في مصر ثورة أسئلتها الصعبة أكتر من إجاباتها السهلة. احنا مقدمناش بدائل كتير، لحظة تقديم بديل مستساغ من الجميع لسة ماجتش، لو جت هارجع مصر، مهما بلغت درجة استقرار حياتي هنا، هارجع».

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن