«ممالك النار» و«القادسية» أو كيف تستخدم الدراما في بعث «القومية»
 
 

حين انتهيت من مشاهدة حلقات المسلسل الـ 14، كانت أغلب انطباعاتي عنه مرتبطة بالصنعة نفسها: التمثيل، والسيناريو، وشريط الصوت، والتصوير، وتنفيذ المعارك الحربية، إلخ. كان يمكنني القول إنه مسلسل مُسلي، مُحكم التنفيذ على مستوى التقنيات، ضعيف على مستوى الكتابة ورسم الشخصيات، سهل على مستوى الأداء التمثيلي فكل الشخصيات أحادية.

كان يمكن قول كل ذلك بسهولة، قبل الاطلاع على حالة الهوس الإعلامي بالحديث عن «ممالك النار» بصفته العمل الذي ألقم الأتراك والدولة التركية حجرًا، بل هز عرشها، بل حطم دعايتها المتمثلة في فيض من المسلسلات التركية كـ «أرطغرل» و«قيامة عثمان». إنه المسلسل الذي كشف حقائق التاريخ، وأوقف التزييف، وأظهر الحق، وهزم الباطل، ورد لنا حقوقنا الغائبة طوال 400 عام من الانضواء تحت راية الدولة العثمانية.

على الجانب الآخر، كانت هلاوس الأتراك مزعجة أيضًا، حيث رأى ياسين أقطاي مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن الأمر يستحق نشر مقالين، وليس مقالًا واحدًا، للرد على المسلسل. وتحدث في مقال بعنوان «ممالك النار.. لماذا تخدع قناة إم بي سي مشاهديها» حول استهداف الجمهورية التركية عن طريق مهاجمة الدولة العثمانية، باعتبار الأولى ممثلة للثانية، مضيفًا أن الغرض الأساسي من المسلسل هو الحد من تأثير الدراما التركية «التي اكتسبت أهمية أسطورية في العالم العربي، بل وفي العالم كله بمرور الوقت». بينما تحدث المؤرخ التركي مقصود أوغلو لوكالة «الأناضول» شبه الرسمية، رغم أنه لم يشاهد المسلسل، عن تعرض تاريخ الدولة العثمانية للتشويه «لأنه ببساطة تركيا بدأت تقوى تدريجيًا وهذا ما يخيفهم ويقض مضجعهم»، بحسب قوله.

هناك الكثير من الهلاوس والهلع في هذه المنطقة، لدرجة أن يحتل مسلسل كل هذه الأهمية. فيتوقف عن كونه مجرد عمل درامي يُحبه المشاهد أو يكرهه، ليتحول إلى «سلاح» كما قال بطل العمل خالد النبوي في لقائه مع الإعلامي عمرو أديب.

المسلسل، الذي ما زلت أراه مسليًا، يبدأ بمشهد للسلطان محمد الفاتح وهو يرتدي ملابس الحرب، بينما تقص السطور المكتوبة على الشاشة قصة القانون الذي سنّه السلطان ليبيح لمن يصل للعرش أن يقتل أخوته حفاظًا على تماسك الإمبراطورية. يموت محمد الفاتح في الدقائق الأولى من المسلسل لننتقل بعدها إلى مسارين، يتتبع الأول قصة سليم، حفيد محمد الفاتح، والثاني طومان باي، ابن أخو السلطان قنصوة الغوري. نراهما أطفالًا ونتتبع مساراتهما، دون أن يلتقيا إلا في الحلقة الأخيرة.

طوال حلقات المسلسل، يلعب شريط الصوت والطابع اللوني للمشاهد دورًا رئيسيًا في تحديد مواقف المشاهدين من الشخصيات والأماكن. ففي كل مرة نرى القاهرة، تنقلنا الموسيقى التصويرية إلى مساحة من الراحة والاطمئنان. ألوان القاهرة دافئة، رغم أنها بدت صحراوية أكثر مما هو متوقع في القرن السادس عشر. يسير الناس في الأسواق في سلام معظم الوقت (عندما لا يهاجمهم جنود المماليك لانتزاع الضرائب).

القاهرة كما تظهر بالمسلسل

يتحرك طومان باي بين العامة متواضعًا ومشيرًا للناس هنا وهناك بينما يتحدث مع صديقه «جمال» الكاتب. بل أننا نسمع حوارًا في مشهد آخر بين جمال وأحد مؤرخي هذا العصر، ربما يكون «ابن إياس» نفسه، عن أهمية كتابة الحوليات حفاظًا على التاريخ من خيانات الذاكرة. في كل مرة ترى القاهرة تشعر أن «فيها حاجة حلوة»، رغم ما يظهر أحيانًا في المسلسل من ظلم بعض المماليك ومؤامراتهم.

في المقابل، لا نرى مدنًا للسلطنة العثمانية، فقط قصور السلطة وحصونها. تُورِثك الموسيقى التصويرية حالة من القلق والترقب. تجعلك دائم التوقع أن شخصًا ما سيستل سيفًا ليقتل من يقف بجواره. ألوان المشاهد باردة، أقرب للظلمة، لا نرى إلا شخصيات القصر ومؤامراتها وأحقادها.

إذن، فالقاهرة خيّرة والقسطنطينية شريرة. نحن أمام ثنائية واضحة لا تحتاج من أحد بذل أي جهد لاتخاذ المواقف، فجميعها أُتخذت بشكل مُسبق.

تمتد الثنائية مع شخصيتي سليم وطومان. دون جهد، يمكن وصف كل منهما بكلمة أو كلمتين على أقصى حد، لسنا في حاجة لأكثر من ذلك. سليم عدواني وعنيف. طومان عادل وعطوف. انتهى الموضوع. وتمتد قصة الاثنين لتثبت تلك الثنائية. ففي طفولتهما، يُعبّر سليم عن كرهه لأخوته، بل رغبته في قتل أخوه الأكبر، فيما نرى طومان الطفل فارسًا نبيلًا يحمي «نِلباي» الفتاة الصغيرة، التي ستصير حبيبته لاحقًا، من هجوم لقطيع من الذئاب. في مشهد آخر، نرى سليم، بعد أن صار أميرًا، يستمتع بقتل مسجون بيديه، بينما نشاهد طومان، الذي أصبح أميرًا أيضًا، وهو يُحجم عن قتل أعرابي متمرد وقاطع طريق. يخاطبه طومان بكلام ليّن، بعد القبض عليه، طالبًا منه أن يقف على قدميه ولا يركع له، قبل أن يأخذه للسلطان الذي يأمر بسجنه.

تمتد ثنائية الأماكن والشخصيات، مثلما يحاول المسلسل وصُنّاعه ومن كتبوا عنه خلق ثنائية أخرى: ثنائية القومية التركية في مواجهة قومية أخرى غير واضحة ربما تكون عربية أو حتى مصرية. قومية المعتدي الغازي الهمجي في مواجهة قومية صاحب الأرض المقاوم. ويتسلح كل طرف، سواء أنصار المسلسل أو مهاجميه بسلاح التاريخ: «نحن نقدم حقائق التاريخ» في مقابل «أنتم تشوهون التاريخ». المذهل في كل ذلك ألا أحد بالفعل يحاول مُساءلة التاريخ الذي يُقدّمه ويدافع عنه. هناك دائمًا استخدام لتواريخ متخيلة لصناعة قوميات أو تصورات متخيلة عن الحاضر.

يُستخدم التاريخ دائمًا في لعبة تأسيس القوميات وصيانتها، فأي قومية مبنية على فكرة أن هناك جماعة من البشر بصفات محددة يعيشون على أرض محددة منذ أبد الدهر، وهم واعون بجماعيتهم ومصيرهم المشترك منذ فجر التاريخ. وبالتالي إذا ما وصم «ممالك النار» العثمانيين بالعدوانية والهمجية، فالأتراك المعاصرون هم أيضًا عدوانيون وهمجيون. خاصة أن السلطة التركية تحاول إعادة تأسيس قوميتها عن طريق ربط نفسها بالدولة العثمانية والدفاع عنها وممارساتها.

تخلق القوميات هذه الروابط القسرية مع الماضي فقط لتؤسس للحاضر. بينما واقع الأمر أن الدولة العثمانية كانت مثل كل ممالك زمنها، إمبراطورية غزو وتوسع، لا تختلف في ذلك عن الدولة المملوكية أو غيرها. وفي الوقت نفسه لم تكن الدولة المملوكية حامي حمى الرعيّة، بل دولة تفرض على رعيتها ضرائب باهظة لتغطي نفقات جنود المماليك (خاصة في مرحلة المماليك الجراكسة) والحملات الحربية التي هدفت إلى حماية حدود السلطنة من الصليبيين والتتار.

استخدام الإنتاج الفني لتعزيز هذه الروابط القسرية بين الماضي والحاضر، أو استخدام الماضي لإعادة قراءة/ إنتاج الحاضر كامتداد للحظة زمنية سابقة وأبدية ليس جديدًا على أي حال. قبل نحو 40 عامًا، أنتجت المؤسسة العامة للسينما والمسرح في العراق فيلم «القادسية» مع بدء حرب الخليج الأولى مع إيران (1980-1988). ليعرض الفيلم طوال ثلاث ساعات المعركة التي دارت بين جيشي المسلمين والفرس سنة 636 ميلاديًا، وانتهت بالقضاء على الدولة الفارسية. أطلق صدام حسين على حربه مع إيران اسم «القادسية الثانية»، لخلق ذلك الرابط بين الموقعتين، غير أن حرب صدّام استمرت ثمان سنوات وانتهت دون تحقيق أي نصر.

وُصف فيلم القادسية وقتها بأنه الأضخم إنتاجًيا في المنطقة، وهو الوصف ذاته الذي أُطلق على مسلسل ممالك النار. وذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية أن ميزانية الفيلم بلغت 15 مليون دولارًا، وهو الرقم الذي لا يوجد إمكانية للتأكد من صحته. أخرج الفيلم صلاح أبوسيف، وكتب القصة علي أحمد باكثير والسيناريو محفوظ عبدالرحمن، وشارك في التمثيل سعاد حسني وليلى طاهر، ولعب دور البطولة عزت العلايلي، الذي تبرأ لاحقًا من الفيلم، مؤكدًا أنه لم يكن يعلم أن الفيلم موجه سياسيًا.

يحمل الفيلم الذي تدور أحداثه في القرن السابع الميلادي بعض ملامح الرؤية القومية، التي لم تتبلور إلا في القرن العشرين، حيث يتحالف المسيحيون العرب مع المسلمين، فـ «العربي يأتي أولًا»، كما يقول أحد الأشخاص في الفيلم. وتظهر الثنائية المختزلة بين العرب الشجعان الزاهدون في الدنيا، وبين الفرس الأغنياء الذين اعتادوا النعيم. ويُقدّم ملك الفرس بشكل كاريكاتيري كرجل أخرق لا يخلو من النعومة يبدأ في قرض أظافره في كل مرة يشعر فيها بالخوف من العرب. بينما تصيح عمته العمياء داخل القصر «ويل لكم من العرب.. ويل لكم من العرب». وفي المجمل، يستغرق الفيلم في خلق ثنائية لعالمين متناقضين أخلاقيًا وسياسيًا.

غير أن الفيلم لم يحظ بمشاهدة عالية لأسباب عديدة. حيث مُنع عرضه لسنوات في مصر بسبب رفض الأزهر تجسيد عزت العلايلي شخصية الصحابي سعد بن أبي وقّاص. كما لم يُعرض في لبنان التي كانت وسط جحيم الحرب الأهلية. ورغم الدعم الخليجي والرسمي من عدد من الأنظمة العربية للعراق في حربها على إيران لم يُعرض الفيلم بالشكل المتوقع في أي منها، دون أسباب واضحة.

رغم الفارق في الجودة والانتشار والتأثير، إلا أن هناك الكثير من التشابهات بين الفيلم والمسلسل، أو بين القراءة السائدة للعملين. بينما لا يحاول أي منهما فرض مقاربات واضحة بين اللحظة الراهنة والحدث التاريخي الذي يقدمه، إلا أن الربط يحدث في ذهن المشاهد، ويساعد على ذلك زخم التصريحات والتعليقات إزاء العمل الفني.

تُقدم القراءة السائدة، أو التي أُريد لها أن تسود، للعملين رؤية أبدية للتاريخ، حيث صراع الحاضر امتداد لصراع الماضي. يساعد في ذلك اختيار صُناع العملين لحظة مُكثفة للصراع: هزيمة الفرس وزوال دولتهم، وانتصار الأتراك وانتقال الخلافة إلى إسطنبول. بينما كان يهدف الفيلم إلى شحذ الهمم قبل الحرب مع إيران، يهدف المسلسل إلى التحذير من مخاطر الخضوع للأتراك وسط صراع سياسي وعسكري بين محور السعودية/الإمارات/مصر من ناحية، ومحور تركيا/قطر من ناحية أخرى. المذهل أن العملين من إنتاج دولتين عربيتين نفطيتين، العراق ثم الإمارات، وتمثيل نجوم عرب على رأسهم ممثلين مصريين. كلا العملين يزعمان كشف وتخليد لحظة تاريخية هامة مُنتقاة بعناية وأُريد بها أن تكون مرتبطة بأخرى في الحاضر.

عقب عرض المسلسل، كان مستفزًا كل ذلك الحديث عن «كشف حقائق التاريخ». فقط لأن المسلسل «كشف» أن دخول العثمانيين مصر لم يكن فتحًا بل غزوًا وحشيًا. صحيح، كان غزوًا لمصر، التي غُزيت أيضًا أكثر من مرة من قبل، وكانت إحداها على يد الجنود العرب بقيادة عمرو بن العاص. فهل يمكن أن نرى مسلسلًا يقتبس مما كتبته الباحثة والصحفية سناء المصري، في كتابها هوامش الفتح العربي لمصر، عما واجهه المصريون عقب الفتح العربي؟ فقد كان غزوًا أيضًا، له كل ملامح الغزو المعتادة في تلك الفترة: ضرائب باهظة على الأهالي، تعالي من الغزاة على السكان الأصليين، استخدام العنف لقمع أي فرصة للتمرد. ولكنه مسلسل لن تنتجه على الأرجح شركة «جينوميديا» الإماراتية، التي أنتجت ممالك النار.

تسكت الأعمال الإبداعية المُنتَجة وفق رؤية قومية محددة عن لحظات معينة في التاريخ. فالرؤية الأبدية للتاريخ تعجز دائمًا عن دمج كل المجموعات البشرية والوقائع في روايتها. فتنزع إما إلى الإخفاء عمدًا أو تقديم سردية مغايرة. لهذا سينزع صُناع «ممالك النار» إلى التأكيد على أن المسلسل يقدم حقائق الغزو العثماني مُنتقدين مناهج التاريخ التي وصفته بالفتح، كما جاء على لسان خالد النبوي، لكن لن يجرؤ مُنتج على إنتاج مسلسل أو فيلم عن الفتح العربي لمصر برؤية تغاير الرؤية القومية المُعتمدة.

كان من الممكن ألا يكون المسلسل عن «كشف حقائق التاريخ» أو «هز عرش أردوغان»، كان من الممكن أن يكون مجرد مسلسل مُسلي، فلا يوجد ضرر من التسلية. مسلسل يتخذ من لحظة تاريخية درامية مساحة للعب مع الشخصيات، التي كان من الممكن جعلها أكثر عمقًا وتركيبًا، وبالتالي أكثر إمتاعًا في التمثيل والمشاهدة. بدلًا من ذلك أدخلتنا ألاعيب الخطاب القومي في كل ذلك الجدل الممل، فلا بقي المسلسل مسليًا، ولا أخُذت أسئلة التاريخ على محمل الجد.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن