ديتوكس| كيف كانت الحياة قبل 2011؟
 
 
المصدر: للفنانة سهير شرارة
 

#جو عام

في هذا العدد نغطس في الماضي، نحاول أن نتذكر شكل حياتنا قبل 2011.

يكشف الأرشيف لنا أن الدنيا كانت مضطربة وتوحي بتململ ورغبة في انعتاق. تذكرنا أن الحياة كانت تسير بسلاسة وهدوء. الحياة قبل 2011 تبدو بعيدة بالفعل، كأن المسافة الزمنية بينها وبيننا تزيد على التسع سنوات.. هل عشنا هذه الشذرات التي يخبرنا الأرشيف أنها حقائق جرت بالفعل؟

قبل أشهر من الحدث الكبير الذي هزّ حياتنا يُعرض بدور السينما فيلم «رسائل البحر» لداوود عبد السيد. يعود محمد البرادعي إلى مصر في فبراير 2010 ينتظره في المطار نشطاء تمهيدًا لإقناعه بالترشح لانتخابات الرئاسة منافسًا لحسني مبارك في 2011. يقدّم اللبناني زياد الرحباني في مارس حفلًا بساقية الصاوي، ثم يُنشر فيديو لقصر آل مبارك. كما يتحدث عمرو أديب عن «أزمة حشيش».

في أبريل 2010 يتحدث الرئيس حسني مبارك محذرًا من وضع «مستقبل مصر في مهب الريح» نتيجة صراع مَن أسماهم بـ «المقامرين». وفي مايو يكتب جلال عامر: «قال السيد الرئيس إن الانتخابات القادمة سوف تكون نزيهة، وهو ما أكد سيادته قبل كل انتخابات سابقة.. لماذا لا نجرب مرة واحدة انتخابات مزورة». 

رئيس الحكومة يعلن في يونيو استعداد مصر فتح معبر رفح بالكامل إذا خرج الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة. في يوليو تحدث مظاهرات صامتة بالقاهرة والإسكندرية احتجاجًا على وفاة خالد سعيد إثر تعذيب وحشي. بلاغ يتهم المرشح الرئاسي السابق أيمن نور بإهانة جمال مبارك تقدّم به 20 محاميًا للنائب العام في أغسطس. وفي سبتمبر نشرت «الأهرام» صورة مُفبركة لمبارك يقود زعماء أمريكا وفلسطين والأردن وإسرائيل، ووصفت الجريدة المملوكة للدولة هذه الصورة بأنها «تعبيرية». كما جرت في أكتوبر أول «حروب المهرجانات» بين فيجو وحاحا. في نوفمبر رئيس وزراء إثيوبيا يقول إن مصر لن تكسب حربًا مع بلاده بشأن مياه النيل، متهمًا القاهرة بدعم متمردين إثيوبيين، بينما يؤكد وزير الخارجية المصري أن مصر «لا تسعى لحرب ولا تدعم متمردين». تكتب سوزان مبارك كتابها الأول «اقرأ لي كتابا: قصة السيدة الأولى وحفيدها» والذي يتوقع صدوره في معرض القاهرة للكتاب في يناير 2011.

 28 ديسمبر، يقول الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إن «لجوء أقلية من المتطرفين والمحرضين المأجورين ضد مصالح بلادهم إلى العنف والشغب في الشارع وسيلة للتعبير أمر مرفوض وهو مظهر سلبي». 1 يناير 2011 وقع تفجير في كنيسة القديسين بالإسكندرية ما أسفر عن مقتل نحو 21 شخصًا. ثم تكرر كثيرًا مصطلح «مصر ليست تونس» في تصريحات وزراء ومسؤولين مصريين. 

في هذا العدد نحاول استعادة هذا الزمن البعيد الذي عشناه بالتأكيد، لكننا نسينا بعضًا من أحداثه، من كبر وهول ما شهدناه خلال السنوات الماضيات.

نعود لزمن ما قبل ثورة بكتاباتنا، في محاولة لاستعادته وتأمّله لعلنا نفهم ما جرى أو نتوقع ما سيجري.

نعيش ونفتكر:

#قراءة 

 

حوار صحفي

شادي زلط

«هاعمل حوار مع هشام الجخ»، دي كانت مساهمتي في اجتماع التحرير اﻷسبوعي استعدادًا لعدد الخميس 27 يناير 2011، في تالت سنة ليّا كسكرتير تحرير، وخامس سنة من بداية الكتابة في جرنال ورقي، بعد سنين كتير من الاكتفاء بدور القارئ لعدد محدود من الجرايد الورقية في مصر.

في طفولتي خلال التسعينيات اتربيت على روتين أبويا كقارئ؛ «اﻷهرام» يوميًا، مع خصوصية لعدد الجمعة، واستثناء لـ «الأخبار» يوم السبت، وظهور خاص لـ «الشعب» يوم التلات كجرنال معارضة بنتابعه باهتمام، ما كانش سببه اﻷوحد إن خالي بيكتب فيه، مع ظهورات متفرقة لجرايد حزبية/معارضة زي «اﻷهالي»، و«الوفد»، و«العربي الناصري»، أو معارضة سادة زي «الأسبوع».. سلامات يا أستاذ مصطفى 🙂

لاحقًا، وفي اﻷلفينيات، وبدء حياتي المستقلة بقدر ما، عدد من الجرايد المذكورة خرج من دايرة متابعتي، إن ما كانش خرج من السوق أصلًا، وبدأت أتابع بدرجة أقل جرايد تانية، زي «صوت اﻷمة»، وفي أحيان نادرة «الفجر»، بفَتح الفاء أو ضمها.. واللي كنت باتعامل معاها باعتبارها جرايد معارضة، لحد ما قريت «الدستور» ووقعت في الحب من أول صفحة مع عددها اﻷول، من الإصدار الثاني، في مارس 2005. 

علاقة الحب مع «الدستور» اﻷسبوعي تحولت من قرائتها للكتابة فيها بداية من مايو 2006، وبدأت أتردد على الجرنال أسبوعيًا عشان أسلّم الورق لأستاذي خالد كساب، اللي بدأ واحدة واحدة يخليني أمدّ إيدي في «السبعينات» (البروفات المطبوعة على ورق A3، بنسبة 70% من حجم الطباعة اﻷصلي) وأبتدي أتعلم منه إزاي الصفحات بتتجهز.

في نوفمبر 2008 كساب نفسه كلمني، وجابني لجرنال فني كان بيصدر من سنين، اسمه «عين»، واللي اتغيّرت هيئة تحريره، وبقت برئاسة أستاذ إبراهيم عيسى، ومعاه كساب، اللي قعدني شهرين في الجرنال باتعلم منه ومن عيسى وباقي فريق الجرنال، وقبل صدور العدد اﻷول -بعد توقف مؤقت- بقيت سكرتير تحرير الجرنال، وفضلت في المكان ده حتى بعد رحيل كساب عنه سريعًا، ثم رحيل اسم عيسى لاحقًا، ﻷنه كان موجود على الترويسة بلا وجود فعلي في الجرنال.

بوصولي للسنة اﻷخيرة في العشرية اﻷولى من الألفينات -فِخِم مصطلح «العشرية اﻷولى» ده- كانت خريطة الجرايد الورقية في مصر بالنسبة لي هي:

جرايد قومية/حكومية مضطر أقراها من منطلق «اعرف عدوك»، ودي كانت مقتصرة على «اﻷهرام واﻷخبار»، ﻷني ما كنتش باقدر أقرا «الجمهورية» و«المسا» وما شابه من ورقيات. كنت باحِس إنك في الجرايد دي تقدر تقرا عصارة فكر النظام، تعرف توجهاته وإزاي بيشوف اﻷحداث، أو باﻷحرى إزاي عايز الناس تشوفها، وأظن ده كان الواقع بتاعها من سنين طويلة، يعني «أهرام» أسامة سرايا وعبدالمنعم سعيد كانت امتداد طبيعي لـ «أهرام» إبراهيم نافع، زي ما «أخبار» ممتاز القط ومحمد عهدي فضلي كانت امتداد لـ «أخبار» إبراهيم سعدة، وغالبًا زبونها كان اتعوّد خلاص على وجودها في حياته، أو مكسّل يقطع علاقته بيها، فاستمر يشتريها، وإن كان بدأ يدوّر معاها على أوبشن تاني من الجرايد المستقلة.

الجرايد المستقلة اللي كنت باتابعها كويس وقتها، وبالاقي فيها في أوقات كتير صحافة حلوة، وكتابة تتقري، كان أولها «المصري اليوم»، كان مجدي الجلاد رئيس تحريرها ووراه عدد كبير من الشباب اللي خلّوا الجرنال حِرِك وله طعم، وإن كان موزون بوجود عدد من كُتّاب المقالات الكبار، وده اللي ما كانش متحقق مثلًا وقتها مع «الشروق»، اللي كان بقاله سنة، لكنه كان رصين كده وتحسُّه لابس نضارة بسلسلة، بحكم وجود مجلس تحرير أكثر خبرة وأقل انفتاحًا على التجريب فوق رئيس التحرير عمرو خفاجي وباقي الشباب اللي معاه.

طبعًا مش معنى إنها كانت جرايد مستقلة، إنها كانت معارضة، ده من وجهة نظري على اﻷقل، لكن كنت باحس إنهم محافظين على الحد اﻷدنى من المواءمات؛ يعني قادرين يحافظوا على احترامي لهم كقارئ، من غير ما يكونوا منبطحين ولا طبعًا معارضين بقوة.

الشهادة دي أكيد ممكن تكون مجروحة من واحد كان شايف إن المعارضة، فضلًا عن الصحافة الممتعة، هي اللي «الدستور اﻷسبوعي» بتعملُه، بمساحات الكتابة المختلفة وروح الشباب الجامحة المسيطرة عليها، وده مش بس بحكم إني كنت منتمي لها بشكل ما، لكن أنا كنت شايف إن الدستور هي الصوت العالي، هي اللي بتكسر قاعدة «خبّط براحتك طول ما أنت تحت الريّس»، واللي كانت اتحوّرت من كام سنة لـ «… طول ما أنت تحت الريّس وابنه».

أكيد عامل مهم في معادلة المواءمات دي كان بيرجع لملاك الجرايد، يعني علاقات رجل أعمال زي إبراهيم المعلم «الشروق»، تفرق عن علاقات صلاح دياب «المصري»، والاتنين يفرقوا كتير قوي عن علاقات عصام إسماعيل فهمي «الدستور»، خاصة وإن اﻷخير كان، كناشر صنايعي حرّيف، ساب الجرنال يتربط باسم إبراهيم عيسى أكتر من اسمه هو، وده ممكن يتوضّح شوية بملاحظة الفرق بين تأثير «دستور» إبراهيم عيسى، وتأثير «صوت اﻷمة» بقيادة عبد الحليم قنديل، رغم إن الاتنين كانوا مِلك فهمي.

في الوقت ده كان في برضه تجربة «اليوم السابع»، لكن الله يباركلُه خالد صلاح كان بيسابق في حتة تانية خالص بعيدة عن جودة المحتوى الصحفي أو حتى حِسبة المعارضة والاستقلالية والكلام اللي ما يأكلش عيش ده، وبدأ يركز أكتر على التواجد الإلكتروني، اللي كان بالفعل أحد العوامل المهمة في حسابات التأثير والمتابعة في الشارع وقتها، وإن كان القائمين على «اليوم السابع» ركزوا بس على سرعة ضخ اﻷخبار، بغض النظر عن محتوى اللي -لا مؤاخذة- بيضخوه.

أما أنا، فجانب استمراري في كتاباتي -اللي كنت شايفها ملهمة ومحرضة وثورية- في «الدستور»، فكنت لا أزال سكرتير تحرير «عين» الجريدة الفنية الأسبوعية، المهتمة بالمشاهير وعوالمهم، واللي كانت مواءمتي فيها إني باعمل شوية شغل بين الفن والثقافة، بتركيز كامل على أبناء جيلي من فناني اﻷندرجراوند، علشان كده، لما هشام الجخ ظهر في برنامج المسابقات «أمير الشعراء»، وقال قصيدته الشهيرة «التأشيرة» اللي خبّط فيها جامد في الحكام العرب واعتبرهم سبب في التشرذم العربي والوكسة، وصولًا لتساؤله الفذ: «ملأتم فكرنا كذبًا وتزويرًا وتأليفا.. أتجمعنا يد الله وتبعدنا يد الفيفا؟!».. وقتها قررت إني لازم أعمل معاه حوار، باعتباره كان ظاهرة لافتة، وهي الصحافة إيه غير جري ورا التريند يا عزيزي؟

تريندات مصر وقتها كانت أقل من دلوقتي بكتير؛ متابعة تطورات ثورة تونس ما بعد هروب بن علي، ومعاها دعوات التظاهر في مصر، مع تأكيد البعض إن «مصر ليست تونس»، وكمان أخبار توابع تفجير كنيسة القديسين وإعلان حبيب العادلي عن المسؤولين عنه، وجنب كل ده كان «هويس الشعر العربي» بيترند بقوة، مع حملة عنيفة للتصويت له عشان يفوز باللقب.

في الكام يوم دول «اﻷهرام» و«اﻷخبار» كانوا مركزين بس على الكشف عن منفذ تفجير القديسين، وشوية تصريحات من مصادر شرطية عن استعدادهم للتعامل مع دعوات التظاهر في مصر، وكام تصريح من مبارك عن رفض الوصاية اﻷجنبية، بينما «الدستور» و«المصري اليوم» و«الشروق» كانوا بيفردوا مساحات متفاوتة بجانب كل اللي فات، للكلام عن دعوات التظاهر وخرائطها، واستعدادات القوى السياسية للمشاركة، مع حضور مميز لمشاكل وزير التعليم أحمد زكي بدر مع المدارس القومية.. وبما إن كل ده ما كانش داخل في اهتمام جرنالنا الفني، كان الجخ هو التريند اللي نقدر نشتغل عليه، خاصة وهو ظاهرة بدأ المصريين يتلموا حواليها، في وقت كانوا محتاجين فيه يتلموا على أي حاجة بترفع اسم مصر. 

بالفعل، قابلت الهويس في سيتي ستارز، بعد ما لطعني ساعة أستناه أنا وزميلتي المصورة، وعملنا الحوار في ساعة كمان، ويوم تقفيل الجرنال، 24 يناير، فرّغت الحوار وصيغته، واترسمتله صفحة، وطلع على الصفحة اﻷولى، واستمرت سهرة التقفيل حتى الصباح التالي، وبنهايتها، والجرنال في طريقه للمطبعة، كنت أنا في طريقي للبيت، استعدادًا للنوم طوال يوم 25 يناير 2011، وأنا بامنّي نفسي برد الفعل على الحوار لما ينزل السوق يوم 27 يناير، واللي أكيد هيساهم في زيادة التصويت وفتح طريق الهويس للفوز بالجائزة.. «شباب بقى، ما إحنا كنا شباب».

في نخب عام مليء بالتسلية

رنا ممدوح

2 شارع عصام الدالى بالدقي، من أشهر الأماكن التي سيقصدها المصريون في هذا العام؛ 2010، إنه مقر مجلس الدولة الذي سيذهب إليه الكثيرون لرفع يد النظام عنهم.

من حسن حظي، كنتُ الصحفية المسؤولة عن تغطية أخبار المجلس لصالح جريدة «الدستور»، المعارضة، ولهذا كان المجلس قبلتي اليومية باستثناء أيام الإجازات والعطلات الرسمية.

أعرف جميع أركانه وقاعاته ومكاتبه، يعرفني مستشاريه وموظفيه كجزء من المكان، أحجز مقعدي في الصف الأول المواجه لمنصة المحكمة كل صباح، واستمتع بتدوين المبارزة التي تتمّ بين مقيمي الدعاوى وبين ممثلي الحكومة في كثير من القضايا.

 أراقب ردود أفعال القضاة على المنصة، وكيفية إدارة رئيس المحكمة للقضية بتوجيه سؤال لأي منهما أو طلب مستند ما.

الأمر بالنسبة لي مسلٍ للغاية، كل القرارات التي تصدرها السلطة بداية من رئيس الجمهورية وحتى أصغر موظف بالدولة تناقش داخل قاعات المحكمة، يعرض المتضرر مظلمته، وفي مواجهته يوضح ممثل السلطة مبرراتها ودوافعها من وراء القرار، ويفصل القاضي بين الطرفين.

أخمن إلى أي طرف ستنحاز المحكمة، ولكن في الغالب تفوق أحكام المجلس وقراراته قدرتي على التفسير في ظل حسابات المتاح والممكن في ذاك الوقت. 

قاعات مجلس الدولة وسلالمه، مكان مألوف لكل فئات المجتمع من عمال ومهندسين وفلاحين وأساتذة جامعات، مسيحيين وسلفيين وإخوان، وأحكامه بمثابة تفريغ لغضب الجميع تجاه السلطة، ولهذا لم تجد غالبيتها طريقها إلى التنفيذ.

يبدأ العام بأزمة كبيرة داخل مجلس الدولة، على إثر قرار رئيسه المستشار محمد الحسيني، بقبول تعيين المرأة قاضية بالمجلس، واتخاذه إجراءات تعيين ما يقرب من 60 فتاة اجتزن الاختبارات.

ورغم أن رغبة رئيس المجلس في تعيين المرأة تعود إلى أغسطس 2009 حينما نشر قرار دعوة خريجات الحقوق للتقدم لوظيفة «مندوب مساعد بالمجلس» في الصحف بعد موافقة أعضاء المجلس الخاص (الذي يتشكّل من أقدم سبعة مستشارين به)، إلا أنه بعد خمسة أشهر من هذا التاريخ، عقد قضاة المجلس جمعية عمومية طارئة للتصدي لقرار رئيسهم. دافع البعض عن رؤيتهم لعدم أهلية المرأة لهذا المنصب، فيما أضفى البعض الآخر على الأزمة بعدًا سياسيًا، مرددين -في الغرف المغلقة- أن إجماع مستشاري المجلس على رفض تعيين المرأة قاضية به سببه معرفتهم بأن الحسيني وصلته توجيهات من مكتب قرينة الرئيس سوزان مبارك لاتخاذ القرار، آملًا في منصب وزاري عقب انتهاء رئاسته للمجلس بعد عدة أشهر، بما يتعارض مع استقلال المجلس عن السلطة التنفيذية، لينته الأمر في منتصف فبراير برفض 334 مستشارًا لاستكمال إجراءات تعيين خريجات الحقوق اللاتي اجتزن الاختبارات جنبًا إلى جنب مع زملائهم الذكور، في مقابل موافقة 42 مستشارًا فقط.

التحاق المرأة بالعمل القضائي لم تكن الأزمة الوحيدة التي واجهها المجلس، بل أزمته الكبري تكّمن في عدم تنفيذ الحكومة لأحكامه من ناحية، ومن ناحية أخرى لجوء الصادر لهم أحكام من المواطنين العاديين والمعارضين السياسيين إلى سلمه للاحتجاج والتظاهر ضد الحكومة، ما جعل المستشار محمد عبدالغني، الذي خلف الحسيني في رئاسة المجلس، بداية من أول يونيو 2010، يستبق قرار الرئيس مبارك بالتصديق على تعيينه رئيسًا للمجلس الذي صدر في السابع من يوليو، بالتصريح للصحف في 26 يونيو بأنه لن يسمح لأي مواطن بالاحتجاج أمام مقر المجلس، قائلًا: «لن أسمح بوقفات احتجاجية على سلالم مجلس الدولة، كان هذا في غفلة من عيون الزمن وفي عصري سيكون لي موقف آخر، وإجراءات أخرى»، مؤكدًا على أن المجلس ليس جهة تنفيذ أحكام.

والطريف في الأمر هي الطريقة التي قرر بها عبدالغني تنفيذ وعده بمنع التظاهر على سلالم المجلس، حيث أمر بشغل درجات السلم العريضة بأحواض بلاستيكية لنباتات خضراء وزهور مع ترك ممر صغير في المنتصف لصعود وهبوط المتقاضين.

ما أراه تعبيرًا عن الفارق بين العقليتين القضائية والأمنية لقمع التظاهرات، خصوصًا وأن هذا القرار الذي لم يستمر سوى بضعة أسابيع تبعه مطالبة مديرية أمن الجيزة لعبدالغني بإخلاء سلم المجلس من الزهور بحجة إمكانية استخدامها في إخفاء متفجرات ورائها، وهو ما استبدل على إثره عبد الغني الزهور ببوابة حديدية ودرابزين يقسم السلم إلى صاعد وهابط، على أن يتولى عساكر الأمن المركزي شغل مساحات كبيرة من السلم وترك مساحة تكفي لصعود وهبوط طابور سعة صف واحد فقط.

وفي مارس قضت محكمة القضاء الإداري بإلزام مجلس الوزراء بوضع حد أدنى لأجور العاملين بالقطاعين العام والخاص كافة، بما يتناسب مع نفقات المعيشة، ويحقق توازنًا بينها وبين الزيادة الكبيرة في الأسعار.

وفي أكتوبر جدّدت المحكمة الإدارية العليا التأكيد على طرد الحرس الجامعي التابع لوزارة الداخلية من حرم الجامعات، مؤكدة على أن وجود قوات للشرطة تابعة لوزارة الداخلية متمثلة فى إدارة الحرس الجامعى داخل حرم جامعة القاهرة وكلياتها ومعاهدها بصفة دائمة، يمثل انتقاصًا من الاستقلال الذى كفله الدستور للجامعة، وقيدًا على حرية الأساتذة والباحثين والطلاب فيها.

ثم اختتم مجلس الدولة العام بإصدار آلاف الأحكام القضائية بإدراج مئات المرشحين الذين استبعدتهم اللجنة العليا المكلفة بالإشراف على انتخابات مجلسي الشعب والشورى، ثم بوقف إعلان نتائج الانتخابات أو إلغائها في عدة دوائر بسبب امتناع اللجنة عن تنفيذها، ثم ببطلان جولة الإعادة  في غالبية الدوائر، وأخيرًا ببطلان تشكيل البرلمان، سألت رئيس محكمة القضاء الإداري المستشار كمال اللمعي، ما فائدة الأحكام القضائية إذا لم تجد مَن ينفذها، فأجاب: «يكفينا أن نعلقها على جدران محاكم المجلس»، لينته العام بعبارة الرئيس مبارك الأشهر «خليهم يتسلوا».

الأمير «الصغير»

أحمد وائل

كبرتُ وهناك معلومات قليلة تُتاح عن العائلة الحاكمة منذ 1981 يمارس الأب رياضة الاسكواش، والنجلان يلعبان كرة قدم خماسية، بينما تشجع الأم على القراءة (في أواخر 2010 ستنهي السيدة الأولى كتابًا).

ثم تتغيّر طبيعة الحكايات عن «أميري» الأسرة التي تشبه العائلات الملكية، يصير علاء، كبيرها، مرتبطًا بالمال، أما جمال، صغيرها، فيشغل بالسياسة. 

تكثر حكايات «الأمير الكبير»، يُروي الكثير عنه بوصفه شخصية تجبر الجميع على مشاركتها. لكن حكايات «الكبير» تحظى بقبول، بخلاف ما يخص «الصغير» (1963).

يؤسس جمال جمعية أهلية هي «جيل المستقبل». يُدعى الطلاب لدخول أنشطة الجمعية المعنية بتنمية الموارد البشرية (أي أنها ببساطة توفر للطلاب «كورسات في اللغة الإنجليزية والكمبيوتر»).

بفضل الكورسات المدعومة من رجال الأعمال والدولة المسخرة لخدمة أنشطة هذه الجمعية، يكسب «الأمير الصغير» شعبية دون أن تُحكى حكايات عنه، ثم ينخرط «أميرنا الصغير» في العمل الحزبي، فيصبح رئيسًا لأمانة السياسات بالحزب الحاكم الذي يترأّسه والده، ثم يصير الأمين العام المساعد به. 

لكن توصيف ما يتطلع إليه «الأمير الصغير» ينطقه محمد حسنين هيكل، بطريقته المعهودة، فيقول عن «التوريث» إن «المحاذير في هذا الموضوع ظاهرة، وفيها ما يعكس على المستقبل ظلالًا»، ليعلن بذلك أن العملية تتمّ. تسبق ذلك انفراجة يسيرة تسمح بتحرر الميديا من ملكية الدولة، لكنها تظل رقيبًا حسيبًا في الخفاء.

تسمية هيكل فُصلت وحُبكت على «الأمير الصغير»، بل تبدت كتفسير وحيد لكل ما بدأ منذ 1998 مع الجمعية، منذ عودته من المملكة المتحدة حيث درس الاقتصاد وعمل في مجال البنوك.

يستغل «الأمير» جمال كونه «صغيرًا» ليحتكر صفة الشبابية لنفسه، ويُسمّى إشباع طموحه -كذبًا- تمكينًا للشباب، يصبّ مزيد من «الفكر الجديد» في حكاية قديمة جرت في سورية، وتحدث كل فترة في الممالك غير الدستورية.

لن نمل من حكاية «الأمير الصغير»، بل تثيرنا، خاصة أنه ليس أميرًا فمصر لا تزال جمهورية وإن كانت تبدو ملكية في ذلك الزمن البعيد. أما حكايات «الأمير الكبير»، فإنها تُبرر بمناخ الفساد الذي يرعاه والده، وحكايات الفساد لا تختلف عن ملل ذلك الزمن البعيد.. أي جزء من المنظومة يعني. 

ينخرط الكثير من المصريين في حكاية «الأمير الصغير»، تروّج قلة لها كسبيل آمن للخروج من الملل، وفي المقابل يرفض البعض «التوريث»، يُرفع شعار «لا للتوريث»، وهو أمر يعيدنا لحكايات تردد صداها قديمًا مثل «أننا لن نورث..» (هل حقًا حدثت تلك المسرحية بين عرابي والخديو؟).

تتسرب السياسة إلى الأدب والسينما، يصور يسري نصر الله «جنينة الأسماك» (2008)، نلمح شعار حركة «كفاية» الرافضة للفساد والتوريث أي حكايتي الأميرين.  

تستمر الحكاية: احتجاجات، أمل كاذب بحريات مع الكثير من البروباجندا، كل ما يحدث يبدو تنفيسًا يمكّن «الأمير» من غايته المنشودة. 

في ظل حكاية «الأمير الصغير» عشنا وضعًا اقتصاديًا ثابت نسبيًا، حتى أن أبرز مطالبنا تجلت في احتجاجات تدعو لتنفيذ حكم بأن يكون الحد الأدني للأجور 1200 جنيه (217 دولارًا وقتها). لكن الغضب ضده يتصاعد:

تبدو ملامح «الأمير» مثل طاووس أحمق، أراد أن يحتكر دور الشاب، بصبغة شعره والأناقة والكلام الفارغ الذي ليس إلا رجع صدى لرطانة أبيه المكررة؛ فصار أميرًا صغيرًا، يأذي الجميع، سواء كان يدري بذلك أو ليس بدارٍ.

التغيير قادم؟ 

لينا عطاالله

أصل يوم الجمعة 19 فبراير 2010 إلى مطار «القاهرة» الدولي، مكلفة من النسخة الانجليزية من جريدة «المصري اليوم» بتغطية وصول «محمد البرادعي» إلى مصر بعد انتهاء عمله الذي دام 25 عامًا في «الوكالة الدولية للطاقة الذرية». تابعتُ الحملة الدائرة حول مقدمه كالمهدي المنتظر. كان الرجاء معلقًا به كما تنتظر الصحراء القاحلة قطرة مطر. عن طريقه٬ سندفع بتغيير دستوري يفسح المجال لانتخابات رئاسية أكثر تعددية. 

طيلة العقد السابق لتلك اللحظة٬ لم يتمثل العمل السياسي المعارض بالنسبة لي إلا في وقفات احتجاجية تعقد في أماكن محددة سلفًا: سلم «نقابة الصحفيين»، سلم «نقابة المحامين»، سلم «مجلس الدولة». كانت أكثرها سلالم؛ تلك المساحات محدودة الوظائف حيث تنتقل بنا من العام إلى الخاص. في احتجاجات «القاهرة»، على السلالم، كانت الأجساد تتوقف وتهتف، ترفع لافتات، تتباسط وتتحادث. صارت السلالم شواهد حيّة على حراك متكرر لا يفعل الكثير، يتطلع لتعليق الواقع ولكن لا يصل الى هناك. أبعد شيء هو أنه ربما يخلق عرضًا للمارين، ربما تداعبهم أفكار عن الحرية والتغيير والأمل. لا أذكر أني لمستُ الأمل في أجواء أي من احتجاجات السلالم، بل لم تكن تلك الوقفات إلا واجبًا سياسيًا غرضه الوحيد: التذكير -إلحاحًا وعنادًا- بوجودنا.

 في هذا اليوم في المطار، أرى ناسًا لا أعرف أكثرهم. منهم عائلات جاءت إلى القاهرة من مدن أخرى، ومنهم مغتربين، يعملون في «الكويت» و«البحرين» جاءوا خصيصًا كي يشهدوا تلك اللحظة، ومنهم أيضًا بعض الوجوه المألوفة: «إسراء عبدالفتاح»، و«حسن نافعة». كان هناك أيضًا «خالد أبوالنجا» و«علاء الأسواني». جموع صغيرة تتعارف وتتجاذب أطراف الحديث في أشتات المبنى، الذي اكتسب معنى جديدًا عن الانتظار في هذا اليوم.

 تصل الطائرة من «فيينا» بعد أن تأخرت ثلاث ساعات، فيحتشد الجمع عند بوابة الوصول. يصفق الناس أربع مرات بإيقاعين مختلفين، ويتبعونها هاتفين كلمة «مصر». يكررون الوصلة مرة، مرتين، ثلاث مرات. وفي كل مرة يكتسب التصفيق والهتاف انسيابًا وتناغمًا. يتحوّل لشيء مؤثر، يحرك شيئًا ما داخل النفس.

 يصل «البرادعي» ولكن وصوله هو الفقرة الأقل حماسة في اليوم. يلتزم مكانه وراء عازل زجاجي يفصل بينه وجماهير تموج فرحًا، ويحجب عنه هديرها. تظهر ملامحه من الزجاج داكن اللون، عرفته بنظارته الدائرية الصغيرة وشاربه الرمادي المحفوف. أخيرًا تجسد «البرادعي»، بعد أن كان مجرد فكرة. بيدو عليه الجمود والانقباض في ذات اللحظة. يعرفنا على ميله إلى الانسحاب الذي سنستكشفه شيئًا فشيئًا في السنوات اللاحقة. يعطي ظهره للحشود التي انتظرته ساعات طوالٍ في لهفة، ويخرج من بوابة أخرى. ربما يفعل ذلك إذعانًا لقرار من الأمن. لا نعرف. ولكنه كان بمثابة «جودو» لبريخت في هذا اليوم. 

 لم يعلق الكثيرون آمال التغيير على شخص واحد؟ على رجل؟ ما الجديد في ذلك٬ فنحن تحت حكم رجل فرد منذ وُلدنا؟ ومن أين أتى هذا الأمل كله؟

 لم ألبث حتى أدركتُ أن اليوم يوم هؤلاء الناس أجمعين، هذه الوجوه الجديدة، المترقبة في تقافزها، المفعمة في هتافها بالأمل. لم يكن «البرادعي» إلا وسيلة، أداة، ربما حتى كلمة كودية. صار جمهوره هو الموضوع. أسمينا الموضوع أنا ومحررتي «التغيير قادم؟». كنّا نحاول أن نتحلى بالتفاؤل من غير أن ننجرف ومن ثم وضعنا علامة الإستفهام.

 كان هذا اليوم بمثابة درسًا مجسدًا عن الأمل واليأس كقرينين في السياسة. وما كانت الأشهر والسنوات اللاحقة إلا امتدادًا لذلك الدرس٬ صحابته مشاعر زائدة من النشوة والألم. 

#مشاهدة

هُنا ترشح ياسمين زهدي للمشاهدة «رسائل البحر»، الذي عُرض في 2010. تشاهد زهدي فيلم داود عبدالسيد وتكتب عنه محاولة استعادة مشاهدتها للفيلم وقت عرضه، لنكتشف معها كيف ننسى وكيف يتغيّر العالم.

زيارة جديدة لـ «رسائل البحر»

أشياء كثيرة في رسائل البحر تعكس كيف كانت الحياة في 2010، العام الذي تغيّر بعده كل شيء. هناك شعور بانعدام الحيلة يسري في الفيلم، ولكن كذلك شعور بالمقاومة الهادئة الخفية. يحيى -طبيب شاب يعاني من اللعثمة تحوّل للعيش على صيد السمك- يعيش وحيدًا في منزل العائلة، شقة فسيحة في بناية قديمة تواجه البحر. برحيل والديه وسفر آخر أقاربه، فهو الشخص الباقي من الأسرة الذي يمكن للحاج هاشم (صلاح عبدالله)، صاحب البيت الجديد، التوجه إليه للتفاوض. يطلب الحاج هاشم من يحيى الانتقال من الشقة في مقابل ثمن يحدده حتى يتمكن الأول من هدم البناية وبناء مول مكانها. يحيى، كما يصف الوضع في الفيلم، يشهد المراحل الأخيرة من تغيير تدريجي ولكن هائل في النسيج الاجتماعي لمدينته. وفي الوقت الذي يصور فيه هذا التغيير باعتباره قوة سلبية، والذي يغرق فيه الفيلم -بلقطاته المتكررة المتأملة لعمارة الاسكندرية الكولونيالية- في النوستالجيا، فبالنسبة لي فإن صراعه الرئيسي يقع في مكان آخر.

أجاهد لأتذكر أي سينما شاهدت فيها فيلم داود عبدالسيد «رسائل البحر» للمرة الأولى. لا استطيع التذكر إن كانت «سينما نايل سيتي» أم «رمسيس هيلتون» أو المرحومة «سينما برج التجارة العالمي». ما أثق في حدوثه هو أنني كنت بصحبة صديقة وأننا لسبب ما قررنا شراء الفشار من الكافيتيريا بعد نهاية الفيلم. في ذاكرتي، كانت للكافيتيريا نفس الترتيب والديكور الخاص بالبار السكندري الهادئ الذي كان يرتاده بطل الفيلم، يحيى (آسر يس). لكن في الحقيقة، أعلم أن الأمر لم يكن كذلك. غريبٌ كيف يترابط الواقع والخيال في ذهن المرء بعد مرور وقت محدد.

الشرير هنا نمط مسطح: رجل أعمال الجشع الذي لا يحترم التراث أو التاريخ ومصمم على الكسب بأي ثمن. بينما يصطاد يحيى بالطرق التقليدية، مسلحًا فقط بقصبة صيد وكرسي طيّ في وجه البحر، يستخدم الحاج هاشم -هو أيضًا تاجر سمك- الديناميت، قاتلًا أسراب من الأسماك في لحظة واحدة. لكن الشرير وقوته ليسا القصة هنا، بل يحيى، الشاب المختلف الذي يجد طريقه ببطء للحرية بعد وفاة والده، الرجل الذي أجبره على دراسة الطب، والذي عانى يحيى لأجل خاطره لسنوات من تنمر زملاءه في مقابل عدم إحباطه.

«أنا بتهته لما بكلم الناس بس مش بتهته لما بكلم نفسي، لكن أنا مش عايز أبقى لوحدي» يقول يحيى في صوت السرد، كلماته ثابتة وواضحة. يتتبع «رسائل البحر» رحلة رجل يحاول تخليص نفسه من إرث أبوي (على الرغم من أن أبوه مذكور مرة أو مرتين فقط بطول مدة الفيلم)، فيما يعقد صلات بأفراد آخرين على مدار الرحلة. تأتي علاقة ياسين بقابيل (محمد لطفي) كأهم تلك الصلات، رجل آخر يقاوم توقعات المجتمع التي تلزمه بالتصرف بطريقة معينة: ملاكم سابق وحارس ملاهي حالي يقسم -في ظل وعيه بقوته البدنية- ألا يمس إنسانًا آخر. شخصية هامة أخرى هي نورا (بسمة)، امرأة محتجزة في زيجة تعيسة تدفعها لكراهية ذاتها حتى تقرر، هي أيضًا، أن تقاتل تصور زوجها عنها عبر اختيار رجل هو نقيضه التام.

في منتصف الفيلم يكتشف قابيل أن لديه ورم في المخ وسيتوجب عليه أن يخضع لعملية جراحية قد تفقده ذاكرته. في أحد المشاهد يملي قابيل أسماء أقرباءه وأصدقاءه لحبيبته حتى تذكره بهم في حالة نسى كل شيء. في المشهد يجلسان في قرية المكس التي يسكنها الصيادون، وورائهم نستطيع أن نرى الشريط المائي الضيق والقوارب الزرقاء الصغيرة في طريقها للمرور. اليوم، لم تعد بيوت المكس موجودة؛ في 2018 أزيلت القرية بالكامل ضمن خطة حكومية للقضاء على العشوائيات. مرة أخرى يلتقي الواقع والخيال: قابيل يخشى نسيان بيته وأهله، والآن لم يتبق من قريته شيء. لن أر المكس أبدًا، وفي رأسي ستبدو دائمًا كما بدت في هذا المشهد، بالطريقة ذاتها التي تشبه بها الكافيتيريا في تلك السينما التي لا استطيع زيارتها الآن البار الذي يتقابل فيه يحيى وقابيل للمرة الأولى.

تغيّر العالم، لكن في 2010 عَكَس عالمنا -وكفاحنا لنحيا فيه- تلك الصورة الأخيرة الموحية من رسائل البحر: أفراد خائفين ولكن آملين، يجمعهم قارب مهترئ وسط بحر من الأسماك الميتة الطافية.

#سماع 

في أكتوبر 2010، يتظاهر نحو 200 من فناني فرقتي «الموسيقى العربية» و«القومية العربية» التابعتين لوزارة الثقافة احتجاجًا على تدني أجورهم وطالبوا بزيادتها 100% ومساواتها بأجور زملائهم في أوركسترا القاهرة السيمفوني. كما يهدد المتظاهرون بعدم المشاركة في الدورة المقبلة من مهرجان الموسيقى العربية. هذا فيما يخص الفرق الرسمية المعنية بالموسيقى، أما على صعيد الإنتاج يقدم عمرو دياب «أصلها بتفرق» مع «روتانا»، بعد أن تمكّنت الشركة السعودية من السيطرة شبه الكاملة على سوق الغناء المصري. شيرين ومحمد منير لم يقدّما جديدًا هذا العام، وكذلك محمد محيّ بعد «مظلوم»، بينما يفعل تامر حسني بـ «اخترت صح».

خلال السنوات الماضية رسخت روبي وجودها بعدما قدّمت «مشيت ورا إحساسي»، متبوعًا بأغنية مفردة «يالرموش»

بعيدًا عن الألبومات تعلو الصورة على الصوت، وذلك في ظل سنوات من ازدهار الكليب. تشتد المنافسة بين «مزيكا» و«ميلودي» وسلاسل إعلاناتها التي «تتحدى الملل»، وتقديمها لـ «الحقيقة المرة». بينما يتفجر بركان «المهرجانات». 

لكن الحدث الأبرز موسيقيًا يتجسد في السينما حينما يقدّم أحمد عبدالله السيد فيلمه «ميكروفون» والذي يحتفي بموسيقى الاندرجراوند، ستجدون من ساوند تراك الفيلم العديد من تراكات قائمة هذا العدد التي تسمعكم موسيقى صُنعت قبل 2011.

#سلام 

نكتفي بهذا القدر من الكلام في الماضي، وغدًا تحلّ الذكرى التاسعة للحدث الأكبر في حياتنا.

لعل القادم خير.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن