الثورة في ذكراها التاسعة.. كيف نقرأ ما حدث؟ (2-3)

(يواصل خالد منصور في الحلقة الثانية من المقال مناقشة كتاب «ثورة يناير: رؤية نقدية» (دار المرايا – 2020) الذي شارك في كتابته عمرو عادلي وعلي الرجّال ومحمود هدهود، وحرره عمرو عبدالرحمن. ويركز هذا الجزء على دور جماعة الإخوان المسلمين منذ خلع مبارك حتى عزل مرسي)

يوم 11 فبراير 2011 قُطع رأس النظام ممثلًا في الرئيس الشائخ حسني مبارك وانتهى وهم التوريث للابن، بعكس ما حدث في سوريا وما كان مخططًا في ليبيا. اهتزت المؤسسات الأمنية، ولكن خلال عامين تعافت أجهزة الدولة القديمة وقبضت مرة أخرى على مجتمع كان مستعدًا، بل وتعاونت بعض فئاته، على العودة لحمى شيطان يعرفونه.

ولعل خيارات جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السياسية العلمانية في الفترة من 2011 حتى 2013 هي من مكنت، إن لم تكن قد أملت في بعض الأحوال، فعليًا قرارات المؤسسة العسكرية، التي يميل بنا الكتاب للاعتقاد أنها لم تقرر التدخل بالكامل حتى أوائل يوليو 2013 لتولي السلطة واستعادة «هيبة» الدولة.

ومثلما تحاشى كبار الرأسماليين المصريين الاهتمام بالمشاكل الحقيقية لعموم المصريين في مجالات الصحة والتعليم والإسكان، ومحاولة التدخل سياسيًا من أجل حتى بيئة أفضل للأعمال، نظر الإخوان إلى عموم المصريين على أنهم هدف للهداية والتجنيد ضمن مشروعهم، وليسوا مواطنين وجماعات وطبقات مختلفة يمكن الدخول معهم في تحالفات وتفاهمات مشتركة في عالم السياسة. وفي مجالات الصحة والتعليم اعتمد الإخوان خيار العمل الخيري والتبرعات ومشاركة قوى السوق.

كان إخوان 2011 أقرب إلى نظرة سيد قطب لدور الجماعة في انتشال المجتمع من حياة «الجاهلية»، ووفيّة لفهم المؤسس حسن البنا الذي وصف الجماعة بأنها«دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية وثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية».

ويرى الباحث محمود هدهود في فصل الكتاب المخصص لجماعة الإخوان أنها نظرت لنفسها بسبب نشأتها وعقيدتها «كجماعة موازية». وربما تلخص هذا في شعارهم الانتخابي في عام 2012: «نحمل الخير لمصر».

وعلى عكس تحولات فكر الإخوان في بلدان أخرى مثل تركيا وتونس، لم يتقبل الجناح المسيطر على الإخوان في مصر معظم الوقت فكرة أن يعمل في إطار دولة وطنية، وأن السيادة مصدرها بشر (سواء كانوا الشعب أو فئات منه مهيمنة) وليست تصورات دينية.

ظلت رؤية جماعة الإخوان المصرية وهدفها السياسي النهائي غامضين «وهكذا ظلت عاجزة عن تحقيق تسوية تاريخية مع الدولة المصرية تقع بموجبه تحت مظلة مشروعها الوطني وشرعيتها، وعاجزة في الوقت نفسه عن الدخول في مواجهة مفتوحة مع الدولة بغية إسقاطها وبناء دولة الجماعة محلها وفق مشروع ورؤية مختلفين للأمة المصرية».

لم يخرج حزب الحرية والعدالة الذي أسسه الإخوان في مايو 2011 عن سيطرة الجماعة الأم، وتحديدًا مجلس شورى الجماعة وعلى رأسه مكتب الإرشاد الذي يتحكم في مفاصل الجماعة السياسية ومصالحها المالية والتجارية الضخمة وعلاقاتها الخارجية. واختار مكتب الإرشاد قيادات الحزب الثلاث الرئيسية (محمد مرسي وعصام العريان وسعد الكتاتني)، وقرر ألا يترشح الحزب للرئاسة مع خوض انتخابات البرلمان منافسًا على 50% من مقاعده فقط.

هيمّن خيرت الشاطر، النائب الأول للمرشد العام، على مكتب الإرشاد، وصار مرشح الجماعة الأول للرئاسة بعد أن غيرت موقفها من عدم الترشح في أوائل 2012. وتغير موقف الجماعة بسبب صعود أسهم عضو الجماعة السابق عبدالمنعم أبوالفتوح والمرشح للرئاسة، والخشية من حل البرلمان في المحكمة الدستورية (تم حله بالفعل في 14 يونيو 2012). فشل ترشيح الشاطر في وجه معارضة أجهزة الدولة، التي وجدت تخريجًا قانونيًا لمنع تقدمه للمنصب بسبب فترة قضاها في السجن من جراء قضية سياسية. وطوال عامه المضطرب في قصر الرئاسة، طاردت محمد مرسي اتهامات بأنه رئيس للبلاد، ولكنه مرؤوس للمرشد العام للجماعة، أو حتى لنائب المرشد.

كان الشاطر وفقًا لمصادر متعددة هو مدير المعركة السياسية للإخوان مع الجيش في ربيع 2013 الساخن ثم صيفه الدموي. وطوال عام الإخوان في القصر الجمهوري تولى عدة أشخاص مقربين من الشاطر مناصب مهمة بالقرب من الرئيس مرسي ومنهم مدير مكتبه أحمد عبدالعاطي. وواصل الشاطر العمل على قنوات تواصل واجتماعات مستمرة مع مؤسسات عدة في الدولة ساعده فيها وزير سابق عمل في حكومة أحمد نظيف.

تعاملت أغلبية مكتب الإرشاد الخاضعة لسيطرة الجناح القطبي بصرامة مع أي اختلافات أو انشقاقات سياسية عنهم، فطردوا عددًا من أبرز قادتهم الشباب مثل محمد القصاص لأنه شارك في تأسيس حزب التيار المصري المستقل عن الجماعة، وذلك بعد أن همشوا وطردوا من اختلف معهم من الأعضاء الأكبر سنًا من أعضاء مجلس شورى الحزب مثل أبوالفتوح، لأنهم حاولوا -جزئيًا- في بعض الأحوال أن يدخلوا مضمار السياسة في إطار دولة وطنية بقواعدها، وليس بهدف التمكين والسيطرة ثم تحقيق هذا الهدف الشبحي الغامض وهو إقامة الأمة الإسلامية.

ويتقارب مشروع الإخوان في مصر، وفقًا لهدهود، مع أفكار الزعيم الإسلامي السوداني حسن الترابي وأهم عناصره استيعاب أو اختراق الجيش والمؤسسة الأمنية، وتحويل الدولة من خلال هاتين المؤسستين إلى منصة إطلاق مشروع «الإسلام الحضاري».

لم يتعلم الإخوان الكثير من فشل مشروع الترابي الذي أرسل الجنرال عمر البشير إلى القصر في انقلاب 1989، ثم أرسله البشير إلى السجن في 2001 وفكك معظم مشاريعه وقاد السودان نحو التقسيم والحرب الأهلية والخراب الاقتصادي حتى 2019.

لم يتعلم إخوان مصر كثيرًا من تجربة الإسلام السياسي الناجحة نسبيًا في تركيا والتجارب الإسلامية الأخرى الفاشلة في دول أخرى. وزاد في زيغ رؤيتهم «غواية» الجيش، الذي عين في أول لجنة لتعديل الدستور عضوًا بارزًا في جماعة الإخوان ومتعاطفين مع تيار الإسلام السياسي (صبحي صالح وطارق البشري وعاطف البنا).

يقول جلبير الأشقر في كتابه «انتكاسة الإنتفاضة العربية: أعراض مرضية» (2016) إن سياسات الإخوان الاقتصادية وأفكارهم لم تختلف إطلاقًا عن تلك السائدة في نهاية عهد مبارك، وبالتالي كان لها أن تفشل في علاج الأسباب الجذرية للتململ والاحتجاج الاجتماعي المتصاعد. وأكد حسن مالك رجل الأعمال الإخواني الأبرز بجوار الشاطر في مقابلة مع «رويترز» آنذاك على أن أولويات الإخوان هي القضاء على الفساد والمحسوبية، ولكن السياسات الاقتصادية الماضية مستمرة، مشيدًا بوزير التجارة والصناعة السابق ورجل الأعمال الهارب إلى الخليج رشيد محمد رشيد.

وتعامل الإخوان مع القوى السياسية الأخرى بانتهازية بل وبعض الاحتقار، بينما حاولوا دائمًا طمأنة المؤسسة العسكرية والشرطة نفسها بأنهم لن يمسوا جميع امتيازاتهما. قرر الإخوان «أن يلعبوا وحيدين ضد جهاز الدولة دون استعانة بالقوى الوطنية والثورية التي تشككوا فيها باستمرار، ولم يفوا بالتزاماتهم معها، لذا كان من الطبيعي أن يخسروا في معركة غير متكافئة مع جهاز الدولة الذي كان أكثر قدرة على استثمار السخط الشعبي على الإخوان».

فكرت الجماعة غالبًا كما يقول هدهود «في اختراق المؤسسات وتطويعها، لا في إعادة تشكيلها على أساس وطني، ولا حتى أساس عقائدي إسلامي خلافًا لما تصوره بعض نقادها، بل كان الهدف هو مجرد الانصياع في تكرار رديء لتجربة الترابي في السودان، التي انتهت إلى الإطاحة بعمامة الترابي من فوق كاب البشير».

كانت علاقة الجيش بالإخوان «غواية متبادلة، فكلا الطرفين كان يحلم بترويض الطرف الآخر؛ يريد الجيش تحجيم الإخوان من خلال منحهم الشرعية التي يحلمون بها، ويريد الإخوان تحييد الجيش عبر إغرائه بالحفاظ على استقلال المؤسسة العسكرية، والحفاظ على مكتسباتها المادية».

يلخص هذا الشك والاحتياج المتبادل بين الإخوان والجيش الدوامات السياسية التي سيطرت على مصر منذ الاستفتاء على تعديلات دستورية في 19 مارس 2011 وحتى الإطاحة بمرسي من القصر الجمهوري، ومحاكمة وسجن الآلاف من قادة وأعضاء الجماعة بعد يوليو 2013. وكانت النقطة الفاصلة في مقتلة رابعة في الشهر التالي عندما لقى أكثر من 800 شخص مصرعهم في ساعات قليلة على يد قوات الأمن في فض اعتصام ضخم لمؤيدي الإخوان. لم تصل العلاقات بين هذين الطرفين لهذا المستوى من العنف من قبل، وستلقي هذه المذبحة بظلالها على واقع مصر السياسي لسنوات طويلة.

ولعبت القوى السياسية غير الإسلامية دورًا أقل أهمية وقررت «انتهاج استراتيجية التنافس مع الإخوان على الجيش»، بينما ظل باقي الشعب ومنهم ما اصطلح على تسميته بشباب الثورة خارج مجال المنافسة السياسية الفعلية.

وبعد تجربة مضطربة دامت أقل من ثلاث سنوات عجزت فيها الجماعة عن إدارة مواجهة ناجحة وتأسيس علاقات مع أجهزة الدولة القديمة ونخبة المال والأعمال تسمح بإعادة تشكيل المجال السياسي والاقتصادي، باتت الجماعة كما يقول هدهود «طرف مستقل خارج المجتمع يحمل أفكارًا مجردة بلا مضامين اجتماعية». وهكذا صار الإخوان -رغم الثقل العددي- عراة ومنهكين وبالتالي فريسة لموجة جامحة من القمع بل وهدف سائغ للاستئصال الكامل.

يمكن التمعن في جذور معضلة علاقة الإخوان بالسلطة والدولة والجيش في مصر عن طريق كتب عديدة، ولكن لو كان هناك وقت لكتابين فقط، ينبغي قراءة ما كتبه حسام تمام وخاصة «تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الايدولوجية ونهاية التنظيم» (2005)، وبعده كتاب حازم قنديل «داخل الإخوان» الصادر بالإنجليزية «Inside the Brotherhood» في 2015 وهناك قائمة مفيدة بأهم الكتب الأكاديمية والمقالات الصادرة عن الإخوان عمومًا على موقع مركز الدراسات الإسلامية العالمية لجامعة جورج ماسون الأمريكية.

وسيتعين الانتظار سنوات طويلة في الأغلب قبل أن نقرأ مذكرات قادة الإخوان في العقدين الماضيين لنرى تلك المسألة من وجهات نظرهم المتباينة، بينما عكس الكاتب مصطفى بكري في 450 صفحة في كتابه «الجيش والإخوان» المنشور في أبريل 2013 وجهات نظر من المؤسسة العسكرية، التي كان مقربًا إليها بما فيها أفكار وسيناريوهات حول ما يجب القيام به، وهو ما تحقق بعضه بالفعل بعد نشر الكتاب بعدة أشهر.

الثورة في ذكراها التاسعة.. كيف نقرأ ما حدث؟ (1-3)

اعلان
 
 
خالد منصور 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن