سابع مدى| سلطان قانون الوجود
من المجموعة القصصية الجديدة «ما لايمكن إصلاحه» لهيثم الورداني، والتي تصدر قريبًا عن دار «الكرمة»
 
 
 
لوحة للفنان عمر مصطفى مستلهمة من أجواء القصة
 

اقتربت السيارة من البناية الأخيرة في البلوك، ثم هدأت سرعتها تدريجيًّا حتى توقفت بالقرب من المدخل. نظر أبو عبير إلى أعلى في اتجاه المنور ثم قال:

– شباك المطبخ مقفول.

ركن أشرف السيارة بجوار البناية في الظل، ثم أطفأ المحرك وأشعل سيجارة، وبقي جامدًا يتطلع من زجاج السيارة أمامه. كان الوقت عصرًا ولم تنكسر الحرارة بعد. تمطت قطة متسخة خارجة من تحت إحدى السيارات وعبرت الطريق، ومن بلكونة الدور الثاني امتدت يد امرأة إلى حبل السبَت المُعلق، وأَرْخته فتدرج هابطًا حتى وصل إلى جوار مدخل البناية، ووقفت تتطلع مستندة إلى سور البلكونة. رمى أشرف بعقب سيجارته من النافذة وقال:

– يكونش خزِّنها عند أخته اللي في السويس؟

فأجاب أبو عبير من دون أن يلتفت:

– ما يلحقش يسافر لها يا أشرف.

فزفر أشرف وسكت.

من بين البنايات المتراصة لاحت رمال صحراء الأهرام القريبة. قال أشرف:

– أنا بقالي كتير ما شفتش الوله أخوه، يكونش…

قاطعه أبو عبير قائلًا:

– يا أشرف إنت عارف إن وليد طه مش تلميذ، ده أحسن واحد يخزِّن، وعمره ما هيخزِّن عند أخته ولا أخوه.

فانفعل أشرف وصاح:

– دي فلوسي يا أبو عبير، فاهم يعني إيه فلوسي؟

وأخذ يضرب بقبضته على مقود السيارة. فردَّ أبو عبير:

– عارف يا اخويا يا أشرف، عارف. آديك شايف ما سبناش حتة غير لما دورنا فيها.

ثم صمتا وأعينهما مثبتة على زجاج السيارة الأمامي. عاد الطفل وهو يحمل كيسًا بلاستيكيًّا أسود، ووضعه في السبَت، ثم أخذ يصيح باتجاه البلكونة الخالية، وعندما لم يَرُد عليه أحد، أخذ يتعلق في السبَت محاولًا الأرجحة يمينًا ويسارًا. قال أبو عبير:

– وليد معموله عمل يا أشرف.

فشخر أشرف شخرة جافة من دون أن يفتح فمه. عادت المرأة إلى البلكونة وصرخت في الطفل، فتوقف عن الأرجحة، وأخذت ترفع السبَت. وأخيرًا قال أبو عبير بعد أن طال الانتظار:

– روَّق دمك يا أشرف، واطلع نعمل لفَّة لحد ما السُّنِّي يرجع.

ابتعدت السيارة عن مساكن كفر الجبل، وسارت الهوينى على طريق ترعة المنصورية، وما إن تجاوزت معسكر الجيش حتى تناهت إلى أسماع الراكبين أصوات خبطات قوية قادمة من شنطة السيارة الخلفية. كانت الخبطات واضحة رغم صوت محرك السيارة، فأصغى أبو عبير قليلًا إليها ثم أهملها ناظرًا عبر الشباك الجانبي، واستمر أشرف في قيادة السيارة حتى تجاوز منطقة الإنشاءات المجاورة، بعدها انعطف في طريق ترابي غير ممهد، تحفُّ به الأشجار والحقول من الجانبين. سارت السيارة تلفها موجات من الغبار الكثيف، يقطع طريقها من حين لآخر بعض المزارعين الذاهبين إلى حقولهم، وبمرور الوقت اختفى العابرون واختفى من ورائهم الشريط الزراعي الرفيع، حتى وصلت السيارة إلى مقلب قمامة مهجور، فأطفأ أشرف المحرك وترجَّل الرجلان من السيارة، ووقفا يتطلعان حولهما. لم يبقَ من المدينة بأَسرها على مدى البصر سوى صف بعيد من البيوت الصغيرة المبنية بالطوب الأحمر الكابي، مُحاط بلون أخضر باهت. فتح أبو عبير شنطة السيارة، وبحركة واحدة أمسك بالحبل وحمل وليد طه المُلقى في قاع الشنطة من عراقيبه، ووضعه على الأرض، ثم حلَّ وثاق أقدامه، وعلى الفور انتصب وليد طه على قوائمه الأربعة، وأخذ يُصدر صفيرًا من منخاريه وهو يحاول الجري يمينًا ويسارًا، وأبو عبير يشده بقوة من الحبل المربوط حول عنقه، حتى هدأ. استند الرجلان إلى الرفرف الخلفي للسيارة وأخذا يدخنان في صمت، فيما حاول وليد طه الاقتراب من علبة صدئة مُلقاة، فأرخى له أبو عبير الحبل حتى وصل إليها. أدخل خَطْمه داخل العلبة، ثم نفر منها وأزاحها جانبًا. قطع أشرف الصمت قائلًا:

– أنا اللي أستاهل علشان روَّحت يوميها وسبته يخزِّن لوحده.

فأجابه أبو عبير:

– ما تهريش وتُنكت في نفسك يا أشرف. أكيد خزِّن في حتة أمان.

ثم توقف الرجلان عن الكلام وأخذا يتابعان وليد طه وهو يرعى في القمامة. كان يعرج عرجة واضحة، وينبش بقدميه هنا وهناك. وأخيرًا أقعى على الأرض الترابية على حافة المقلب، وخلفه انعكست شمس الأصيل الذهبية على كومة القمامة الهائلة.

رفع أبو عبير رأسه ونظر من السيارة في اتجاه المنور. هذه المرة كان شباك المطبخ مفتوحًا في الطابق الثالث. انتظر الرجلان في السيارة بجوار مدخل البناية حتى هدأت الحركة، ثم نزلا. فتح أبو عبير شنطة السيارة وحمل وليد طه بسرعة على كتفه، ورمى أشرف فروة خروف فوقه. صعد الرجلان بخفة حتى الطابق الثالث وطرقا الباب. مرت لحظات من دون أن يحدث شيء، فطرق أشرف بحزم مرة أخرى وهو يقول بصوت خفيض:

– افتح يا سُنِّي.

من العين السحرية نظر السُّنِّي طويلًا، ثم حسم أمره وفتح الباب، فدخلا بسرعة وهما يلهثان. وما إن دلفا حتى أطلق أبو عبير سيقان وليد طه، مبقيًا الحبل في يده. ظلَّ السُّنِّي متسمرًا في مكانه يتطلع إلى الأخير وقد انتصب في الصالة، يحاول عبثًا التملص من حبل أبو عبير، وينظر إلى السُّنِّي بعينيه القاتمتين مُصدرًا صفيرًا رفيعًا. كان وليد طه أشبه بحمار وحشي في حجم عنزة، كل أعضائه كانت أعضاء حمار وحشي لكنها أصغر بكثير من الحجم الطبيعي. قوائمه قوية لكنها قصيرة، رقبته عريضة لكنها مدكوكة. الخطوط السوداء التي تتماوج على جلده كانت رفيعة. قال السُّنِّي مدهوشًا:

– إيه ده؟

فأجابه أبو عبير:

– ده وليد طه.

تفرس السُّنِّي الرجُلين، ثم ذهب ليجلس على الكنبة من دون أن ينطق بشيء. كانت الزيارة مفاجئة له، فصِلته بالاثنين انقطعت منذ مدة طويلة، آخر مرة قابلهما فيها كانت عند أشرف، يومها غضب السُّنِّي منه بعد أن جعل منه أُضحوكة الجلسة، إذ لم يتوقف عن السخرية من نسيانه المتكرر لأماكن البيوت بسبب انسطاله الدائم، وكاد يتعارك معه لولا أن هدَّأ وليد طه من غضبه. ثم أشعل السُّنِّي سيجارة، وأخذ يتطلع من بعيد لوليد. كانت أمارات الإنهاك واضحة عليه، فقد كان ضامرًا، ووجهه ممصوص ومترب، كما أنه فقدَ شوارب الجانب الأيمن من خطمه. وأخيرًا قال السُّنِّي:

– إيه اللي حصل؟

فأجاب أشرف:

– مفيش، أنا كنت في الأوضة عنده، وبعدين قالي اطلع يا أشرف شوية البلكونة. أنا ما خدتش في بالي، وطلعت أشرب سيجارة، رجعت لقيته زي ما انت شايف.

فبحلق السُّنِّي فيه وردد وراءه:

– طلعت تشرب سيجارة رجعت لقيته زي ما انا شايف!

قال أشرف بلامبالاة:

– آه.

تدَخل أبو عبير قائلًا:

– وليد طه معموله عمل يا سُنِّي.

فنظر إليه السُّنِّي شزرًا وقال:

– نقَّطنا بسكاتك يا أبو عبير.

وفجأة أفلت وليد طه من الحبل بحركة مباغتة، وانطلق رغم عرجته في اتجاه الشباك الوحيد في الصالة، ونطح الزجاج بكل قوته محاولًا عبثًا القفز منه، فهشمه. وما إن أفاق أبو عبير من الصدمة حتى شدَّ الحبل بسرعة فانثنت رقبة وليد طه بقوة. ساد التوتر جو الصالة، ووقف الرجال الثلاثة واجمين. وأخيرًا سأل السُّنِّي:

– إنت زعلته في حاجة لما كنت معاه يا أشرف؟

فأجاب أشرف بالنفي، ثم أكمل قائلًا:

– لما فتحت باب البلكونة علشان أخش الأوضة، لقيت وليد جاي ناحيتي، ربك والحق أنا الأول اتخضيت، وبعدين فهمت علطول إن ده وليد، ولما قرب مني لقيته قعد يرفَّس وعايز يخش البلكونة، أنا خفت ينط منها فمسكته من رقبته بالعافية، وربطته بحبل، ونزلت أجيب أبو عبير.

غالَب السُّنِّي دهشته وقال:

– حمار مخطط وعايز يطير!

فصرخ أشرف:

– يا سُنِّي مش ده المهم يا سُنِّي، المهم البضاعة يا سُنِّي. وليد طه خزِّن البضاعة لوحده. أنا كنت تعبان ليلتها وسبته يخزِّن وروَّحت. إحنا بقالنا أسبوع نكشنا فيه كل حتة كان بيروحها ع البضاعة، ومش لاقيين حاجة. دبَّرني يا سُنِّي!

لوحة مستلهمة من القصة للفنان عمر مصطفى.

انعقد لسان وليد طه منذ ذلك اليوم، ولم يعد يصدر سوى صفير رفيع عبر فتحتَي منخاره عندما يتنفس. كلما وجَّه له أبو عبير أو أشرف سؤالًا، نظر وليد طه إلى محدثه وأخرج صفيرًا من منخاره. صمتُ وليد طه المطبق أثار حيرة الرجلين، واعتبرا أنه يخفي سرًّا عمدًا، فقررا أن ينقلاه إلى سطوح أبو عبير البعيد عن الأعين لاستجوابه بدقة. وما إن وطئ وليد طه أرض السطوح حتى أُصيب بهياج عنيف، وحاول فورًا القفز من سور السطوح، لذلك لم تكن جلسات الاستجواب تتم سوى بعد أن يربطاه ربطًا محكمًا حتى لا يقفز. وكانت أسئلة أشرف وأبو عبير لا تخرج عن الاستفسار عن مكان تخزين البضاعة، لكن وليد طه لم يُحِر أي إجابة. وفي إحدى سورات الغضب أمسك أشرف بفك وليد طه الأسفل وأخذ يفتحه عنوة للحصول على جملة مفيدة، ولما باء بالفشل انهال عليه بقدمه، وأخذ يرفسه في بطنه وساقه لكي ينطق، حتى أعطب ساقه الخلفية. بعد يومين من محاولات الاستجواب المحمومة، ظهر واضحًا لأشرف وأبو عبير أن وليد طه لم يعد يُصدر أي صوت سوى صفير تنفسه العالي، فخرج أبو عبير باستنتاجين: الأول هو أن وليد طه لا يخفي سرًّا ولكنه فقدَ القدرة على الكلام، فهو يفهم ما يقال له، بدليل أنه ينظر إلى محدثه، لكنه لم يعد يستطيع أن يقول أي شيء. أما الاستنتاج الثاني فكان أن وليد طه ربما كان يحاول أن يخبرهما بمكان البضاعة من خلال محاولات القفز المتكررة، وأنه ربما كان يريد أن يقودهما إلى مكان ما. وبناءً عليه اقترح أن يأخذا وليد طه في جولات إلى المناطق التي يشُكان أنه خزَّن فيها، ويرخيا له اللجام قليلًا لعله يقودهما إلى مكان البضاعة. وأضاف:

– هوَّ هيكون خزِّن فين يعني؟ يا إما في الطوابق يا إما في «العشريني».

وزن أشرف الاستنتاجين مليًّا، ورأى أن اقتراح أبو عبير هو اقتراح وجيه.

في البداية حملا وليد طه إلى «التلات طوابق»، بعد أن ألبساه فروة خروف وربطاها فوق ظهره حتى لا يلاحظه المارة. فكان أبو عبير يركز عينيه في عينَي وليد طه القاتمتين وهم لا يزالون في السيارة، ويسأله بصوت واضح وبطيء:

– البضاعة فييييين يا ولييييييد؟

ثم يسير الرجلان به والحبل في يد أبو عبير. مشيا به بالقرب من بقالة حمادة حيث خزَّن المرة الماضية، ثم سارا به من حارة إلى حارة في المنطقة المجاورة، أملًا أن يقودهما إلى مكان البضاعة، لكن وليد طه كان يسير هادئًا وسط الرجلين. حتى عندما يجلسان إلى مقهى للاستراحة وشُرب الشاي، كان يتمدد على الأرض أمامهما في سلام. من حين لآخر يشد جسمه كأنه مقبل على العَدْو، فينتبه أبو عبير الممسك باللجام، لكنه في النهاية يُقعي على الأرض مرة أخرى. بعدها حملاه إلى شارع العشرين، منطقته القديمة، لعل وعسى، لكن المشي في الشوارع لم يؤدِّ إلى أي نتيجة، فوليد طه كان يسير هادئًا دائمًا وسط الرجلين. كما أن المشي في الشوارع لم يكن مأمون العواقب، فبمرور الوقت بدأ وليد طه يلفت انتباه المارة لغرابة عنقه وسيقانه، ويجذب الأطفال للجري وراءه، لذلك أعاداه إلى السطوح وربطاه جيدًا. وبعد أسبوع من البحث الفاشل، قال أبو عبير:

– وليد مش عايز يجري، وليد عايز يطير.

قال السُّنِّي بعد طول تأمل:

– يعوَّض عليك يا أشرف، اللي بيروح ما بيرجعش.

فتجمَّد أشرف في مكانه. وقال أبو عبير:

– إحنا جبناه هنا علشان تكلمه انت يا سُنِّي، جايز يسمع منك، هوَّ كان بيعزك أوي.

فأجابه السُّنِّي:

– وليد خلاص ما بقاش مننا، وكلامه ما بقاش كلامنا.

فانفعل أشرف:

– يعني نكلمه ازاي من الآخر؟

رمقه السُّنِّي وقال:

– إيه اللي رماك على الكار ده يا أشرف؟ كار الكيميا ده مش بتاعك، ياما قلتله ما يعومش على عومكم.

دار رأس أشرف فجأة وزاغت عيناه، ثم شخر وهو يصرخ:

– البضاعة فين يا ابن الزانية؟

وأمسك بالكرسي الذي كان يجلس عليه وهوى به على رأس وليد طه الذي أخذ يفحُّ مكشرًا عن أسنانه. بقيت قطعة من رِجل الكرسي في يد أشرف، فأخذ يضربه بها حتى انبجس الدم من رأسه. واستمر أشرف في الضرب إلى أن أمسك السُّنِّي به من ذراعه، وقال له بحدَّة:

– كفاية كده. الحاج طه هو برضو اللي مربيك يا أشرف.

كان الانفعال قد استبد بأشرف فوقف يصرخ في منتصف الحجرة وهو محتقن الوجه بكلام غير مفهوم. احتضنه أبو عبير بين ذراعيه، فحاول أشرف التملص بعنف، وكاد يلقي به أرضًا، لكن الأخير تماسك ولم يفلته. حتى هدأ أشرف أخيرًا، وأخذ ينظر إلى وليد طه وقال وهو يرتعش:

– هيَّ دي المعاملة اللي بينَّا يا وليد؟

ووليد طه انزوى إلى الحائط مادًّا رقبته أمامه وقوائمه ترتعش، ثم خارت قواه فانهار على الأرض، في حين وقف الآخرون حوله صامتين. مرَّت فترة قطعها السُّنِّي قائلًا:

– وليد هيبات هنا يا أشرف.

التفت إليه أشرف كأنه لم يفهم، ثم قال بصوت ضعيف:

– والبضاعة يا سُنِّي؟ وفلوسي يا سُنِّي؟ وليد هيفضل معايا لحد ما ينطق.

فتدخل أبو عبير قائلًا:

– الدنيا اتأخرت والشوارع ملغَّمة اليومين دول، خليه هنا أحسن.

ووقف الرجال الثلاثة صامتين.

لم يغمض للسُّنِّي جفن، وقضى ليلته جالسًا يدخن وهو يستمع لعبد الوهاب. ومن حين لآخر يتناهى إليه واضحًا صفير تنفس وليد طه قادمًا من الحمام. مرت حياة بكاملها أمامه. حبسة طُرة الأولى مع الحاج طه. وليد الصبي يلهو بالمطواة. معركة كفر كعابيش التي أنهت سيطرة عصابة الدهشوري ليحل محلها الحاج طه ورجاله. حبسة طُرة الثانية. وليد الشاب يترك علاماته على وجوه خصومه، أخاديد رفيعة لا تختفي مهما طال بها الزمن. أفول عصر الحشيش وبزوغ عصر البانجو. وليد يتوَّج ملكًا على منطقة فيصل بفضل مهاراته الفائقة في استخدام السلاح. انتهى شريط الكاسيت وتوقف الجهاز، فانقطع خيط أفكار السُّنِّي. أخذ يصغي إلى صفير تنفس وليد طه الواضح في صمت الصالة، ثم قام واتجه إلى الحمام، وفتح الباب قليلًا ليتطلع مرة أخرى إليه وهو مربوط في كوع الحوض. سقط شعاع من الضوء على رأس وليد طه المقعي على بلاط الحمام فالتفت إلى مصدره. كانت عيناه فاحمتَي السواد. أخذ السُّنِّي ينظر إليه، ثم ذهب إلى المطبخ وحمل صفيحة سمْنة ملأها بالماء، وعاد إلى الحمام، ووضعها بجانبه. تحامل وليد طه على قدميه وغمس خطمه في الماء وأخذ يشرب على عجل. اقترب السُّنِّي منه فرفع وليد طه خطمه ونظر إلى السُّنِّي الذي جفل لوهلة، ووقف طويلًا مترددًا، ثم وضع يده أخيرًا فوق رأس وليد طه فزام الأخير. اطمأن السُّنِّي وتناول خرقة ملقاة وبللها بالماء، وأخذ يمسح آثار الدماء عن رأس وليد طه، ثم ربَّت عليه وهو يقول:

– إيه يا ليده، خلاص عيشتنا ما بقيتش عاجباك. بقيت حمار مخطط. وكمان مسخوط. طب مش كنت تبقى حمار عادي يا أخي علشان ما تلخبطناش؟ وبعدين الحمار المخطط ما بيطرش يا ليده.

قطع جرس الهاتف صمت الليل. رفع السُّنِّي السماعة، وكما توقع كان المتصل هو صلاح باشا، الذي قال:

– إيه اللي حصل للوله وليد؟

فأجاب السُّنِّي:

– إنت عرفت يا باشا؟

فقال صلاح باشا غاضبًا:

– هوَّ لسه فيه حد ما عرفش! قولي إيه اللي جراله؟

فرد السُّنِّي:

– ما اعرفش، أهو عندي هنا.

طلب منه صلاح باشا أن يحضِره إليه فورًا، لكنه تحجج بأنه لا يستطيع أن يمشي بوليد طه هكذا في الليالي، فأنهى صلاح باشا المكالمة على عجل قائلًا إنه سيتجه فورًا إليه. ولم يمضِ نصف ساعة حتى كانت خبطات الباب تعلن وصول الباشا. وللمرة الثانية في هذه الليلة يتلقى السُّنِّي زيارة غير متوقعة، فصلاح باشا لم يسبق له أن زاره من قبل، وإنما كان يطلبه إلى القسم لديه مباشرةً إذا احتاج إليه. كان السُّنِّي قد أعدَّ الجلسة وشطف الجوزة قبل أن يصل ضيفُه. دخل الباشا وحده، ونظر السُّنِّي وراءه قبل أن يغلق الباب ليتأكد أن لا أحد بصحبته. وقبل أن يجلس طلب من السُّنِّي أن يريه وليد طه، فاصطحبه إلى الحمام وفتح له الباب. وقف صلاح باشا متجمدًا في مكانه وهو يرى وليد طه مقعيًا على بلاط الحمام الأبيض بجلده المخطط. تمتم:

– هوَّ ده وليد طه؟!

ثم عاد إلى الصالة وأخذ مكانه. عمَّر السُّنِّي الجوزة وناولها لضيفه. سحب صلاح باشا أنفاسًا عديدة من دون أن ينطق، وامتلأت الصالة بالدخان ممتزجًا بصوت عبد الوهاب وهو يصدح بأغنية:

في البحر لم فُتُّكم

في البر فُتُّوني

بالتبر لم بِعتُكم

بالتبن بِعتوني

شرد السُّنِّي متفكرًا في كلمات الأغنية، ثم انتبه على سؤال صلاح باشا:

– والعمل يا سُنِّي؟

فقال:

– اللي تقول عليه يا باشا.

وأضاف:

– فلوسك هتوصلك طبعًا، وربنا يعوض على أشرف في البضاعة اللي راحت.

فردَّ الباشا:

– بضاعة إيه وفلوس إيه يا سُنِّي.

ثم صمت طويلًا وانهمك في سحب الأنفاس، إلى أن قال:

– بص يا سُنِّي، الكلام ده مليش فيه. المرة دي حمار مخطَّط، المرة اللي جاية سلعوة، كده الشغل مش هيمشي.

فقال السُّنِّي:

– مفيش مرة جاية يا باشا، أنا قعدت أفكر طول الليل في اللي حصل، وباقول وليد كده خِلِص، نسيبه في الصحرا اللي جنبنا وخلاص.

فرد صلاح باشا:

– بكرة غيره يعملها زي ما هوَّ عملها.

تنهد السُّنِّي ورصَّ أحجارًا جديدة. عاد صوت عبد الوهاب مرة أخرى إلى الصالة، كان يغني هذه المرة «مريت على بيت الحبايب». قطع صلاح باشا الصمت قائلًا:

– اللي مش عاجباه الشغلانة بيبطل وبنفتحله بيته وبيفضل راجلنا برضو، ووقت اللزوم بيعملنا مصلحة. لو حد من رجالتي وقع واتقبض عليه، كنت أطلعه تاني يوم. لو بضاعة اتمسكت كنت أجيبها ليلتها. لكن اللي عمله وليد ده هيبوظلي الشغل كله. كله إلا ده. إيه فاكر إنه كده هينفد بجلده؟ لا يا روح أمك منك ليه، فوقوا!

بعد رحيل الحاج طه، تغيرت الدنيا، وتاه السُّنِّي في دروب عالم جديد، فقد شحَّ الحشيش، وجفت منابعه، وظهر البانجو الرخيص وزاد الإقبال عليه، وامتلأت المهنة بكل من هبَّ ودبَّ، يتاجرون بكل ما تقع عليه أيديهم من مخدرات. صغار في عمر أبنائه يدخلونها أملًا في الإثراء بعد خبطة أو اثنتين، وباشوات أصغر من أبنائه يشرفون على العمل لتحقيق أكبر مكاسب ممكنة في أقصر وقت ممكن. أصبح العمل يدور كعزبة يعمل بها أنفار. يستدعيه صلاح باشا على فترات متباعدة إلى القسم، ويضع حذاءه على رقبته، ويطلب منه أن يقوم بتصريف بضاعة، أو يسأله عن تفاصيل تتعلق بعملية ما. شهد السُّنِّي هذه التحولات وما تلاها، وفشل في الاحتفاظ بمكانته، فآثر الانزواء بعيدًا في مساكن كفر الجبل المتاخمة لصحراء الأهرام. عصابة الحاج طه انفرط عقدها سريعًا بعد موته، وأخذ الجميع يثرون من حول السُّنِّي وهم يلحقون بعصر الباشوات الجديد، بينما أصر هو على الاكتفاء بتجارة الحشيش عبر علاقاته القديمة. ومع الوقت انفض الجميع من حوله، ولم يبقَ له سوى أن يعود للعمل «الفَرَداني» بعد أن تجاوز الستين. مجرم هرِم لا يثير الهلع في قلوب من يثبِّتهم في الشوارع، وينقب عن أكل عيشه وسط الصبية، ولولا بعض التقدير لماضي السُّنِّي من قِبل رجال المهنة الميسورين لما استطاع حتى العيش في شقته البسيطة تلك، فمن حين لآخر يتذكره أحدهم فيمر عليه ويترك له مبلغًا يصرِّف به حاله. كان السُّنِّي يقضي وقته في شقته المنزوية وحيدًا، ينزل أحيانًا ليتمشى وسط الناس الذين لم يرَ كثير منهم قسم شرطة في حياته. يتمتم باقتضاب: «كله بيعدي»، ثم يعود إلى بيته.

تقدم الليل وهدأت الأنفاس. أشعل صلاح باشا سيجارة، وذهب السُّنِّي إلى المطبخ ليصنع شايًا. عندما عاد قال صلاح باشا فجأة:

– مطوتك فين يا سُنِّي؟

تطلع إليه السُّنِّي وقد أطبق عليه رعب هائل، ثم قال:

– يا باشا وليد غِلط، بس كان طول عمره الراجل بتاعك.

فقال الباشا:

– الموضوع بقى أكبر من وليد يا سُنِّي.

أجاب السُّنِّي:

– يا باشا وليد ما بينطقش زي ما شفت، لو سيبناه في الصحرا محدش هيدرى بيه.

أصبح الباشا الآن هادئًا تمامًا، وقال:

– الدنيا دي مش فوضى يا سُنِّي، الدنيا دي مفيهاش غير يا قاتل يا مقتول، يا حكومة يا تاجر، والاتنين في إيدينا، مفيش حاجة تانية، مفيش بني آدمين بتبقى بهايم، وبهايم بتبقى بني آدمين.

– يا باشا وليد ما بقاش مننا، بقى بهيمة لا ليها ولا عليها.

– وليد لسه في البهيمة ولازم ياخد جزاءه.

– يا باشا وليد راح خلاص.

– يبقى البهيمة لازم تروح هيَّ كمان.

– يا باشا بلاش أنا يا باشا.

– نعم يا روح أمك! قلتلك مطوتك فين؟

سكت الرجلان ثم قال السُّنِّي متلعثمًا:

– بلاش أنا يا باشا، حد تاني يا باشا.

حدجه الباشا من دون أن يفتح فمه، فوجم السُّنِّي.

قُرب الفجر وقف السُّنِّي خلف وليد طه جامدًا ومطواته في يده، وصلاح باشا يراقبهما. استدار وليد طه برأسه محاولًا النظر إلى السُّنِّي، لكن الأخير منعه، ثم انقض على رقبته بذراعه وثناها إلى أعلى وهو يصرخ: «عاااه» وحزَّ عنقه من الوريد إلى الوريد، فشخب الدم في كل الاتجاهات، وأخذ وليد طه ينتفض مُصدرًا خوارًا هائلًا ورقبته في ذراع السُّنِّي، حتى خمدت حركته، فأطلقه السُّنِّي، وتهاوت الجثة على بلاط الحمام الذي أصبح دبقًا بفعل الدم المسفوح.

عندما وصل أشرف وأبو عبير كان السُّنِّي جالسًا في الصالة زائغ العينين. دخل أبو عبير من فوره إلى الحمام ووقف يتأمل المشهد، ويقدِّر حجم العمل المطلوب. كانت طرطشات الدم قد طالت سقف الحمام. ثم جاءت جلبة من الخارج، فغادر الحمام ليرى السُّنِّي واقفًا بجانب الشباك المكسور وممسكًا بتلابيب أشرف، وفي يده الأخرى مطواته المفتوحة. كان أشرف يقف جامدًا ينظر بثبات في عينَي السُّنِّي، وذراعاه متدليتان بجواره، والسُّنِّي يقرِّب وجهه من وجه أشرف حتى يكاد يلتصق به، شاهرًا مطواته المخضبة بالدم. أمسك أبو عبير بذراع السُّنِّي وحاول إبعاده، بعد أن رأى جنون الدم في عينيه، لكن السُّنِّي قرَّب وجه أشرف أكثر إليه حتى شعر كل منهما بنفَس الآخر، إلى أن نجح أبو عبير في الفصل بينهما، فانفلت قميص أشرف من قبضة السُّنِّي، لكنهما ظلا يقفان كما هما أمام أحدهما الآخر. أخرج أبو عبير سجائره وأعطى كلًّا منهما سيجارة ثم عاد إلى الحمام. خلع شبشبه الجلدي ونحاه جانبًا، وحمل الجثة ووضعها في البانيو الصغير، ثم أوصل الخرطوم بحنفية الحوض، وفتحه ليتدفق الماء إلى الأرضية. بدأ تيار الماء يذيب كتل الدم المتجلطة ويدفعها نحو البالوعة، أما الكتل التي بقيت ملتصقة فكان أبو عبير يحكها بقدمه ليكشطها، ثم أزال طرطشات الدم عن بلاط الأرضية والحائط بخرقة، بعدها أزاح المياه المتجمعة بالمسَّاحة وفرش بشكيرًا أبيض على الأرضية، وحمل الجثة من البانيو ووضعها فوق البشكير النظيف. طواه وأغلقه جيدًا، فتغير لونه إلى الأحمر الزاهي بعد أن تشرب بالدم، ثم وضعه في كيس زبالة أسود.

صفق أبو عبير شنطة السيارة وركب بجوار أشرف. قاد أشرف السيارة حتى تجاوز منطقة الإنشاءات ثم انعطف في طريق ترابي غير ممهد، تحف به الأشجار والحقول من الجانبين. سارت السيارة تلفُّها موجات من الغبار الكثيف، إلى أن وصلت إلى مقلب القمامة المهجور، فأوقفها أشرف بجواره، ثم أطفأ المحرك وترجَّل الرجلان من السيارة. وقفا قليلًا يتطلعان حولهما. لم يبقَ من المدينة سوى صف بعيد من البيوت الصغيرة المبنية بالطوب الأحمر الكابي، مُحاط بلون أخضر باهت. قال أبو عبير:

– طب عليَّ الحرام وليد طه اتعمله عمل يا جدعان ومحدش مصدقني.

فنظر إليه أشرف صامتًا. ثم فتح أبو عبير شنطة السيارة ورفع الجثة بحركة واحدة قوية على كتفه. تناول أشرف طرف الكيس، وأمسك أبو عبير بطرفه الآخر، وأخذا يطوحانه مرتين، ثم أطلقاه فاستقر في أحد جوانب كومة القمامة الهائلة مُصدرًا صوتًا مكتومًا. نظر الرجلان إلى الكيس وقد تمزقت أجزاء منه بفعل الصدمة، وبانت أطراف البشكير المحاطة به الجثة، ثم ركبا السيارة وانطلقا.

*من المجموعة القصصية «ما لايمكن إصلاحه» لهيثم الورداني، تصدر قريبًا عن دار«الكرمة».

اعلان
 
 
هيثم الورداني 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن