مصر جديدة سنة 2000
 
 

بالأمس، تمّ مَن ولد في 1 يناير 2000 عامه العشرين. عشرون عامًا بالتمام والكمال على انقضاء تلك اللحظة التي استعد لها كل سُكّان الأرض، استعدادات سبقت تلك الألفية بثلاثين عامًا، ولعل الفيديو الشهير «توقعات أطفال عام 1966 عن سنة 2000» يظهر فيه ذلك بوضوح، ففي هذا الفيديو يتوقع أطفال من العالم الأول في ستينيات القرن الماضي، مزيدًا من الدمار للإنسانية عند قدوم العام 2000، بل وأحدهم توقع بأن يتحول البشر لمجرد أرقام، وغير ذلك من توقعات خلقها السياق المُعاش لهؤلاء الأطفال في تلك اللحظة.

 

 

بشكل شخصي كانت ترتسم في مُخيلتي، كل مرة أسمع فيها ذلك السؤال في التلفزيون، لحظة سينفجر فيها بركان كبير، في مكان بعيد عن بيتنا، يخرج منه كائنات متطورة، تغيّر كل شيء حولنا بشعاع ليزر واحد، فيحول كل شيء يسقط عليه لآخر متطور. كل ذلك سيبدأ في تمام الثانية عشرة من منتصف ليل رأس السنة، ليكون كل شيء قد تحوّل تمامًا للأفضل، في صباح اليوم الأول من العام 2000. لكن للأسف، عند مشاهدتي للجزء الأول لفيلم Men in black والمنتج في العام 1997، انحسرت كل توقعاتي وأمنياتي لأن يأتي العام 2000 ونكون قادرين على شراء جهاز مسح الذاكرة الذي ظهر في الفيلم، بشكل سهل وسلس من محلات الإلكترونيات بشارع النبي دانيال بالإسكندرية.

أما في مصرنا الحبيبة، فقد كان هناك ذلك الإحساس في السنوات التي سبقت 2000، بأن شيئًا ما لا بُد وأن نستعد به لاستقبال العام 2000. فالتسعينيات المصرية بركودها ومللها كانت قادرة على تحويل كل شيء، خارج لحظتها المملة؛ أي فعل حتى ولو كان الاستعداد لعام 2000، لسؤال فانتازي بعيد، وكأن سنة 2000 هي أمر يخص عالمًا آخر وليس عالمنا، العالم الغارق في الحاضر المعقد المركب غير المفهوم، عالم مجلات الأزياء وأوكازيون المناسبات، عالم يغرس ببطء في حالة الملل المباركي التي شغلت وقتًا طويلًا، امتد لعشر سنوات كاملة من بداية الألفية وحتى ينهار ذلك العالم بلا عودة في 2011.

في لقاء في العام 1994 حاورت جميلة إسماعيل مجموعة من المواطنين، وسألتهم عن توقعاتهم لسنة 2000. وأظن أنه حتى هذه اللحظة لم يكن المصريون قد استوعبوا أن ما يتوقعونه هو شيء سوف يأتي بعد ست سنوات فقط، لعلهم كانوا يظنون أن عليهم أن يستعدوا استعدادًا ما، لكن ذلك لا يتعارض مع أنهم كانوا لم يدركوا بعد.

 أما الأعوام الأخيرة من التسعينيات فكانت بمثابة محاولات ارتجالية لخلق انتصار ما، تدخل به مصر للألفية الثانية، كل تلك المحاولات كانت مبنية بالأساس على إيجاد نصر ما، إنجاز ما. في 1998 فازت مصر بكأس الأمم الإفريقية، كانت لحظة كبيرة، ليس فقط كرويًا، ولكنها كانت لحظة منتظرة لاحتياج الأمر لنصر ما حتى ولو رياضي. أما في 1999 فقد نظمت مصر كأس العالم لكرة اليد، وغنّى هشام عباس أغنية الافتتاح؛ «أرض الشرق». وقتها نظمت المدرسة عرضًا رياضيًا على تلك الأغنية، ولم يتمّ اختياري في هذا العرض وحزنتُ بشدة، حيث أن مشاركتي كانت تمثّل لي مساهمة في المولد اللي داير.

لكن من الواضح أن تلك الإنجازات لم تكن كافية للدخول للألفية الجديدة بما يبهر العالم ويضع مصر على قمة المستقبلين للعام الجديد، فكانت حفلة الألفية هي الصرخة المدوية التي تمخضت عن المحاولات المصرية المستميتة طوال ثلاث سنوات، وعُدت بمثابة حدث تاريخي لاستقبال ألفية المفاجآت. يومها كنت طفلًا، في العاشرة من عمري، وأتذكر أننا كنّا قد بدأنا في التجهيزات لعيد الفطر، حيث أن يوم 31 ديسمبر 1999 وافق 23 رمضان 1420، وأخذتُ أفكر في حكاية البركان مرة أخرى، لكن بتغيير طفيف، وهو أن الهرم الأكبر سيكون بديلًا للبركان، و من قمته ستخرج الكائنات المتطورة. لكّن هاجسًا آخر كان يراودني، هل يصح أن يحدث ذلك الحدث الجلل والانفجارات والكائنات المتطورة ونحن في العشر الأواخر من رمضان؟

الجزء الأول من حفلة جان ميشيل جار بمناسبة الألفية الثانية عند سفح الهرم احتفالًا بالألفية:

الجزء الثاني: 

فيديو آخر لنفس الحفل:

سينمائيًا، يمكننا أن نجد الإشارة لعام 2000 في عام 1991 عندما أنتجت «ترايبود» للإنتاج والتوزيع الفني، والتي كان يمتلكها ممدوح عبد العليم، فيلمها الوحيد -حسب موقع «السينما دوت كوم»- «سمع هس» والذي كتبه ماهر عواد وأخرجه شريف عرفة، والذي يعتبر واحدًا من أكثر تجاربهم تجريبية وانطلاقًا. هذا الفيلم يُختتم بأغنية من كلمات بهاء جاهين وألحان مودي الإمام، هي بمثابة الخلاصة والجملة الأخيرة لصُنّاع الفيلم، حملت عنوان «سنة 2000».

أما في 1992 يعود ماهر عواد مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع سعيد حامد، وقد تبلورت فكرة ما لدى عواد عن سنة 2000، ولكن تلك المرة 2000 ليست مجرد أغنية النهاية، ولكن هي اللحظة الرئيسة في مسار البطل مهدي، بعد أن يشاهد إعلانًا للثلاجة كهرمانة، والتي تستطيع أن تحتفظ بالأشياء طازجة حتى سنة 2000، حيث أنها تعمل بالتكنولوجيا الأمريكية.

مهدي يعاني من الحياة التعيسة التي تعج بالمشاكل التقليدية لشباب الثمانينيات، حول الزواج وصعوبة مراس أهل الخطيبة وضيق ذات اليد وهكذا من أزمات حياتية تتحوّل لأزمات وجودية. مهدي أيضًا هو ذلك الشاب المُستلب تمامًا بسطوة التلفزيون، فهو مصدر المعرفة والحقيقة. من أجل حل مشكلة مهدي، الذي يمثل شباب جيله، يطرح عواد حلًا لتجميد الحب حتى سنة 2000، ثم إخراجه من الثلاجة ربما يكون الوضع قد تحسن. يُقدِم مهدي على شراء الثلاجه كهرمانة، ووضع نفسه فيها حتى سنة 2000 هربًا من حبيبته وأهلها والحياة. 

 

 لكن السؤال المهم ليس ماذا كانت تصورات السينما المصرية عن العام 2000؟ لكن كيف تحضرت السينما المصرية لذلك العام المصيري؟ 

حتى العام 1997 لم تكن السينما المصرية قد وضعت تصورًا من خلال أفلامها، عن عالم ما بعد الألفية سواء فيما يتعلق بقصص الأفلام أو حتى بشكل فني وتقني، أو على مستوى النوع، حتى وصلنا للعام 1997 وكأن شيئًا قد تمّ إعداده على عجل، كي يكون بمثابة ما ندخل للألفية من خلاله، وهو «السينما النظيفة» والتي بدأت مع الأسطورة فيلم «إسماعيلية رايح جاي» والذي غيّر مسار السينما وقتها. لكن «إسماعيلية رايح جاي» كفيلم يقدم تصورًا عن «ما هو الفيلم الأسري» لم يستطع أن يخرج بريئًا تمامًا، وكانت أغنية «كامننا» من كلمات عنتر هلال هي أزمة الفيلم، التي خلقت وقتها سؤالًا، ذا صياغة تسعيناتية خالصة وهو: هل نحن نعيش عصر الكماننا؟

«إسماعيلية رايح جاي» كان مجرد البداية، ليعود سعيد حامد مرة أخرى في 1998، قبل عامين فقط من الألفية التي كانت تشكل له هاجسًا في فيلمه «الحب في الثلاجة»، ليقدم «صعيدي في الجامعة الأمريكية»، الفيلم الأحب لجيل الألفية.

 

 «صعيدي» هو المعادلة التي لم تكن ملتزمة تمامًا بمعادلة «إسماعيلية رايح جاي»، لكنها معادلة عصرية جعلت هنيدي، لعامين متتالين، هو النجم الذي ستقدمه السينما للألفية الثانية، لكن بعد «همام في أمستردام» لم يستطع هنيدي تحقيق نجاح كنجاح صعيدي وهمام، وأصبحت اللحظة تحتاج لمقترح آخر نستطيع أن نتقدم به للألفية.

 

لعل «الخبرة الأمريكية» التي تميزت بها ثلاجة كهرمانة، والتي دارت حولها أحداث فيلم «حب في التلاجة» كانت هي كلمة السر لصُنّاع السينما المصرية في هذا الوقت، فالخبرة الأمريكية تحتم علينا أن ندخل للألفية الثانية بـ «الأكشن». ليصبح أحمد السقا، نجم الألفية. «العدل جروب» يراهن ويربح رهانه تمامًا، ويضبط ما لم تستطع «إسماعيلية رايح جاي» ضبطه، «العدل جروب» هم أيضًا نجوم الألفية.

مَن يتتبع أحمد السقا، ويتتبع أدواره ومشاهدها المختلفة، بداية من مسلسل «حلم الجنوبي» والمنتج في العام 1997 من إخراج جمال عبدالحميد وتأليف محمد صفاء عامر وبطولة صلاح السعدني، مرورًا برحلته السينمائية مع جيله منذ «صعيدي في الجامعة الأمريكية» و«همام في امستردام» وصولًا إلى «شورت وفانلة وكاب»، سيجد أن السقا هو بطل الألفية باقتدار؛ حب تلاقي، خفة دم تلاقي، أكشن تلاقي، وفوق كل ذلك عمره ما خان واحد صاحبه، كان الرهان على السقا رابح، السقا هو نجم الألفية، النجم الذي انطفأ بعد انقضاء العشرية الأولى من الألفية الثانية.

 نختتم سهرتنا بفيديو للقاء مع طه حسين سُجل في أواخر ستينيات القرن الماضي عن آماله للحياة في سنة 2000 في مصر والعالم العربي، ورد طه حسين في 47 ثانية عن تلك الآمال.

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن