عم نتحدث حين نتحدث عن الأشجار؟
عن الفن والمراوغة في لحظات اللااستقرار
 
 
 
لوحة لسلام يسري
 

تخفت الأضواء في المسرح، وتضيء الشاشة بصور منمقة، تتفجر فيها الحركة والألوان. صحراء شاسعة، رقص شرقي، شباب ضاحك يقفز في مياه البحر الأحمر الفيروزية من على سطح يخت فخم. ينتهي الإعلان بجملة واحدة، واثقة، وتظهر بالإنجليزية فقط؛ فلا حاجة للعربية هنا: This is Egypt، «هي دي مصر». يعرضونه قبل كل الأفلام المشاركة في مهرجان الجونة السينمائي تقريبًا. نحن الآن على وشك مشاهدة الفيلم السوداني «ستموت في العشرين»، الذي حصد لتوه جائزة العمل الأول في مهرجان فينيسيا السينمائي، بعد مرور شهرين فقط على احتفال الثوار في السودان بانتصارهم على نظام عُمر البشير، الذي استمر في الحكم ثلاثين عامًا. أتململ في مقعدي، لا تأهبًا للفيلم، ولكن لأن في «مصر» -على بعد أميال من مسرح المارينا اللامع بسجادته الحمراء الفارهة ومشاهيره المتأنقين، على بعد أميال من كروت البوستال المتتابعة على شاشته- تنهمر المظاهرات في الشوارع، لأول مرة منذ ما يبدو وكأنه دهر: في القاهرة، في الإسكندرية، في الدقهلية وفي السويس. على شاشتي الموازية -تليفوني، الذي أظل أتفقده خلسة أثناء الفيلم- أرى أناس يتجمعون، يتناثرون، ثم يتكتلون مرة أخرى. أرى أفواه تهتف بكلمات أحاول تخمينها. أرى أرقام تتكاثر كلما زاد عدد المتظاهرين المقبوض عليهم. 

أجلس في سريري بالقاهرة، أقلب بين التطبيقات على تليفوني مرة أخرى، أترجى النوم أن يأتي. مرّ شهران على مهرجان الجونة، والآن تقابلني منشورات لا تنتهي عن مهرجان القاهرة، الذي انطلقت دورته الحادية والأربعون البارحة. الكثير من الزملاء والأصدقاء يظهر عليهم الحماس تجاه برنامج الأفلام، ويشاركون ترشيحاتهم للأيام المقبلة. عاد المهرجان إلى الأضواء بعد غياب دام سنوات، عقب تولي المنتج المرموق محمد حفظي رئاسته العام الماضي. أُطلق برنامج جديد، أيام القاهرة لصناعة السينما، ومن المنتظر أن يُقام في سياقه عدد من الندوات والورش والمحاضرات التي تبدو مثيرة للاهتمام. أطالع الجدول على صفحة فيسبوك الخاصة بالمهرجان. ربما سأذهب لمشاهدة فيلم وحضور بعض الفعاليات غدًا، رغم تحفظاتي؛ علينا أن نغطي المهرجان في كل الأحوال. حينها داهمني خبر القبض على شادي من منزله قبل ساعتين. يتوقف الزمن، تموت الخطط قبل أن تتكوّن.   

يجسد التنافر الحاد الذي انتابني في تلك اللحظتين جانب كبير مما صرت أشعر به تجاه المشهد الثقافي في مصر خلال العامين المنصرمين. الأعمال النادرة التي تحركني بشكل استثنائي يعترف أصحابها أنهم -في ظل عجزهم عن الاشتباك سياسيًا- قد اختاروا أن ينظروا إلى الداخل لأن، «ما بالخارج قبيح للغاية»، وعلى الأغلب لأن تلك هي المساحة الوحيدة التي بإمكانهم استكشافها (تقريبًا) دون قيود. 

أفكر في عمل بصري محدد كنت في ظروف أخرى سأعتبره قيّمًا إلى حد كبير، لما يميزه من ذكاء وتماسك مفاهيمي. يستلهم العمل جذع الشجرة كموضوع أساسي، مستخدمًا تقنيات الواقع الافتراضي لتفكيك الطرق التي ندرك بها محيطنا، فيؤشكل بذلك فعل عادة ما يبدو بسيطًا، ألا وهو فعل الرؤية: أن نرى. ولكنني عندما شاهدت تلك اللوحات في العام الفائت، وجدتني أشعر بانفصال تام، غير قادرة على إيجاد أي صلة بيني وبينها. عادة ما يطلق على صالات العرض مصطلح «المكعب الأبيض»، لتصميمها المتقشف والمعتمد كليًا على الفن المعروض بها: حوائط بيضاء، أرضيات خشبية، إضاءة قوية ولكن هادئة في نفس الوقت. ليس من مهام المكعب الأبيض أن يعكس صورة للمدينة التي يقبع بها، بل له نفس الشكل في كل مكان في العالم. بتحرره من السياق الذي يوجد فيه، يهدف المكعب لتسهيل عملية انجرافك مع العمل الفني الذي تشاهده بداخله، بغض النظر عن محيطك الفعلي. ولكني لم أنجرف. ظللت عالقة حيث أنا، حيث كنت: التعليق الوقح الذي سمعته عن جسمي أثناء عبوري شارع قصر العيني في طريقي إلى المعرض، القطة الميتة التي رأيتها على الرصيف في هيئة أشلاء مختلطة بالتراب، الأخبار التي قرأتها عن اختطاف ناشط آخر من بيته صباح ذلك اليوم. ولم يكن لتلك اللوحات أي علاقة بكل ذلك، لا من قريب ولا من بعيد. 

عادة، لن يهم الأمر، بل قد أرحب بفرصة كتلك للهروب. ولكن أحيانًا يكون الواقع ضاغطًا بشكل يستحيل تجاهله؛ حضور ساحق لا تصمد أمامه الجدران التي تبنيها حول عقلك في محاولة لحماية ما تبقى منه، ولا جدران «المكعب الأبيض»، بحياديته الكاذبة. وفي تلك اللحظات، تصبح الاستجابة لتلك الأعمال الفنية المنصرفة كليًا عن السياق أمرًا بالغ الصعوبة. حين يطغى السياق على كل شيء، يلوّن وعيي بكل ما أراه وأسمعه وأختبره، فلا أتمكن من قراءة عمل كهذا كما ينبغي له أن يُقرأ. وهو أمر غير منصف للعمل، ولا للفنان، ولا لي، كشخص يتوق للفن في كل أشكاله وأنواعه. عبء إضافي نحمله كأفراد يمارسون أو يستهلكون الفن في هذا الجزء من العالم، في يومنا هذا: كيف نجد الطاقة الذهنية اللازمة للتعامل مع التجريد؟ كيف نجد فيه شيئًا خلّاقًا؟ 

صار لي سنوات أشعر بالغضب تجاه نزعة مبرمجي المهرجانات السينمائية الدولية (حراس البوابات العالمية في كل المجالات الفنية، في واقع الأمر) لاختيار أعمال مثيرة للجدل ومليئة بالصراعات السياسية أو القضايا الاجتماعية النمطية من المنطقة رغم تواضعها الفني على حساب أفلام أخرى قد تكون أهدأ ولكنها أقيم سينمائيًا. هل أفعل نفس الشيء الآن؟ هل يعني ما أقوله أننا ليست لدينا الحرية لصناعة أعمال فنية عن أي مواضيع أخرى ما دمنا نعيش في مكان تتفشى به الاضطرابات السياسية؟ 

لا، ليس هذا ما أقصده. أو على الأقل لا أعتقد ذلك. أؤمن أن حرية الفن تتضمن حرية هجر السياق وما دونه من ضوابط، هجر الجدية وهجر المعنى حتى. ولكن في لحظة كتلك، حين يخضع المواطنات والمواطنون لتفتيش محتويات تليفوناتهم من قِبل ضباط الأمن بشكل عشوائي في الشارع، فأي عمل لا يقرّ بحقيقة البيئة التي صُنع فيها بطريقة ما، عادة ما يبدو لي ناقصًا، ويثير بعض من الريبة في داخلي. فإذا كان الشخص صادقًا بخصوص أيًا كان ما قرر تناوله في عمل ما، في هذا المكان، كيف يمكنه تجنب الاحتكاك بذلك الواقع؟ نحن نعيش في ظل نظام عسكري قاسٍ وقمعي، ولم يعد هناك مفرًا من الأمر. يقولون في الإنجليزية، حين توجد مشكلة ما ضخمة يفضل الجميع الالتفاف حولها بدلًا من مواجهتها، أن هناك فيل في الغرفة، يتجاهل الجميع وجوده. كبر الفيل في غرفتنا حتى التهمها بأكملها.  

ما جدوى الاستماع إلى نصائح تيري جيليام أو مسئول ما في نِتفليكس أو أحد أهم مخرجي المكسيك في فعاليات مهرجان القاهرة طالما صنّاع الأفلام هنا عاجزون عن العمل خارج الحدود الضيقة التي ترسمها لهم المنظومة؟ كيف ندير نقاشًا فعّالًا عن وضع صناعة السينما في مصر دون التطرق لقضايا مثل الرقابة والقيود اللانهائية والإجراءات المُهلِكة المفروضة على الفنانين المصريين؟ أين الفائدة في الحديث عن فُرص الإنتاج المشترك والتمويل والتقديم في المهرجانات الدولية بينما نحن ممنوعون من الحديث عن كل ما يهمنا بشأن حياتنا هنا، فما بالك إذا رغبنا أن نصنع عنه فيلمًا؟ بينما نشعر بالقلق أثناء التقاط صورة سريعة بالموبايل لشيء ما أثار انتباهنا في الشارع، فما بالك إذا أردنا تصوير مشهد كامل بكاميرا حقيقية؟ 

في فيلم سوداني آخر جميل ومؤثر شاهدته في الجونة، «الحديث عن الأشجار» للمخرج صهيب قسم الباري، يحاول أربعة مخرجون متقاعدون إعادة إحياء سينما مهجورة في مدينة أم درمان، واحدة من مئات دور العرض التي أغلقت على يد التحالف العسكري الإسلامي الذي سيطر على البلاد أثناء حكم البشير. تقابلهم بالطبع عقبات عديدة، منها العثور على التمويل اللازم، بالإضافة إلى العراقيل البيروقراطية والأمنية المعتادة. يخيم اثنان من المخرجين على سطح السينما ذات ليلة، متفكرين في الظروف السياسية التي أدت بهما إلى تلك اللحظة. يشير أحدهما لبيت شعري لبرتولت بريشت، من قصيدته الشهيرة «إلى الأجيال القادمة» (1939/40): «أي زمن هذا/ الذي يكاد يُعد فيه الحديث عن الأشجار جريمة/ لأنه يتضمن الصمت على العديد من الفظائع؟» قبل أن يغطي وجهه بالملاءة ويذهب في النوم. 


هنا، لا تزال السينمات مفتوحة، ونحن غارقون في الصخب واللا شيء. القاهرة مجنونة فوضوية كعادتها. في غرفة معيشتي، أسمع مشادات الرجال الجالسين على القهوة تحت البيت. أصحو على أبواق السيارات ونداءات الباعة الجائلين وآذان المسجد المجاور. قطيطة وحيدة تموء في ذعر، يصير عويلها شريطًا لأيامي، ولا أعرف حتى أين أبحث عنها. في الليل ينبعث صوت أم كلثوم من راديو في العمارة المقابلة، بينما تنطلق إحدى أغاني محمد رمضان الرتيبة من سيارة أحدهم. لا راحة من الضجيج. 

ولكن أحيانًا تكون القاهرة صامتة تمامًا، صمتًا يهدد بابتلاعي. أماكن كانت يومًا حية بالأضواء والأحاديث، تسكن اليوم في العتمة.

أتذكر كل المرات التي شعرت فيها بالراحة والألفة بينما أجلس على الأرض في ساحة روابط، أتابع القصص وهي تتكشف على المسرح، أفكر أني جزءًا من كلٍ أكبر: شهادات من التحرير دمعت لها عيناي، موعد مع شخص فُتنت به، مسرحية لليلى سليمان شاهدت بها صديق يمثّل للمرة الأولى، نقاش طويل عن مهرجان يحدث على بعد أمتار سمحت لنفسي فيه أن أجادل -بصوت عال ومع أشخاص لم أعرفهم- ولأول مرة أحببت الصوت الذي سمعته. كانت الموجة التي حلمت بها منذ سنوات؛ كانت هنا، وكنت في القلب منها.

 لسنوات، تحديدًا بعد مأساة رابعة والموت التدريجي للمجال العام، كانت مساحات مثل ساحة روابط، والتي أُغلقت أبوابها في سبتمبر، هي الأماكن الوحيدة التي نقدر فيها على التنفس. مسارح وسينمات وقاعات معارض وبارات وغرف معيشة تمكننا في داخلها من الاشتباك -عبر الفن والكلام- مع الخارج، في حماية جزئية من عدائيته. الآن تغلق المساحات الثقافية واحدة تلو الأخرى، نتجنب أماكن التجمع المعتادة في وسط البلد لأنها صارت تشبه الثكنة العسكرية، وحتى إن لم يكن هذا النسق العادي، فقد قُبض على البعض من بيوتهم بالفعل، وبالتالي فحتى غرف المعيشة لم تعد جميعها مريحة أو آمنة بالضرورة. كيف نحافظ على أي قدرة على الإبداع في محيط كهذا؟ كيف نشتغل من الأصل؟ 

بعضنا غير قادر. بعضنا غادر البلد -بإرادته الحرة، خوفًا من المطاردة- والآن هم لا يستطيعون العودة. بعضنا رُحِّل، دون فرصة لاستجماع الأفكار ولا الأغراض. بعضنا آثر أن ينهي الأمر برمته، تاركين مَن بقوا بذكريات أليمة عما كان، أو ما كان بإمكانه أن يكون. بعضنا يعمل على وضع الطيار الآلي، لأنها الطريقة الوحيدة التي يمكنهم بها الاستمرار في العمل -لا توجد طاقة للمزيد. 


وبعضنا أنتج أعمالًا قيّمة ومؤثرة وواسعة الصدى، ولكن جاء ذلك بثمن. 

أخرج أحد أصدقائي أجمل فيلم شاهدته من المنطقة في العقد الأخير، ولكنه إلى اليوم ممنوع من عرضه في مصر. حاليًا، يجد نفسه في حالة عصية من الليمبو، عالقًا بين القاهرة وبرلين، ككثيرين غيره من دوائر الفن والثقافة في القاهرة. صانع أفلام لا يصنع أفلامًا. «عمري ما شفت نفسي مخرج مهاجر» يقول لي ذات يوم. «مش متخيّل نفسي بعمل أفلام في أي مكان تاني أو عن أي مكان تاني».

الفِرقة الأكثر شعبية في البلد اليوم غير قادرة على إنتاج اسطوانات فعلية في السوق، لأن الرقابة لا تكف عن مطالبتهم بحذف الأغاني، ولا يمكنهم لعب أي من أغنياتهم ذات المحتوى السياسي -وبعضها من أهم أعمالهم وأقربها إلى الجمهور- في الحفلات، لأن البديل هو ألا يقيموا أي حفلات أساسًا. «عندك ملايين بيسمعوا المزيكا بتاعتك وبيشتروا ألبومك أونلاين، بس همّ عايزينك تفضل في حتة إنك فريق مستقل صغير بيحاول يعمل حاجة» يقول مغني الفرقة الرئيسي وكاتب أغانيها، صديق آخر لي. باختصار، تدفعهم الدولة، بشكل أو بآخر، إلى الاختفاء. 

بينما يجهّز زوجي للقاء تلفزيوني عن مجموعته القصصية الأخيرة، تصله مكالمة تليفون من مُقدّم البرنامج. يسأله: «هنعمل إيه في 25 يناير؟» يندهش زوجي، فهزيمة الثورة تكاد تكون الموضوع الرئيسي الذي يرتكز عليه العمل. ولكن لا يمكنهما الحديث عن ذلك على التلفزيون، يخبره. عليهما أن يجدا طريقًا حول الأمر. 

إيجاد طُرق حول الأشياء، صار هذا شغلنا الشاغل. يمتلئ المشهد الثقافي البديل في القاهرة بمشاكل ممتدة منذ عقود: فهو مازال معتمدًا بشكل كبير على دوائر التمويل الدولية وفي ظل علاقته المعقدة بالدولة لم يتمكن بعد من الوصول إلى حلول مستقلة بحق تضمن له الاستمرارية، كما أنه يتسم بدرجة غير محتملة من الشللية وفي نفس الوقت يفتقر بوضوح إلى الحس الجماعي، وتسوده المجاملات الفارغة على حساب الروح النقدية الفعّالة، وبالتالي فهو يظل غير مكتمل النضوج من نواح عدة. نحن أبعد ما يكون عن تحقيق إمكانياتنا الكامنة، ورغم ذلك غير قادرين على التعامل مع قضايانا الملحة والسعي وراء طموحاتنا الفعلية لأننا مشغولون بإيجاد طُرق حول الأشياء. نراوغ الرقابة (المفروضة من الدولة أو التي نفرضها نحن ذاتيًا على أنفسنا)، والبيروقراطية المصرية العنيدة، وأجندات المستثمرين العقاريين، والتضخم المتوحش، وطلبات الممولين المنهكة، والاكتئاب. نراوغ حقيقة وجودنا هنا، الآن. 

في أواخر 2013، بعد المذبحة بشهور قليلة، زرت أحد المعارض في «تاون هاوس» بوسط البلد. كان حظر التجول قد رُفع للتو، وبدأت المساحات الفنية والثقافية في فتح أبوابها للجمهور مرة أخرى. ولكن شيئًا ما كان قد تغيّر، إلى غير رجعة. «مشاعر قبيحة» كان عنوان المعرض، وقد كان مستعارًا من كتاب نُشر تحت نفس الاسم في 2007 للباحثة والأكاديمية الأمريكية سيان نجاي، تستكشف فيه مفهوم الـprecarity أو اللااستقرار، وتجسيداته الشعورية في الإنتاج الثقافي في لحظات العجز والإحباط المجتمعي. دائمًا ما أعود لقصة تنظيم هذا المعرض، كما حكتها لي منسقته في حوار أجريته معها حينذاك. 

كان المعرض الذي كانت تخطط بدء الموسم به قد أُلغي قبل وقت قليل من موعد الافتتاح، وهو موقف قد تكرر عدة مرات منذ قيام الثورة على حد قولها، خاصة مع قرب موقع «تاون هاوس» من ميدان التحرير: «ولكنني هذه المرة لم أرغب في مقاربة فنان أو فنانة أخرى في اللحظة الأخيرة للاتفاق على معرض بديل. لم أرغب في التظاهر بأن كل شيء على ما يرام وأن العمل يجري كالمعتاد».

هكذا وبشكل تلقائي نظمت «مشاعر قبيحة»، تشكيلة غريبة ومبعثرة بعض الشيء من أعمال الفيديو والفن الرقمي التي تتناول المشاعر السلبية أو المزعجة التي تجعل المرء غير قادر على الحركة أو التصرف -كالقلق والحنق والارتباك- كموضوع رئيسي. تضمنت الأعمال المعروضة كذلك بيان المنسقة حول المعرض: «رغم أن العمل في ظل هذا الموقف أمر شديد التعقيد… تقع علينا مسؤولية في هذا السياق أن نظل موجودين، أن نوفر مكانًا يجتمع فيه الناس، يعبرون عن آرائهم ويتجادلون حولها… عدم التصرف ليس حلًا، إنما الحل هو إيجاد طريقة أفضل للتجاوب مع هذا السياق».

لم يكن معرضًا استثنائيًا بشكل عام، ولكن براعة «تاون هاوس» في المراوغة كانت هي الاستثنائية: فقد تمكنت المؤسسة من إيجاد طريق حول قيود الزمان والمكان، واستخدام الحالة الشعورية التي تتسبب تلك القيود فيها كموضوع لمعرضها الارتجالي. 

اليوم، عمليًا، لم يعد «تاون هاوس» موجودًا، بعد صراع ضارٍ للبقاء دام سنوات. 

نحن الآن نشهد عملية ممنهجة لاستيعاب المشهد الثقافي المصري من قِبل الدولة وحلفائها، بسرعة وثبات. لا يوجد الآن سوى عدد محدود من المنصات التي يمكن للفنانين عبرها عرض أعمالهم لجمهور واسع نسبيًا: فعاليات رسمية مثل مهرجان القاهرة السينمائي، فعاليات شبه رسمية ينظمها رجال أعمال ولكن تتبنى نفس خطاب الدولة بشكل أو بآخر مثل مهرجان الجونة، مبادرات كانت تهدف في الأصل لدعم مشهد الفن المعاصر المحلي ويرعاها الآن كيان مكرّس بالكامل لجنترة المركز الجغرافي لذلك المشهد (مهرجان دي-كاف وشركة الإسماعيلية للتنمية العقارية)، أو معارض فنية ضعيفة التنسيق تعمل كحملات سياحية في نفس الوقت، كتلك التي تنظمها شركة Art d’Égypte. حتى التلفزيون لم يسلم من الأمر، فعلى مدار العامين السابقين خضعت كبرى القنوات الفضائية لمخطط احتكاري شبه متكامل، تصدرته شركات مملوكة لجهاز المخابرات العامة. 

أن تكون فنانًا أو ممارسًا لأي عمل إبداعي في القاهرة صار أشبه بمحاولة للرقص في خزانة مقشات. مهما عافرت، لا توجد مساحة للحركة. ضاقت الحدود للدرجة التي جعلتنا نشعر بها جسديًا. والنتائج كذلك ملموسة وصريحة: حين لا يتحرك شيء، حين تكون الحركة ضئيلة في أحسن الظروف، لن يحركك شيء. لذا فلا مفاجأة في أن أنظر إلى عمل فني تلو الآخر دون أن أشعر بشيء يغادر مكانه في داخلي.  

لم يعد هناك مجالًا للمراوغة، ونجد أنفسنا الآن بين خيارين: أن ننسحب نهائيًا، أو نتحدث عن الأشجار. كيف نخلق خيارًا ثالثًا؟

أحد الموضوعات الرئيسية في كتاب سيان نجاي هو حالة «الحركة المعطلة» التي عادة ما يجد الفنانون أنفسهم فيها حين تسيطر «المشاعر القبيحة»، بالإضافة إلى عجز الفن نفسه في تلك اللحظات، خصوصًا في سياق المجتمعات الرأسمالية الحديثة، حيث يقيّم الفن من منظور منفعي بحت (في حالتنا: تعزيز «القوة الناعمة» للدولة، الترويج للأخلاقيات والمثل العليا بمعايير لجنة الدراما، إلخ)، بينما يُنظر لكل ما هو «فني» في المطلق كشيء عديم الفائدة.

أحيانًا، يجد الفنانون أنفسهم يصارعون مع المعضلة ذاتها: في لحظة كهذه -لا نملك فيها أي تصور للمستقبل ونسمع كل يوم عن أشخاص يختفون أو يعذبون في السجون (هذا إن لم نكن نعرفهم بشكل شخصي)- كيف نقنع أنفسنا أن ما نفعله له أي قيمة؟ كيف نتخلص من الخوف الرابض بداخلنا من عدم الأهمية؟ بينما أكتب الآن أحارب أصوات لا تخفت في رأسي، تخبرني أن ما أكتبه غير مهم؛ عليّ أن أنقر علامة الـ«x» الصغيرة المنتظرة في قمة الشاشة وألا أعاود فتح الملف أبدًا. فمن يريد أن يسمع أو يقرأ عن الفن والفنانين بينما العالم ينهار؟ 

لست متأكدة، ولكني أعرف أني لولا الفن والأشخاص الذين يمارسونه في هذا المكان لما تمكنت من الصمود خلال الست سنوات الأخيرة. لهذا تحديدًا كان الأمر محبطًا جدًا حين وجدت نفسي غير قادرة على التفاعل مع عدد كبير من الأعمال التي صادفتها مؤخرًا. عندما أتحدث عن الإقرار بالسياق في الفن، لا أعني أن علينا توظيف الفن من أجل تحقيق أهدافنا السياسية. أمقت البروباجندا بكل أشكالها، حتى وإن خدمت القضايا التي أؤمن بها. أنا فقط أعني أني أتوق لفنٍ صادق ونابض بشيء ما، فن يواجهني بما لا أعرفه ولكن الكثير أيضًا مما أعرفه، فن غاضب، أو يعتنق غياب الغضب كخيار مشروع. 

أكتب عادة بالإنجليزية، وعند الحديث عن الفن من حيث «القيمة» أو «الأهمية» تكون الكلمة التي ألجأ لها غالبًا هي وصف relevant، أو عكسه: irrelevant (وترجمتها المباشرة «غير ذي صلة»)، لكونها أدق من مجرد حكم مطلق بالأهمية أو عدمها، فهي تحتوي ضمنيًا على علاقة ما بالسياق. ولكن هل تصلح الأهمية أو القيمة أو الصلة بالسياق حتى كمعيار لتقدير الفن من الأساس؟ مهم بالنسبة لمَن وقيم من أي جهة؟ وما طبيعة تلك الصلة التي نبحث عنها تحديدًا؟ نعم، أنا منحازة بوضوح للفن المتصل بسياقه، ولكن أحيانًا يكون هاجس هذه الصلة، وعلاقتها بـ«الأهمية»، عقبة في طريق أن نصنع أي شيء من بابه، تشلّنا عن الحركة أو التفكير. 

في العربية، كلمة «أهمية» مشتقة من نفس مصدر «هَمّ»، بينما في الإنجليزية، فكلمة relevant أصلها لاتيني، من الجذر relevare، وهو حرفيًا يعني «أن تخفف». حين قرأت ذلك للمرة أولى، تملكني شعور أني على مشارف كشف ما. ثم أدركت أن كلمة relief في الإنجليزية، وتعني «ارتياح»، لها نفس المصدر اللاتيني. وكأن الكلمتان، الإنجليزية والعربية، تكملان بعض بشكل ما: تخفيف الهمّ. هل نجرؤ أن نقول إذن أن الفن «المهم»، المتصل بسياقه، -أي relevant- هو الفن الذي يخفّف ويريح؟ لا فقط الشخص المتلقي له، ولكن كذلك الشخص الذي يصنعه؟ الفن يخفّف من همّ مَن يمارسه ومَن يستهلكه، حتى حين يؤلمنا (وكثيرًا ما يكون على الفن أن يؤلِم)، لأننا حين نتألم، نطمئن على الأقل أن شيئًا ما بداخلنا مازال حيًا، وفي ذلك وحده مدعاة للارتياح.  

أجد نفسي أفكر في آنييس فاردا وهي تمشي بمحاذاة البحر في «شواطيء آنييس» (2008)، فيلم جميل صنعته عن نفسها، ولكن أيضًا عن علاقتها بالعالم. تقول في هذا المشهد الافتتاحي: «إذا فتحنا صدور البشر، لوجدنا بداخل كل منهم مشاهد مختلفة من الطبيعة»، تلك المشاهد الداخلية التي تتحدث عنها آنييس هي المساحات التي ينبغي علينا استكشافها وكشفها -هي وأشجارنا النامية فيها- ولكن دون تجنب حدودها الوعِرة والمتوترِة، حيث يتقاطع ما نواريه بالداخل مع ما يدور بالخارج. 

أي عمل إبداعي آت من مكان شخصي، ويتضمن في صنعه عملية تأمل حقيقية وصادقة، حتمًا سيكون سياسيًا، و«مهمًا»، ومؤثرًا. في لحظات القلق والخوف واللايقين الدافع للعجز، لا يوجد أمامنا مخرج سوى أن نتصالح مع هشاشتنا، مهما كانت ساحقة.

إذا لم تعد لدينا الإمكانية لتقديم مشاريع صريحة في علاقتها بالواقع السياسي مثل معرض «لو لم يكن هذا الجدار» الذي نظمه مركز الصورة المعاصرة (CIC) في 2015-2016، فالمعرض الذي نظمه المركز كجزء من النسخة السادسة من «فوتو كايرو» في العام اللاحق، والذي شرّحت فيه مجموعة من النساء علاقاتهن الشخصية بأمهاتهن عبر النصوص المكتوبة والفوتوغرافيا، لا يقل في أهميته أو سياسيته عن المشروع السابق ذكره. لو كان الفن الذي نبتغيه هو الفن القادر على تخفيف الهمّ -همّنا نحن قبل الآخرين- فربما هناك خيار ثالث. أن ننظر بداخلنا؛ تنقيبًا لا انسحابًا، أن نتحدث عن الأشجار؛ تنكّرًا لا هروبًا.

ثمة مكان بين صفي أشجار حيث ينمو العشب مرتقيًا التلال

وينتهي الطريق الثوري متلاشيًا إلى ظلال

قرب منزل لعقد الاجتماعات هجره المضطهدون

الذين اختفوا بين تلك الظلال.

 

كنت أتمشى هناك ألتقط الفطر على حافة الفزع، ولكن لا تنخدعوا

هذه ليست قصيدة روسية، هذا ليس مكانًا آخر بل ها هنا،

بلدنا يقترب من حقيقته هو وفزعه هو،

طرقه هو لجعل الناس يختفون.

 

لن أقول لكم أين المكان، شبكة الغابة المظلمة

التي تلتقي بشريط الضوء غير الملحوظ —

تقاطعات طُرق ترتادها الأشباح، فردوس عفن الأوراق:

أعرف مسبقًا مَن الذي يريد شراءه وبيعه وجعله يختفي.

 

ولن أخبركم أين يوجد، فلماذا أخبركم 

بأي شيء؟ لأنكم مازلتم تصغون، وفي زمن كهذا

كي أجعلكم تصغون بأية حال، من الضروري 

أن أتحدث عن الأشجار.  

-أدريين ريتش، «أي زمن هذا» (1995)

[ترجمة عادل صالح الزبيدي كما نشرت على موقع «إنتلجنسيا»، بتصرف بسيط]

اعلان
 
 
ياسمين زهدي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن