صراع في اﻹنترنت (1)
 
 

حين قررت أن أكتب عن الإنترنت وما يدور فيه على الصعيد التقني، علقت لفترة طويلة في قلق من تقصير أو تبسيط مخل؛ وقت بداية تنظيم المواضيع الواجب سردها رأيت خيوطها كلها تقع في سياق تقرير تقني جاف ومختصر عن مستجدات هذه التكنولوجيا دون أي تفسير أو وضع اعتبار لدوافع تغيير/تطوير الإنترنت في سياقها الأشمل، أو حتّى تقدير جامع للنقاط الرئيسية عمّا يحدث فعلًا من حركة تومض وتخفت منذ بداية هذا العقد بالتحديد -التغيرات التي تشهدها الشبكة حديثة السن والأكبر في تاريخنا البشري. تغيير نشهد شرارته الآن في انشغال التشريعات بقوانين الخصوصية (قضية فيسبوك المعروفة مثلًا) أو تصاعد الاهتمام بتكنولوجيا «سلسلة الكتل» (Blockchain) والبيتكوين وإصدار فيسبوك لعملتهم الرقمية Libra  في يونيو مثلًا– العملات الرقمية المشفرة (cryptocurrency) وخلافه من محاولات الانفلات من المركزيات السائدة الآن.

 مر بعض الوقت قبل أن يحضر في ذهني مدى تطابق الصراع الحالي مع تخوفات رددها هايدجر وبعده هوركهايمر (مدرسة فرانكفورت النقدية) من الطريقة التي تتحرك بها التكنولوجيا، خصوصًا بعد الثورة الصناعية، أطلق هايدجر على ما لاحظه «التفكير الحسابي» وحذر في كتاباته من الطبيعة الاحصائية للتكنولوجيا «في اختزال تقدير المكاسب والخسائر في حسابات وأرقام لما يمكن قياسه بشكل كمّي/حسابي (الزمن والمسافة أو بالتحديد هنا اقتصاد السوق وكفاءة الإنتاج مثلًا)، عقلانية ديكارتية مطلقة امتدت لتسطو على كل ما كان «روحانيًا» أو «أخلاقيا» في عالم ما قبل عصر النهضة.

 كان يشير إلى أخطاء معاصريه وادعاء العالم الفيزيائي ماكس بلانك أن «الواقع هو فقط ما يمكن حسابه/قياسه».

 «كل المسافات في الزمان والمكان تتقلص [..] يتلقى الإنسان الآن معلومات فورية، عن طريق الراديو، عن الأحداث التي كان قديمًا لا يمكنه أن يعرفها إلّا بعد سنوات، هذا إن عرفها أصلًا [..] يشاهد المواقع الأثرية للحضارات القديمة في الأفلام كما لو كانت أمامه في هذه اللحظة وسط ازدحام اليوم [..] يقطع الإنسان مسافات طويلة ويضعها خلفه [في ذاكرته] في أقصر وقت، وبالتالي يضع كل شيء أمامه وعلى أقصر مدى [..] سنجد ذروة عملية إلغاء المسافة هذه في جهاز التلفاز، والذي سينتشر ويهيمن مستقبلًا على آليات ودوافع التواصل عند الإنسان [..] لكن في الحقيقة أن هذا الإلغاء المسعور [للمسافات]  لا يجلب أي قرب، لأن القرب لا يكمن في قصر المسافة».

من محاضرة ألقاها مارتن هايدجر في الأكاديمية البافارية للفنون الجميلة، 1950.

 يعرّف هوركهايمر العقلية الأداتية (المصطلح الذي استخدمه للإشارة لهذه الظاهرة في كتابه «نقد العقل الأداتي» بأنها نمط تفكير غرضه الأول الوصول إلى حلول للمشاكل انطلاقًا من سؤال الكيفية والكفاءة (الممكن حسابه) مع انفصال عن أسئلة إنسانية/أخلاقية حول هذه الحلول، انفصال كان هيوم حريصًا على توضيحه في كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية» عن الفارق بين مسألة وصف الكينونة (سؤال بني عليه المنهج العلمي في الأصل) ومسألة الوجوب (سؤال أخلاقي اختصت به الأديان والتشريعات المجتمعية المشغولة بعلاقات وبنيان الكينونة؛ قوانين الدول والشرائع الدينية مثلًا)  (Is-Ought distinction). أشار هيديجر إلى هذا الفارق الواضح بين الأمرين ولم يتوقف عند أيّا من جوانبه بالتحديد في تكوين منهجه الفلسفي كما فعل هيوم، ولكن لاحقًا سيلتقطه هوركهايمر على أي حال لتشكيل نقده لأطوار الإنتاج في عصر ما بعد الثورة الصناعية: وضع هيديجر فلسفته في إطار علاقة الإنسان بأطوار المعرفة (Ontic-Ontological distinction) وهذا يجعله أنسب لتطبيقه على طبيعة مستخدمي التكنولوجيا (في هذه الحالة الإنترنت)، في حين وضعها هوركهايمر في إطار الإنتاج (كما المتوقع من فيلسوف ماركسي عتيق) وانشغل باستخدامها في نقد عملية الإنتاج في عصرنا الحالي. هذا يجعله أنسب لشرح محاولات التطوير في الإنترنت التي تدور معاركها في الخلفية بعيدة بعض الشيء عن مستخدمي الإنترنت الآن، وإن كانت تتسرب أحيانا في الإعلام من أخبار عن التقنيات الجديدة كالبلوك تشاين وخلافه، ولكن قبل الخوض فيما يحدث الآن وراء الستار في عالم الإنترنت سنعود قليلًا إلى سؤال أساسي، ما هو الإنترنت أصلًا؟

 ما هو اﻹنترنت أصلًا؟

 للوهلة الأولى قد يبدو هذا السؤال سخيفًا، لكن في الحقيقة أن الفكرة الشائعة عن الإنترنت لا تختلف كثيرًا عن فكرة أحد والديك أو أقاربك الأكبر حين تسألهم عن الإنترنت ليجيبوك أنه فيسبوك أو جوجل أو خلافه من الخدمات الموجودة فيه. حتّى لو كانت إجابتك أنه الشبكة التي تتصل بها لتزور الموقع هذا أو ذاك أو أن تستخدم الخدمة هذه أو تلك فأنت لم تبتعد كثيرًا عن التصور القاصر هذا لحقيقة الإنترنت. ما وصفته أو بدر إلى ذهنك الآن في الحقيقة هو الشبكة العنكبوتية (WWW) وليس الإنترنت بالتحديد، هو فقط البروتوكول الأهم والأكثر حضورًا على الإنترنت في وقتنا الحالي لا أكثر ولا أقل، حتّى لو امتد فهمنا/تفسيرنا للإنترنت ليضم كل التقنيات التي بنيت عليه الآن (الشبكة العنكبوتية والإيميل والتورنت مثلًا) ستجد أن هذا التفسير الجامع للوظائف (أو النتائج بالتحديد) الحالية للإنترنت لا يزال قاصرًا على محتوياته من وظائف في وقتنا الحالي دون النظر إلى ظروف وحقيقة هذه التقنية فعلًا. يجعل هذا التفسيرات مفتقدة لما سمّاه هيدجر الإطلاق (releasement)، أو بمعنى آخر فإننا نخلط بين نتائجه ونظن أنها حقيقته بدلًا من أن نطلقها بعيدًا لنرى/نستوعب حقيقته، وهذا بالضبط ما يسمح بأخطائنا وأخطاء أقاربنا في تفسير معنى ووظيفة الإنترنت في حياتنا كما ذكرت. الاعتراف والوعي بهذا القصور أو كما أطلق عليه هيدجر «السمو» (Transcendentalism)، هو ما سمح بظهور محاولات في تطوير/تصحيح الإنترنت التي سنتحدث عنها في الجزء الثاني، ولكن قبل أن نخوض في هذا يجب أن نذكر الظروف والنوايا التي سمحت بوجود الإنترنت والشبكة العنكبوتية أولًا..

 كيف بدأ الإنترنت؟ (الدافع إلى بناء شبكة اتصالات لمواجهة الكوارث النووية)

أولًا ، يجب أن ننوه أن الدافع الأصلي والتاريخي لبناء الإنترنت يستحق تثبيته بدبوس ونحن نحاول قراءة/فهم طبيعة هذه التقنية. في أواخر الستينيات، كانت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (داربا) في وزارة الدفاع الأمريكية تحاول بناء شبكة اتصالات يمكنها البقاء والعمل حتّى بعد هجوم نووي. كانت الستينات وذروة الحرب الباردة، والنتيجة أن تمكن بول بارين، أحد العاملين على المشروع، من تطوير تقنية جديدة لنقل البيانات تسمى «تبديل الرزم» (Packet switching) غرضها الأول هو بناء شبكة غير مركزية (موزعة) بالطبع لأن الشبكة المركزية سيكون من السهل تدميرها عبر تدمير المركز فقط. بعدها في عام 1974، سيطور فينت سيرف وبوب خان بروتوكول اتصالات جديد يسمح بنقل البيانات بشكل أكثر كفاءة وأمانًا (TCP/IP). هذا البروتوكول لاحقًا أصبح الأرضية التقنية التي سمحت بوجود الإنترنت. وتبعًا لهذا البروتوكول، فلكل جهاز يتصل بالإنترنت رقم معرِّف/عنوان مميز له يسمح بالاتصال بين كل حواسيب هذه الشبكة. الخلاصة، الغرض الأصلي هو بناء شبكة اتصالات موزعة لامركزية. النتيجة: أجهزة وحواسيب متصلة بموفري خدمات (ISPs كشركة TeData/WE في مصر مثلًا) تدير الشبكات الأصغر (إقليميًا) ومتصلين بالشبكة الأم/الأكبر (الإنترنت) المكونة من موفري خدمة مماثلين في البلاد الأخرى.

سمحت هذه التقنية ببناء بعض البروتوكولات التي نستخدمها يوميًا على الإنترنت كالـHTTP والـBitTorrent والإيميل في الأصل، كانت هناك في البداية بروتوكولات وتقنيات بنيت فوق الإنترنت كـARPANET وUsenet قبل أن يجتاح كل هذا بروتوكول HTTP بالتحديد والذي نشأت به الشبكة العنكبوتية العالمية أو «الويب».

 كيف بدأت الشبكة العنكبوتية/الويب؟ (الدافع إلى مشاركة المعارف)

في الثمانينات، كان تيم بيرنرز-لي يعمل على تصميم قاعدة بيانات لتنظيم المعلومات لصالح المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن)، عمل بشكل متواتر على المشروع إلى أن استخدمت المنظمة بروتوكول الإنترنت الذي ذكرناه سابقًا (TCP/IP) والذي مكّن تيم من تنفيذ فكرته في بناء شبكة رابطة للمعلومات مستلهمًا الفكرة من الجهاز النظري المذكور في مقالة نشرها فالنيفار بوش عام 1945 (مهندس ومخترع أمريكي كانت وجهة نظره أن أنقى العوالم الجديرة بالفحص تقبع في العلوم الفيزيائية والطبية) واصفًا جهازًا يربط المعلومات بطريقة مشابهة لوظيفة الروابط (hyperlinks) التي بني عليها الويب الذي نستخدمه الآن، أو بالتحديد بروتوكول نقل النص التشعبي (HTTP). ومع بعض التطور، أصبح من المهم أن يكون لكل عنصر/مورد على هذه الشبكة عنوان موحّد/رقم معرّف لها (URI) وليس للأجهزة الحاوية لها فقط، وكان الويب. كانت الفكرة هي ربط كل عناصر المعلومات (البيانات) داخل هذه الشبكة بدقة تسمح ببناء المعرفة كما تخيلها فالنيفار في جهازه ميميكس (MEMEX)، جهاز يجمع الخبرات والمعارف البشرية ويربطها ببعضها تبعًا للعلاقات بينها، بالضبط كما تعمل الروابط في صفحات الويكيبيديا مثلًا؛ حين تضغط على كلمة في احدى الصفحات لتظهر لك صفحة بها معلومات أكثر عن اللفظ أو العنصر المراد (صورة، فيديو، مقطع صوت إلخ). الخلاصة، «الغرض الأساسي هو مشاركة المعلومات وتسهيل الوصول إليها -غرض معرفي بالأساس»، ولكن وسط هذا الازدحام في مساعي التطوير، قد تنتج بعض التطورات المعطوبة/المنقوصة. النتيجة: نموذج/بارادايم فوق الإنترنت سهّل استخدام العنوان (جعلها مقروءة للبشر كعناوين المواقع URLs أو بالتحديد أسامي النطاق النصية Domain names المتبعة لقواعد مؤسسة الإنترنت للأرقام والأسماء الممنوحة (ICANN) كعنوان facebook.com مثلًا  والذي أخفى كل ما حاول التقنين والمهندسين علاجه في العقود الماضية) ويسهل الوصول إلى مجموعة من الخدمات المركزية (فقط لأنها الأشهر مثل يوتيوب أو فيسبوك) وخلافه من المواقع التي قد تنجو على نطاق أضيق من سطوة احتكار الخدمات الأكبر، الوضع الحالي عامةً جعل الإنترنت والويب الذي يعيش فيه يعود مرة أخرى إلى النظام المركزي، وقد نجد تفسيرًا تقنيًا لأسباب حدوث ذلك في الآتي:

  •       نموذج/بارادايم الشبكة العنكبوتية الحالي #1: العميل/الخادم client/server

يمكننا شرح الأمر من اللحظة الحالية على افتراض أنك تقرأ هذه المقالة الآن على الإنترنت، من خلال متصفحك المفضل على كمبيوترك أو محمولك، أو لكي نكون أكثر دقة فلنتحدث عن اللقطة التي كان أولها أن ضغطت على رابط المقالة إلى لحظة اكتمال تحميل محتوياتها على شاشتك، تبدأ العملية بعنوان جديد يشير إلى المقالة على الويب (الشبكة العنكبوتية)، ستجده في شريط العنوان على متصفحك، مشيرًا إلى الموقع الأم (مدى مصر في هذه الحالة)،  وبعدها بعض التفريعات (المفصولة أيضًا في هذه الحالة بشرطة مائلة «/» إلى أن تصل لمعرّف صفحة المقالة، يطلق علىها URI وتستخدم لتحدد للمتصفح مكان المورد المطلوب -في هذه الحالة صفحة المقال)، هذا العنوان هو كل ماتحتاجه لتصل إلى هنا من خلال أي متصفح ويب، المتصفح هنا يقع مكانه في هذه العلاقة كـ«عميل»، يطلب الموارد (البيانات المكونة لهذه الصفحة) من خادم الموقع (أو أحد مراياه إن كنت في مصر وتقرأه في 2019)، الخادم/المصدر في هذه العلاقة هو مجرد كمبيوتر ذو إمكانيات أعلى حتى يقدر على تلبية طلبات كل زوار هذا الموقع، من البروتوكولات الأكثر شيوعًا واستخدامًا في هذا النموذج هو بروتوكول HTTP الذي تجده يسبق عناوين كل المواقع التي تزورها مثلًا.

  •       نموذج/بارادايم الشبكة العنكبوتية الحالي #2: السحابة the cloud

هذا النموذج هو تطور بديهي وحسابي/أداتي لطبيعة العلاقة السابق ذكرها، هو مجرد تطوير في بنية الخوادم/المصادر المستجيبة لطلبات الزوار. بمعنى: تغطية الخوادم/الموارد (التي بالضرورة يجب أن تزيد وتتمدد لتغطي زيادة الطلب/المستخدمين) تحت غلاف «افتراضي» جامع يشير إلى عنوان/معرِّف واحد. كان هذا نتيجة لظهور وزيادة الطلب على خدمات الويب في فترة التسعينات والتي تصاعدت بشكل متسارع اقتصاديًا كما الفقاعة إلى أن انفجرت مع بداية الألفية الثانية (يُطلق عليها تاريخيًا فقاعة شركات الدوت-كوم). عند هذه النقطة، يجب توضيح بعض المصطلحات هنا، المقصود بالموارد وقت الحديث عن الشبكات السحابية هنا يتحلل إلى مكوناته الأساسية منفصلة عن الحد الفيزيائي للتمثيل عن أنه خادم أو كمبيوتر فائق القدرة القديم (مساحات استضافة مقابل أقراص صلبة مثلًا، أو عدد من العمليات مقابل معالج مثلًا)، وستجد الموارد هنا انقسمت إلى مكوناته كقدراته الحسابية (المعالجات) ومساحات التخزين وخلافه من قدراته التقنية الأخرى في ربط الأجهزة بالشبكات (الواجهات الشبكية)، وبناءً على هذا، ستجد أن بياناتك التي وضعتها على هذه الخدمة «السحابة» وأن كانت تبدو لك أنها قادمة من مكان/خادم واحد إلا أنها في الواقع منقسمة على عدة خوادم (في الأرجح موزّعه على خوادم عدّة في مراكز بيانات Data Centers مختلفة إن لم تكن في مدن ودول مختلفة) في هذه السحابة ومُداره بنظام يسمح لك بالوصول إليها جميعًا حين تدخل على حسابك الشخصي على هذه الخدمة. على سبيل المثال صورك على موقع إنستاجرام أو ملفاتك على iCloud لو كنت مستخدمًا لأي من منتجات شركة Apple.

 تجلّت نتائج هذه التقنية بطبيعة حالها في ثنائية المنتِج (المطورين) والمستهلك (مستخدمي الإنترنت)، في مرحلة ما وبعد تفتيت الموارد بهذه الطريقة وجد ملّاك هذه الأنظمة ومراكز البيانات أن فائضًا من الموارد قد نتج وسمح لهم ذلك بالقدوم على تسييل الفائض والتربّح منه عبر «تأجيره» للمنتفعين سواء مطورين أو مستهلكين منتجًا أطوار جديدة من الخدمات على الويب. ويمكن تبعًا لهذه الثنائية تفصيل ما يحدث كالآتي:

  1.     الخدمات الموجّهة للمطورين [البنية التحتية كخدمة (IaaS) إلى المنصة كخدمة (PaaS)]: الحلول المقدمة في «البنية التحتية كخدمة» تستهدف بالتحديد المطورين على شبكة الويب عبر تقديم خدمات استضافة وخوادم «افتراضية» مع تغطية الجوانب الأشمل لتشغيلها وصيانتها والحفاظ على كفاءتها التنظيمية في تلبية طلبات جمهور المنتجات المبنية فوق هذه البنية التحتية «الافتراضية». توفر هذه الخدمة حلولًا أرخص وأنسب للمطورين مقابل التخلي عن الملكية الحقيقية لمنصاتهم (كملكية هذه الخوادم على أرض الواقع، هو فقط تأجير لبعض الموارد المسؤول عن إدارتها وصيانتها مُلّاك شبكة الخوادم الحقيقيين). أشهر الملاك الحقيقين في هذا السياق وفي وقتنا الحالي هم شركات كـ Amazon وGoogle وMicrosoft والتي قد تتعاقد فيما بينها أحيانا كما حدث في يونيو الفائت بين Oracle وMicrosoft.

يتشابه ما تقدمه «المنصة كخدمة» من الحلول مع ما سبق ذكره ولكن يزيد عليه تقديم حلول حسابية وبيئات تطوير (لغات برمجة وأنظمة تشغيل مثلًا)، يستهدف أيضًا المنتجين/المطورين ويقدم لهم حلول تعزز من عملية التطوير ومشاركته بين العاملين في شركات التطوير هذه، تتميز في تقديم هذه الحلول الشركات السابق ذكرها بالإضافة إلى شركات كـForce.com وRackspace.

  1.     الخدمات الموجهة للمستهلكين [(البرمجيات كخدمة (SaaS) إلى البيانات كخدمة (DaaS)]: وهو بالضبط ما يتعرض له مستخدم الإنترنت في عدة صور يوميًا سواء في خدمات الاحتفاظ بنسخ احتياطية من ملفاتهم أو الصور والتحديثات التي يكتبها الفرد مثلًا على أي شبكة من شبكات التواصل الاجتماعي أو يوتيوب وخدمات البث كـNetflix أوWatch iT المصرية إلى التطبيقات التحريرية كـOffice 365 مثلًا، ومؤخرًا حتّى الألعاب الآن بعد أن أعلنت Google عن منصة ألعاب افتراضية Google Stadia تنافس المنصات الحاضرة في السوق الآن (وي وبلايستيشن وأكس بوكس وخلافه)، كلّه تطوير وامتداد للفكرة الأساسية من تضمين والتركيز على إنتاجية المستهلكين في موجة/نسخة جديدة من الشبكة العنكبوتية والتي يطلق عليها مصطلح «Web 2.0».

نموذج التسييل (monetization) هنا هو أن تقدم ملكية إنتاجك (أي إنتاج حتى إذا كان بتفاهة تفضيل منتج عن آخر أو تحديث بنكتة رخيصة على السوشيال ميديا) وملفاتك مقابل مساحة تخزين وواجهة مناسبة للاستخدام وبالطبع هناك بعض الميزات الإضافية التي ستدفع مقابلها على أي حال بعد أن تبيع ممتلكاتك الجذرية (هويتك وبينان علاقاتك بالعالم سواء اجتماعية أو بالسوق ومنتجاته)، وهنا نجد تفسير لازدهار نوع جديد من التخصصات، بالتحديد الـData Science؛ قمة التخصصات التي تتصبب تفكير حسابي/عقلانية أداتية بكل احصائياتها وتحليلها للبيانات المتاحة بوفرة في هذا النظام الجديد، أو ما يُطلق عليه البيانات الضخمة (Big Data) في عصرنا الحالي.

  •   الخلاصة: يبيع المنتجين والمستخدمين على حد سواء هويّاتهم وملكياتهم وسردياتهم الشخصية/فرديتهم الأصيلة إلى ملّاك محدودين مقابل خدمات أرخص أو أكفأ. قمة التفكير الحسابي (ما يمكن حسابه كميًا كعدد المتابعين) والعقلانية الأدائية (رخص أو مجانية وكفاءة الخدمة) حين يصبح المقابل أن يتحول الفرد إلى أداة/مورد بنفسه وسط هذه المنظومة لتعزيز وتقديم أنفسهم للملّاك الأصليين عبر التخلي عن أرواحهم/أفكارهم وهوياتهم وكل ما يملكونه ليحولها الملّاك إلى مجرد رقم في إحصائية في مستندات تساعدهم على اتخاذ المزيد من القرارات الاقتصادية أو السياسية أو غيره من أساليب إدارة الجموع (انظر صناعة الـSocial-listening tools)، النتائج الأبسط والأوضح لنا تظهر بين كل حين وآخر في صور كفضائح المشاهير مثلًا (أيام الـFappening لو تتذكر) إلى محاكمة مارك زوكربرج والشكوك في علاقة البيانات التي تسربت من إمبراطوريته في تمكين دونالد ترامب خلال فترة الانتخابات الرئاسية الأمريكية مثلًا، هذا فضلًا عن المشكلة الأوضح والتي تنفي الهدف الأصلي لوجود الإنترنت في الأساس، وهي نقاط الضعف المصاحبة للأنظمة المركزية وتجعل احتمالية انهيارها أسهل كما حدث في يونيو ويوليو الفائتين مثلًا.

على أي حال، يجب ذكر هامش تأصّل في جذور الإنترنت منذ النشأة لنكمل الصورة.

 مركزية موفري خدمة الإنترنت ومنظمة آيكان ICANN

اكتملت الظروف التي قادت إلى فخ المركزية على اﻹنترنت (نظام مبني على التوزيع في الأساس) حين تم تفعيل الشبكة العنكبوتية حول العالم، كان الغرض تلبيةً الطبيعة الفطرية للبشر في تذكر الأسماء فضلًا عن الأرقام، بالتأكيد ستفضّل أن تكتب google.com بدلًا من أن تكتب 172.217.10.110 مثلًا. في عام 1983 حين ضجر بول موكابيتريس من كتابة هذه الأرقام كل مرة أراد فيها الوصول إلى أي مورد على الشبكة (ARPANET كانت حينها واحدة من أوائل الشبكات التي طبقت بروتوكول TCP/IP) وقدم أوراق/مواصفات لاستبدال الحاجة إلى كتابة الأرقام باستخدام «دليل» يطابق هذه العناوين الرقمية بأسماء يسهل كتابتها، وسرعان ما تبناها مستخدمو هذه الشبكات. هذا إلى أن انتشر الإنترنت بشكل يكفي للحاجة إلى وجود منظمة «حيادية» تتحمل مسؤولية إدارة هذا الدليل (فكّر فيها كدليل التليفون أو قائمة الأسماء على تليفونك المحمول ولكن للمتصفحات)، يستنسخ هذا الدليل على خوادم حول العالم تسمّى DNS Servers ودون الغوص مجددًا في التفاصيل التقنية نتج عن هذا نشأة منظمة ICANN عام 1998 لتكون مسؤولة عن إدارة هذا «الدليل»، تدير هذه المنظمة مجموعة محدودة من الخوادم [وفقًا لحدود النسخة الرابعة من بروتوكول IPv14]، بالتحديد 13 خادمًا أصل (Root Servers) مسؤولين عن تغذية وتحديث باقي الخوادم (DNS Servers) بنفس الدليل؛ عشرة من هذه الخوادم في أمريكا والثلاثة الباقين في ستوكهولم وأمستردام وطوكيو، هذه الخوادم الـ13 هي المسؤولة عن تنظيم العناوين التي تستخدمها يوميًا حين تزور أي موقع. يخلق هذا الاحتكار الجذري بعض النزاعات بين الدول بين الحين والآخر.

 غني عن الذكر هنا وبالإضافة إلى كل ما سبق أن تسليم المسؤولية في ربط وإدارة الشبكات الإقليمية إلى موفري خدمة الإنترنت سمح للأنظمة (في هذه الأقاليم) والملاك بالتلاعب بالسماح والحجب للمواقع/النطاقات كيفما شاءوا في غياب قوانين دولية تحرّم ذلك.

 عمومًا، هذا النظام في العنونة على أساس المكان هو بالضبط ما سمح باختفاء نصف المواقع على الإنترنت في أكتوبر 2016 في أحد الأيام، مجددًا خلل جذري في نظام العنونة أعاد كل شيء على الإنترنت إلى المركزية بكل عيوبها.

 هكذا تحول الإنترنت بالتدريج من نظام موزع إلى أنظمة مركزية

 دون الدخول في المزيد من التفاصيل التقنية التي لا تهم غير المختصّين، يسهل هنا الإشارة إلى ما أنتجته كل العلاقات السابق ذكرها من مركزية تتضخم في النسخة الحالية من الويب.

بمعنى، عديد من الزوار وخادم/خوادم/مركز بيانات/مالك (مصدر) واحد، –على سبيل المثال ولتدرك هول المركزية الناتجة: عدد زوار (عملاء) موقع فيسبوك مثلًا يقدّر بـ 1.52 بليون عميل/زائر يوميًا)، ولا حاجة لإدراج إحصائيات بعدد زوار المواقع/الخدمات المحتكرة للإنترنت الآن. المركزية في هذه الحالة تبلورت بشكل تلقائي وفقًا لقواعد واقتصاديات السوق الحرة وما قد تنتجه من احتكارات قلة (Oligopoly) أمثال Google وApple وFacebook وAmazon وMicrosoft وغيرهم من أباطرة الإنترنت/الويب الآن. ساعد في تضخم الأمر التفكير الحسابي لجمهور المستهلكين كما رأيت من التخلي التام عن الملكية والهوية مقابل بعض الميزات كتكلفة أقل أو تجربة ألطف، وعقلية أداتية كاملة من قبل المطورين في التخلي عن ملكية أدواتهم ومنتجاتهم بدورهم تفضيلًا  للأرباح والحسابات الاقتصادية في سبيل التساهل في خصوصية وهويات مستخدميهم وفي أخلاقيات إدارة هذا الفيض من البيانات.

 بالتأكيد كل هذا يدعو بعض المطورين إلى البحث عن مخرج.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن