أطفال وحوامل في مواجهة الحبس الاحتياطي

في ظل التوسع الملحوظ في تطبيق الحبس الاحتياطي  في القضايا السياسية لمدد قد تبلغ سنتين أو أكثر في بعض الأحيان، بالرغم أن أقصى مدة يقررها القانون للحبس الاحتياطي هي سنتان فقط، ولا يجوز تجاوز هذا الحد إلا في القضايا التي صدر فيها حكم من محكمة النقض بإلغاء الحكم الصادر من محكمة الجنايات، وإعادة المحاكمة مرة أخرى، شريطة أن يكون الحكم الذي تم إلغائه كان صادرًا بالإعدام أو السجن المؤبد، فهذه هي الحالة الوحيدة التي يجوز فيها قانونًا أن تزيد مدد الحبس الاحتياطي عن سنتين.

وقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي بعض الحملات التي تندد بتلك المدد الطويلة، وتصاعدت تلك الحملات عندما تلاحظ تطبيق الحبس الاحتياطي على زوجين لديهما أطفال، وعلى سيدات حوامل، حيث تتساءل كل هذه الحملات عن الضرر الذي يصيب الأطفال حال حرمانهم من والديهم، أو تأثير هذا الحبس على السيدة الحامل وجنينها، وموقف المشرع المصري من تلك الحالات، وهل هناك ضمانات تستلزم ضرورة مراعاة التوازن بين مصلحة التحقيق ومصلحة المتهم والطفل أو الجنين الذي سيتأثر حتمًا من هذا الحبس الاحتياطي لوالديه.

لماذا يرتدي المحبوس الاحتياطي الزي الأبيض؟

يرتدي السجين المحكوم عليه بأي عقوبة الزي الأزرق، إلا إذا كانت العقوبة المحكوم بها عليه هي الإعدام فيرتدي الزي الأحمر، أما المحبوس احتياطيًا فإنه يرتدي الزي الأبيض أو ملابسه الخاصة، للتعبير علي أنه غير مدان، ولم يثبت ارتكابه لأي فعل مخالف للقانون حتى لو كان المتهم مقيد الحرية، وذلك إعمالًا للقاعدة الدستورية بأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وفرضية البراءة يجب أن تلازمه خلال جميع مراحل التحقيق والمحاكمة وحتى صدور حكم نهائي بثبوت التهمة عليه وإدانته.

إجراء لازم للتحقيق أم عقوبة مستترة؟

الحبس الاحتياطي هو سلب حرية شخص موجه له اتهام بارتكاب جريمة فترة من الزمن بإيداعه أحد السجون أو مقار الاحتجاز القانونية لحين إتمام التحقيق الذي يجري معه، والحبس الاحتياطي على هذا النحو هو عقوبة تسلب حرية الشخص، وإذا كان الأصل أن العقوبات لا يجب أن تطبق على الأشخاص إلا بعد إخضاعهم لمحاكمة عادلة ومنصفة تضمن لهم فيها جميع حقوق الدفاع عن أنفسهم، وبعد صدور حكم بثبوت ارتكابهم لهذه الجريمة، وبتحديد العقوبة التي تطبق عليهم، إلا أنه استثناء من هذا الأصل أجاز المشرع للمحقق -بصفة احتياطية- أن يحبس المتهم عند بدء التحقيق معه أو أثناء سريانه، فالحبس الاحتياطي هنا يكون مجرد إجراء من إجراءات التحقيق يتعارض مع الفرضية الدستورية ببراءة المتهم، لذلك فهو إجراء بالغ الخطورة، وخاصة إن كان هناك إساءة في استخدامه تحيله في الواقع إلى عقوبة تطبق على الأشخاص دون محاكمة.

لذلك يذهب الفقيه الدستوري الدكتور أحمد فتحي سرور أن الحبس الاحتياطي «إجراء بالغ المساس بالحرية الشخصية، وقد كان له ماضٍ ملوث شهد إساءة استخدامه في كثير من الدول، خاصة في النظم التسلطية التي تتفوق فيها حقوق السلطة على حقوق الفرد، فبمقتضى هذا الإجراء يُودع المتهم في السجن خلال فترة التحقيق كلها أو بعضها، ويتعرض لانتهاك كرامته الإنسانية التي كان يتمتع بها إبان كان طليق السراح، وهو ما يحتم التدقيق في مراعاة درجة التناسب بين آلام الحبس الاحتياطي ومصلحة المجتمع».

وللوقاية من الآثار الضارة التي قد يرتبها الحبس الاحتياطي على حياة المتهم وأسرته، وعلى سمعته واعتباره فقد نص قانون الإجراءات الجنائية في المادة 201 على بدائل للحبس الاحتياطي شأن إلزم المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه، أو إلزامه بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة، أو حظر ارتياد المتهم أماكن محددة، فإن خالف هذه الالتزامات جاز حبسه احتياطيًا.

فإذا كان هناك شبهات حول اتهام مواطن/ة بارتكاب جريمة ما، فطالما أن سلطة التحقيق ما زالت في مرحلة التحقيق الابتدائي ولم تقرر إحالة المتهم/ة للمحاكمة، فإن ذلك يعني أنه حتى الآن لم تتوافر لدى سلطة التحقيق أدلة أو دلائل ترجح ارتكابه/ا لهذا الفعل، لأنه لو تحقق هذا الرجحان لأضحى واجبًا عليها إحالته للمحاكمة،  ولذلك فإن مرحلة التحقيق الابتدائي تنطوي على احتمالين:

الأول: إما إحالة المتهم للمحاكمة حال توافر أدلة لدى النيابة ترجح ارتكابه للفعل المجرم المنسوب إليه، أو الثاني: عدم إحالة المتهم للمحاكمة، لعدم توافر الأدلة لدى النيابة بترجيح ارتكابه للفعل المجرم المنسوب إليه، أو لتيقن النيابة من أنه لم يرتكب هذا الفعل، أو كان في حالة من حالات الإباحة التي تجيز له ارتكابه، أو لأي سبب آخر.

ومن ثم يجب التعامل مع الحبس الاحتياطي الذي قرره المشرع باعتباره استثناء وإجراء ضروري من إجراءات التحقيق، ويجب ألا يتحول إلى عقوبة مستترة تزيد من آلام المتهم وتقيد حريته دون سند كافٍ من الواقع أو القانون أو تجاهلًا للتوازن المفترض بين مصلحة التحقيق ومصلحة المتهم.

المصلحة الفُضلى للطفل أم الحبس الاحتياطي للوالدين؟

إن قرار سلطة التحقيق الذي قد يصدر بحبس زوجين احتياطيًا على ذمة تحقيقات القضايا سينعكس سلبًا على حياة أطفالهم، فسوف يتم فصلهم عن والديهم تنفيذًا لقرار سلطة التحقيق بحبس الزوجين في أحد السجون أو مقار الاحتجاز، رغم كل ما تملكه النيابة من صلاحيات وسلطات تمكنها من تحقيق التوازن بين مصلحة الطفل ومصلحة التحقيق الابتدائي وضمانات وحقوق المتهمين.

إن مبدأ المصلحة الفُضلى للطفل هو مبدأ مستمدّ من المادة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والموقع والمصدق عليها من جمهورية مصر العربية، والتي تعد جزءًا من التشريع المصري والتي تُلزم في جميع الإجراءات المتعلقة بالأطفال في مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة والخاصة أو المحاكم القانونية أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية، أن يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفُضلى «يجب تقدير وموازنة» جميع العناصر اللازمة لاتخاذ قرار في موقف محدد بخصوص طفل معين أو مجموعة من الأطفال.

 لذلك يمكن القول أن المصلحة الفُضلى على هذا النحو تعني جعل مصلحة الطفل ذات أولوية وأفضلية في جميع الظروف، ومهما كانت مصالح الأطراف الأخرى.

وإرساء هذا المبدأ في اتفاقية دولية ملزمة يقتضي التطبيق الكامل لجوهر هذا المبدأ حتى يتحول من شعار إلى نهج قائم على الحقوق يتم احترامه وإنفاذه في الواقع بما يضمن إعلاء المصلحة الفُضلى للطفل وتعزيز كرامته الإنسانية وعدم تعريضه للخطر أو الإهمال، ولن يتحقق ذلك إلا باحترام جميع السلطات داخل الدولة لهذا المبدأ، والحرص على تفعيله وتطبيقه دون إفراغه من جوهره أو مضمونه.

وكلما كانت هناك حاجة لاتخاذ قرار ما، وهذا القرار قد يكون له تأثير على مصالح وحياة ومستقبل طفل أو مجموعة أطفال، فيجب أن تشتمل عملية اتخاذ القرار على تقييمًا للتأثير المحتمل (إيجابًا وسلبًا) الذي قد يترتب نتيجة هذا القرار على الطفل بما يحقق ويضمن ويراعي نماءه، وتؤكد لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة أن تفسير النماء يجب أن ينطلق من مفهوم شامل يجمع بين نمو الطفل الجسدي والعقلي والروحي والأخلاقي والنفسي والاجتماعي.، كما تؤكد لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة في تعليقها العام رقم 14 المتعلق بحق الطفل في إيلاء الاعتبار  لمصالحه الفُضلى، والصادر في مايو 2013، على أن الفقرة 1 من المادة 3 تفرض التزامًا جوهريًا على الدول (التنفيذ الذاتي) وتنطبق مباشرة، ويمكن الاحتجاج بها أمام المحاكم.

إذا كان هذا هو ما ذهبت إليه الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، فإنه فضلًا عن التزام مصر بكل ما ورد بهذه الاتفاقية من نصوص، فإن قانون الطفل المصري الذي أكد على حق الطفل في الحياة والبقاء والنمو في كنف أسرة متماسكة ومتضامنة، وفي التمتع بمختلف التدابير الوقائية، وحمايته من جميع أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو المعنوية أو الجنسية أو الإهمال أو التقصير أو غير ذلك من أشكال إساءة المعاملة والاستغلال، كما يعد الطفل معرضاً للخطروفقًا للقانون- إذا وجد في حالة تهدد سلامة التنشئة الواجب توافرها له، أو إذا تعرض أمنه أو أخلاقه أو صحته أو حياته للخطر، أو إذا حُرم الطفل، بغير مسوغ، من حقه و لو بصفة جزئية في حضانة أو  رؤية أحد والديه أو من له الحق في ذلك.

المشرع الجنائي ومصلحة الطفل والجنين والأم

اتجهت إرادة المشرع المصري في قانون الإجراءات الجنائية صراحة إلى حماية حقوق الطفل حتى في حالة ثبوت ارتكاب الزوجين لجريمة وصدور حكم ضدهما، فقد أجازت المادة 488 في حالة ارتكاب زوجين لجريمة أو جرائم مختلفة، وصدور حكم ضدهما، أن يتم تأجيل تنفيذ الحكم على أحدهما حتى يُفرج عن الآخر، ووضع شروط لتلك الإجازة:

(1) أن يكون لديهما صغيرًا لم يتجاوز خمس عشرة سنة كاملة.

(2) أن يكونا القائمين على كفالة الصغير.

(4) ألا تزيد مدة الحبس المحكوم بها عليهما عن سنة.

(5) ألا يكونا مسجونين من قبل.

(6) أن يكون لهما محل إقامة بمصر.

فإذا كان المشرع المصري قد وضع هذه المادة خصيصًا من أجل حماية حقوق الصغير حتى في حالة ارتكاب والديه جريمة، وثبوت هذه الجريمة عليهما، وصدور حكم ضدهما واجب النفاذ، فأتاح تأجيل تنفيذ الحكم على أحدهما حتى يُفرج عن الآخر ليجد الطفل من يرعاه ويحافظ عليه.

ونفس القاعدة تبناها المشرع الجنائي المصري في المادة 485 إجراءات، أجاز تأجيل تنفيذ العقوبة المقيدة للحرية والمقضي بها على السيدة الحامل إذا كان الحمل في الشهر السادس، وذلك حتى تضع حملها وتمضي مدة شهرين على وضع حملها.

 وهذه المواد توضح القاعدة التي اتجهت إليها إرادة المشرع بحماية الطفل والجنين والسيدة الحامل، حتى في حالة صدور الحكم بثبوت ارتكاب الفعل المجرم والقضاء بالعقوبة يجعلنا نتمسك بتطبيق ذات القاعدة على الحبس الاحتياطي، حتى لو لم يضع المشرع نص خاص بعدم جواز حبس زوجين يكفلان صغير أو سيدة حامل حبسًا احتياطيًا  لعدة أسباب:

 السبب الأول: أن المشرع لم يكن في حاجة لوضع هذا النص بعد أن عبر بكل وضوح في المادتين 485، 488 إجراءات عن إرادته في حماية الطفل، حتى لو صدر حكم ضد والديه، أو الأم الحامل على النحو السالف بيانه.

السبب الثاني: أن الحبس الاحتياطي إجراء استثنائي لا يجوز أصلًا التوسع في استخدامه لتعارضه مع فرضية البراءة، ويجب أن تكون هناك ضرورة ملجئة له، ومن ثم فإن عدم جواز حبس زوجين يكفلان صغير هو أمر بديهي ومنطقي ولا يحتاج إلى نص خاص بعد أن عبر المشرع عن إرادته في المادتين 485، 488 إجراءات.

السبب الثالث: أن المشرع منح سلطة التحقيق بدائل للحبس الاحتياطي في المادة 201 إجراءات تتيح لها تحقيق التوازن بين مصلحة التحقيق ومصلحة المتهم ومصلحة الطفل الفُضلى والسيدة الحامل، وعدم إعمال هذا التوازن وتحقيق المصلحة الفُضلى للطفل يحيل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة تنال من حقوق وحريات الأفراد.

هل يقف الأطفال والنساء الحوامل وحدهم؟

إن الجهات الأجدر بمطالبة كل سلطات الدولة بمراعاة المصلحة الفُضلى للطفل، أو السيدات الحوامل، وعلى حث الكافة لتحقيق التوازن بين مصالح المتهمين ومصالح التحقيق ومصالح الأطفال هي المجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس القومي للمرأة، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، ليس دفاعًا عن المحبوسين احتياطيًا، لكن دفاعًا عن مجتمع هو في أشد الحاجة لاهتمام تلك المجالس بالأعمال التي أُنشئت من أجلها، و بالرسالة الواجب عليهم حملها وحمايتها، وألا تصبح مصالح الأطفال والسيدات الحوامل في دائرة النسيان والتجاهل جراء اتهامات لم تثبت بعد.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن