تحت الوسادة صليب.. أنا والنوم
 
 
لوحة Flaming June للفنان فريدريك لايتن عام 1895، وهي مستلهمة من تمثال الليل للفنان مايكل أنجلو
 

«تحت الوسادة حرز. تحت الوسادة حجر. تحت الوسادة صورة. تحت الوسادة كتاب. أدعية وأذكار. أسلحة وسكاكين. ليس هناك ما هو أقرب للمرء مما يضعه تحت وسادته. كذلك يضع النائم تحت وسادته ما يظن أنه سيحميه في رحلته ويقوده إلى بر الأمان» يقول هيثم الورداني في كتابه «كتاب النوم».

منذ طفولتي وحتى سنوات قليلة مضت كنتُ أضع صليبًا خشبيًا صغيرًا وصورة للعذراء مريم وإيشارب أبيض أغُطي به شعري أثناء تأدية صلاة قبل النوم. صورة العذراء لتحفظ أفكاري من النجاسة، والصليب سلاحي لمواجهة كوابيس أرى فيها الشياطين والتنانين. الحصانة الدينية التي لم تفلح في الإبقاء على أفكاري طاهرة على الدوام أو خلو منامي من وحوش تهاجمني فسرها لي أب اعترافي أنها ظهورات لاختبار قوة إيماني، ولكن يبدو أن إيماني لم يكن كافيًا لهزيمة تلك الوحوش. 

لكن في الوقت نفسه الذي أتسلح فيه ضد مجهول النوم، كان النوم في حد ذاته سلاحي لمواجهة مخاوف الحياة؛ ألعب مع آلامي لعبة الغميضة، وكأن التغاضي عنها يخفيها. 

فعوضًا عن مواجهة مخاوفي أغمض عيني عنها؛ عدم ثقتي في نفسي، وثقل مراهقتي التي سادتها أسئلة كثيرة ولم تجب كتب قرأتها من مكتبة والدي عليه، مشاجرات أبي وأمي، وكراهيتي للدراسة والمدرسة بشكل عام، وحتى مخاوفي المتعلقة بأسئلة عميقة مثل «لماذا نموت.. وأين نذهب بعد الموت؟»، وثقل الحياة في مدينة ليست بكبيرة أو صغيرة ولكنها كافية لتشعرك بالاغتراب.

في مسرحيته «ماكبث» يقول ويليام شكسبير: إن النوم هو العنصر المغذي الأكبر في مدينة الحياة، ومن هذه المقولة انطلق الدكتور ماثيو ووكر أستاذ علوم الأعصاب والفسيولوجيا في جامعة بيركلي ومدير «مركز علوم النوم البشري» في كتابه «لماذا ننام؟»، قائلًا: إن شكسبير صدق في كلامه، لأن الأبحاث أثبتت قدرة النوم على تخفيف شعورنا بالحزن أو الوهن. كما أن النوم أحد أهم العلاجات للجروح العاطفية، بالإضافة إلى مساهمته في تسريع عملية الشفاء في حالات مثل أدوار البرد لأن النوم يعزز من عمل جهاز المناعة على مقاومة المرض.

كتاب «لماذا ننام؟» الصادر عن دار التنوير في مارس 2019،  لفت نظري عندما رأيت صورة لغلافه على حساب مكتبة «تنمية» في موقع انستجرام، وشجعني أكثر للحصول عليه أن الترجمة للمترجم السوري الحارث النبهان، ولم أكن أعلم أني سأقع أسيرة الكتاب من الصفحة الأولى حتى إنه تسبب في تسرب النوم من جفوني وإيقاظ فضولي بألا أغلق الكتاب قبل إنهاء الفصل الذي اقرأه، وبدأت في تدوين الفقرات التي يهمني الاحتفاظ بها بالقرب مني، بالإضافة إلى تدوين خواطر أيقظها الكتاب بداخل عقلي والتي أثمرت بكتابة هذا المقال.

من كتاب ووكر عرفتُ أن النوم لأقصى فوائده، في كونه يساعد الإنسان على الوصول لحلول لم يكن ليدركها طوال فترة استيقاظه، وبقسط وافر من النوم الجيد يمكن لعقل الإنسان أن يصل لتلك الحلول، ولربما كان هذا أحد أهم الأسباب لأحب النوم، فكثيرًا كنت أنتبه للإجابات -التي كانت طوال الوقت أمام عيني- ولكن بعد ليلة من النوم الجيد، هذا في حال استطعت النوم وأنا مشغولة البال.

في كتابه «كتاب النوم» والصادر عن دار الكرمة في 2017، يؤكد هيثم الورداني بشكل آخر على أن النوم هو كبسولة الأمل، لتطيب خاطر ذواتنا المجروحة، ربما من فشل غير متوقع أو مقصود، وإنعاش الأمل الذي يولد من رحم الليل ويقول:

«لقد بذلنا قصارى جهدنا لكن أفعالنا لم يُكتب لها الاكتمال، وها هو اليوم ينقضي سريعًا. نودع العالم ونضع رؤوسنا على الوسائد، ولكننا لا نودعه ونحن حزانى وإنما ونحن مفعمون بالأمل. فهناك في قلب الظلام، سرعان ما سنلتقي أملًا  ينمو بهدوء، أملًا يقوى عوده كلما أوغلنا في الليل، أملًا في الاستيقاظ، أملًا في أن ينجلي الظلام، أملًا في الغد، أملا في بداية جديدة، أملًا في أننا عندما سنفتح أعيننا غدًا سيكون كل شيء على ما يرام.. فكل نوم هو ممارسة حقيقية للأمل.. لكن إلى ماذا يستند هذا الأمل؟ الأرجح أنه يستند إلى ثقة لا نهائية في المجهول».

كلام هيثم وووكر عن الأمل مشجع على الاستمرار في التسلح بالنوم، وكل وقت فراغ لدي يخلو من ممارسة أي نشاط، بالنسبة لي فرصة سانحة للهرب بالنوم إلى عالم الأحلام، ولكني كبرت بما فيه الكفاية لأدرك أن النوم لن يحضر لي الأمل، ولن يحقق لي المثل القائل «تبات نار تصبح رماد» ولكنه على الأقل يوفر لي هدنة أو تأجيل للمواجهة.

بروطة

لم يكن حبي للنوم وليد مرحلة ما في حياتي، وإنما سلوك وُلدت  به حيث اعتادت أمي مدح طباع سنوات حياتي الأولى الهادئة المختلفة عن أشقائي وربما عن كثير ممن هم في مثل عمري. أنام ساعات طويلة متواصلة دون أن يتخللها صراخ وبكاء طلبًا للطعام. وفي كل مرة تحكي أمي القصة ذاتها تمصمص شفتيها وتقول:

«لو ماكنتش أصحيكي بنفسي عشان تاخدي اللبن.. يمكن كنتي تموتي وإنتي نايمة يا بروطة». ومن هنا حصلت على لقبي المميز «بروطة».

كوني بروطة عاشقة للنوم، لم يمنع من تعرضي لانتكاسة فيما يخص قدرتي على الانزلاق في النوم بسهولة وبسرعة، وذلك في مرحلة الدراسة الإعدادية، أي كنت أبلغ من العمر 12 عامًا، وذلك عندما أصررت على أن أتلقى من والدي إجابات فيما يخص أين نذهب عندما نموت، بعد أن انتابتني حالات من البكاء قبل النوم فشلت فيها الصلوات وأدعية القس وشموع القديسين في علاجها.

كانت القصة عن الفردوس السماوي السرمدي المختصرة في التسبيح في حضرة الله وفقًا للديانة المسيحية غير جذابة بالنسبة لي، بل كانت مثيرة للحزن والملل، فعلاقات البشر بعضهم ببعض ستتغير. لن يكون أبي وأمي والديَ ولن أكون ابنتهم. كلنا أجساد نورانية هدفنا رؤية المسيح. 

كنت أبكي وأخبر أبي أني أريد التعرف عليهم هم وأشقائي في الجنة. ومهما حاول أبي تهدئتي إلا أنه يفشل، ويخبرني أني مصابة بخلل ما في عقلي لأني أصغر من أن أنشغل بهذه الأمور. أدخل الفراش وأنا في حالة هلع وأخشى أن أغمض عيني، ويغشيني النوم، وأموت أو يموت أحد من أحبائي، ونتحول لأغراب في حضرة الله.

وإن نجوت من التفكير في جنة الله الحزينة، أفكر إني خاطئة بما يكفي ليكون مصيري جهنم حيث البكاء وصرير الأسنان، حيث النار والتنانين والشياطين كما يقول الإنجيل، وهي صورة مخيفة جدًا للأبدية، يلازمني البكاء ويخبرني أبي أن النار للناس الأشرار وغير المسيحيين، وأنا مسيحية وجيدة بما يكفي للجنة. يطلب مني أن أرشم الصليب لمحاربة تلك الأفكار، ولكن مهما رشمت الصليب، وفكرت في الله؛ لا تهرب تلك الأفكار. وحده التفكير في أشياء مبهجة من عينة العيد وملابسه الجديد وذكريات المصيف وغيرها من الأمور الأرضية قادرة على دحض مخاوفي وجذبي للنوم.

في حضرة الموتى

لم يكن من السهل تخديري لإجراء عملية تحتاج التخدير الكلي، حيث طلبت من طبيب التخدير أن يتحدث معي قبل أن يخدرني وإلا قاضيته بعد الإفاقة، فسألني عن وظيفتي فأخبرته إني صحفية، ضحك وقال إنه خمن هكذا.

سألته أين سأذهب عندما يسري المخدر في جسدي، فسألني أين أذهب عندما أنام؟ أخبرته إني لا أعرف، فقال لي التخدير مثل النوم، فسألته بفزع «في النوم يمكن الاستيقاظ من كابوس حتى إن كان صعب قليلاً، ولكن كيف سأستيقظ من التخدير». كانت هذه آخر جملة لي، ولا أتذكر بعدها إلا إني في غرفة الإفاقة، والعملية قد أجريت.

يقتبس هيثم الورداني في «كتاب النوم» من كتاب «السقوط في النوم» لموريس بلانشو مقولته: «فقط النائمون بإمكانهم أن يكونوا في حضرة الموتى.. يمكن لموتانا أن يظهروا، بعد أن أصبح يجمعنا بهم غياب مشترك». 

في حالة التخدير كنت غائبة عن الوعي بقدر أكثر مما يفعله بي النوم العميق، ولكني لم أنزل للدرك السفلي ولم أر الموتى. لم أحلم. لم أر كوابيس. لم أذهب إلى أي مكان. كانت رحلة معتمة لا أذكر منها شيء. لم يعلق في نفسي أي شيء منها، وكأن ما حدث لي في ساعتين، زمن المخدر، هو التلاشي.

في الزحليقة

سافرت للولايات المتحدة منذ عام، ونصحني أصدقائي أن أصطحب عددًا من الكتب المختلفة لتجاوز ساعات الطيران الطويلة، أخبرتهم أن لدي القدرة على النوم في المواصلات العامة كطفل رضيع، فما إن تتحرك السيارة أو القطار أو حتى الأوتوبيس، حتى يغلبني النوم فورًا. ولكنهم شددوا على استحالة أن أنام ما يقرب من 15 ساعة متواصلة، ساورني الشك أنا أيضًا، أخذت معي كتاب «تاريخ الجنون» لميشيل فوكو على أمل استغلال الوقت في إنهائه، ولكني نمت.

كانت مقاومة النوم في رحلتي القصيرة من مصر لتركيا صعبة، نمت فورًا. استيقظت في مطار تركيا وأخبرت نفسي أن الرحلة الأطول من تركيا لكاليفورنيا هي التحدي الحقيقي.

دوما أطلب كرسي بجوار النافذة ليس لمتعة المشاهدة ولكن حتى يمكنني إسناد رأسي، وتجنب سقوطها على كتف الراكب بجواري، وهو ما حدث في المرات التي لم أكن فيها بجوار الشباك، ولكني الآن أحمل الرقبة المبطنة المخصصة للنوم، هذا الاختراع المذهل، ولكني أفضل أيضا إلقاء رأسي على الشباك. 

دخلت الطائرة الضخمة، وجلست على كرسي بجوار النافذة، وربطت الحزام وأخرجت الكتاب، ووضعته على فخذي لحين تحليق الطائرة على أن أبدأ في قرائته. لم أشعر بنفسي إلا ويد الراكبة بجواري تُوقظني لتناول وجبتي الأولى، وكان تاريخ الجنون مُلقى بجوار قدمي، انحنيت وأحضرته ووضعته بجواري لحين أن أنتهي من طعامي.

انتهت رحلتي من تركيا للولايات المتحدة ولم أقرأ صفحة واحدة، ولا أتذكر سوى أني فتحت نافذة الشباك في المرات القليلة التي كنت أقلق فيها من نومي بسبب الآلم في رقبتي، وكلما فتحت الشباك كانت الشمس موجودة ولا تغيب. ولم تختلف رحلة العودة عن شقيقتها.

النجاح في النوم 15 ساعة متواصلة لم يكن نجاحي الفريد الوحيد في هذا المجال، بل أن نومي يتجاوز الطيران والمواصلات العامة. في طفولتي لم تكن أمي تسمح لي أنا وأشقائي باللعب مع الآخرين خلال زيارتنا العائلية وتشدد على عدم التحرك من جوارها، فكان الملل يتسرب لي، ألقى رأسي للخلف أو على كتفي وأنام.

نومي الوافر في أي مكان والمواصلات العامة جعلني أضحوكة الجميع ولا يزال بعضهم يتذكر لي مواقف محرجة وخطيرة أحيانا كفقداني المحطة بسبب نعاسي. ولكنه يسبب لي حسد الآخرين أيضًا من أصدقائي الذين يعانون من صعوبات مختلفة في النوم مثل الانزلاق في النوم أو الاستمرار في النوم فترات طويلة متصلة، أو الشعور بالوهن رغم نومهم عدد ساعات طويلة.

في الليالي التي تقضيها شقيقتي برفقتي أو في منزل الأسرة، تنام هي عدد ساعات أطول منا جميعًا، ونتهكم نحن عليها عندما تشكو من أنها لم تنم وقتًا كافيًا. ولكن لنومها ميزة أخرى وهو استحالة تشويشه أو قطع بثه من قبل أي ضوضاء أو مؤثرات خارجية أو حتى داخلية. تستيقظ شقيقتي عندما نصرخ في أذنها، ويبدو عليها الفزع وكأنها كانت في غيبوبة. وبالرغم من كل هذا تُقسم شقيقتي طوال الوقت بأنها تعاني من الأرق أو صعوبة في النوم.

لوحة “الجمال النائم” لجون ويليام ووتر هاوس

حالة أختي وغيرها من الناس تدخل ضمن اضطرابات النوم التي يصفها ماثيو ووكر في كتابه، ولكنه يرفض تسميتها بالأرق، موضحًا أن الأرق هو عدم النوم إطلاقًا لأيام عديدة، وليس جودة النوم، ويجد أن الناس تستخدم كلمة الأرق دون معرفة حقيقية بمعناها، لأن النوم ساعات طويلة أو عدد أقل والاستيقاظ بدون الشعور بالراحة هو اضطراب في جودة النوم يحدث لأسباب كثيرة منها الجسدية والنفسية، ويرفض استخدام العقاقير المنومة لأنها على المدى الطويل تُصيب نظام النوم البيولوجي بخلل يصعب إصلاحه. وينصح باستخدام وسائل أخرى مرتبطة أكثر بممارسات تشبه التعلم السلوكي، بوضع نظام روتيني للساعات الأخيرة ما قبل النوم لتهيئة الجسد والمخ للنوم، ويوفر الكتاب عدة نصائح في هذا الصدد.

الآن أشفق على شقيقتي، وتفهمت حالتها، ولكني صححت لها اعتقادها الخاطئ بأنها لا تنام، ليكون أنها تنام وتنام فترة طويلة ولكنه ليس بنوم جيد ومريح. 

عدم وجود مشكلات في النوم لدي، جعلتني أشعر إني وغيري ممن يحظون بهذه الميزة، لا بد وأن يكونوا شاكرين، ولكني لم أكن شاكرة فقط، بل يظل يشغلني لماذا أنا، أعلم أني مصابة بدوار البحر، ولكن لا يمكن أن يكون وحده السبب، لأني في أحيان كثيرة لا أشعر بالدوار ولكن يغلبني النوم، ووجدت تفسير ما لاستخدامي النوم بهذا الشكل في «كتاب النوم» حيث يقول هيثم الورداني: «النوم في المواصلات، أو الميادين العامة، في قاعات الدرس، أو أثناء العمل، هو رفض مضاعف للفعل الاجتماعي، إذ إنه لا يحدث في غرف النوم الخاصة، وإنما في قلب أماكن الاحتكاك الاجتماعي التقليدية. النائم في العمل يمتنع عن العمل، النائم في المواصلات يكف عن مشاهدة إعلانات الطريق».

بشكل عام يمكن تصنيفي بأني شخصية اجتماعية، ولكني غير صبورة وسريعة الملل إن لم تكن الرفقة محببة أو عندما أشعر بالغضب، فربما كان نومي في طفولتي في زيارتنا العائلية إعلانًا لرفض سيطرة أمي علينا ومنعنا من اللعب مثل أقراننا، أو نومي في المواصلات المستمر حتى الآن هروب من الانتظار، أو لضيقي من مشاهدة أشياء قبيحة طوال الطريق لا أرغب في أن تدخل حيز تفكيري وتضايقني.

إلا أن ووكر في كتابه «لماذا ننام» يعطيني تفسيرًا علميًا أكثر، يقول إن أجسادنا تحتاج لعدد ساعات من النوم لا يقل عن ثمان ساعات حتى يشعر بالقدرة الكافية على قضاء يوم عمل دون الشعور بالرغبة في النوم، ولا يمكن تعويض الحرمان اليومي من النوم بزيادة عدد ساعات النوم في أيام الإجازة، لأن الحرمان من النوم فعل تراكمي، فربما كان جسدي يعاني من حالة جوع تراكمية وأنا لا أعلم.

تعسيلة

كانت أمي مُعلمة قبل تقاعدها منذ سنوات قليلة على درجة ناظرة مدرسة، في فترة الدراسة تستيقظ وتدخل غرفتنا لتطلب منا أن نستيقظ نحن أيضًا، نجاوبها بهمهمات ونعاود نومنا مرة أخرى. بعد دقائق تدخل بعصبية مرة أخرى تفتح الشباك ويدخل نور الشمس وتسحب الغطاء من فوقنا ولا يمنعها البرد في فصل الشتاء من كشف أجسادنا، نقفز سريعًا تجنبًا لرد فعلها اللاحق، وفي الصيف لا تقل صرامتها في الاستيقاظ باكرًا، ولكننا نقضي باقي اليوم في انتظار ساعة النوم التي نحصل عليها ظهرًا بعد وجبة الغذاء.

كانت أمي تصر في فصل الصيف على نوم تلك الساعة عقب الغداء، وعلى حد كلام ووكر فإن الأمهات تعلم أحيانا ما لا يعلمه البعض، تلك الراحة المعروفة بـ «القيلولة» والتي تتراوح ما بين 30 دقيقة وساعة لها تاريخ في مسيرة تطور البشرية. 

وفقًا للأبحاث والدراسات فإن نوم الإنسان فيما مضى كان مقسم على مرحلتين وهما نوم قصير في الظهيرة ونوم طويل في الليل، وهو ما كشفته دراسات أنثربولوجية، بل أن شعب اليونان لا يزال يحتفظ حتى الآن باتباع هذا النظام، وتغلق الكثير من المحلات من الساعة الثانية ظهرًا حتى الخامسة مساءً.

يقول ووكر «إن ممارسة النوم على مرحلتين ليس ثقافي المنشأ»، ويوضح أن البشر جميعًا بصرف النظر عن الثقافة أو الموقع الجغرافي تصيبهم حالة من الوهن ونقص الانتباه في منتصف فترة ما بعد الظهر خاصة ما بعد تناول وجبة الغداء أو الفطار المتأخر كما تسميه بعض المجتمعات، الوهن الجسدي في هذه الفترة أمر مرتبط بتركيبتنا الجينية، إلا أن المجتمع الحديث هو ما أبعدنا عن نموذج تفرضه الطبيعة علينا.

ولعل كتاب ماثيو ووكر، قد قلل من غموض بعض الأفعال المصاحبة للنوم لدي، فعلى سبيل المثال فضولي تجاه كم يبلغ طول الحلم الواحد، خاصة بعد النوم في المواصلات العامة أو الزيارات العائلية استيقظ وأنظر للساعة تُصيبني الدهشة بأني لم أنم إلا دقائق قليلة، ولكني حلمت بالساعات.

استيقظ في العادة بتفاصيل شبه كاملة للأحلام التي رأيتها، وفي تلك المرات التي لا أستطيع الإمساك فيها بذكرى واحدة من الحلم أشعر بالغضب، ولكن هيثم يقول «الحلم لا يكتمل سوى بالانتباه إليه لاحقًا ولو بالتفاتة صغيرة، بعدها يذوب في الواقع» ربما لم أكن منتبه بما فيه الكفاية. 

ولكن ووكر فسر لي ما أشعر به من طول مدة الحلم بأنه تشوه زمني يُعرف بـ «التمدد الزمني»، يحدث للزمن الحقيقي عندما ننام، ونفقد نحن بسببه إدراكنا السليم بالوقت ونشعر أن الحلم استغرق ساعة أو أكثر رغم أنه لم يتجاوز دقائق من الزمن الفعلي. 

يلا نوم 

خلال نومي في ليالي الشتاء أكشف قدم واحدة في الليل من تحت الأغطية، ثم أعاود تغطيتها مرة أخرى بعد أن تكون قد بردت قليلًا، أتعجب من تلك القدم المنفلتة عن باقي أعضائي، حتى أخبرني ووكر أن غالبية البشر يفعلون الحركة ذاتها، وذلك لأن أحد حيل الجسد لتهيئة الإنسان من أجل دخول النوم هي خفض درجة حرارة الجسم ما يقرب من درجتين لأن النوم يأتي بينما الجسد أبرد، وتتم عملية التبريد من خلال الجلد الذي يسحب الحرارة، وتكون أطراف الجسد الأكثر فاعلية في تخفيض حرارة الجسد، ولذلك نشعر بسخونتها أحيانًا تحت الأغطية ونحتاج لتبريدها.

على الرغم مما أثبتته الأبحاث أن الأرق أكثر شيوعًا بين النساء قرابة ضعفي شيوعه لدى الرجال، إلا أنه لا يمكنني أن أقول إني أصبت بحالة من الأرق تتجاوز أيام قليلة ولأسباب منطقية أهمها انشغال البال وتراكم الأعباء المهنية، إلا أن علاقتي الجيدة بالنوم لم تكشف لي أسراره.

يقول المثل «تعرف فلان.. اه. أعرفه.. عاشرته.. لأ. يبقى متعرفوش»، ولكن لم تفلح معاشرتي للنوم بكشف أسراره لي، ولكن لن يمنعني ذلك من ممارسته كلما أتيحت لي فرصة. 

اعلان
 
 
كارولين كامل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن