شعبان عبد الرحيم.. كسول في مساحة آمنة
 
 

اُختتمت أمس مسيرة شعبان عبد الرحيم (1957-2019)، وصف الناس الراحل بخفة الدم. المغني الراحل صاحب حكاية طويلة، هو قاسم المكوجي المولد في حي الشرابية، والذي اُختزلت حياته إلى فقرة واحدة مضمونة النجاح.

أعتبرُ شعبان واحدًا من أذكى محدودي الموهبة في مصر. ربما يمكنك أن تعيد مشاهدة فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» (2001، داود عبد السيد) لترى أننا كنا ننتظر الكثير من شعبان، لكنه ظل يحرق ذاته مكررًا إنتاج الصورة النمطية عشرت المرات، لم يغادر إطارها أبدًا، فهو لم يتوقف عن المشاركة في الدراما، لكن هذه المشاركات لا تستحق التوقف عندها.

 بدأ شعبان كمغنّي قدّم ألبومه الأول من وحي الحياة الشعبية في شبرا. غنّى قائلًا إن «أحمد حلمي»، وهو شارع، «اتجوز عايدة»، وهي منطقة أخرى بشبرا، و«كتب كتبهم الشيخ رمضان»، وهذا «الشيخ» منطقة ثالثة هناك.. هكذا كان أسلوبه، وقتها لم يكن شعبان يقدّم الأغاني في لحن واحد وحيد، وإنما كان مثل كل المغنيين الشعبيين يوزع الكلام حسب اللحن، متأثرًا بعبده الإسكندراني. ثم قدم «كداب يا خيشة».

لكن منذ أن قدّم «حبطل السجاير»، دخل مرحلة اللحن الواحد وصار أسيرها. بدأت شهرة عبد الرحيم الحقيقة حينما صار صاحب فقرة مكررة في الميديا، تكررت منذ ظهوره مع حمدي قنديل متحدثًا عن أغنيته التي أعلن فيها عن كراهيته لإسرائيل. 

ربما لم يُجبر شعبان على ذلك، بل أن الراحل حرص على ألا يتخطى هذه المساحة الآمنة. في لقاء مع طوني خليفة، يشرح أنه لا يريد أن يدخل في ما وصفه بـ «اليَغمة» قاصدًا أنه فضّل ألا يكون منافسًا لبقية المغنيين، مكتفيًا بتقديم أغانيه بالطريقة نفسها على أنغام إيقاع واحد، مبررًا ذلك بأن الناس أحبته بهذه الطريقة، ثم تحدث عن كون «الدنيا ماشية حلو».. هكذا برر بقاءه في هذه المساحة الآمنة.

مؤخرًا بدأتُ استعيد غنوة واحدة لشعبان تلك التي يهدد فيها كاتبًا، سرق روايته، وهي ضمن أحداث فيلم «مواطن ومخبر وحرامي».

في البدء كنت متعاطفًا مع هذا الكاتب الذي أره صورة للفنان المتأمّل، لكن مع الوقت، ودخول الواحد في التجربة، بدأتُ أتفهم منطق شعبان، هو أيضًا فنان، بل ربما كان محقًا فيما فعل مع الكاتب / المواطن. 

أفكر أن شعبان عبد الرحيم ربما حل اللغز، وعَرَفَ أن مصر لن تقدّم إلا هذه المساحة. البلد حلبته نحو ثلاثين عامًا، وهو ظل في المساحة المقدمة إليه، معتبرًا إياها حصيلة سنوات شقاه. لم يتمرد أبدًا، بل لعب الدور ثم أتقنه وجوّد، ولم يتخطِ المساحة أبدًا. 

وفي النهاية صار مكرسًا كفنان صاحب فقرة وحيدة في حفل لا يتوقف، مخفيًا في الظل فنانًا شعبيًا لن ندرك أننا ظللنا نؤجل اكتشافه لسنوات، فلم ينتبه أحد أن الفقرة ضاقت عليه، وإن شعبان يمكنه أن يقدم ما هو أكثر من شريف المرجوشي، أو اللحن المحدود بلازمته الشهيرة الـ «إييه». لكن ذلك ما كان. 

اعلان
 
 
أحمد وائل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن