الترجمة كمعركة: استراتيجية صالح علماني
 
 
صالح علماني
 

الصدفة وحدها جعلتني أقارن بعض ترجمات صالح علماني بالنص الأصلي. كنت حينها باحث ماجستير مطالب بتقديم أبحاث طوال العام سواء في شكل مقال أكاديمي أو دراسة. كنت قرأت منذ سنوات بعيدة روايات الواقعية السحرية في نصها الأصلي، ودرست بعضها في الجامعة دراسة أسلوبية، ثم قرأت بعد سنوات وبشكل منفصل ترجمات علماني لنفس النصوص ونصوص أخرى. بالطبع كان لديّ وقتها وقفات مع التراكيب اللغوية في النص المترجم، وكنت أتخيل أحيانًا كثيرة العبارة نفسها في النص الأصلي، كنت ألاحظ تصرفات المترجم في عبارات مستعصية، وكيف استعان بالتقديم والتأخير والحذف والإضافة لصنع جملة عربية جميلة ومفهومة تسعى لتكون مخلصة للمعنى. ثم جاءت الصدفة (أو الاضطرار) التي دفعتني لتقديم بحث في الترجمة لم يتم في نهاية الأمر لأسباب متعددة، لكنه أفادني في قراءة استراتيجية صالح علماني في الترجمة، وهي استراتيجية لا يمكن الاستهانة بها وليست وليدة الصدفة.

اختيار النصوص

ترجم صالح علماني ما يتجاوز 120 كتابًا أدبيًا، أغلبها روايات من أمريكا اللاتينية، وبعضها روايات من إسبانيا ونصوصًا مسرحية وأشعارًا. كل هذه الأعمال كانت من اختياره هو ذاته، إذ كان يقوم بعملية البحث عن الأعمال الجيدة بنفسه ويقدم مقترحات لدور النشر بها، نحن نتكلم عن زمن ماضٍ وحاضر في نفس الوقت، إذ لا تتمتع دور النشر بلجان استشارية للبحث والاقتراح. في هذه العملية، انتصر علماني لذائقته الشخصية، وكانت ذائقة رفيعة، بالإضافة لمتابعات صحفية ونقدية عن أهم الأعمال الصادرة في هذه الفترة أو تلك، وكذلك حركة الجوائز التي في كثير من الأحيان تُمنح لأعمال جيدة. 

من هنا كان لعلماني مشروعًا في الترجمة أسسه بمفرده، مشروع تبنته دور نشر بالطبع، لكن يبقى للمترجم حق تأسيسه. من هنا تعامل علماني مع نفسه في السوق العربي كمؤسسة كاملة تضع خطة عمل لمشروع خلال فترة زمنية، لينتهي ويبدأ في مشروع آخر هو امتداد للأول. بالطبع عرف القراء علماني من خلال ترجمته لجارثيا ماركيز وبارجس يوسا وإيزابيل الليندي، أكبر تمثيل لتيار الواقعية السحرية، لكن الحقيقة أن لعلماني ترجمات سابقة لـ لوركا ورفائيل ألبيرتي وترجمات لاحقة لأسماء أكثر شبابًا تمثل تيارات أدبية مختلفة، مثل أنطونيو سكارميتا وخابيير مارياس وسامانثا شوبلين. 

كان طموح علماني أن يغطي بالترجمة كل جديد، خاصةً بعد أن استكفى من ترجمة أسطوات الكتابة اللاتينية ورأى أن ثمة تيارات أخرى تتوالد على الهامش وتشغل المتن مع مرور الوقت. نحن نتكلم عن علماني بعد أن تجاوز الستين، وكان لا يزال يحمل نفس شغف المترجم الشاب، نفس الروح المتحمسة لاستقصاء أثر الأعمال الجيدة، ولن يكون غريبًا أن أقول إن سامانثا شوبلين، الأرجنتينية التي ترجمها علماني منذ عام تقريبًا، روائية شابة في الثلاثينيات، ولعل هذا عملها الوحيد إلى الآن.  

اختيار النصوص، مرة أخرى

ربما بقليل من التعسف والأحكام المطلقة، يمكن القول إن علماني أسس لمهنة المترجم، للترجمة كمهنة لا تأتي في أوقات الفراغ ولا مهنة هدفها الأساسي الربح. كان مشروعه ثقافي بالأساس يهدف إلى إثراء المكتبة العربية بأعمال جميلة وقيمة، لا تؤثر فحسب في القارئ وتساعده في تشييد تربية جمالية ذاتية، وإنما تستهدف الكُتّاب العرب أيضًا ليطلعوا على أساليب كتابة جديدة يعود فيها المؤلف إلى ثقافته الشعبية ويصنع من خلال الأساطير الخرافية أعمالًا أدبية مبهرة، أعمالًا جاءت في وقت عانت فيه أوروبا من الكساد الأدبي وباتت الرواية الأوروبية ذاتية جدًا ومؤطرة بالملل. 

من هنا لم تأتِ ترجمة علماني لتيار الواقعية السحرية محض صدفة، ولا كان سببها فوز ماركيز بنوبل عام 1983 فحسب، وإنما إدراكه لأهمية هذا التيار ومدى تأثيره في الكتابات القادمة بعد عقود. هنا نلاحظ أن علماني لم يترجم كل أعمال ماركيز، ولا ترجم كل أعمال الواقعية السحرية، بل وتجنب أسماءً بارزة جدًا في هذا التيار مثل أليخو كاربنتيّر، ولم يلتفت لـ كورتاثر وبورخس إلا قليلًا في مقابل صب اهتمامه على يوسا والليندي. ربما يرجع ذلك لتفضيلات لغوية وأسلوبية، إذ كان علماني ميالًا للأعمال سريعة الإيقاع التي لا يتسرب إليها الملل ولا تتميز بالوصف الكثير وتوقيف الحدث السردي من أجل التأمل. لهذا السبب نفسه لم يحب علماني كاتبًا مثل ساراماجو، رغم أنه ترجم له عدة أعمال تبدو ناتئة عن مشروعه المتماسك، وانتقده في ندوة جمعتنا منذ أعوام في معرض القاهرة للكتاب. وربما لأن عوالم بورخس الفانتازية الميتافيزيقية والذهنية لم تكن تستهوي علماني، ولا عوالم كورتاثر التي تدور في الوهم وتتعمق في الوجودية والفلسفة كذلك. في المقابل، استهوته الأعمال التي تحتك بالسلطة وتكشفها، الأعمال التي لها أصل واقعي وتخص مجتمعًا وثقافة محددين، لا نقول إنه «الأدب الملتزم» لما يحمله المصطلح من سلبية، لكنه الأدب الذي، مهما كان سحريًا، ينتمي للواقع، واقع الآن وهنا. 

ربما تغيرت ذائقة علماني في السنوات الأخيرة، وربما أصبح أكثر انحيازًا للجمالية، ما دفعه لترجمة خابيير مارياس ومن قبله ميجيل دي اونامونو، في اتجاهه إلى الأدب المكتوب في إسبانيا، وفي خطوة تروم اتساع دائرة ترجماته التي تركز معظمها على كُتّاب من القارة اللاتينية. 

اختيار النصوص إذن عبّر عن رؤية علماني الجمالية للفن الروائي، عن تصوره لما يجب أن تكون عليه الرواية سواء في سماتها الأسلوبية أو في تورطها في الحياة الملموسة، لا يمكن استبعاد الجانب الأيديولوجي، وتقارب أحوال القارة اللاتينية من العالم العربي، خاصةً ما يخص الحقبة العسكرية. وإذا كان لا يصح أن نجزم بأن ترجمات علماني كانت رسائل للسلطات العربية، فعلى الأقل يمكن أن نقول إنها اتجاهه الفكري أو تصوره للعالم الذي ترجمه عبر آخرين. وهي وجهة نظر لا يجب سحبها على موقفه من الثورة السورية.

الترجمة كمعركة

تعامل صالح علماني مع الترجمة كمعركة سيخوضها وعليه أن يستعد لها. وفي سبيل ذلك، كان يجب أن يضحي بشيء، فضحى. كانت الأولوية لديه لصنع نص عربي قابل للقراءة، لا يشعر فيه القارئ بأي غربة. نص يبدو عربيًا تمامًا بدون أن يعمل فيه معول الترجمة. نادرًا ما تجد في ترجمات علماني عبارات بلا معنى أو بمعنى يصعب فهمه، وكثيرًا ما تجد لغة أدبية مرتفعة ولا تخل من زخرفة، هي نتيجة لابد أن يسبقها استراتيجية وقرار، قرار بأن يتآلف القارئ مع النص، لزم ذلك الكثير من «الصنفرة»، الخروج من سطوة النص الأصلي، قراءة العبارة المترجمة بصوت مرتفع لضبط إيقاعها، وفي النهاية اختيار الألفاظ الأقرب لسمع القارئ. هذه الخطة المحكمة منحت لترجمات صالح الكثير من الرواج، رواج لم يكن سببه فحسب حسن اختيار العمل، وإنما تقديمه بأبسط الطرق الممكنة. 

هي مدرسة لم يؤسسها صالح، وإنما مدرسة في الترجمة تنتصر لقارئ النص المترجم وتضعه في اعتبارها قبل أي شيء. رغم ذلك، لم يفلت صالح كمترجم من الخضوع لتراكيب لغوية إسبانية أدخلها إلى اللغة العربية، وقبلتها العربية بسلاسة لطبيعتها المرنة، مثل ابتداء العبارة بالجار والمجرور، والإكثار من الجمل الاسمية مقارنة بالجمل الفعلية، واستخدام «الأكثر قوة» بدلًا من «الأقوى»، وتأجيل الحدث الهام في العبارة إلى آخرها وليس البدء به، بحسب قانون اللغة الذي يرى أن الأهم في العبارة هو ما يذكر أولًا. فعبارة من قبيل «أول مرة رأيت فيها الثلج كنت في الثانية عشرة وكنت برفقة أبي» تختلف عن «رافقني أبي وأنا في الثانية عشرة لأتعرف على الثلج»، الاختلاف هنا ليس في المعنى، وإنما في أولوية ترتيب المعلومة، ففي الأولى جاءت رفقة الأب متأخرة لقلة أهميتها، فيما جاءت في العبارة الثانية بأهمية أكبر. هذه الأهمية في الترتيب عادة ما تختلف في النص الأصلي عن النص المترجم لدى علماني، لأن أولويته إنجاز جملة جميلة وجذابة للقارئ. وفي سبيل ذلك، فقد النص جزءًا من صنعته.

في مقابل نص عربي مهندم وأنيق، كان علماني يضحي أحيانًا (لأن المترجم يجب أن يضحي بشيء عادةً، ومن هنا كان الاتهام بالخيانة) بأسلوبية النص الأصلي، بانحيازه للمعنى وليس لدقة العبارة، بالالتفات لإيقاع العبارة في اللغة العربية دون إيقاعها في النص الأصلي. بالطبع لم يكن ذلك حادًا ولا صارمًا في كل الأحوال، خاصةً لو تحدثنا عن مشروع ترجمة امتد أربعين عامًا متواصلة وتنوّع بين عشرات المؤلفين على اختلاف أساليبهم من صعوبة لسهولة. لكن يمكن ملاحظة ذلك في تقارب الإيقاع اللغوي عند إيزابيل الليندي وماركيز ويوسا، في النص العربي، رغم اختلاف كل منهم عن الآخر في الإسبانية. هل يمكن أن يكون ماركيز بنفس الجمال بالعربية لو اتبع علماني مدرسة أخرى تُخلص لأسلوبية الكاتب؟ وهل كان القارئ العربي سيحتمل الفروقات الجمالية بين لغتين؟ هل اللغة العربية تحتمل الكثير من الجمل الاعتراضية التي يستخدمها ماركيز، وهي من مزايا اللغة الإسبانية بالمناسبة؟ لابد أن هذه كانت أسئلة علماني كلما تصدى لترجمة نص، ولابد أنه رأى في نفسه ليس مجرد ناقل من لغة إلى لغة ولا من ثقافة إلى ثقافة، إنما أيضًا «مهيئ» النص للقراءة، ومعربًا له، بتدخلات ستفيد النص والقارئ. 

ربما لذلك، تحتاج ترجمات صالح علماني إلى دراسات عديدة للوصول إلى تصورات لم يبح بها أبدًا، لكنه بالتأكيد كان واعيًا لها ويستخدمها بأهداف هي في العمق أهداف الترجمة.

اعلان
 
 
أحمد عبد اللطيف 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن