الجدل حول «الأدب» يتجدّد، ونوبل لا تبالي
 
 

إذا تأمّلت قائمة الحاصلين على نوبل للأدب، ستجد أنك أمام عدد هائل؛ 116 منذ 1901، ولا تضم هذه القائمة إلا 15 امرأة فقط. نحن أمام حصر بأدباء العالم الخالدين، وإلى قائمتهم أدخلت الأكاديمية السويدية أوائل الشهر الجاري اثنين عن عامي 2018 و2019.. هكذا سبقت أولجا توكارتشوكتوك، بيتر هاندكه في الخلود لنيلها الجائزة المؤجلة. 

ما أن أُعلنت نوبل تجدّد الجدل، بسبب ما يُنسب إلى الأديب النمساوي هاندكه من تأييد لديكتاتور اتحاد يوغوسلافيا سابقًا، سلوبودان ميلوشيفيتش، كما ألقى خطابًا للرثاء في جنازة الزعيم الصربي الذي وُجهت له اتهامات بالتطهير العرقي خلال حروب البلقان 1992-1995.    

خُلدت توكارتشوكتوك لأنها تكتب «الخيال السردي الذي يصوّر بشغف موسوعي عبور الحدود بوصفه شكلًا من أشكال الحياة»، أما تخليد هاندكه فمبرره «عمله المؤثر الذي استكشف ببراعة لغوية حدود وخصوصية التجربة الإنسانية». [من حيثيات منح كلاهما الجائزة 5 أكتوبر 2019]. 

لحظة الإعلان عن نوبلي الأدب، في الأكاديمية السويدية

تسبب منح نوبل لهاندكه في موجة الغضب بسبب مواقف الأديب النمساوي السياسية، فأصدر نادي القلم الدولي بيانًا يدين اختيار الأكاديمية السويدية. وقد حدث ذلك بعد عام من حجب نوبل الأدب في أعقاب أزمة التحرش الجنسي التي كان زوج إحدى مُحكمات لجنة الأدب مسؤولًا عنها، ما أدى إلى توالي استقالة محكمين، إثر موجة غضب سابقة من الأكاديمية. 

بحسب موقع جائزة نوبل، فإن لجنة محكمي الأدب في 2019 ترأّسها أستاذ الأدب بجامعة ستوكهلوم اندريس أولسون، وبعضوية الكاتب السويدي بير ويستبيرج، والشاعرة السويدية كريستينا لوجن، والشاعر السويدي جِسبر سفِنبرو. كما أعلنت الأكاديمية السويدية عن ضمّها خمسة من الخبراء الخارجيين إلى اللجنة في الفترة من 2019-2020. وتتلقى هذه اللجنة الترشيحات من المؤسسات الثقافية المعتمدة حول العالم، وتدرسها، إلى أن تختار الشخص الفائز في مداولات سرية، لا تُكشف إلا بعد خمسين عامًا.

من جانبه، يعتبر الروائي شادي لويس أن «نوبل هاندكه» تضر مصداقية الجائزة «كان الأجدر بيهم يوصلوا لمرشحين غير مثيرين للأزمات». ثم يستنكر المطالبة بالفصل بين أدب هاندكه ومواقفه السياسية؛ «ماعتقدش إنه يمكن الفصل بين الأدب أو أي حاجة تانية وبين السياق والمواقف والأخلاقيات والسياسة وعوامل تانية كتير، مواقفنا من أي حاجة في الدنيا معقدة ولها طبقات كتير وزوايا للنظر، وكلها لازم تتاخد في الحسبان، ممكن نعترف إنه فيه نص أدبي رائع لكاتب ما، ونقراه كمان» لكن الجائزة في هذه الحالة ليست إعجابًا بنص أدبي، وهو ما يوضحه لويس بقوله إن «تكريم هاندكه موضوع تاني، لأنه ببساطة كلنا عارفين إنه الكاتب، وخاصة لما يبقى معروف وواخد جوايز، مش مجرد كاتب لكن شخصية عامة، واللي بيقوله في الشأن العام له ثقل، وهذا الثقل بيجي جزء كبير من الاعتراف المؤسسي والجوايز والمناصب واﻷلقاب والشهرة وخلافه. باختصار لا يهمني حياة الكاتب الشخصية، ولا أقيّمه على أساسها، لكن بالتأكيد مفيش طريقة لتجاوز مواقفه من المواضيع العامة، وتصريحاته العلنية بشأنها، والقيم اللي بيدعو ليها في علاقتها بما يكتبه كمان». 

بينما يقول المترجم أمير زكي: «أنا شخصيًا ممكن أفصل بين إنجاز الكاتب ومواقفه، أنا درست فلسفة، وعارف مثلًا إنجاز هايدجر الفلسفي ومواقفه السياسية، أو إنجاز [عبد الرحمن] بدوي عندنا ومواقفه عمومًا. الفصل مفهوم بالنسبة لي، بس هو الغريب إن لجنة نوبل تاريخيًا مش بتفصل، فبيبقى مثير للتساؤل إنها تدي الجايزة لحد مواقفه مش مرحب بيها سياسيًا». وهو ما يؤكده الروائي والمترجم عن الإسبانية أحمد عبد اللطيف، باستبعاد الأرجنتيني الراحل خُرخي لويس بورخِس في أواخر السبعينيات، وذلك ما فُسر بأنه كان لأسباب سياسية، بحسب تصريح أدلى به مُحكِم سابق بلجنة نوبل لمجلة أرجنتينية قال فيه إن استبعاد بورخيس يجب أن يعد من أشنع أخطاء الأكاديمية السويدية. 

وعلى مدار تاريخها استبعدت نوبل كُتّابًا رُشحوا لها، وأبرزهم البريطاني صمويل بيكيت لأن «أفكاره مثالية» بشكل لا يجعله مستحقًا لنوبل، ثم نالها في 1969؛ لـ «لكتابته التي تلبي بأشكال جديدة في الرواية والدراما حاجة الإنسان المعاصر». كما فُسر اختيارها للفائزين في مرات بأنه لأسباب سياسية نحو منحها رئيس الوزراء البريطاني في فترة الحرب العالمية الثانية وينستون تشرشل في 1953 في حين كان سبب المنح لـ«إتقانه الوصف التاريخي والسيرة الذاتية، وكذلك الخطابة الرائعة في الدفاع عن القيم الإنسانية الجليلة»، بحسب وثائق اللجنة. 

كما تستمر في تجاهل كُتّاب يراهم أحمد عبد اللطيف أبرز الأدباء المعاصرين، مثل الفرنسي تشيكي المولد ميلان كونديرا والبريطاني هندي الأصل سلمان رشدي، ويرجع عبد اللطيف استبعاد صاحب «آيات شيطانية» إلى ما قد يسببه اختياره من استفزاز لمشاعر المسلمين.

ميلان كونديرا

بينما يقول المترجم عن الألمانية أحمد فاروق إن هاندكه من كُتّابه المفضلين، ويستحق نوبل عن جدارة، كما يعتبره علامة مميزة في تاريخ الأدب المكتوب بالألمانية، لكنه يرى أن لجنة نوبل كان عليها أن تأخذ مواقف الكاتب السياسية المخزية في الحسبان، والتي «يصفها هاندكه بأنها مواقف شخصية»، لكن يظل هذا القرار إشكاليًا طبعًا، بحسب فاروق. 

في 2001 صدرت ترجمة «خوف حارس مرمى عند ضربة الجزاء» لهاندكه بتوقيع أحمد فاروق الذي يتحدث عن كتابة النوبل النمساوي بأنها تكشف السلطوية الموجودة في تراكيب اللغة التي يفرضها أي مجتمع على أفراده، وذلك بأن يسقيهم تقاليده وقواعد السلطة الخاصة به، وآليات العقاب أثناء عملية تعليم اللغة للصغار. في مسرحية «كاسبار» لهاندكه أيضًا نرى شخصًا مثل الورقة البيضاء تُنقش عليه فروض المجتمع من خلال اللغة ويحاول التمرد عليها، بحسب فاروق.

كما يشير إلى أن هاندكه «أثار استهجانًا بسبب مواقفه مما جرى في صربيا، لكن لم يعاني من أي حصار أدبي. وتمسكت دار نشر «زوركامب» به رغم النقد العنيف بسبب مواقفه». 

كما يحكي فاروق عما كان يُقال عن عنصرية فائز آخر بنوبل وهو الراحل فيديادر سوراجبراساد نايبول الذي نال الجائزة في 2001، وهو من أصول هندية، وولد في «ترينيداد وتوباجو» بالكاريبي، ثم صار بريطانيًا، وكان ما يُنسب إلى نايبول أنه عنصري ضد سُكّان العالم الثالث.  

«حدثت تداعيات لحظية تجاه نايبول، ثم الحياة استمرت عادي. إذا كان هاندكه مثلًا ينكر الهولوكوست، مثلما كتب المترجم شادي لويس في تدوينات على فيسبوك، كان بالفعل انتهى أدبيًا» يقول فاروق.

بينما يفترض لويس أن الأكاديمية السويدية قررت اختيار هاندكه رغم إدراك القائمين على هذا الاختيار بمواقف هاندكه أو الغضب المحتمل إذا اختاروه. «أكيد هُمّا كانوا واعيين بمواقف هاندكه السابقة وتاريخه، وما سيكون لها من تبعات، وكانوا متوقعين ردود الأفعال أكيد، وهُمّا قرروا بوعي كامل إنهم يصمموا على اختيارهم. وده طبعًا ليه علاقة بتصورهم عن السلطة اللي عندهم، كأهم جايزة في العالم في كل المجالات، ما يُتيح لهم تجاهل الأصوات اللي هتنتقدهم، لأنه ببساطة منتقديهم ليس لديهم طريقة للتأثير على القرار، أو القيام بأي فعل له تبعات على الجايزة أو لجانها. ببساطة ده كاشف عن علاقات السلطة التي تبدو مطلقة في مسألة الجوايز». 

بالنسبة للروائي محمد ربيع، فإن نوبل في الأغلب أصبحت جائزة نهاية مسيرة. «في الغالب بكون عارف اللي واخد نوبل بالفعل. ربما آخر مَن أكتشفه عبر نوبل هي الكندية آليس مونرو [2013]، وقبلها [جوستاف] لوكليزيو 2008»، يقول ربيع. «بالأساس ما نعرفه عربيًا من الأدب قليل، ووسائلنا لا تساعدنا على الاكتشاف، فنحن نقرأ مقالات أو نتابع عدد محدود من الجوائز، لكننا لا نكتشف الأدب بالفعل، ما يُكتب في أمريكا مثلًا لا نعرفه، ولا نتابع الثقافة الأمريكية، وهذه هي أمريكا، بالتأكيد هناك أدباء لا نعرفهم في بقية بلاد العالم». 

«مولد تنصبه الصحافة الثقافية، لكن نوبل الأدب مجرد خبر بنتابعه يومها»، يقول المترجم والروائي محمد عبد النبي، الذي لم تعد اختيارات نوبل محفزة بالنسبة له، فقد تراجع اهتمامه بالجائزة مفضلًا متابعة أخرى تركز على الأعمال وليس الكُتّاب «مهتم أكثر بالبوكر الإنجليزية».

بخلاف عبد النبي يقول أمير زكي: «مش هقدر أنكر التأثير الدعائي لاسم الجايزة [نوبل]، وكمان الموضوع بيفرق لو كنت مرتبط بشغل بيخليني أكتب أو أترجم عن الفائز». وأيضًا نوبل لا تزال تقدّم لزكي أدباء جُدد: «آخر مرة كانت سفيتلانا أليكسيفتش [2015]، مش عشان فقدتُ الاهتمام بعد كده [بنوبل]، لكن عشان بوب ديلان [2016] ثم إيشيجورو كانوا اسمين معروفين بالنسبة لي. عمومًا فايدة نوبل بالنسبة لي إنها بتعرفني على أسماء جديدة، يمكن من أيام أورهان باموك [2006]، طبعًا بعد كده ممكن تتحمس للكاتب أو لأ، لكن هي بتحط لك الكاتب في سياق ترشيحات قراءاتك».

بينما يشير أحمد عبد اللطيف إلى أن نوبل صارت محصورة في أوروبا، وهو ما يخالف طبيعتها كجائزة عالمية، ويشير أيضًا إلى تصريح أولجا توكارتشوك عقب فوزها بأنها سعيدة أن الفائز بجائزة 2019، قاصدةً هاندكه، أوروبي.

بالمثل لم يعد أحمد فاروق يتابع الفائزين بنوبل؛ «مش زي زمان.. الواحد مع الوقت بطّل ينتظرها، وبيركز أكثر مع حاجات بتلفت انتباهه بالصدفة». رغم ذلك يتذكر أن ما مثّل اكتشافًا كبيرًا له الألمانية هيرتا مولر [نوبل 2009]، وقبلها الياباني كينزابورو اوي، [1994].

هيرتا مولر، تجلس في المنتصف، بحفل تسليمها جائزة نوبل

«رغم كل حاجة كنت بحترم آلية نوبل، يعني فكرة السرية ومفيش مرشحين معلنين»، يقول أمير زكي. «حتى فكرة إنهم يدوا الجايزة لصحفية أو مغني ما كانش عندي مشكلة معاها، وكمان ما شُفتش إنها تجاوز لطبيعية الجايزة قد ما هي رجوع لتراثها، لأن الجايزة في النص الأول من القرن العشرين راحت لناس مش أدباء بالمعنى زي راسل وبرجسون وتشرشل. ومسألة المغني دي كنت شايفها تحية لكل المغنيين اللي كان فيه إنجاز شعري في أغانيهم. إنما الهزة الحقيقية كانت مشكلة التحرش واللي حواليها من تسريبات بتصبّ لصالح المراهنات. اللي هو يعني ده أنتم بتغلطوا ومش جامدين أوي زي ما كنت متصور. بس في العموم هي المسألة كلها كرنفالية وبتساعد في إنها بترشح لي كُتّاب جُداد عليّا». 

وحول اكتشاف جديد الأدب، يقول شادي لويس: «ببساطة كيف يمكننا «قياس» الأدب الجيد أو العظيم، ده سؤال إشكالي جدًا، وفي الأغلب ستكون إجابته منطق دائري، الأدب العظيم هو الأدب اللي تعترف بيه المؤسسة الأدبية -ومنها طبعًا مَنح الجوايز والجامعات والنقاد والإعلام- كأدب عظيم». بخلاف ذلك، فإن وسائل لويس في البحث عن كتابة جديدة هي «الريفيوهات وآراء النقاد وترشيحات الأصدقاء والسمع». في حين يقول عبد النبي إن ما أثار اهتمامه مؤخرًا رواية ترجمها عادل أسعد ميري وهي «حانة العادات»، التي فازت بجائزة الجونكور الفرنسية في 2006. «هي اكتشاف أكثر من خبري نوبل، مؤلف هذه المتوالية القصصية هو فرانز بارتل، وهو كاتب أنيق ودمه خفيف ويكتب بشكل ممتع»، بحسب عبد النبي الذي يقول: «كأنها إشارة من صديق بأن هذا الكتاب يستحق الاكتشاف».

اعلان
 
 
أحمد وائل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن