أطياف من السواد في «أغاني سرفيسات»
 
 

كل مرة أقوم بتقطيع الفواكه لعمل سلطة فواكه، أتذكر أغنية بورفيل الشهيرة salad de fruit. الأغنية التي صدرت عام 1953 والتي استمعت إليها صغيرًا، ظلت عالقة في ذهني بدون أن أنتبه إلى كلماتها. صوت بورفيل؛ الذي دائمًا ما كان يلعب في أفلامه وأغانيه الكوميدية دور الرجل البسيط هاديء الطباع طيب القلب، هو أكثر ما أذكره من الأغنية وهو ما يجعلني أرغب دائمًا في معاودة الاستماع لها وقد أدركت مؤخرًا فقط أن الأغنية لا تتكلم فعليًا عن سلطة الفواكه، بل هو اسم معشوقة بورفيل في الأغنية، التي بدورها تمتلىء بمفردات الغزل الصريح وتخلو تقريبًا من أي نكات، لكن ومن بين 300 من الأعمال الغنائية الكوميدية التي قام بورفيل بأدائها، تعد تلك أشهر أعماله وأكثرها استماعًا.

***

«أغاني سرفيسات» هو عرض مسرحي كوميدي من إنتاج مسرح مترو المدينة ببيروت، تضمن العرض العديد من الأغاني، استمر عرضه لمدة ثلاثة أعوام تقريبًا، من 2015 حتى 2018. وطرح في أكتوبر هذا العام، كألبوم موسيقي بعنوان «أغاني سيرفيسات- نقليات الحَج aghane servicet – al hajj transportation» من إنتاج مترو المدينة وإصدار وتوزيع (مستقل).

يعطي عنوان «أغاني سرفيسات» تصورات متنوعة عن محتوى العرض. فقد يكون معناه أنها أغاني مكتوبة بروح الأغاني كثيرة التشغيل في السرفيسات، بشيء من التهكم على ذائقة سائقي السرفيس، أو بشيء من المجاملة لتناسب ذوق سائقي المركبات أو زبائنها ومناسبة للتشغيل في مشاويرهم القصيرة داخل السرفيسات. هي في الحقيقة لا هذا ولا ذاك، ولكن التشبيه جاء بسبب أن موضوع الأغاني مستوحى من المناقشات المتبادلة في السرفيسات، أي أنها أغاني تناقش مواضيع معاصرة تخص حديث الساعة والاهتمام بالشأن العام، أغان سياسية بالمفهوم الواسع للسياسة. وإن كان الالتفات لجماليات أغنية الميكروباص (كالإطراب والإعادة وإمكانية الغناء مع اللحن) قيمة مضافة تناسب نوع هذا الألبوم.

رأس المشروع هو الموسيقي والمسرحي هشام جابر، ووجوده مهيمن على العرض بأكمله، خاصة أن كل كلمات الأغاني وألحانها من تأليفه، كما يقوم أيضًا بدور شخصية (روبيرتو قبرصلي) التي تظهر ما بين الأغاني أحيانًا لتؤدي فواصل كوميدية (أقرب للستاند أب)، أو تقوم بتأدية طقاطيق غنائية قصيرة أو تلضم الأغاني ببعضها بصوت استعراضي ألدغ وأخنف، يذكرني قليلًا بصوت وشخصية (طوني كليفتون) التي قدمها الكوميديان الأمريكي أندي كوفمان في بعض من اسكيتشاته الشهيرة.

رغم أن هشام جابر هو كاتب كل كلمات الأغاني، إلا أن هذا لا يحد من تنوع محتواها وتفرعها إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية، كأنها مكتوبة لثلاث شخصيات مختلفة تؤديها المغنيات الثلاث في هذا المشروع، وهن مريم صالح وياسمين فايد وساندي شمعون. كل منهن لها شخصية صوتية وأدائية قوية ومتفردة تزيد من وضوح الاختلافات ما بين هذه الأدوار الثلاثة، وتؤكد خصوصية كل واحدة. وبعد الاستماع لعدة أغانٍ يفهم المستمع هذه الأدوار وتنسيقها وأيضًا تواليها على مدار الألبوم، وتأثيرها لخلق تنوع مزاجي له بداية ووسط وحبكة وينتهي باستنتاج. 

الموسيقار هشام جابر

لا تنتقل التأثيرات والتنوعات المزاجية انتقالات حادة، بل تندرج معظم الأغاني بالفعل تحت نوع (الكوميديا السوداء)، كما يعِد توصيف المشروع، وإن كانت بدرجات متفاوتة من السواد. ولن أغرز هنا في مطب ترتيب الشخصيات أو أنواع الاكتئاب على درجات القتامة والإشراق، وهي كلها تعبيرات مجازية، ولكننا خلال العرض نستمع بغير ترتيب لثلاثة أصوات تتعامل مع الشعور بالمرارة أو الحزن والاكتئاب بثلاثة طرق، مرة بالتجاهل والإنكار ومرة بالمساومة ومرة بالتقبل. فتشعر مرة أن الكلمات والصوت لشخص مغيب عن الواقع يرى ما يحدث حوله ولا يعيه وينطلق للاهتمام بشيء آخر غير النكد (ياسمين فايد)، ومرة لشخص يدرك المشاكل ولكنه يختار بإرادته مراوغتها (مريم صالح)، ومرة يطس برأسه في قلب المشكلة ويتقبلها بشكلها بدون تزلف (ساندي شمعون).

الإنكار

تختبر ياسمين إمكانيات الغناء الكوميدي بجرأة شديدة، فالغناء الكوميدي يسمح باستخدام قاموس أوسع من المفردات، والانطلاق في درجات أبعد من المشاعر الغنائية التقليدية، لتصل إلى المبالغة أحيانًا. ومن خلال كلمات هشام جابر وألحانه، قد فرد كل هذه المساحة لتأخذها ياسمين فايد كاملة، إلى درجة قد تخجل المستمع أو تسبب له التوتر أحيانًا (اضطررت لخفض الصوت بينما كنت أستمع للعرض على الكمبيوتر حتى لا يظن المحيطين أني أشاهد محتوى خليع)، وكان ذلك موفقًا في أغنية مثل «وظوظ الموتو أو تزييت».

ولكنها في أغنيات مثل «يا حياتي أ, البسي كلساتي»، و«جسمك لبيس أو دوجي ستايل» بدلا من أن تستخدم الكلمات بغرابتها ومبالغاتها إلى مناطق حسية جديدة يتيحها الغطاء الكوميدي، اختارت أن تؤديها بشيء من الابتذال التمثيلي وكأنها تسخر من الكلمات أو تتبرأ منها، وهو مدخل كسول للتعامل مع تيمات شيقة وجذابة (مثل الحب الثلاثي ودلالات الأوضاع الجنسية) لن يتيحها في المنطقة العربية أي وسيط آخر غير المونولوج. فلم أرتح لهذه الطريقة التقليدية في التعامل مع الجنس وقولبته في النهاية، كما يحدث دائمًا بشيء من الاستسهال والإسفاف.

المساومة

أما مريم صالح فقد جاءت لتؤدي دورًا دقيقًا، تتقنه وتمارسه باحترافية شديدة، بتاريخ طويل من تأدية أغاني الشيخ إمام، وهو تنويع الأداء ما بين الهزل والجد بسرعة وخفة. من بين الألوان الكثيرة التي يتلون بها أداؤها، تكرر مريم صالح استخدام أداء طفولي في بعض الجمل، مثل ما يحدث حينما تقول: أنا زاد وزني حصانين، في أغنية «يا حبيبي أو كولسترول». تصر مريم في كثير من الجمل انتحال هذا الدور كاستعراض لتنوع شخصياتها الصوتية، لم تكن ملائمة في قالب شخصيتها الفنية في إطار هذا المشروع، بينما الكلمات مخصصة لامرأة وليس لطفل وموجهة لمستمع بالغ. 

ولكنها تعود سريعا للسيطرة بأغنية «انتحار باندا مصرية أو ترانزيت» أحد أفضل مقطوعات الألبوم. على لحن الفالس ينتقل صوت مريم بسرعة شديدة ما بين الهادئ والميلانكولي إلى الاستعراضي أو الساخر، من الدفء والسكينة إلى الجنون. وتنفعل بصرخات حادة مع الإيقاع والدراما بأداء بيوركي، تستغل منطق المونولوج الغرائبي في إبراز إمكانيات مدهشة لصوتها. وتطاوعها الكلمات وتقلباتها الدرامية، وقصرها وبلاغة تشبيهاتها، في تطعيم الأغنية بجمل قصيرة رنانة ومؤثرة، تظل عالقة في الأذن وتحث على إعادة الاستماع للأغنية.

«دورت على بيت/ حمام وسقف وحيط/ سرقوني وقلت ماشي/ أكلوني بالأونطة».

التقبل

بالرغم أن أغانيها هي الأضعف، سواء في اللحن التقليدي أو اختيار كلمات مباشرة تخل من توجه العرض لصنف الكوميديا السوداء، وتجعله أسود فقط بلا كوميديا، (خصوصا في أغنية: نموت ببعض أو يا سلام)، إلا أن صوت ساندي شمعون يبدو كصنف دخيل على الألبوم، فهو ليس صوتًا استعراضيًا أو تمثيليًا، وهي لا تندفع في مبالغات كوميدية أو مسرحية كمريم وياسمين، مما يجعله غريبًا عن باقي العمل، ولكنه في نفس الوقت صوت جديد وجذاب، نقي بدون أن يكون طفولي أو ملائكي، خالٍ من الزخارف ولكن بلا رتابة، صوت امرأة لكن بلا مياصة أو غواية أو تنميط.

هذه التركيبة التي تلائم الكلمات الرصينة تعطي نتائج جديدة ومربكة حينما تغني كلمات مثل: دهنت الوطن بالزهري/ وطبلت للدركي ليرقص/ عنفوان الوطن لفيته عخصري/ ورقصت البلد على واحدة ونص (في أغنية رثاء مواطن لنفسه أو ليّف)، تركيبة الصوت مع هذه الكلمات بدلا أن تعطي انطباعًا أو دلالة على الخلاعة فينبري عنها شخصية femme fatal مركبة، مكلكعة معبية مكتئبة قوية حازمة وترقص البلد على واحدة ونص، والذي قد يكون خير خلاصة للعرض وربما لهذا أنهوه بأغنيتين لها.

خلاصة

بهذا نكون أخذنا فكرة عن مواضيع الساعة ومشاكل لبنان والوطن العربي، من خلال الكلمات والألحان وأصوات المؤديين/ات نفسها، ولكن بالنسبة لتصنيف الكوميديا، هل الألبوم كوميدي؟ هل هو مضحك فعلًا؟ يوجد بعض المقتطفات الخفيفة والأجزاء التي يلقيها هشام جابر بين الفواصل الموسيقية، التي تجعل العرض مؤهلًا للتصنيف كعرض كباريه كوميدي. ولكن في كثير من الأحيان يقع العمل في منطقة متوسطة ما بين الغناء الكوميدي والغناء السياسي شديدة الحساسية، فالمحتوى ليس كوميديا معظم الوقت، خفيف أينعم ولكن ليس مضحكًا، وفي المقابل تفسد الخفة فرصة تقييم الكثير من الأغاني على المستوى الموسيقي، وتجعلها غير قابلة للاستماع عدة مرات.

أزمة الكوميديا دائمًا أن عمرها قصير، ما أن تستمع إلى النكتة مرة واحدة حتى يبطل مفعولها، وهذا مع أفضل النكات، فما الحال مع النكات ثقيلة الظل، أو التنكيت السياسي المرتبط بموضوع الساعة كأحاديث السرفيسات، هي مناسبة لعرض حي، أو سهرة ترفيهية، مؤقتة وسريعة، يسندها تفاعلية المسرح وارتجالات الأداء الحي، ولكن ما إن تحول العمل لألبوم متوفر للمستمعين، فلابد من تقييمه كعمل موسيقي. 

كان الاستثمار في الجانب الموسيقي على حساب النكتة قرارًا موفقًا، والجرأة في تطعيم الأغاني بكلمات سوداوية عن الاكتئاب والانتحار، وتخصيص أغنية النهاية بلا كوميديا في خيانة لصنف الألبوم كلها تبرز تضادات الكوميديا السوداء وجمالياتها، وإن أمكن استخدام تيمة الغناء الكوميدي بشكل أوسع ليس للإضحاك، ولكن لمد إمكانيات الأغنية التقليدية، واختبار مساحات التجريب في الكلمات والألحان والأداء، ظلت كثير من هذه المساحات تحتاج إلى اقتحام بشجاعة أكبر وبدون استخفاف أو تصنع.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن