سد النهضة.. من المتهم، الثورة أم هزيمتها؟

تعثرت مفاوضات سد النهضة من جديد. ورغم أن التصريحات الرسمية، منذ ثورة يناير قبل نحو تسع سنوات، لم تخلو من اتهام الثورة بكونها السبب في تجرؤ إثيوبيا على بناء السد، إلا أن هذه المرة يبدو أن التأكيد على أن ثورة يناير متهمة في قضية بناء السد هو اتجاه يتم الترويج له بشكل واع في الإعلام الرسمي ومن الحكومة وفي كل مناسبة.

فى الحقيقه لا أريد الانزلاق نحو الدفاع عن ثورة يناير باعتباري أحد أفراد «الطائفة»، ليس تبرؤ من الثورة بل اعتزازًا بها. فمن ناحية ثورة يناير ليست ملكًا لطائفة من النشطاء تحيزوا لها وآمنوا بها، بل هي مشروع سياسي واجتماعي سيؤرخ له باعتباره محطة هامة في تاريخ النضال الديمقراطي المصري، ومن ناحية أخرى تشوهت الثورة عندما فشلت في أن تتحصن من الاختطاف على يد قوى مستبدة.

ولهذا، وبعيدًا عن البحث في أسباب الهزيمة المركبة وبدون اختزالها كموضوع للصراع بين المؤمنين بها وأعدائها، يظل جوهر مشروع يناير إعادة تأسيس علاقة الدولة والمجتمع على أسس أكثر رشادة وديمقراطية، مسار كامل بديل يمكن دومًا استدعائه عندما تنغلق الممرات الآمنة نحو المستقبل.

كيف باتت الثورة متهمة؟

هناك رؤية تقليدية ترى أن علاقة مصر مع محيطها الإفريقي هي «علاقة تفوق»، كانت تسمح لها بمنع بناء السد أو تعطيل تمويله كما فعلت في الأنظمة السياسية السابقة. تلك الرؤية موروثة منذ «عهد الاستعمار والملكية» أوائل القرن الماضي، مرورًا بعهد «قيادة حركات التحرر الوطني في الخمسينات، ووصولًا لتحول مصر إلى «الحليف الأمريكي- الإسرائيلي العام» بعد «كامب ديفيد». مر مئة عام وأكثر، تبدلت الوجوه وتوجهات الأنظمة، لكن بقيت «علاقة التفوق» حاضرة في لعبة توازن القوى مع الأفارقة.

في هذا السياق تُتهم ثورة يناير بأنها هزّت «معادلات الدولة» التي ورثت جينات التفوق، وأن هذه «الهزّة» منحت مشروع السد الإثيوبي قبلة الحياة.

الرهان المصري مقابل الآخر الإثيوبي

طلبت مصر فى اجتماع شهر سبتمبر الماضي بالسودان أن يتدخل طرفًا دوليًا كوسيط في المفاوضات، وما أن رفضت إثيوبيا ذلك، أعلنت الحكومة المصرية فشل المفاوضات للمرة الثانية.

بعثت الحكومة بإعلانها هذا رسالة توتر للنظام العالمي، وشكلت دعوة للتدخل الأمريكي بالأساس. وربما من المهم هنا التذكير بأن هذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها مصر فشل المفاوضات، إذ سبق وأعلنت هذا في أبريل 2018.

ببساطة تراهن مصر على دعم إدارة ترامب لها في أزمتها مع إثيوبيا. وعلى الرغم من جدية ذلك الرهان، وقابلية إدارة ترامب، التي اعتادت أن تمارس الابتزاز مع حلفائها فيما تتردد كثيرًَا في مواجهة الخصوم. قد تقدم بعض الدعم للنظام المصري، إلا أن ذلك الرهان يواجه شكوكًا كبيرة، إذ إنه يعتمد على العلاقة الخاصة بين النظامين، لا على رصيد الخمسينات في التحرر الوطني، ولا الرصيد الرائد في «عملية السلام». وذلك في الوقت عينه الذي تواجه فيه إدارة ترامب تهديدات كبيرة في عالم مضطرب ومتناقض.

هنا يجب علينا أن نقف قليلًا على رهان إثيوبيا، التي يتحرك رئيس وزرائها الجديد باعتباره وجه إفريقيا الجديد، إفريقيا التي تتجاوز «الحروب الأهلية والتهميش» لصالح «الديمقراطية والتنمية». لا يمكن لأحد أن يتجاهل حقيقة وزن آبي أحمد في التفاعلات الإفريقية، فآبي أحمد أنهى عشرات السنين من الحرب المستعرة بين بلاده وإريتريا. أخرج  المعارضين السياسيين من السجون، وقاد عملية لإصلاح للمؤسسات، وتبنى خطابًا ديمقراطيًا منفتحًا، بينما تقول المؤشرات إن نمو الاقتصاد الإثيوبي في عهده هو الأسرع إقليميًا. وربما كانت رعايته للاتفاق السوداني بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، دليلًا جليًا على وزنه وعلى ما يمثله، ما أهله أخيرًا للفوز بجائزة نوبل للسلام كدعم لتجربته.

إفريقيا التي لا يعرفها النظام المصري

باختصار تتحول إفريقيا وتتجاوز محن الماضي، تتغير عن تلك التي «تفوق» عليها الطرف المصري تاريخيًا. تنجز العديد من الدول الإفريقية محطات نحو الديمقراطية والرشادة، ويأتي «مشهد الاتفاق السوداني» بحضور آبي أحمد، دليلًا على أن إفريقيا جديدة تتشكل، وما «نوبل» إلا تقدير من العالم لإفريقيا الجديدة تلك.

يتعامل آبي أحمد مع قضية سد النهضة ببساطة على أنها أحد جبهات انتزاع الاعتراف وتجاوز تاريخ «التهميش» إلى «الريادة». الأمر ليس انتصارًا رمزيًا على أي حال، فمن ناحية ملف سد النهضة هو أحد مواضيع الصراع الداخلي في إثيوبيا، وقدرة آبي أحمد على إنجاز المشروع وتشغيله بشروط جيدة هو انتصار حاسم على خصومه المتربصين، أي شرعية النظام هناك تعتمد على انجاز بناء السد وتشغيله، ومن الجهة الأخرى فإن استكمال بناء السد وتوفير الكهرباء يتزامن مع معدلات النمو الكبيرة، الأمر الذي يساعد في تحويل إثيوبيا إلى أن تتحول إلى فرس الرهان دولي، ما يعني اهتمامًا خاصًا من الجهات المانحة وإمكانية كبيرة لتدفق الاستثمارات العالمية والإقليمية أيضًا.

وربما هنا يجب أن نشير إلى أن موقف المجلس السيادي السوداني ليس واضحًا، لقد كان البشير متأرجحًا فى قضية سد النهضة بحسب أوزان ومصدر الرشاوى «الخليجية» التي يتلقاها، إلا أن السلطة الجديدة لا زالت حائرة وربما لم تبلور موقفها بوضوح. فالمجلس السيادي نفسه يحوي مصالح ورؤى متناقضة، وهذا في الأغلب سيجعل موقف السودان متراوحًا بين ضرورة ألا نغضب مصر والميل الجديد لانتزاع  مكانة تليق بالسودان الجديد، والتخلص من السطوة التاريخية للشقيقة الكبرى أو الأقليم الشمالي، لصالح تفاوض ليس فقط حول السد الإثيوبي، بل على أنصبة المياه بين دول حوض النيل في سياق أكثر ندية هذه المرة، وهذا الميل يبقى الأقرب لآبي أحمد، بل مقرًا بفضله ومستلهمًا تجربته.

عودة إلى ثورة يناير

مصر كانت بدورها على عتبة التحول إلى نموذج رائد إذا ما نجحت في تأسيس ديمقراطية ربما كان هشًا في طبعته الأولى، ولكن تأثيره كان كبيرًا بالقدر الكافي لإنتاج معادلة «تفوق» بين محيطها الإقليمي. لكن هزيمة مشروع يناير، والذي بدأ باختطاف الإخوان للتجربة، ومرورها إلى الهزيمة الكاملة على يد النظام الذي تأسس على خلفية الصراع معهم في 2013، أفقد مصر فرصة أن تتحول إلى «فرس رهان جديد»، بل إنها عادت مع الهزيمة إلى دوامة السلطوية وواقع حالة الطوارئ التي لا تنتهي، وانتهاك حقوق الإنسان والقمع.

في الفترات الأولى من حكم السيسي لم تكن وضعية مصر في أزمة السد بهذا السوء. خاصة إذا ما قورنت بأيام مرسي ، خاصة بعد «اجتماع الاتحادية» الشهير.

وفي العام 2015، على هامش واحد من مؤتمرات شرم الشيخ التي تمثل اللحظة الأكثر تألقًا للنظام، وقعت مصر مع إثيوبيا اتفاق المبادئ الجيد بما يقره من «التعاون على أساس التفاهم المشترك، والمنفعة المشتركة، وحسن النوايا، والمكاسب للجميع، واحترام مبادئ القانون الدولي، والتعاون في تفهم الاحتياجات المائية لدول المنبع والمصب».

غير أن بعد ذلك، دخلت مصر في سلسلة من التراجعات الحادة والمتتالية.

في ملفات حقوق الإنسان. لم تتوقف حملات القمع وملاحقة النشطاء وأصحاب الرأي وحصار الإعلام. كما بدأت سلسلة من الإجراءات الاقتصادية تركت أثرًا هائلًا على حياة الناس، وكذلك تزايد حجم الديون بشكل كبير مع فشل ذريع في إحداث أي تحول نوعي في بنية الاقتصاد تؤهله لجذب الاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلى فشل في معالجة قضايا كالبطالة وتنمية الريف. كل هذا أفقد النظام السياسي الكثير من أسباب قوته، ولم يتبق له سوى الرهان على إدارة ترامب، والاستثمار في الذعر الأوروبي.

إمكانيات مصر والحل الممكن

على الرغم من الثقل المصري الآتي من واقعها الديموغرافي وبالنظر إلى دورها في الأزمة الليبية وفي الإدارة المشتركة في ملف غزة، غير أن ذلك لا يؤهلها للعب دور أساسي. مصر «المأزومة» لا تستطيع لأسباب عدة خوض حرب عسكرية للتأكيد على ريادتها وللدفاع عن أمنها القومي. لا تستطيع مصر الإقدام على ما فعله نظام أردوغان المجرم في سوريا. فبعد أن صفى أردوغان صورة تركيا كديمقراطية رشيدة تحت حكم إسلامي، اختار أن يظل فاعلًا بفرض أمر واقع بقوة البلطجة والعدوان.

إذن، مصر لا تستطيع التوجه للعدوان، ولا المخاطرة بالبلطجة على النسق السعودي والتركي والإيراني. كذلك فإنها لا تستطيع طرح نفسها كالنموذج الإثيوبي، جاهز لأن يكون «فرس الرهان» من جهة تعزيز السلم، وتحقيق نمو اقتصادي مصحوبًا بإجراءات ديمقراطية حثيثة.

في الواقع، وبعد توضيح كل هذه الأمور، فإن الوصول لاتفاق بخصوص سد النهضة ليس أمرًا مستحيلًا. ولقد كتبت في مقال «

هل التوصل لحل مستحيل؟»، تقديري أنه ليس صعبًا الوصول إلى اتفاق بخصوص سد النهضة. ولقد كتبت فى مقالة سابقة تحت عنوان «العيش المشترك الذي لا يريده أحد»، عن توصيات تقرير جامعة ماساتشوستس «التأثيرات والبدائل»، والذي يؤكد على عدم إمكانية إدارة سدَّيْن عملاقين على ممر مائي واحد، وبهذه السعات التخزينية، التي تزيد في كلٌ منها عن كميات المياه المتدفقة سنويًا في النهر، سوى من خلال إدارة مشتركة لعملية التخزين، ووفقًا لاتفاقية معلنة تأخذ في الاعتبار نصيبي السودان ومصر، والمستوى الأدنى للمياه المطلوب في السد العالي لإنتاج الكهرباء والحفاظ على تدفق معقول للمياه إلى المصب، دون التأثير على مستوى المياه المطلوب لإنتاج الكهرباء في سد النهضة.

إدارة مشتركة للسدين (العالي والنهضة) ببساطة هي الحل. فالإدارة المشتركة ستعطي فرصة لاتخاذ قرارات التخزين حسب كمية المياه المتدفقة كل عام ومتابعة تأثيرات السد على دول المصب بشكل مستمر واتخاذ القرارات حسب التأثيرات الفعلية (ملوحة الأرض الزراعية، تدفق الطمي.. إلخ). ويتطلب هذا أن تتجاوز الأطراف المتفاوضة «الدعاية الشعبوية الحادة» للتأكيد على التفوق أو  تعبئة الذعر أو الاعتماد على استدعاء أطراف دولية، خصوصًا في ظل نظام عالمي يشهد صراعات أساسية، وغير قادر في هذه النوعية من الصراعات على حسم أي ملف للنزاع كما جرى في سوريا وفلسطين وحتى في الأمازون

هذا بدوره يتطلب قراءة واعية للواقع السياسي الإقليمي والدولي، ويتطلب قدرة على الإقناع والتأثير والحصول على الدعم الشعبي والتعاطف الدولي. وهي أدوات يحظى به الخصم الإثيوبي أكثر بكثير مما يحظى به النظام المصري.

 وهنا يعود السؤال: هل كانت ثورة يناير المهزومة فرصة لأن تنتزع مصر هذه الأدوات؟ هل ما بشر به مشروع يناير يظل خيارًا جادًا يمكّن مصر من تجاوز محنتها واستعادة القدرة على التأثير والتعامل مع أزماتها الداخلية والخارجية؟ سؤال ليس فقط للسلطة الحالية بل لكل القوى السياسية الفاعلة والنخب التي لا تزال تتعامل مع أزمة السد من المدخل التقليدي والعقيم.. مدخل «المزايدة والتحريض على الحرب»، مدخل بدوره لا يتوقف عن استدعاء ميراث «الريادة المصرية»، الذي أصبح في هذا السياق دعوة لممارسة العدوان تحمل من الرعونة أكثر بكثير مما تحمل من أي مسؤولية.

مصر فى حاجة لمراجعة شاملة لألوياتها ولخيارتها الداخلية قبل الخارجية. الشراكة المجتمعية هي أمر أساسي للتعامل مع تأثيرات السد الجديد المحتملة، فمتابعة زيادة الملوحة في الأرض الزراعية مع تراجع تدفق المياه والبحث عن طرق ري مختلفة أو تنويع المحاصيل أو إقناع الفلاحين بالعمل في الأراضي الجديدة التي تروى بالمياه الجوفية، يتطلب قدرة على التعامل مع المجتمع المحلي بشكل طبيعي يتجاوز حالة التشكك والتربص بين الدولة والمجتمع. كما يتطلب الأمر أيضًا مجالس محلية منتخبة وبرلمان حيوي يتمتع ببعض الاستقلال.

ببساطة مطلوب فتح رئة المجتمع وإدماج أصحاب المصلحة في تحمل المسؤولية واتخاذ القرار. النظام العالمي المضطرب لا يضمن الحصانة للأنظمة السياسية، المنقسمة على نفسها والمتصارعة في ما بينها. والخلاص لا يأتي بالمغامرات العسكرية، بل باختيار مسارات أكثر تعقلًا ورشادة وديمقراطية تمكننا من احتواء التوتر وإنجاز قدر من المصالحة المجتمعية والاستقرار. مصر ببساطة لم يعد يمكن أن تبقى رهينة ثنائية «الريادة الإقليمية ومجتمع الطوارئ» التي صبغت توجهاتها لعشرات الأعوام. لا سبيل سوى مسار بديل مرن ومتواضع وديمقراطي، يمكننا من قراءة أوضح للعالم المحيط، ويمنحنا ما نريده من الأدوات للتعامل مع التحديات المستمرة، وإلا فإن الأثمان ستكون فادحة. وعلى إفريقيا الجديدة أيضًا ألا تذهب بعيدًا في المغامرة تحت تأثير «الزهو» ورسائل التقدير المستمرة من «العالم»، وأطماع «الريادة»، فلا حصانة لهذا الجديد أيضا سوى بالتعقل والرشادة والانتصار لقيم «العيش المشترك».

اعلان
 
 
أكرم إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن