إلى أحمد خالد توفيق، من سوريا مع الحب
 
 

رحل أحمد خالد توفيق في الثاني من أبريل، قبل عام من هذه الأيام، بهدوء وخفة، كما عاش تمامًا؛ دون أن يخلو رحيله من لمسة درامية تبدو أقرب لقصص الخيال التي كرس حياته لها منها إلى الواقع: فالثاني من أبريل 2018 كان الذكرى السابعة بالضبط لأزمة قلبية كانت قد أصابته وأدت لتوقف قلبه و«موته» المؤقت، في مرة سابقة.

* **

عرفتُ د. أحمد، أو كتاباته للدقة، للمرة الأولى قبل ربع قرن، في شتاء الصف السادس الابتدائي. لا زلتُ أذكر ما حملته صفحات أولى الكتيبات التي قرأتُها، «أسطورة وحش البحيرة»، من جدّة وإبهار لعقلي ذي العشرة أعوام؛  لقد اتضح لي أن بعض القصص تبدأ من نهايتها ثم «تخطف خلفًا»، وأن كلمة «فريزر» تصلح كاسم لرجل إنجليزي، وأن تصلب الشرايين التاجية أمرٌ بادي السوء.

كان هذا ثالث كُتيبات novellas سلسلة «ما وراء الطبيعة» التي افتتحها عام 1992 بقصة كان قد كتب مسودتها الأولى في سن العاشرة بدوره. عرض د. أحمد باكورة أعماله هذه بعد تردد طويل وفي عُمر التاسعة والعشرين على الناشرين في «المؤسسة العربية الحديثة»، دار النشر القاهرية التي تخصصت في نشر كتيبات «سلاح التلميذ» المواكبة للمناهج الرسمية المصرية وازدهرت في الثمانينيات والتسعينيات ملبية حاجة متزايدة ولّدها مزيج من تدهور القطاع التعليمي المصري والضغط الديموغرافي على عدد محدود من مقاعد الجامعات. ستستمر هذه السلسلة لما يزيد على العشرين عامًا وتتوقف عند العدد 79. كما سيلتحق بها سلسلتان شقيقتان: «فانتازيا»  و«سافاري». هذه الأسماء الغريبة ستصبح جزءًا لا يتجزأ من روتين حياة عشرات -وربما مئات- آلاف الشباب من قارئي العربية الذين سيتحملون عن طيب خاطر نظرات الاستخفاف المتفرقة من أقرانهم المترفعين عن قراءة «الروايات» أو «الألغاز» على ما اعتاد السوريون على الأقل تسمية كل كتيب من هذا الحجم، تيمنًا بألغاز محمود سالم ومغامريه الخمسة التي كانت قد انتشرت في عقدي السبعينيات والثمانينيات. أزعم أن هكذا استخفاف كان يولد شعورًا خاصًا باللذة لدى كثير من قراء د. أحمد: هم يقتنون كنزًا فريدًا، أما الآخرون فلا. حسب هذا أن يكون عقوبتهم.

وأية عقوبة. استطاع أحمد خالد توفيق، على مدى عقود، أن يخلق عالمًا أدبيًا معقدًا، مترامي الأطراف ومتعدد الطبقات، وممتنعًا عن التلخيص. كان ضجره من كل ما هو مكرر ومبتذل مدخلًا لصوغ أبطال ومسرح أحداث رواياته المركزية بهيئة غير تقليدية. رفعت إسماعيل، «النحيل كقلم رصاص والمدخن كبرلين حين دخلها الحلفاء»، هو عقل نقدي ولا شيء آخر. عبير عبد الرحمن، الفتاة السمراء الفقيرة المُحاطة بمجتمعها الذكوري ومشاكلها العائلية والمالية، الهاربة إلى قراءاتها وخيالها غير المحدود. ترى كم هربت -إلى كتاباتك- فتيات سمراوات فقيرات من مجتمعهن الذكوري ومشاكلهنّ العائلية والمالية يا دكتور؟

لم يطل الزمن حتى اقتحم د. أحمد عالم الرواية الطويلة برواية «يوتوبيا» التي صدرت قبل انطلاق الثورة المصرية بعامين، وتنبأت بعالم ديستوبي قاتم يصل فيه الاستقطاب الطبقي والثقافي في المجتمع المصري إلى منتهاه، فيُهال التراب على أية بقايا لاعتبارات سياسية أو أخلاقية. ازدادت رواياته اللاحقة التي تتابعت بمعدل واحدة كل سنتين أو ثلاث، «السنجة» و «مثل إيكاروس» و«ممر الفئران»، سوداوية وإبداعًا في الوقت نفسه، مبتعدة عن مدارس الرواية العربية التقليدية، لتكرس د. أحمد كواحد من أبرز كُتّاب الرواية الواقعية السحرية في الأدب العربي المعاصر.

إلى جانب كتاباته الأصلية الغزيرة، كان د. أحمد مترجمًا فذًا وظف إحكامه الكامل للغتين الإنجليزية والعربية وقراءاته الواسعة في نقل ما يربو على السبعين من الأعمال الأدبية إلى العربية. تنوعت طبيعة هذه الأعمال، وإن كانت جميعها لم تترجم من قبل، فكان لـ د. أحمد دور مهم بملء ولو جزء يسير من فجوات الترجمات. هكذا ترجم أعمالًا معاصرة لكُتّاب مثل ستيفن كينغ ومايكل كرايتون وتشاك بولانيك، بينما رفد العربية بأعمال كلاسيكية غير مترجمة سابقا لـ لڤكرافت وروبرت ميلفيل وهنري ديفيد ثورو، وآخرين، لتصل كل هذه بسهولة وبأسعار رمزية  إلى أيدي قرائه وقارئاته الشباب من مسقط إلى مراكش.

في كتاباته المتنوعة، كانت لغة د. أحمد سلسة ورشيقة ومعاصرة. ولئن قادت ثقافته الانجلوفونية وخلفيته المهنية كطبيب إلى تسلل مئات  المفاهيم والمصطلحات العلمية والتقنية الأجنبية إلى رواياته، كان حريصًا على البحث عن مقابلاتها العربية أو تعريبها هو نفسه. وفيما كان كلاسيكيًا بتجنبه استخدام الكلمات والإملاء بالعامية المصرية ما أمكن، ذهب إلى النهاية في كسر قوالب التقنيات القصصية المعتادة في اللغة العربية، فكانت رواياته سلسلة لا تنتهي من التجارب في هذا الصدد. أما نبرته الاكثر ترددًا، فكانت السخرية، ثم السخرية، ثم المزيد منها، من أي شيء ومن كل شيء. كانت كراهيته للابتذال بجميع أشكاله، الفنية والسلوكية والسياسية، وسأمه من الضحالة الفكرية المنتشرة في كل مكان، حافزًا أساسيًا، فيما أعتقد، لتفريغ خواطره الساخرة في كتاباته وعلى لسان أبطاله، والتي كان تهذيبه الشديد يمنعه من التعبير عنها في حياته الواقعية. لا يستطيع أي من قرائه إلا تذكر المرات التي لا تحصى التي ضحك فيها بصوت مرتفع وهو يقرأ قصة أو مقالة لأحمد خالد توفيق.

إلى جانب كتاباته القصصية، كان د. أحمد كاتب مقالة من الطراز الرفيع. غطت مقالاته الغزيرة على مدار العقد الأخير من حياته مواضيع سياسية وثقافية وطبية شتى. كان تأييده لثورة 25 يناير واضحًا ومبكرًا، فيما اتخذ خطًا أكثر حذرًا، وحكيمًا كما سيتضح لاحقًا، من مظاهرات صيف الـ 2013 التي أعادت العسكر إلى سدة الحكم، هذا دون أن يؤيد خط «الإخوان المسلمين» وأسلوبهم في الحكم بطبيعة الحال. كانت مقالاته ذات لغة سهلة ومتينة في آن معًا، ومكتظة بالإحالات التاريخية والأدبية. اهتم د. أحمد بشكل خاص بحكم مهنته بنقد شؤون القطاع الصحي المصري المتردية، وبتفنيد أوهام مشعوذي الطب الشعبي والعلوم الزائفة pseudosciences ونظريات المؤامرة عمومًا، ودَأَبَ على استخدام أرقام وحقائق موثقة واقتباس مصادر علمية موثوقة حين الحاجة. قاربت مقالاته كذلك بشكل متكرر شهادته على التحولات المعقدة التي شابت المجتمع والشخصية المصرية منذ الستينيات، إلى جانب ثيمات مألوفة وأكثر كونية كالطفولة والصداقة والنوستالجيا.

كان د. أحمد إلى ذلك مدمنًا للسينما منذ عُمر صغير، كتب عنها وتأثر بها هو وكتاباته بشكل واضح، وكان تحويل بعض رواياته إلى أعمال سينمائية حلمًا تحدث عنه لسنوات دون أن يتحقق لأسباب مختلفة. وهو أيضًا ذو تجارب هاوية في الشعر ورسم الكومكس، وحتى برمجة الكمبيوتر في مرحلة مبكرة في حياته، هذا دون أن ننسى، بالطبع، مهنته الأساسية كأستاذ جامعي لطب المناطق الحارة، الاختصاص شديد المحلية بالضرورة، والمشتبك أكثر من غيره من الاختصاصات الطبية مع علوم إنسانية متعددة كالجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والأنثروبولوجيا.

لم أتفق مع د. أحمد دائمًا، فكانت بعض آرائه محافظة أكثر مما أتوقع تارة، أو ناصرية زيادة عن اللزوم تارة أخرى، ولكني لم أشك يومًا بأنها تصدر عن روح نبيلة وعقل فذ لم يحد عن تحري الحق والحقيقة حتى النهاية. اعتاد أن يفسح المجال ويعرض لوجهات النظر المختلفة معه، وحتى لنشر بعض رسائل القراء التي تخالفه الرأي [ولي شهادتي الشخصية في هذا]. هكذا، كانت كتابات د. أحمد المتنوعة ركيزة فكرية ثابتة عوّلت عليها على مدى عقود ثلاثة وعبر تقلبات الحياة الذاتية والموضوعية على أشكالها. كان حالي كحال مجتمع قراء د. أحمد الممتد أفقيًا باتساعه، وعموديًا بدرجة تبحر القراء واهتمامهم. كان هذا مجتمعًا مختلف الجنسيات، رغم كون غالبيته من المصريين بطبيعة الحال، وعابرًا للأعمار والخلفيات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، لا ناظم له سوى الشغف بكتابات أحمد خالد توفيق، وحتى النهاية.

***

غادرتنا مبكرًا يا دكتور، في لحظة حالكة الظلام وفي عالم ما فتأ يزداد توحشًا ووحشة. كنّا ما زلنا نتعافى من شهر مارس السابق لوفاتك، وفيه شهدت مصر، وروسيا، انتخابات هزلية جددت ولاية رئيسيهما، فيما تفرج الجميع على سحق نظام سوريا آخر معاقل الثورة في غوطة دمشق. وها قد فات على رحيلك عام حزين، عربد فيه وائدو أحلامنا بلا توقف، فغدا القبح والرثاثة القاعدة في كل اتجاه، دون أن يكون لنا، نحن قراءك، أن نلتمس رواياتك ومقالاتك الأسبوعية بحملها الذي لم يكن ينضب من الجمال والحكمة والألمعية.. والابتسامة. هذا بالغ القسوة.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن