حفرة الدينايل
 
 

نور وعاصم يتقابلان منذ فترة، نور عالقة في علاقة شبه مفتوحة مع شاب تحبه منذ المراهقة، تتحدث عن هذه العلاقة باعتبارها منتهية، ولكن دائمًا ما تعود لها. عاصم أيضًا يجاهد من أجل نسيان علاقة قديمة مر عليها أكثر من عام. نور مطربة تقول إنها لم ترض عن أي عمل صنعته في آخر ثلاثة أعوام من حياتها، وعاصم ينوي تحويل مساره الفني من الكتابة الروائية لإخراج الأفلام، ولكن هذه الخطوة لم تحدث أبدًا.

كل لقاءاتهما قبل هذه الليلة كانت في أماكن وفعاليات عامة، هذه أول مرة يتقابلان في منزل عاصم. لم يتحدثا أبدًا عن كون علاقتهما أكثر من صداقة، لكن عاصم بكل تأكيد يرغب في أكثر من ذلك. لاحظت نور مجهوده الزائد في تنظيف المنزل هذا اليوم، انهار كل هذا المجهود فور ملاحظتها عدم وجود ورق تواليت في حمامه، لم تدرِ إذا كان هذا، أو تظاهره غير المقنع بالعادية، هو ما خلق لديها بعض التوتر، ولكن اختياره لما سيشاهدانه سويًا كان محاولة منه للتلميح، قرأتها نور بكل وضوح.

في لقائهما السابق قالت نور إنها تشعر بالخجل من أن الناس تصنف موسيقاها طوال الوقت كـ«نخبوية» وموسيقى «مثقفين»، وأنها سرًا تشعر بإعجاب شديد بموسيقى البوب وتطرب للموسيقى البسيطة ذات جمل الـ bass الراقصة المرحة. تقول إنها تتمنى لو تستطيع صنع موسيقى مشابهة إلا أنها تشعر أن الأون قد فات، وأنها حُبست في هوية لا تعرف كيف أو لماذا تكونت حولها. لذا عندما أخبرها عاصم الليلة وهو يفتح زجاجة النبيذ أنه مهتم هذه الأيام بنوع موسيقي يسمى «سيتي بوب» كان شائعًا في اليابان في الثمانينيات شعرت بإهانة لذكائها، ولم تستمع باهتمام لرغيه عن تفاصيل هذه الجُنرا وعلاقتها بمحاولات تحقيق اليابان لنهضة ثقافية مكبلة بهيمنة أمريكا والتشابهات ما بين هذا الوضع والوضع في مصر.. إلخ.

غادرت نور بعد كأسي نبيذ.

***

اللقاء التالي لم يكن مخططًا له تمامًا، كانت نور بالقرب من منزل عاصم بالصدفة فمرت عليه، كان اللقاء سريعًا ومقتضبًا، واتفقوا فيه على اللقاء لاحقًا في حفلة غنائية في «كايرو چاز كلوب». قال عاصم إن هذا المكان ورواده يصيبونه بسوشيال أنكزايتي رهيبة. ألحت عليه نور أن يأتي، فقال سأفكر. بعد خروجها، شعر عاصم بتوتر شديد ودار في داخله حوارًا لام نفسه فيه بشدة على عدم تحلّيه بمزيد من الصلابة والرسوخ. قال لنفسه: «لماذا أنا لست مثل صديقي رام، عمري ما شفته منسحق أمام ست.عندما تذكر رام؛ تذكر عرضًا كوميديًا أخبره عنه. قال إنه من أغرب وأفضل ما رأى، فتح اليوتيوب وقال سأشاهد أول خمس دقائق، جلس أمام العرض وشاهده حتى نهايته ونسى «كايرو چاز كلوب» وما يحدث فيه.

***

بعد عشرة أيام بدون لقاء أرسل عاصم لـ نور رسالة ليدعوها على العشاء في منزله. أبدت نور موافقة متحمسة. أعد عاصم الطعام، تأخرت نور ساعتين، ثم أخيرًا اعتذرت ولم تأتِ. رغم شعوره العميق بالإهانة ضبط نفسه سعيدًا باقتراحها أن يتقابلا غدًا في الظهيرة بعد موعد عمل لديها. استغرب شعوره هذا، فتح الفيسبوك ليشغل نفسه بأي شيء. أغلق الفيسبوك واستمع لألبوم «بِس» لأقزام شرق العجوزة، في الحمام مع دش طويل جدًا وحبل من أفكار مشوشة يلتف حول رقبته ببطء كثعبان.

في الظهيرة أخذ بعض أصابع محشي ورق الكرنب في علبة بلاستيكية وذهب لمقابلة نور على الكورنيش. أهداها المحشي الذي لم يكن هو من طبخه بنفسه، ثم أخبرها أنه ربما من الأفضل ألا يتقابلا بعد الآن لأنه يعتقد أن مشاعرهما تجاه بعضهما البعض مختلفة وأن هذا آجلاً أم عاجلاً سيقود لتعقيدات لا داعي لها. لم تبدي اندهاشًا كبيرًا وقالت له بابتسامة محبطة: بوظت كل حاجة منك لله.

وضع السماعات في أذنيه – رغم أنه لا يفعل هذا عادة – وسار في شوارع جاردن سيتي الملتوية وهو يستمع لـ Young Thug سعيدًا بقناعته أن لا شيء قادر على حمايته من غبائه سوى غبائه نفسه.

اعلان
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن