خلطة عمرو أديب.. صراخٌ مهدئ للجمهور
 
 

بالنسبة لشريحة معتبرة من جمهور برامج «التوك شوز»، فإن اختيار عمرو أديب كمنبر للمتابعة يبدو الأكثر منطقية. لأن خلطته التي تجمع بين الرياضة والفن والسياسة والمجتمع والطبخ، تختلف مثلًا عما يقدمه أحمد موسى من تأييد صارخ مصاحَب بحالة شعبوية، أو ما يقدمه وائل الإبراشي من حلقات ساخنة يشتبك فيها مع الضيوف كلاميًا، أو ما يقدمه أسامة كمال من التأييد بنبرة هادئة لكنها محدودة وبلا طعم.

في أول أكتوبر 2018، ومع بداية موسم «التوك شو»، وبعد الإجازة الصيفية التي يفضّل فيها مذيعو ومشاهدو هذه البرامج الاستمتاع بالبحر بعيدًا عن المشاكل، أطلّ عمرو أديب على مشاهدي قناة «MBC مصر»، ببرنامج «الحكاية» بعد تعاقده مع المسؤول السعودي الشهير تركي آل الشيخ.

كان أديب قد ترك برنامج «كل يوم» على قناة «أون تي في» في يونيو الماضي، ليثير تكهنات كثيرة بشأن طبيعة عودته على شاشة جديدة، بعد عشرين سنة في برامج «التوك شو»، 18 منها في شبكة «أوربت» السعودية المشفَّرة، واثنين في قناة فضائية مصرية.

ترك أديب «أون تي في» وظهر في الـ «MBC»، فيما يبدو توجهًا جديدًا بتقليص النفقات التي تنفقها الجهات السيادية على الإعلام، وتوجّهًا من النظام السعودي للعب دور أكبر، وأكثر وضوحًا داخل مصر من خلال تركي آل الشيخ رياضيًا وفنيًا وإعلاميًا.

في «الحكاية» لم يتغيّر الكثير في المحتوى الذي يقدمه أديب، فيعود بنفس فريقه وشكل فقراته، بخلطته الشهيرة، التي تتكون من فقرات منوّعة، تمثل وجبة دسمة تشبع مشاهديه: رجاء الجداوي في الاجتماعيات، وفقرة الطبخ والأكل، والفقرة الدينية، والتعليق على المستجدات السياسية والاقتصادية في سولو طويل.

بعد يوليو 2013، كان موقف أديب المؤيد للنظام والجيش والمهاجِم لجماعة «الإخوان المسلمين» متسقًا مع سياسات التوجهات الإعلامية، وهو ماجعله اختيارًا منطقيًا للانتقال إلى شبكة «أون تي في»، ليبّث برنامجه بشكل مفتوح، يصل كل بيت. وقتها تعاقد معه رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، صاحب شركة «إعلام المصريين» التي اشترت القناة من نجيب ساويرس، قبل أن تستحوذ عليها بدورها شركة «إيجل كابيتال».

لكن الاتجاه الواضح لبرنامج أديب الجديد، هو نفس توجهه منذ بداياته، وهو تعبيره عما يمكن تسميته باليمين المصري أو «محبي أنور السادات»، وهو تيار ينتشر بين أفراد الطبقة الوسطى العليا، وما فوقها. يمثل عمرو أديب هذا التيار بصورة واضحة، فمنذ بداياته وجمهوره هو مَن يدفع الاشتراك لشبكة القنوات السعودية حتى يشاهده. هذا التيار هو الذي يتبنى سياسات اليمين المعروفة، لكنه متأثّر في الوقت نفسه ببعض الأفكار الشعبوية المصرية. يرى الفقراء عبئًا حتى لو لم يعلن عن ذلك صراحة، يرحّب بالتعاون الخليجي والأموال الخليجية، ويؤيّد السلام مع إسرائيل، ولا يمانع في التعاون معها. يبدو أديب غير مقتنع بالقطاع العام، ويرغب في تصفيته، ينادي بنظام يتيح الحرية الاقتصادية وحرية الاستثمار والرِبح، ولكن لا يسمح بالحرية الكاملة التي قد تؤدي لصعود تيارات يسارية أو قومية أو إسلامية، قد تهدد تحالف الاقتصاد والسياسة.

وفي برنامج «الحكاية» يمكننا أن نرى نماذج كثيرة لهذه الانحيازات، مضافًا إليها بحكم التمويل؛ الانحياز للمحور السعودي الإماراتي في العداء لقطر وتركيا، فيبدأ البرنامج بفقرة عن «انهيار» الاقتصاديْن التركي والقطري، ويقدم أديب تبريرًا شعبيًا لذلك وهو«نحس الإخوان»، وهي المبررات التي تلاقي هوى من بعض المشاهدين المحبين لأفكار النحس والتشاؤم والحسد، بما فيها من صبغة شعبية.

لا يختلف توجه المحتوى الاجتماعي عن المحتوى السياسي لبرنامج أديب. فمثلًا فيما يخص التعليم، نجده ينحاز لتقليص مجانية التعليم، فيرى أن تعليم مجموعة صغيرة مثلما يحدث في مدرسة الضبعة النووية– تعليمًا جيدًا أهم من تعليم المجموعات الكبيرة، وعلى نفس النهج يؤيد فكرة العريس الكسيب المتعلم بدلًا من صاحب الشهادة الفقير، ففي كلا الموقفين يؤيد أديب أن يكون التعليم للقلة والصفوة، وعلى الأغلبية أن ترضى بنصيبها التعليمي الضئيل، ولا تحمّل الحكومة أكثر من طاقتها، ولتبحث عن مشروع أو حرفة تدر عليها المال .

وكذلك مساندته لوزير قطاع الأعمال للتخلص من الشركات الحكومية الخاسرة، وتأييده لتصفية الشركة القومية للأسمنت، فالتخلص من القطاع العام ومن عدد موظفيه الكبير هي الخطوة الأولى للإصلاح الاقتصادي. أيضًا يهاجِم أفكار مثل تطبيق التسعيرة الإجبارية، لأنها تعيد إلى الذاكرة الممارسات الاشتراكية والناصرية، التي أدّت إلى خراب الاقتصاد والقضاء على القطاع الخاص.

بالطبع يعرِض البرنامج «إنجازات» الحكومة، والتي تتمثّل في إنشاءات العاصمة الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة، وزيادة إنتاج الغاز، ويستضيف رجل أعمال إماراتي، يستثمر في العقارات ليشجع جمهور البرنامج على الاستثمار فيها، فالمطلوب هو ضرورة الاستمرار في ضخ الأموال في الاستثمار العقاري، واعتباره مؤشر للنشاط الاقتصادي، كمواكبة لاتجاهات الدولة، المهتمة بإنشاء الكباري والمدن الجديدة ومحطات الكهرباء.

أما الفقرة الدينية فضيفها الدائم هو د.سعد الدين الهلالي، صاحب التصريح الذي شبه فيه السيسي ووزير داخليته الأسبق محمد ابراهيم بموسي وهارون الذين أرسلهما الله لمصر، والذي يتمّ تقديمه باعتباره الصورة المطلوبة حاليًا لرجل الدين المتسامح والمتفتّح، والذي يقوم بإعمال العقل في الموروث الديني، وهو النموذج الذي يتفق عليه كل من التيار اليميني والنظام المصري حاليًا، فكما انقلب السادات على التيار الإسلامي المؤيد له عند حدوث تصادم، فلقد أصبح التيار اليميني حاليًا متبنيًا لكلمة السادات؛ «لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة»، وأصبح المطلوب هو خطاب ديني مؤيد للنظام، مضاد للإسلام السياسي، ومضاد للسلفيين باعتبارهم الذين يمثلون خطرًا على النظام الكائن الآن.

وفي محاكاة لبرنامج «صاحبة السعادة» لإسعاد يونس يقدم «الحكاية» فقرات إعلانية لبعض المطاعم الشعبية، ولكنها تظهر في شكل إعلامي، حيث يستضيف أديب صاحب المطعم مع ما يقدمه من طعام ويبدي إعجابه الشديد بالطعام.

كذلك يستعين أديب بالنجوم المشاهير مثل غادة عبد الرازق، ومحمد هنيدي، وهيفاء وهبي لجذب قطاع من الجمهور، قد لا يهتم كثيرًا بالسياسة، ولكن يمكن اجتذابه من خلال ظهور نجومه المفضلين، المتاح تمويل ظهورهم بالأموال السعودية المتوفرة.

ولا يفوت عمرو أديب أن يقوم بوصلات مدح مباشِرة للسعودية التي يعيش فيها ثلاثة ملايين مصري في سلام وأمان، والتبرير للسياسات السعودية والإماراتية من خلال استضافة مؤيديهم وتبني وجهة نظرهم في كل ما قد تواجهه السياسة السعودية أو الإماراتية من انتقادات، والإشادة بقناة «العربية» ذات التمويل السعودي.

بالطبع هناك مواضيع اجتماعية يناقشها البرنامج بشكل فيه توعية مفيدة للجمهور مثل التنمر والتحرش والإصابة بالسرطان. لكن في هذه المواضيع، يركز البرنامج بشكل أكبر على دور منظمات المجتمع المدني في التوعية وحل هذه المشكلات أكثر من التركيز على الدور الحكومي ومدى وجود تقصير فيه.

تظل خلطة أديب مهدئ لطيف لجمهوره، خاصة لكاريزما المذيع الذي يمتلك طاقة لا تُبارى في الانفراد بالكاميرا لساعات متتالية، في مونولوجات طويلة، يقول فيها كل شيء، ويلخّص فيها كل شيء، وينوب عن مشاهديه بالتعبير بكل احتمالات الانفعالات الممكنة، ليخرج المشاهد مُتخمًا وفارغًا، والأهم راضيًا.

اعلان
 
 
محمد يحيى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن