اندماج «أوبر» و«كريم»: كيف يستفيد الغريمان على حساب المستهلك؟
 
 

في حين تشهد سوق النقل التشاركي في مصر، والشرق اﻷوسط، منافسة شديدة العنف بين شركتي «أوبر» و«كريم»، يبدو أن هذه المنافسة تقترب من النهاية مع ازدياد إشارات إبرام صفقة تستحوذ بموجبها «أوبر» على «كريم».

ورغم مرور أسبوع كامل على إعلان جهاز حماية المنافسة في مصر، اعتزامه اتخاذ تدابير بحق الشركتين في حال إتمامهما اتفاق اندماج اعتبر الجهاز أنه «يؤثر بالسلب على الاستثمار»، إلا أن أيًا منهما لم تصدر أي بيانات تنفي أو تؤكد وجود مفاوضات بهذا الشأن، رغم تأكيد مصادر لـ «مدى مصر» أن هناك مفاوضات جارية بالفعل بين الشركتين.

وبرغم تحذيرات الجهاز الرسمي لـ «أوبر» و«كريم»، إلا أن صفقة مثل هذه، في حال حدوثها، ستكون بمثابة قبلة حياة يستفيد منها كلا الشركتين، وهو ما أكده محللون اقتصاديون وعاملون في مجال تطبيقات النقل التشاركي، والذين اعتبر أحدهم أن إتمام الصفقة والإعلان عنها «مسألة وقت ليس أكثر».

كانت وكالة بلومبرج قد نشرت في يوليو الماضي، عن مصادر مطلعة، أن «أوبر تكنولوجيز» تجري محادثات أولية مع منافستها «كريم» لدمج خدماتهما لنقل الركاب في الشرق اﻷوسط، وهو الخبر الذي وصفته لاحقًا مها أبو العينين، المتحدث الرسمى لـ «كريم» الشرق اﻷوسط، بأنه مجرد شائعات.

أحد المسؤولين في كريم-دبي، قال لـ «مدى مصر»، مشترطًا عدم ذكر اسمه، إن المعلوم بالنسبة لهم هو أن شركتهم تفاوض عددًا من المستثمرين للحصول على استثمارات جديدة لتوسيع تواجدها وانتشارها بمنطقة الشرق اﻷوسط، مضيفًا أنه بعد تسريب خبر نية «أوبر» الاستحواذ على شركتهم، لم تعلق الإدارة بداية، قبل أن تنفي اﻷمر جملة وتفصيلًا بعد فترة وجيزة، بحسب قوله.

مسؤول آخر بالشركة، شدد بدوره على عدم ذكر اسمه، قال إنهم حين سألوا الإدارة عن حقيقة المفاوضات نفت، ولكن عقب تسريب خبر جديد عن المفاوضات بعد أشهر أرسلت الإدارة التنفيذية رسالة داخلية للموظفين تخطرهم بالتفاوض مع «أوبر» كأحد المستثمرين المتاحين الراغبين في الاستثمار في الشركة، وهي الرسالة التي طلبت الإدارة من الموظفين اعتبارها سرية، بحسب المصدر.

من جانبه، اعتبر خالد إسماعيل، الشريك التجاري في صندوق «الجبرا فنتشرز» -المتخصص في الاستثمار في الشركات الناشئة، أن «كريم» و«أوبر» يحتاجان بعضهما بشدة، وأن خطوة الاندماج ليست غريبة، بل ومتوقعة، مضيفًا أن إتمام الصفقة أصبح مسألة وقت.

واستكمل إسماعيل مفسرًا: «الشركتان تستنزفان قوة بعضهما في التنافس، وهو ما يصب في مصلحة المستهلك في النهاية، فكلاهما يضخ استثمارات ضخمة لاجتذاب العملاء وزيادة حجم الأعمال وتقوية الانتشار في سوق كبيرة وبكر هي الشرق الأوسط. لذا كان أمامهما خياران نهايتهما متشابهة؛ الأول يتمثل في الاتفاق على أسعار الخدمات لوقف حرب تكسير العظام، وفي هذه الحالة ستواجهان تهمة الاحتكار، أما الخيار الآخر فهو الاندماج، وأيضًا في هذه الحالة ستواجه الشركتان نفس التهمة».

الرأي نفسه أكده مسؤول سابق في قطاع تطوير الأعمال في شركة كريم، مرجحًا أن يكون سبب عدم إفصاح الشركتين عن حقيقة المفاوضات هو اتفاقات السرية التي ربما تم توقيعها قبل بدء المفاوضات، وهي، بحسب قوله، إجراء متبع في عمليات الاستحواذ أو الاندماج الكبرى، للحفاظ على استقرار وتيرة العمل بالشركة وعدم تأثر الموظفين بأنباء التفاوض.

المسؤول السابق، الذي تحدث لـ «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه، رأى أن «أوبر» في اﻷغلب هي مصدر تسريب أخبار المفاوضات، حتى تزيد من فرصها في إتمام الصفقة عبر التأثير على «كريم» إعلاميًا، ما يمثل عامل ضغط لإبرام الصفقة من خلال إفشال أي محاولات لاجتذاب استثمارات من شركات أخرى.

تسريب أخبار المفاوضات الخاصة بصفقة الاندماج دفع جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية لإخطار الشركتين رسميًا، في سبتمبر الماضي، بأن عليهما الحصول على موافقة مسبقة من الجهاز قبل حدوث أي اتفاقات أو تعاقدات استحواذ بينهما.

وأوضح البيان الصحفي الذي أصدره الجهاز أنه خاطب «أوبر» و«كريم» لإفادته بصحة ما يتم تداوله بشأن صفقة اندماجهما، وجاءت ردود الشركتين تنفي إبرام أي تعاقدات بهذا المعنى، وإن كانت لم تنف وجود جولات تفاوض في هذا الشأن.

في مؤتمر صحفي عقده يوم الإثنين الماضي، قال رئيس جهاز حماية المنافسة، أمير نبيل، إنه بناء على عدم نفي الشركتين وجود مفاوضات بينهما، فإنه يجب عليهما إخطار الجهاز قبل 60 يومًا من إبرام أي اتفاق، وذلك وفقًا للمادة السادسة من قانون حماية المنافسة، وهو ما يشمل الاتفاقات التى تبرم خارج جمهورية مصر العربية، وفقًا للمادة الخامسة من القانون نفسه. وإذا لم تلتزم الشركات بذلك فإن للجهاز الحق في اتخاذ كافة الإجراءات القانونية والتى قد تصحبها غرامات تصل إلى 500 مليون جنيه على كل شركة.

من جهته، اعتبر خالد إسماعيل -من صندوق «الجبرا فينتشرز»، أن لكل من «أوبر» و«كريم» دوافعها لإبرام مثل تلك الصفقة؛ مفسرًا بأن «كريم» تواجه مشكلة تعاني منها أغلب شركات تكنولوجيا النقل الذكي، وهي أن الطريق الوحيد لجذب استثمارات لتوسيع حجم أعمالها هو المنافس لها، مثلما حدث مع شركة سوق دوت كوم، التي لم تجد وسيلة لجذب استثمارات لتحافظ على تواجدها الإ من خلال الاندماج مع شركة أمازون.

وظلت «سوق دوت كوم» منذ عام 2016 تبحث عن جذب استثمارات جديدة لتمويل توسعاتها وتواجدها بمنطقة الشرق الأوسط، وتسربت في ذلك الوقت أنباء عن وجود عرض استحواذ من «أمازون» بقيمة مليار دولار، إلا أن الصفقة لم تتم سوى في مارس من العام الماضي، ولم يفصح عن قيمتها وقتها إلا أن بيانات سوق الأوراق المالية ناسداك أظهرت أن قيمة اكتمال صفقة الاستحواذ تُقدر بحوالى 580 مليون دولار.

واستكمل إسماعيل بأن «كريم» في وضع لا تحسد عليه، فهي تحتاج لجذب استثمارات خلال الفترة الحالية لتبقى على قيد الحياة وإن كان هذا، بحسب قوله، يظل حلًا مؤقتًا، لأنها بحاجة إلى استثمارات ضخمة لتتمكن من البقاء و المنافسة والتوسع لتحقق الأرباح، ولذلك الخيارات أمامها محدودة وتكاد تكون معدومة باستثناء الاندماج مع شركة أوبر.

كانت «كريم» أعلنت في بيان لها قبل أيام أنها تمكنت من اجتذاب استثمارات جديدة بقيمة 200 مليون دولار بقيادة «التقنية السعودية للاستثمارات»، وبالشراكة مع «مجموعة الطيار»، و«المملكة القابضة»، وشركة راكوتن اليابانية، وأضاف البيان أن هذا يعتبر أول استثمارات ضمن الجولة الاستثمارية التي تستهدف 500 مليون دولار، وأن هذه الأموال ستستخدم في تمويل توسعاتها والاستثمار في مجال التكنولوجيا الحديثة بجميع أنحاء المنطقة.

أما دوافع «أوبر» لإتمام الصفقة، بحسب إسماعيل، فتتمثل في تعويض الضربات التي تلقتها خلال الفترة الماضية في عمليات التشغيل بمنطقة الشرق الأوسط وأسيا وأوروبا، حيث اضطرت للخروج من عدد من أسواق آسيا وأوروبا لأسباب مختلفة -بعضها قانوني، وبعضها يرجع لمنافسة شرسة- إضافة الى استنزاف قوتها في المنافسة مع «كريم» بمنطقة الشرق الأوسط.

فضلًا عما يسهم فيه إتمام صفقة الاستحواذ على «كريم» من زيادة في القيمة السوقية لشركة أوبر، يزيد من فرص الحصول على سعر جيد لأسهمها خلال طرحها للاكتتاب العام بالبورصة مطلع العام المقبل. وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال تلقت «أوبر» مقترحات من بنوك قدّرت قيمة الشركة بمبلغ 120 مليار دولار للطرح للاكتتاب العام، وقالت الصحيفة إن الاكتتاب العام قد حُدد داخل الشركة بشكل نهائي ليتم في وقت ما من العام المقبل.

كان رئيس جهاز حماية المنافسة قد اعتبر أن «اندماج أوبر وكريم سيصعب المنافسة على أي شركة جديدة تريد الدخول في المجال»، حسبما قال في تصريحات صحفية على هامش الأخبار المتداولة عن صفقة اندماج الشركتين. وذلك بعدما أوضح خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده هذا اﻷسبوع، أن أحد أسباب مطالبة الجهاز لـ «أوبر» وكريم» بالكشف عن كيفية الاندماج أو الاستحواذ هو وجود مؤشرات على حدوث ضرر في تنافسية الأسواق من شأنها التأثير على ملايين المتعاملين معهما في حالة اندماجهما، لافتًا إلى أن «كريم» وشركة «أسطى» للنقل الذكي عبر تطبيقات الهاتف المحمول، سبق وأن قدما شكوى في الجهاز ضد «أوبر» عام 2016.

ولفت نبيل إلى أن عدم قدرة «أسطى» على منافسة «أوبر» و«كريم» دفعها للخروج من السوق، وهو ما أدى إلى الإضرار بالمنافسة، موضحًا أن «أسطى» كانت تخدم بعض المناطق التى لا تصل إليها الشركات المنافسة (أوبر، وكريم)، وأن الشركات كانت تمنح حوافز أعلى وفقًا للقدرات التمويلية للمنافسين، ما حرم «أسطى» من المناطق التى فتحتها لنفسها، وهو ما أدى إلى خروجها من السوق.

وفي حين قال نبيل «نحن جهاز حماية المنافسة الوحيد على مستوى العالم الذي لا يستطيع اتخاذ قرار فرض غرامة أو تدابير سلوكية أو هيكلية، وينتظر دائمًا المحاكم الاقتصادية للفصل فى القضية حتى نحاسب الجهة على عدم تنفيذ قرار الجهاز»، رأى خالد إسماعيل أن جهاز حماية المنافسة يجب أن يتدخل لمنع إتمام الاندماج، وألا ينتظر إبرام الصفقة لتغريم الشركات؛ لأن هذا، من وجهة نظره، يتنافى مع مهام الجهاز والتى تتلخص في منع الممارسات الاحتكارية وليس التغريم.

اعلان
 
 
علاء حجاج 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن