«زاوية» في نسختها الجديدة: بين المثابرة والتفاوض
 
 

الزقاق المتفرع من شارع طلعت حرب أقل ازدحامًا وأجواؤه أقل بهجة. اختفت تلك الحلقات الصغيرة التي تضج بشباب مندمجين في نقاش حي ومحتدم، والتي طالما احتلت الرصيف والشارع، وامتدت إلى الكراسي البلاستيكية للقهوة المجاورة. الكراسي خالية الآن، والباب الأزرق الضيق الذي ميز مدخل سينما «زاوية» مغلق. المكان معتم، ولافتة النيون الزرقاء المميزة بتصميمها اللافت لم تعد هنا.

في يوم آخر كان هذا المنظر ليكون مشهدًا حزينًا، مشهد النهاية الممكنة لمساحة للسينما البديلة. لكن للمفاجأة فالأمر مختلف، والهدوء في هذا الركن من وسط البلد لا يعني النهاية بل بداية جديدة في مكان آخر. على بعد بضعة شوارع للشمال، هناك لافتة مضاءة أحدث وأكبر، لكنها تلمع هذه المرة في المساحة المتسعة لشارع عماد الدين، لا مزيد من الاختباء أو استجداء المساحات.

مدخل زاوية القديم، من سينما أوديون، في الزقاق المتفرع من طلعت حرب

مدخل سينما زاوية الجديد، في شارع عماد الدين - المصدر: لميس مجدي

على مدار الأربعة أشهر الماضية، أشرف الفريق الصغير الذي يدير «زاوية» على عملية تجديد شاملة في محاولة لتحويل سينما «كريم»، حيث أقامت «زاوية» عروضًا مختلفة من وقت لآخر، إلى المساحة التي طالما حلموا بها لمشروعهم. تم افتتاح المحل الجديد في 12 سبتمبر ببرنامج استيعادي يضم 20 فيلمًا مرممًا ليوسف شاهين، بالإضافة إلى ورش موازية ومحاضرات متخصصة تبحث في إرث صانع الأفلام في الذكرى العاشرة لوفاته.

«زاوية»، المساحة

طبقاً ليوسف الشاذلي، المدير التنفيذي للسينما، فإن المساحة التي احتلتها «زاوية» منذ افتتاحها في 2014 في سينما «أوديون» أصبحت مصدرًا مستمرًا للإحباط. «أول ما ابتدينا محدش كان مصدق قوي في المشروع، عشان كدا كنا عارفين إن إحنا لازم نوافق على كل حاجة، حتى لو أقل من معاييرنا، كنا محتاجين نثبت نفسنا الأول» يقول الشاذلي، «عشان كدا قبلنا الاتفاق مع (أوديون) مع أن القاعة اللي خدناها كانت صغيرة وفيها مشاكل تقنية.»

خطرت فكرة «زاوية» للمرة الأولى في ذهن صانعة الأفلام والمنتجة ماريان خوري، المديرة التنفيذية لأفلام مصر العالمية ومؤسسة بانوراما الفيلم الأوروبي الذي احتفل بنسخته العاشرة والأكثر نجاحًا حتى الآن العام الماضي، في عام 2013. خططت خوري، والدة الشاذلي وابنة أخت شاهين، في الأصل لبدء المشروع في مدينة ستة أكتوبر وتحديدًا في مجمع أمريكانا بلازا الترفيهي. كان هذا هو المكان الذي حازت فيه أفلام مصر العالمية دار سينما متعددة الشاشات. كانت الفكرة هي البناء على نمو البانوراما وإقامة مكان لعرض الأفلام غير التجارية والتي عادةً ما لا تجد طريقها لسوق الفيلم المصري –سواء كانت أوروبية أو غير ذلك- طوال العام.

يتذكر الشاذلي قائلًا «كنت لسا سايب شغلي وقتها ومش متأكد حعمل إيه وبعدين حسيت إني عايز أكون جزء من المشروع، بدأت وقتها بإني قلت لها إن ستة أكتوبر أكيد مش المكان المناسب، كدا المشروع فشل من قبل ما يبدأ، بعد كدا الأمور تطورت، وقلت لها (…خوري) يا أنا يا إنتِ في المشروع دا» قالها وضحك.

خوري، المنشغلة دائمًا بأنشطتها في شركة أفلام مصر العالمية، كانت سعيدة بتسليم المشروع لشاذلي، وتم الاتفاق على أن «زاوية» –ورغم ارتباطها بأفلام مصر العالمية واحتلالها لمكتب في ذات البناية في وسط البلد- ستكون ذات بناء وميزانية وطاقم ونظام عمل مستقلين.

في عملية تسلّمه لإدارة المشروع، رأى الشاذلي فرصة في المشهد المتغير لوسط البلد، حيث تجاهد السينمات –التي كانت تفيض بالجمهور من محبي الأفلام في أواخر التسعينات وأوائل الألفية- للبقاء والاستمرار. يعود هذا جزئيًا إلى أن اطلاق الأفلام المصرية أصبح موسميًا لكنه أيضًا بسبب الانتشار السريع لدور السينما متعددة القاعات، وخاصة في الضواحي الواقعة خارج قلب القاهرة.

يرى الشاذلي أن مركزية وسط البلد مصحوبة بالتغير في أنماط الخروج لمشاهدة الأفلام خلقت فجوة يمكن أن تملأها «زاوية» عبر تقديم مفهوم مختلف. «حصل تغيير كبير مع ظهور الـmultiplexes ومفهوم المرواح للسينما كله اختلف، وسينمات وسط البلد مبقتش تعمل فلوس غير في العيد» يقول الشاذلي، «كان في وقت مكنتش تقدر تعدي الشارع من الطوابير قدام «أوديون»، دلوقت الدنيا مبقيتش كدا خالص، ودا سبب إنهم وافقوا يدونا واحدة من قاعاتهم.»

هناك أيضًا هذا العامل المتعلق بكون وسط البلد في القاهرة  كان مركزًا فنيًا وثقافيًا، –بعد عامين من قيام ثورة يناير 2011-، ومازال مزدهرًا ومترعًا بالفرص والاحتمالات. يقول الشاذلي «كنا محظوظين في التوقيت، لإن طاقة ما بعد 2011 مكانتش ماتت، وتوابع أحداث 2013 مكانتش سيطرت بالكامل.» كان موقع «أوديون» جائزة إضافية بفضل قربه من المساحات الثقافية الأخرى مثل «جاليري تاون هاوس» و«مركز الصورة المعاصرة»، بالإضافة إلى أماكن السهر ذات الشعبية في وسط البلد مثل بار «أوديون» وبار «اللوتس» و«النادي اليوناني».

قاعة العرض في زاوية القديمة

بدأ الاتفاق مع «أوديون»، المملوكة لشركة نيو سينشري للإنتاج والتوزيع، كفترة اختبار تمتد لستة أشهر يوضح فيها فريق «زاوية» قدرة المشروع على اجتذاب جمهور وتحقيق مبيعات كافية من التذاكر. «في الأول كان صعب نعرف الناس عننا. الناس مكانتش فاهمة قوي إيه «زاوية» دي، مهرجان يعني ولا سينما ولا إيه؟»، يقول يوسف الشاذلي. «فتحنا في مارس 2014، وبعد خمس شهور كان شكلنا حنتطرد في آخر فترة التجربة.»

لم يتغير الوضع إلا مع إطلاق الجزء الثاني من فيلم أمير رمسيس «يهود مصر» متبوعًا بالبرنامج الاستيعادي الأول لأفلام شاهين الذي رتبه فريق «زاوية» في شتاء 2014. «الحدثين دول أنقذونا،» يتذكر الشاذلي. «كانت أول مرة نشوف السينما كومبليه في عروض ورا بعض، ومن ساعتها بدأت الأمور تتحسن.»

تبع ذلك نجاحات أكثر، يبرز من بينها برنامج «مزج: الفيلم التسجيلي من زاوية مختلفة» وهو برنامج تضمن 20 فيلمًا يجمعهم استكشاف مقاربات مختلفة لطريقة صنع الأفلام غير الروائية. نسقت البرنامج عالية أيمن، منسقة البرامج الخاصة في «زاوية»، في مايو 2015. «أعتقد إن أول سنتين كانوا كويسين جداً،» يقول الشاذلي. ««زاوية» كانت بتكبر، وبشكل عام اللي حصل فاق توقعاتنا.»

لكن بحلول العام الثالث لعمل «زاوية» بدت تلك المساحة في «أوديون»، والتي خدمت المشروع جيدًا خلال مراحله الأولى، أضيق من اللازم. رسخت العروض التي اجتذبت حضورًا واسعًا مثل «أيام القاهرة السينمائية» (المهرجان الذي انطلق في 2016) والنجاح المذهل لفيلم كوثر يونس «هدية من الماضي» (إنتاج 2015) هذا الشعور بضيق المكان. يعلق الشاذلي على الأمر قائلاً «حسينا إن خلاص إحنا ما بقيناش المشروع الصغير دا وإن إحنا عندنا معاييرنا والوقت جه إننا نحاول نطبقها.»

من خلال «زاوية»، طمح الشاذلي إلى تزويد محبي الأفلام بما هو أكثر من فكرة الأفلام المختارة بعناية. أراد أن يقدم لهم تجربة متكاملة تبقى في الذاكرة وتتركهم راغبين في تكرارها مرة بعد مرة. المشكلة في «أوديون»، على حد قوله، لم تكن فقط نظام الصوت والعرض المعيب في الصالة، وإنما أيضًا الممر الضيق الذي عمل ككافيتيريا، وحقيقة أن المكان مختبئ في ركن صغير من وسط البلد ليس من السهل الوصول إليه. يوضح الشاذلي قائلًا «بدأت أحس إني عايز مساحة أتحمس أوريها للزوار من برا مصر، دايمًا لما كان ييجي القاهرة حد مهتم يشوف الشغل اللي بنعمله كنت ببقى شايل هم إني آخده «زاوية».

«أول ما بدأت أتخيل «زاوية» كنت في واحد من سينمات «كيرزون» في لندن، وفكرت إن دا اللي أنا عايزه: مساحة الناس تقدر تزورها مش بس عشان تشوف أفلام، لكن كمان عشان تخرج، تشتغل، تشتري أسطوانات دي في دي لأفلام قديمة، مكان فيه قهوة لذيذة، أو بار لو ممكن، بوسترات على الحيطة، إنترنت كويس،» أكمل الشاذلي. «بس بصراحة (زاوية) عمرها ما كانت المكان دا، بالنسبة لي على الأقل.»

حين كانت زاوية في أوديون. كان نصف الممر الخلفي يستخدم ككافيتيريا

كان الاتفاق مع «أوديون» شديد الهشاشة طبقًا للشاذلي، حيث لم يكن هناك عقد يثبت الاتفاق. بالإضافة إلى ذلك فإن عوائد بيع التذاكر كانت تقسم بالتساوي بين موزع الفيلم المعروض وملاك السينما، مما لا يترك نصيباً من العوائد لـ«زاوية». كان وضعًا لا يمكن وصفه بالمربح، وضعًا شكل خطرًا دائمًا على استمرارية المشروع.

كان الشاذلي واثقًا من أن «زاوية» قد أصبحت في مكان يتيح لها أن تدير ثلاث شاشات بنجاح، لهذا حاول إقناع «أوديون» بإعطائه السينما كاملةً. وحتى نقطة معينة في المفاوضات، بدا الشاذلي قريبًا من الوصول إلى اتفاق مرضي، لكن الأمر انهار بسبب تغير مفاجئ في الإدارة. كانت تلك اللحظة، طبقًا للشاذلي، التي بدأوا فيها التفكير بجدية في إنهاء المشروع برمته. «كنا خلاص وصلنا لمرحلة إن لازم يا نكبر يا نقفل. مفيش طريق تالت،» يقول الشاذلي.

لكن المفاوضات مع «نيوسينشري» –التي حازت قاعتي سينما «كريم» في العام ذاته الذي فتحت فيه «زاوية»- أتت بخيار جديد: تحظى «زاوية» بسينما «كريم» كاملة، وتستثمر نيوسينشري وشركة أفلام مصر العالمية بالتساوي في عملية تجديد السينما. كانت عملية مفاوضات طويلة ومرهقة، لكن عقد العشر سنوات الذي توصلت إليه «زاوية» في النهاية يعطيها 50% من عوائد بيع التذاكر وحق الإدارة المطلق في المكان حتى خلال الأعياد.

«من كام سنة، كان صعب نتخيل الاتفاق دا،» يقول الشاذلي. «بس إحنا أظهرنا قدرتنا إننا ننجح الفكرة. الموضوع خد مننا أربع سنين، بس دلوقت أخيرًا عندنا اتفاق أحسن كتير.»

المصدر: لميس مجدي

التجديدات تضمنت إقامة نظام عزل للأصوات الخارجية وإعادة تصميم القاعات لتحتوي على أبواب مزدوجة وترتيب للمقاعد أشبه بذلك المتبع في الاستادات لرؤية أفضل للشاشة. كما تم تجديد المدخل والكافيتيريا وواجهة السينما على شارع عماد الدين بالكامل. يقول الشاذلي «شكل السينما بقى مختلف تمامًا،  وإحنا مبسوطين جداً بيها.»

لكن رغم كل ما سبق، مازال لدى الشاذلي ما يقلقه. «استثمارات نيوسينشري وأفلام مصري العالمية ديون علينا، ودي حاجة عمرها ما حصلتلنا،» بحسب الشاذلي. هذا يعني أن الأولوية الآن هي لتحقيق أرباح تكفي لتغطية التكاليف التي يتحملونها، وهو أمر يفرض آليات عمل مختلفة كليةً بالنسبة لـ«زاوية».

«زاوية»، البرنامج

على الرغم من أن مشاكل الطاقة الاستيعابية للمساحة تبدو وقد تم حلها، تظل هناك تحديات أكثر، وبخاصة على جبهة الترجمة. كانت «زاوية» قد سوقت في البداية باعتبارها «سينما للأفلام الفنية» بشعار ينص على أنها «سينما للأفلام اللي ما بتنزلش السينما»، طبقًا لهذا التصور فقد صممت استراتيجية «زاوية» البرمجية لتتضمن عروضًا خاصة مثل برنامج «مزج» للأفلام التسجيلية. سمح هذا الأمر لمحبي الأفلام بمشاهدة مجموعة من الأفلام لم تتاح لهم المنصة للعرض من قبل في السوق المصري المقتصر بطبيعة الحال على تفضيلات الجمهور الواسع من مرتادي دور السينما والاعتبارات الاقتصادية للموزعين. لكن هذه الرؤية المبكرة مرت بعدد من التعديلات على مر السنين بعضها كان كبيرًا في أثره.

حتى اليوم يظل برنامج «مزج» برنامجًا استثنائيًا بالنسبة لـ«زاوية»، بالإضافة إلى طيف متنوع من عروض المرة الواحدة والبرامج القصيرة كان أغلبها برامج استيعادية لمخرجين. أصبح الأمر الجوهري لاستمرار المشروع هو البرنامج العادي لعرض الأفلام الحديثة لمدة أسبوعين. خصص هذا البرنامج لأفلام عالمية تمتعت بنجاح ملحوظ في المهرجانات ولكنه امتد ليشمل الإنتاجات الأكثر تجارية (مثل الفيلم الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم لعام 2015 «بيردمان» أو الفيلم الاستعراضي الناجح «لا لا لاند»)، والتي تعرض عادة بالتوازي في دور سينما أخرى في مصر.

في هذا السياق، يرى كل من يوسف الشاذلي وعالية أيمن هذا الانحراف عن الرؤية الأصلية ضرورة ليست مضرة بالمعنى. أصبح كل منهما يرى «زاوية» كمساحة متنوعة. «مع الوقت بقينا نفهم إيه الأفلام اللي ممكن تتعرض لمدة أسبوعين، الأفلام دي غالبًا بتبقى الأفلام اللي مخرجها معروف، أو في نجوم في فريق تمثيلها، أو فازت بجوايز كتير في العالم كله. الأفلام التانية اللي عايزين نعرضها لكن مفيهاش المواصفات دي بيشتغلوا أحسن كجزء من الأحداث المستقلة أو العروض الفردية» قال الشاذلي شارحًا.

قرار المرونة فيما يخص اختيار الأفلام المعروضة جاء أيضًا من الإدراك المتعاظم بإن الجمهور المتزايد بانتظام لـ«زاوية» لم يعد مقصورًا على جمهور الفنانين ومحبي الأفلام الذي جذبته «زاوية» عند بداية عملها. الوقت الذي وصفته أيمن قائلة «لما كان الجزء الأكبر من الجمهور في أي ليلة عرض هم أصحابنا ومعارفنا في صناعة الأفلام». ثم عقبت «الشعور دا بالحميمية كان هايل في الأول، بس بعد شوية وقت جمهورنا ابتدى يختلف.»

أضاف الشاذلي على نقطة أيمن قائلًا «إحنا راضيين باللي بنعمله دلوقت، خاصةً لأن مكان زي سيماتك موجود (مركز بديل للفيلم في وسط البلد في القاهرة بدأ عمله في 2014)، من وجهة نظري هم دلوقتي اللي بيرضوا أذواق الجمهور المتخصص دا ببرنامجهم، اللي هو مختلف تمامًا عن برنامجنا.»

في الوقت ذاته يعترف كل من أيمن والشاذلي أن برمجة «زاوية» غير متسقة ويقران بأنه حتى هذه اللحظة فإن البرامج التي تحتوي عنصر التنسيق كانت أقل كثافة مما انتووا بدايةً. «كان في ضغط اقتصادي كبير علينا دفعنا للاعتماد على الأفلام الجديدة، ولما ابتدينا نكبر، موزعين أكتر بقوا عايزين يشتغلوا معانا،» قال الشاذلي. من ناحية أخرى رحب الفريق عادة بحقيقة أن كيانات أخرى –مثل مهرجان دي كاف، ومهرجان شنيت ومهرجان القاهرة الدولي لأفلام المرأة– عادةً ما أرادوا تأجير «زاوية» لصالح مناسبات خاصة بهم. لم يمثل هذا فقط مصدرًا إضافيًا للدخل وإنما بدا وكأن التعاون مع فاعلين آخرين في المشهد الثقافي للمدينة يقوي مشروعهم. أدى كل ذلك، بحسب الشاذلي، إلى جدول شديد الازدحام واحتلال مواعيد كان يمكن للمزيد من البرامج الخاصة أن تحتلها.

قاعة العرض الصغيرة، في سينما زاوية الجديدة. تصوير: لميس مجدي

الآن وقد أصبحت «زاوية» تدير قاعتين للعرض في سينما «كريم» –تتسع الأولى لتضم 310 أشخاص بينما يمكن للثانية أن تستقبل 78 شخصًا- يعتقد كل من الشاذلي وأيمن أنه سيكون هناك مساحة أوسع لبرمجة غير تقليدية. «عايزين البرمجة بتاعتنا تكون معتمدة أقل على الأحداث الخاصة، عشان كدا بنطمح يكون عندنا بالإضافة للبرامج المكثفة عروض فردية طول الأسبوع،» يقول الشاذلي. «عايزين الناس تحس إن ممكن ييجوا (زاوية) في أي يوم عشوائي وسط الأسبوع مش عارفين إيه اللي بيتعرض فيه ويكونوا متأكدين إنهم حيلاقوا حاجة مثيرة للاهتمام.»

نتج البرنامج الافتتاحي للمقر الجديد لـ«زاوية» «يوسف شاهين: النسخ المرممة»، عن سنوات من العمل الذي قامت به ماريان وأخوها جابي خوري لترميم فيلموجرافيا يوسف شاهين، وإنتهيا بالفعل من ترميم 20 فيلمًا. بعض الترميمات أجريت في مصر بينما تم ترميم آخرين –الأفلام التي انتجت بالمشاركة مع جانب فرنسي- في السينماتيك فرانسايز، وفيلم واحد في شينيتيكا دي بولونيا. «هو مش برنامج منسق بالمعنى، إحنا بس بنحتفل بالترميمات وكنا حابين يبقى في بداية لنقاش حوالين الحالة البائسة لنسخ الأفلام العربي وإيه اللي ممكن نعمله بخصوصها، لإننا محتاجين نتحرك بسرعة،» قالت أيمن.

فيلم الأرض | النسخة الأصلية والنسخة المُرممة

الفرق بين النسخة الأصلية والنسخة المُرممة لفيلم الارض.الفيلم هيتعرض النهارده الساعة ٧، التذاكر الباقية محدودة جداً تقدروا تيجوا بدري وتحجرزوا من شباك التذاكر او اون لاين من اللينك ده: https://goo.gl/SFYx7Fنشوفكم في السينما!#شاهينxزاويةCheck out the difference between the restored and original copy of "The Land/ Al Ard".The film will be screened today at 7pm, the remaining seats are very limited, come early and book your ticket from the box office or online through this link: https://goo.gl/SFYx7FSee you at the cinema.

Posted by Zawya on Monday, 17 September 2018

مع ذلك يمكن ملاحظة لمسة أيمن التنسيقية في البرنامج الموازي للعروض، بشكل خاص في ماستركلاس باسل رمسيس حول تطور تقنيات حكي شاهين، وورشة بعنوان «هذه الأرض ستكلمك بالإشارات» مع الفنانة والمنسقة الفنية آلاء يونس، حيث يستكشف المشاركون كيف يعاد بناء الأحداث التاريخية الفارقة في السينما. يهدف البرنامج الموازي إلى استكشاف كيف يمكن «اللعب» بالأعمال الأكاديمية المنتجة عن السينما العربية، وليس فقط في شكل كتابة نقدية. تفسر أيمن الأمر قائلة «عشان كدا وجود (آلاء يونس) مهم، لإنه بيوضح إزاي السينما ممكن تبقى مادة خام لأنواع مختلفة من الإنتاج.»

في فبراير 2018 شاركت آلاء يونس في مهرجان برلين السينمائي الدولي ضمن قسم «الملتقى الممتد-Forum Expanded» بتركيب فني(السد العالي) يقدم عناصر من عملين لشاهين تم صنعهما بتكليف من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لصنع فيلم عن عملية بناء المشروع القومي الهائل. حينما رُفِضَ فيلم شاهين «الناس والنيل» –والذي انتهى من تصويره في عام 1968- عدل فيه ليتحول إلى النسخة التي قبلتها الدولة في عام 1972. لم يتم إطلاق النسخة الأولى حتى عام 1997 وأطلقت تحت اسم «النيل والحياة». حينما شاهدت أيمن العمل الخاص بآلاء يونس في برلين قررت أن تضمه إلى برنامج شاهين. لكن بما أن «زاوية» لا تحتوي على مساحة عرض، فقد توجب عليها أن تبتكر شكلًا آخر لتضم روح العمل. في النهاية تولدت لديها فكرة ورشة «هذه الأرض ستكلمك بالإشارات»، والتي تأمل أيمن أن تكون خطوة مبدئية لتكوين مجموعة عمل.

«شاهين هو أكتر صانع أفلام عربي موثق، بس في لسة كتير يتقال عنه، مش بس كصانع أفلام، وإنما كمدخل لإزاي إحنا بنكتب عن تاريخ السينما.» تقول أيمن.

في الوقت ذاته فإن باسل رمسيس كان قد درّس سابقًا ورشة عمل حازت نجاحًا لافتًا عن سينما المرجعية الذاتية في مقر ورش دهشور، وهو منزل عائلي في بلدة صغيرة جنوب القاهرة أعادت ماريان خوري تهيئته ليصبح مكانًا لإقامة الورش والإقامات الفنية، ولهذا السبب فكرت أيمن في أنه قد يكون الشخص الصحيح لتشريح ما يشير إليه الناس عادة بأعمال شاهين «الذاتية».

«أسلوب باسل متشبع بنظرية المؤلف، بس الطريقة اللي بيربط بيها كل حاجة مع بعض ذكية جدًا، وحاسة إن دا ممكن يبقى مكان كويس نبتدي نفكر منه بشكل مختلف في شغل شاهين.» تقول أيمن. «أتمنى إننا نقدر نكتب أكتر عن شاهين في إطار علاقته بينا، دلوقت، مش اللي عمله، لكن الأهم ليه هو مكمل معانا.»

برنامج «يوسف شاهين: النسخ المرممة». تصوير لميس مجدي

الخطة الآن بالنسبة لـ«زاوية» هي استمرار إطلاق الأفلام الجديدة بانتظام في القاعة الكبيرة بينما تخصص القاعة الصغيرة للبرامج المنسقة والأحداث الخاصة.«أنا براهن على القاعة الأصغر. أنا حاسة إن دا حيبقى جحر للناس اللي بتحب السينما يتجمعوا فيه عشان يتفرجوا ويناقشوا كل الحاجات اللي بيهتموا بيها.» قالت أيمن بحماسة.

«إحنا عايزين نفضل نجذب جمهور أوسع، بس في نفس الوقت نوثق علاقتنا بالمجتمع المتخصص من الفنانين وصناع الأفلام، لإني بفكر إن هي دي الدواير اللي قصرنا في حقها،» تقول أيمن. «إحنا مش عايزين نكون نخبويين، بس مش عايزين نكون بياعين برضه. في توازن دقيق بنحاول نوصل له.»

للمرحلة الثانية من «زاوية»، تأمل أيمن أن تدعم البرمجة بشكل أقل مفهوم «السينما الفنية»(art-house) وتركز أكثر في تحديه. «حاسة إن الوقت جه لإننا نتشكك في العوامل اللي بتخلق فكرة السينما الفنية دي وإحنا واقفين فين منها،» تقول أيمن. «كمان في قضية السينما المستقلة أو البديلة – هي مستقلة عن إيه أو بديلة لإيه؟ إيه هي الجماليات إللي بندعمها، وإيه معناها؟».

لأن «زاوية» لا تلعب دور اكتشاف أفلام مهمة بشكل أو بآخر ولكنها تجلب للجمهور أفلام معترف بأهميتها بالفعل، ترى أيمن أن أقل ما يمكن عمله هو إمعان النظر في النظام الذي عن طريقه يولد هذا الاعتراف. «مع حدث زي أيام القاهرة السينمائية على سبيل المثال، الشيء الوحيد اللي بنعمله هو إننا بنجمع الأفلام العربية اللي راحت بالفعل لمهرجانات أفلام حول العالم وبنعرضهم هنا. بس مين قرر إن دي أحسن أفلام السنة، وليه؟ مين بيحط المعايير؟» تقول أيمن. «إحنا محتاجين إننا نفحص العالم الحالي اللي بنتحرك فيه – إزاي المهرجانات بتشتغل؟ إيه تأثيرها علينا كصناع أفلام ومبرمجين؟»

جزء من أجندة أيمن كمبرمجة في الوقت المقبل هو تسليط الضوء على التقاليد الطليعية من جميع أنحاء العالم كمحاولة للتشجيع على التفكير في أساليب بديلة لصناعة الأفلام بعيدًا عن البناء الاقتصادي الحالي لصناعة السينما. «النظام الحالي مش شغال معانا بوضوح. أنا بشوف أصدقاء عرب صناع أفلام من القاهرة لبيروت لأماكن تانية، محبطين لإن معندهمش فلوس ومش عارفين يعملوا أفلام. بعضهم حتى ساب السينما خالص، والموضوع حزين.» تقول أيمن. «لازم نلاقي طريقة تانية. الهوس دا بإننا نروح كان، مش لازم، في مهرجانات تانية، ومش لازم مهرجانات خالص، أكيد في طرق تانية.»

لتشرح نقطتها تستخدم أيمن حركة السينما الثالثة التي نشطت في أمريكا اللاتينية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كمثال. «لما بقول نستكشف الحركات الطليعية (avant-garde)، أنا مش بحاول أزق التجريبي كشكل جمالي وإنما كنمط إنتاج،» تقول أيمن. «السينما التالتة مكانتش تجريبية بشكل بحت. كانت بس واعية بالسياق الاقتصادي لإنتاج وتوزيع الأفلام وعلاقته بالشكل – إزاي الحاجتين بيأثروا على بعض. أعتقد إن يمكن دا يكون اللي مفتقدينه هنا. إحنا محتاجين الوعي دا ومحتاجينه يمتد لشغلنا.»

تعمل أيمن لإعادة خطة «زاوية» الأصلية لحيز التنفيذ فيما سيلي برنامج  شاهين الاستعادي. كبداية، سيتم استكمال سلسلة عن السينما التسجيلي المصرية، والتي بدأت قبل عام بعرض خمسة أفلام لهاشم النحاس، في أكتوبر ببرنامج استيعادي يستمر لمدة يوم لكل من علي الغزولي ومدكور ثابت وخيري بشارة بالإضافة إلى أفلام شاهين التسجيلية القصيرة. «زي ما عرضنا نانوك من الشمال كأول فيلم وثائقي في العالم في برنامج «مزج» كنا عايزين نستكشف التقاليد الأولى لصناعة الأفلام التسجيلية المصرية واللي بدأت من العشرينات.» تقول أيمن.

هذه الطموحات يمكن أن تتحقق عبر إضافة مكون بحثي لـ«زاوية» في المستقبل القريب بحسب أيمن. «أتمنى نقدر ننظم نقاشات ومجموعات قراءة وحتى ننشر نصوص على موقعنا.» تقول أيمن. «أعتقد دا ممكن يكون طريقة كويسة إننا نحافظ على القلب الصلب لمتابعينا من الفنانين والمثقفين في ضوء الاتجاه شبه التجاري اللي بيتبعه برنامج إطلاق الأفلام الجديدة بتاعنا.»

»ماريان خوري تتحدث للجمهور، في الليلة الافتتاحية لبرنامج«يوسف شاهين: النسخ المرممة

«زاوية»: التحديات والإمكانات

على الرغم من رؤية أيمن الواضحة لما ينبغي أن يقوم به البرنامج ومجهودات الشاذلي في الانتقال، تبقى عدة عقبات أخرى في وجه الخطة البرمجية المأمولة.

هناك مشكلة متكررة يواجهها الفريق عادة عند عرض الأفلام الأجنبية وهي الترجمة العربية. «أحيانًا اضطرينا نعرض أفلام من غير ترجمة عربي، ودي حاجة أنا بكرهها بس يا إما نعمل كدا أو ما نعرضش خالص،» تقول أيمن. بسبب التكاليف العالية لعملية الترجمة فمن غير المتاح بالنسبة لـ«زاوية» القيام بها داخليًا أو الاستعانة بمترجم مستقل. لكن أيمن تتذكر مرة ناجحة في هذا السياق حينما ترجم رامي رؤوف، الباحث في مجال الأمن السيبري، نسخة من فيلم «المواطن الرابع» (إنتاج 2014) التي عرضت ضمن برنامج «مزج». «هو اتفق مع المخرجة لورا بويتراس، وهو عمل كدا بالأساس كشخص مهتم بالتكنولوجيا، كان فيه حاجة تخصه في الموضوع. أتمنى لو نقدر نعمل تعاونات شبيهة في المستقبل.»

نقص التمويل هو أكبر التحديات على كل الأصعدة. دون دعم من الدولة، تنحصر خيارات «زاوية» التمويلية في الجهات المانحة والرعاة من المؤسسات التجارية الكبرى. يفضل الشاذلي وأيمن النوع الثاني لأن المنح عادة ما تغطي برامج بعينها وليس مصاريف التشغيل. «التقديم على المنح برضه مرهق قوي ومهمة بتستهلك وقت –ودي حاجة إحنا مش كويسين قوي فيها- دا كدا وسيبك كمان من عملية كتابة التقارير بعد تنظيم الحدث اللي هي عملية أسوأ بكتير.» تقول أيمن. انتهى عقد رعاية بين «زاوية» والبنك التجاري الدولي نهاية العام الماضي، ومنذ ذلك الحين والفريق يبحث عن راعٍ آخر.

مصدر محتمل آخر للمال هو عرض إعلانات قبل الأفلام، الأمر الذي قال الشاذلي إنه يفكر فيه بقليل من عدم الراحة. بدلًا من عرض إعلانات لشركات كبيرة لا يعتقد الشاذلي أنها ستهتم، يخطط الشاذلي لمقاربة الشركات الناشئة المحلية والشركات الصغيرة ليعرض عليهم عقود قصيرة الأمد لعرض أي مواد ترويجية في «زاوية» في مقابل مبالغ صغيرة من المال. «بفكر في نوعية شركات الجريك كامبس، اللي الجمهور المستهدف بتاعهم هو تقريبًا الناس اللي بتيجي زاوية» يقول الشاذلي. «لو جبنا خمسة من دول حتى لو كل واحد فيهم دفع كام ألف جنيه، الموضوع حيعمل فرق. واللطيف في الموضوع إننا حنكون بندعم شركات شبهنا.»

لكن الحل الأفضل من وجهة نظر عملية بالنسبة لـ«زاوية» هو الاعتماد على أنشطتها الخاصة لتوليد الأرباح من أجل الاستمرارية. حاليًا تتقاضى «زاوية» 40 جنيهًا في التذكرة وهو ضعف الثمن الذي بدأت به في 2014 و 5 جنيهات أكثر عما قبل الانتقال، لكن ثمن التذكرة هذا مازال أرخص نسبيًا من ذلك الذي تتقاضاه أغلب دور السينما الأخرى في المدينة، مما يجعل مبيعات التذاكر مصدرًا غير مرجح للربح. مازال فريق «زاوية» يحاول ابتكار طرق مختلفة للتمويل الذاتي على الرغم من ذلك، بما في ذلك خط جديد من المنتجات التي سيتم بيعها في السينما.

«السؤال دلوقت هو إن كنا حنلاقي طريقة نكون بيها مستقرين أكتر عشان نخدم على الفريق، اللي هو مكون من ناس مؤهلة محتاجة تاخد أجور كويسة،» يتساءل الشاذلي. «يا إما كدا أو حنبقى دايمًا عملية صغيرة عشان تغطي تكاليفها بالكاد، بيديرها شوية عيال، وفي الحالة دي مش حنبقى إحنا المجموعة دي لإننا كبرنا خلاص.»

هذه المشكلات البنيوية أثرت بدورها على العنصر التوزيعي لـ«زاوية»، والذي أدى دور هام في خلق مساحة للإنتاجات المستقلة المصرية الحديثة في السوق. على سبيل المثال فقبل «زاوية» كان الأكثر احتمالًا بالنسبة لأفلام مثل «أخضر يابس» لمحمد حماد (إنتاج 2016) و«صيف تجريبي» لمحمود لطفي و«زهرة الصبار» لهالة القوصي (إنتاج 2017)، وقد حظى ثلاثتهم بفترة عرض ناجحة إلى حد كبير، ألا يجدوا فرصة للتوزيع في القاهرة بعد عرضهم في مهرجانات «روتردام» و«برلين» و«دبي». لكن بعد إطلاق برنامجهم التوزيعي ذا الطموحات الكبيرة  في 2015، يقول الشاذلي إن الشركة خفضت عدد الأفلام المصرية التي تتولى توزيعها من ثلاثة أو أربعة إلى واحد في السنة.

«بنحاول نكون مركزين أكتر،» يقول الشاذلي «بقينا ننقي أفلام عاجبانا بشكل خاص، دا دايمًا بيساعدنا نسوقها أحسن.»

في الوقت ذاته لا يوجد حد للأفلام غير المصرية، لأن عبء العمل في حالتهم أقل نسبيًا حيث تحوز «زاوية» حقوق عرضهم في السينما في مصر فقط. مع الأفلام المصرية يختلف الوضع، حيث تمتلك الشركة كل الحقوق في جميع المناطق. هذا يعني أنها تدير كل مراحل توزيع الفيلم: من العروض المهرجانية، إلى عروض السينما، إلى البيع اللاحق لقنوات التليفزيون ومنصات الـVOD (الفيديو عند الطلب) أو خطوط الطيران. «الموضوع أصعب من اللي كنا فاكرينه ببنائنا الحالي،» يقول الشاذلي.

المنطقة الأخرى التي لم تؤد فيها «زاوية» كما ينبغي هي التسويق. من دون ميزانية تسويق معتبرة، تظل قطاعات كبيرة مما يمكن أن يكون الجمهور الأوسع لـ«زاوية» غير مطروقة، وبخاصة الطلبة الذين لا يملك أحد من فريق «زاوية» الحالي الوقت أو المساحة للوصول إليهم. «حلمي الأكبر هو إننا نعين استشاري شركات يساعدنا في التسويق والموارد البشرية،» تقول أيمن. «إحنا بنوقع حاجات مهمة ولأن السقف هنا مش عالي قوي، محدش حييجي يقولك: إيه القرف اللي بتعمله دا؟! نفسي في منافسة حقيقية.»

على الرغم من إن فكرة تدشين مؤسسات مماثلة لـ«زاوية» الآن –في ظل جميع القيود السياسية والاقتصادية التي جلبتها الأربع سنوات الماضية- تبدو غير واقعية تمامًا، يبدو أن أيمن تفكر بشكل مختلف. الزيادة في إنتاجات السينما «البديلة بقى ولا المستقلة ولا أياً كان حنسميها إيه،» بحسب أيمن، تدعو للمزيد من البنية التحتية لدعمها.

«صناعة الأفلام عمرها ما بتكون كفاية لوحدها. دي مجرد بداية. إنتِ محتاجة أماكن توزيع عشان تعرضيهم، كتاب عشان ينقدوهم، مهرجانات يقدروا يشاركوا فيها.» تكمل أيمن حديثها. «أماكن زي «زاوية» ممكن تفتح عشان تخدم على النمو دا، ببساطة لإن الناس عندها مصلحة في وجود مساحات الأفلام اللي استثمروا فيها فلوس ممكن تتعرض فيها، وفي زرع ثقافة تستجيب ليهم.»

كافيتيريا زاوية الجديدة. تصوير لميس مجدي

«من اليوم الأول كنا عارفين إننا مش عايزين نكون مؤسسة غير ربحية. كنا مصرين تمامًا على الالتزام بنموذج تجاري، وأنا دايماً حفضل دا على إننا نكون متورطين في الدايرة اللانهائية بتاعت التقديم على منح من مانحين،» تستطرد أيمن. «لو عندنا شاشة تالتة مكنتش حمانع خالص نعرض بلوكباسترز وأفلام سوبرهيرو، لو دا يعني إننا نكون مكتفين ماليًا ونقدر نصرف على أنشطتنا البديلة بنفسنا.»

مشاكل «زاوية» التمويلية تظهر بشكل واضح في حجم الفريق. فبطاقم مكون من سبعة عاملين بدوام كامل تبدو الشركة بعمالة أقل من المطلوب. «النتيجة هي إننا كلنا مرهقين من الشغل الزيادة ومش مركزين، وطاقتنا غالبًا ضايعة،» تقول أيمن. على الرغم من أن كل عضو في الفريق لديه توصيف وظيفي محدد، ينتهي الأمر بهم جميعًا قائمين بجميع الوظائف، وهو أمر يشمل ما هو أكثر من العمل التقليدي.

«عشان تشتغل في مصر دا بيتضمن إنك تقضي مئات الساعات بتحل مشاكل مش مفروض تبقى بتعامل معاها أصلًا،»يقول الشاذلي. هذه المشكلات تتضمن التفاوض مع جهاز الرقابة على المصنفات الفنية حول تصاريح العروض، نسخ الأفلام المحتجزة في الجمارك لأكثر من أسبوعين أحيانًا، والتعامل مع النظام البنكي المصري الذي يجعل إرسال وتلقي دفعات من وإلى الخارج أمرٌ معقد أكثر من اللازم. «لو عايزين نحول فلوس مثلاً، لازم نطلع فاتورة أصلية، ودا بيعني إننا ممكن نستنى أسابيع عشان نستلمها بالبريد.»

فريق عمل سينما زاوية، في الليلة الافتتاحية

لكن ما هو أكثر أهمية من تعيين أناس جدد هو التأكد من أن الفريق الحالي يتلقى راتبًا عادلًا، وهو أمر، في ظل الموارد المحدودة، لا يحدث حاليًا. بنمو «زاوية» نما أولئك الناس الذين يقفون وراء نموها، كذلك نمت توقعاتهم مما يجب أن يوفره لهم عمل بدوام كامل. «إحنا مبقيناش الناس اللي عندها 23 سنة اللي ابتدت المشروع دا،» تقول أيمن. «إحنا كلنا مقربين على التلاتين أو معديينها، وإحنا عارفين إننا مش حنعرف نعيش على مرتبات صغيرة ومن غير تأمين من أي نوع. وعدم اليقين الدايم دا بيأثر على روحنا المعنوية.»

لافتة سينما زاوية تضىء الآن في شارع عماد الدين. تصوير: لميس مجدي

هناك أيضًا معضلة أخرى تواجه «زاوية» –أو أي مشروع يتبع خطواتها- وهي الرقابة. على الرغم من أن «زاوية» لديها علاقة مستقرة بجهاز الرقابة على المصنفات الفنية (جزئيًا بفضل صلة «زاوية» بشركة أفلام مصر العالمية)، حيث يتمتع المكان برخصة مهرجانات خاصة تسمح لهم أحيانًا بأفلام قد لا تمر في العادة من أمام الرقباء إلى شاشات العرض المصرية، كانت هناك مرات عبر السنوات لم يتم ترخيص عرض أفلام بعينها.

في صيف 2014، وأثناء عرض برنامج «عرض الأفلام القصيرة»، كان المقرر عرض فيلم عايدة الكاشف «حدوتة من صاج». لكن أيمن والكاشف أعلنا أنه لم يفلح في المرور من مراجعة الجهاز. في تحدٍ للقرار ولوقت محدود، أتاحت الكاشف الفيلم عبر منصة فيميو ليشاهده الجمهور. في مايو 2017 وقعت حادثة مشابهة حينما أتاح كل من مخرج الأفلام التسجيلية مروان عمارة والفنانة البصرية نادية منير وصانع الأفلام إسلام كمال فيلمهم البالغ طوله 42 دقيقة «الزيارة» للمشاهدين الدخول لمشاهدته بعد إعلان «زاوية» امتناع الجهاز عن منحهم ترخيص بالعرض في النسخة الأولى من «أيام القاهرة السينمائية».

لكن مؤخرًا فضلت «زاوية» مقاربة أكثر هدوءًا للتعامل مع التغييرات البرمجية المقحمة والمفاجئة. حيث توالت مثل هذه التغييرات من محاولة طويلة وغير ناجحة للحصول على ترخيص لفيلم تامر السعيد «آخر أيام المدينة» (إنتاج 2016) تبعتها إلغاء عرض فيلم طارق صالح «حادثة هيلتون النيل» (إنتاج 2017) في النسخة الأخيرة من «بانوراما الفيلم الأوروبي» وصولًا إلى عدم عرض فيلم ندى رياض وأيمن الأمير «نهايات سعيدة» كما كان مقررًا في نسخة هذا العام من «أيام القاهرة السينمائية». في كل هذه الأحوال لم تذكر «زاوية» السبب وراء الإلغاء، ولم يؤكدوا أن غياب الأفلام عن العرض قد يكون لأسباب متعلقة بجهاز الرقابة.

«أنا مش عايزة أتكلم عن الرقابة، تحديدًا لأن وصلني إيميلين من اتنين مخرجين مختلفين بيطلبوا منا إننا نبعت أفلامهم للرقابة عشان تترفض وكنتيجة للدوشة دا حيتسبب في سمعة أحسن لأفلامهم برا مصر،» تقول أيمن. «الحاجات دي بتغضبني جدًا، هو إحنا بنبيع قمع يعني؟ أنا مش مهتمة بسردية القمع والبقاء دي. أكيد أنا ضد الرقابة، بس للأمانة، أنا حاسة إن دي آخر همومنا دلوقت.»

لا تعتقد أيمن أن قرارات الجهاز دائمًا ما تعكس قمع واعٍ للحريات الإبداعية. لكنها تعتقد أنها محكومة في أغلب الحالات بأهواء الموظفين الذين تتعامل معهم في أي لحظة معطاة من اللحظات. «الموضوع عشوائي أكتر من كدا، الدولة مش كيان واحد كبير مصمت بمعنى دولة الأخ الأكبر،» تقول أيمن. «الشخص الأكثر سلطة في المعادلة دي تقريبًا هو الموظف الصغير اللي بتتعامل معاه. فالموضوع بيصفى على التعاملات الإنسانية في النهاية.»

جمهور الأفلام يقضون وقتهم في كافيتريا زاوية الجديدة. تصوير: لميس مجدي

تعترف أيمن أن تنازلات قاسية يجب أن تقدم، ولكن إن كان ثمن الاستمرار في البقاء هو تجنب مواجهة حادة مع الدولة فهم سعداء بدفعه. «أكيد في معارك حنضطر نخوضها، بس لو مكانتش ضرورية، حنكتفي بإننا نسقف للي قرروا يخوضوها،« تقول أيمن. «مافيش حد مننا بيعتبر نفسه ناشط، ولا عمرنا ادعينا إن «زاوية» مساحة راديكالية.»

في عالم مثالي، يقول الشاذلي،  إن هناك الكثير من الأشياء بإمكانهم صنعها بشكل مختلف. «أنا كنت مثالي أكتر لما ابتدينا، دلوقتِ أنا أكبر، والزمن اتغير. الجو في البلد مش هو هو. في لحظة ما كان قدامي اختيار إني أتمرد على كل حاجة زي ما كنت حاسس إني لازم أعمل، بس ساعتها المشروع دا مكانش حيبقى ممكن.» يستطرد الشاذلي، «أنا اخترت إني أكمل. وطبعًا بنعمل حاجات مش مبسوطين بيها. بس على الأقل بنساهم في اللي عايزين نشوفه، حتى لو إحنا مش هو.»

الأولوية كانت دائمًا للبقاء على قيد العمل، تستنتج أيمن. بطريقة ما، «زاوية» لا يمكنها تحمل عكس ذلك بعد الآن. «من غير ما نحاول عن قصد إننا نخليها كدا، «زاوية» بقت نسمة هوا في وسط بلاعة، وبالتالي ابتدينا نحس بنوع من المسؤولية إننا نفضل مكملين.» تقول أيمن.

زحام الجمهور ، في انتظار الدخول لمشاهدة الأفلام، أمام مكان زاوية الجديد في شارع عماد الدين. تصوير: لميس مجدي

هناك الكثير من الحقيقة في كلمات أيمن. في المساحة المتسعة المضيئة الجديدة لكافيتيريا «زاوية»، بمصادر الإضاءة المعلقة والطاولات الخشبية، يمكن رؤية الجمهور المحتشد لمشاهدة فيلم يوسف شاهين «المصير» (إنتاج 1998) ملونًا ومتنوعًا. يجتمع الشباب ثانية في حلقات، ونقاشاتهم حيوية أكثر مما مضى. البعض رأى الفيلم مرات ومرات. البعض لم يره منذ كان طفلًا. البعض لم يره أبدًا. يحيي بعضهم البعض، يضحكون، ويرتشفون مفرداتهم. يبدون وكأنهم يعرفون بعضهم البعض وكأنهم يكتشفون بعضهم البعض أيضًا للمرة الأولى وسط الثرثرة الحية ورائحة الدهان الحديث. الهواء يهتز بالهمهمة المتحمسة. وصديق يغمغم متأملًا أن القاهرة، الليلة، لا تبدو كمكان بائس.

اعلان
 
 
ياسمين زهدي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن