Define your generation here. Generation What

من يُبالي لو كانت القاهرة هي أكثر مدن العالم تلوثًا؟

سواء كانت القاهرة هي رسميًا أكثر المدن تلوثًا على الكوكب، أو أنها تُصنَّف في مكان ما بين أعلى ثلاث مدن، فهذا لا يشكل فارقًا بالفعل بالنسبة لسكانها العشرين مليونًا. عندما يتنفسون (نَفَس قصير، نَفَس قصير، فقط ما هو ضروري للغاية)، فهم يستنشقون تشكيلة بشعة من الغبار والسخام والأدخنة والمُركَّبات المتطايرة التي تستقر عميقًا في رئاتهم وتسبح في مجرى دمهم.

حتى لو أن دلهي -ربما- أو بكين -لعلها- ينبغي أن تكون على رأس القائمة؛ فإن هذا لا يغير حقيقة أن السير في شوارع القاهرة المزدحمة أو أن تكون عالقًا في زحام المرور يصيب عينيك بالحكة، ويقلب معدتك، ويصيب رأسك بالدوار. من الممكن أن يكون مكان آخر أكثر ضجيجًا، لكن هذا لا يغير واقع الضوضاء البالغة في المدينة كلها. باستثناء بضع ساعات من السكون المؤقت في صباحات الجمعة، تتعرض آذان الناس لهجوم مستمر من أبواق السيارات والصياح والشاحنات المندفعة بأقصى سرعة وأعمال البناء الصاعدة على كل ناصية شارع.

في الليل، لا مجال لرؤية (درب التبانة)، فقط زوج من النجوم الوحيدة والعنيدة إلى حد لا يُصدَّق على خلفية رمادية مائلة لليل. ما ينبغي أن يكون منظرًا ساحرًا يطارده ويُقصيه الوهج الصناعي؛ درع هائل تشكله المباني ولوحات الإعلانات وأضواء الشوارع والمحلات. شيء لا يرحم. شيء مرهق. إنه خبر سيء للغاية بالنسبة لصحة الناس.

بالطبع، مسؤولو وزارة البيئة منزعجون. هم منزعجون لأنهم كانوا يحاولون أن يجعلوا موقفًا فظيعًا أقل فظاعة بعض الشيء. مثلًا، خرجوا بدعوات محفزة للفلاحين كي يتوقفوا عن حرق قش الأرز في نهاية الحصاد. ونتيجة لهذا، خفَّت على نحو ملحوظ سحابة العام الماضي من الدخان التي تُطوِّق القاهرة. وقاموا بالضغط كي تستخدم الحافلات وسيارات الأجرة الغاز الطبيعي كوقود للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتسبب فيها وسائل النقل. وطوال الأسبوع الماضي، كانوا يطعنون في هذا التصنيف على التليفزيون مباشرة، وفي الجرائد، وفي بيانات للصحافة. بالطبع، هم لا يريدون أن تحمل القاهرة هذه التسمية المقيتة كأكثر المدن تلوثًا. وكي نكون عادلين، ربما لا تكون القاهرة كذلك. لكن دعونا نلقي نظرة على هذا التصنيف لدقيقة واحدة.

ما يبرز فورًا على نحو شيِّق هو اختيار فئات التلوث التي جرى تمثيلها. ليس من الشائع تضمين ملوثات الضوضاء والضوء، لكن الأكثر غرابة هو اعتبارها على قدم المساواة مع تلوث الهواء فيما يتعلق بالأهمية. الضوضاء والضوء، خاصة في هذا الجزء من العالم، يُعتبران مزعجين ومتعبين ومضايقين. لكن مصدرًا للتلوث؟ ليس إلى هذه الدرجة.

لو نظرنا إلى ما تبلغه القاهرة من درجة في كل فئة من فئات التلوث، فسنجد أنها تحقق معدلًا فقيرًا جدًا في كل فئة وحدها. فهي إما ثاني أو ثالث أسوأ مدينة -وفقًا لبيانات (إكو إكسبرتس) التي اعترضت عليها وزارة البيئة.

تلوث الهواء؟، إن معدلات الجسيمات الدقيقة والخشنة في هواء القاهرة هي أكبر تقريبا 12 و14 مرة من الحد الآمن لمنظمة الصحة العالمية، على التوالي. الجسيمات الدقيقة في قطر دائرة تساوي أو أصغر من 2.5 ميكرومتر هي الأخطر: فحجمها الصغير -أصغر حوالي 30 مرة من عرض شعرة الإنسان- ووزنها الخفيف يمكناها من أن تعلق في الهواء لفترة طويلة جدًا. ولأنها ضئيلة للغاية، فمن السهل استنشاقها وتسبب تعقيدات صحية خطيرة. في التنافس على أسوأ نوعية هواء، لا تتفوق على القاهرة غير دلهي.

وجدت دراسة تناظرية، نُشرت يوم 20 أغسطس في مجلة Environmental Science & Technology Letters، أن تلوث الهواء وحده يقتطع 1.85 سنة من متوسط العمر المتوقع للمصريين في المتوسط.

تفوز دلهي أيضًا بمركز أكثر المدن ضوضاء، وتأتي القاهرة خلفها مباشرة، بمجموع نقاط 1.7. «نقاط الضوضاء» هذه تمتد بين 0 و2، حيث النقطة 2 هي الدرجة الأسوأ للضوضاء التي تصم الآذان. يمكن لمستويات الضوضاء العالية أن تزيد أمراض القلب والأوعية الدموية في مجموع السكان، وتؤثر على صحة الأطفال البدنية والنفسية وتضعف قدرتهم على التعلم.

من هم أكبر سفاحي درب التبانة؟ تتفوق موسكو وشيكاغو على القاهرة في هذا. محسوبًا بالقدم -شمعة لكل متر مربع (μcd/m2)، فإن مستوى القاهرة من التلوث المتصل بالإنارة الاصطناعية يُقدَّر بـ 14.900 μcd/m2. وهذا يعني أن سماء ليل القاهرة أكثر سطوعًا 85 مرة من اللون الطبيعي للسماء. يسبب هذا اضطرابًا لإيقاع ساعتنا البيولوجية ونوعية نومنا، ويربك الحيوانات الليلية ويبث الفوضى في نمو النباتات بخداعها حين تحسب الليل نهارًا.

لكن لماذا القاهرة ملوثة إلى هذا الحد؟ لماذا هي على هذه الدرجة؟ بقدر ما يتعلق الأمر بتلوث الهواء، لا يمكن أن تُعزى المسؤولية كلها لأسباب بشرية الأصل. إن جغرافية مصر وطوبوغرافية العاصمة يسهمان في مأزق تلوث القاهرة. بسبب انضغاط القاهرة فوق شريط ضيق من الأرض، محاطة بالصحراء من الجانبين، فإن كميات وافرة من الغبار والرمال والجسيمات الخشنة تحملها الرياح من الأرض وتُودعها في حجرات معيشة الناس وسياراتهم وفتحات أنوفهم. ولا تستطيع النوبات النادرة والقصيرة من المطر إلا أن تشل حركة نسبة مئوية محدودة جدًا من الجسيمات الطافية في الجو. التراب المختلط بعوادم السيارات والمصانع في زوبعة سامة تجاهد كي تفلت من قبضة المدينة، التي يعترض سبيلها تل المقطم من جانب، وتتراكم في الشوارع الضيقة أو تحت الكباري. في القاهرة، تُقطَع الأشجار لتفسح الطريق للمباني الجديدة ولتوسيع الشوارع، حتى بالرغم من أنها يمكن أن تمتص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.

إن تحسين جوانب معينة من تخطيط القاهرة الحضري عن طريق إعادة زراعة الأشجار، وإزالة أضواء المدينة غير الضرورية، وإعادة توجيه أعمدة إضاءة الشوارع -لتواجه الأرض وليس السماء– يمكن أن ينجز قسمًا كبيرًا في زيادة جودة الحياة للقاهريين على نحو ملحوظ. لا تملك وزارة البيئة وحدها السلطة ولا الوسائل لتقليل مستويات تلوث القاهرة بدرجة كبيرة إلى حد كافٍ، وينبغي أن تحصل على كل الدعم الذي تحتاجه من وزارات أخرى ولاعبين آخرين في مجالات الصناعة.

ينبغي النظر إلى تسمية القاهرة بأكثر مدن العالم تلوثًا كدعوة للعمل. دعونا لا نضيع الوقت في الاعتراض بأنها ليست كذلك. فالوضع سيئ بما فيه الكفاية.

اعلان
 
 
لويز سارانت