Define your generation here. Generation What

معضلة الخروج عن الحاكم في الإسلام، أو لماذا يتبنى شخص بعينه فكرة بعينها؟

اعتدنا في مراهقتنا الاندهاش عندما كنا نجد مثقفًا لامع العقل يغادر مكانه في خندق الاستنارة والدفاع عن قيم العدالة والحرية، ليحضر في الخندق المقابل، خندق التملق وتبرير الفساد والدفاع عنه.

أما منبع تلك الدهشة فقد كان «الانسجام» الذي تفترضه البراءة بين الوعي وبين الخيارات الشخصية ومطالبها، بحيث ننسى أن الإنسان ليس وعيًا خالصًا؛ يكفيه فقط أن يعتقد في حقيقة شيء حتى تصبح استجابته وانحيازه لتلك الحقيقة المدركة فورية وناجزة، ثم لا يُتصور سوى أن يندفع بعدها إلى تلك الحقيقة كالضوء الطليق، ودون التوقف للحظة واحدة ليوازن بين مصالحه الشخصية وبين قناعاته العقلية، بل يندفع إليها كما يندفع النهر إلى البحر، وكما يجري الأرنب نحو الحشائش الخضراء!

ولكن الحقيقة المحزنة هي أن تلك الإدراكات الواعية ربما كانت أقل البواعث تأثيرًا وفاعلية في السلوك الإنساني عندما تحين لحظة الاختيار الحقيقية، حتى يمكن القول، على نحو ما، إن الإنسان إنما يفكر ويتحدث على قدر سعة عقله، معرفة أو جهلًا، لكنه في المواقف الحدية الخطرة والمكلفة، فهو يختار ويسلك على قدر طاقة نفسه، قوةً أو ضعفًا.

ولربما كان في هذه التفرقة ما يُشكل تفسيرًا لكثير من المجادلات الزاعقة والزائفة بين المنتمين لثقافة واحدة والمعتمدين على مرجعيات موحدة، لكنهم رغم ذلك يختلفون في مواقفهم السياسية أشد الاختلاف ويخفون مواقعهم الحقيقية، من قوة الروح أو وهن النفس، تحت ستار كثيف من قذائف دخان حرب الاستشهادات التاريخية والاقتباسات من النصوص المعتمدة، والتي لا تفلح بطبيعة الحال في أن تكون جسرًا حقيقيًا صلبًا ينتقل عبره الناس بين ضفتين تفصل إحداهما عن الأخرى ذات المسافة الشاسعة التي تفصل بين الفضائل والرذائل، إلا إذا كنت – سيدي القارئ – تصدق أن محاضرة عميقة عن النفس واحترامها تكفي لأن يغادر جيش من الكتبة المنافقين مؤسساتهم الصحفية الفارهة اعتراضًا على سياساتها.

ورغم اعتقادنا أن ما نقوله واضح ولا يحتاج إلى برهان، فسنأتي بمثالٍ واحدٍ من تلك المساجلات المسلحة بالنصوص المقدسة، والتي لم تتوقف أبدًا في تراثنا الفقهي كلما اُثيرت تلك القضية القديمة/الجديدة؛ قضية «الخروج على الحاكم» في الفقه السياسي الإسلامي، وموقف المؤيدين والمعارضين من تلك القضية الشائكة، والتي قيل بخصوصها «أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة؛ إذ ما سُل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سُل على الإمامة في كل زمان»، كما يقول الشهرستاني في «الملل والنحل»، نقلًا عن كتاب «الخروج على الحاكم في الفكر السياسي الإسلامي»، لجمال الحسيني أبو فرحة.

لماذا يُقدّم حديثٌ على آخر؟

«أفْضَلُ الجِهادِ كلمَةُ حقٍّ عند سُلْطانٍ أوْ أميرٍ جائرٍ» – صحيح الترغيب والترهيب، لمحمد ناصر الدين الألباني، برقم 2305.

«سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» – صحيح الجامع الصغير وزياداته للألباني، برقم 3675، والسلسلة الصحيحة برقم 374.

«من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية» – البخاري ومسلم في صحيحيهما.

«لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق» – سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها للألباني، برقم 631.

من يطالع هذه النصوص، وأمثالها كثير، فسيرى أنها تتوزع بين نظرتين لا يسهل التقريب بينهما، إذ تحض أولاهما على الجهر بالحق وتُعلي من مكانة من ينهض بتلك المهمة الجليلة والخطرة، وإن كان ثمنها تلف النفس، وأما الأخرى فتبدو كما لو أنها تتلمس الأعذار لمن يُداري سلاطين الجور ووكلائهم، وتصلح كسند لمن يريد إعفاء نفسه من تجربة التقاء السيف بالقفص الصدري، بل ونراها توصي بالانصياع لهم والصبر على أذاهم، والموعد عند الله.

وإذا علم القارئ الكريم أن تلك النصوص المنسوبة للنبي عليه السلام، وهي بالعشرات، قد جرت جميعها على ألسن المتجادلين، وكانت هي بذاتها تحت أعينهم، سواء من كان منهم ينظّر ويؤسس للمواجهة والمصادمة، أو من كان منهم يشجع التعامل الانتهازي مع الأمراء المتغلبين رغبة في التقرب من السلطة ومغانمها، أو من كان يتوسط بين هذا وذاك فيوصي بمقاطعة السلطة تنزهًا عن مشاركة الظالمين في مظالمهم واكتفاء بالسلامة والنجاة من غوائل المعارضة وأهوالها، فلماذا إذن ترجح كفة حجة على حجة؟ ولماذا يُقدم حديث على حديث آخر، إن كان كلاهما يتمتعان بذات الحجية عند الفرقاء المختلفين؟

الإجابة البسيطة أننا ننتمي إلى إرث ثقافي شاسع يجد فيه كل من يريد بغيته، والأهم من وفرة النصوص وتعارضها أن لكل صفة نفسية نصوصها ونماذجها، أما عن طرائق التعامل مع النصوص والنماذج المضادة فهناك أولًا سياسة الإغضاء والتجاهل، وإذا لم تفلح هذه الوسيلة لكون النص شهيرًا شائعًا فهناك سبل التضعيف والتشكيك، وإذا لم يفلح هذا أيضًا لكون النص ثابت الإسناد صحيح النسبة فهناك دائمًا التبرير والتأويل.

إذن، فكما يجد الشجعان المناضلون شواهدهم من النصوص الدينية ومن المواقف التي تجسدها الشخصيات المبجلة في تاريخنا، ففي المقابل لم يحدث أبدًا أن أعوزت الضعفاء وأصحاب الأنفس الصغيرة الشواهد التاريخية التي تؤيد خياراتهم والتي يتخذونها برهانًا نصيًا على صواب مواقفهم، أما ما جاءت هذه السطور لتأكيده فهو أنه لا ينبغي لأحد أن يُصدق أن كثيرًا من هؤلاء أو أولئك كانوا يتبنون هذا الموقف أو ذاك بسبب من تلك الشواهد أو نزولًا على أحكام تلك النصوص، بل إن العكس هو الصحيح تمامًا؛ أي أن كثيرًا منهم ما كانوا ليختاروا هذه الشواهد إلا لأنها تلائمهم، ولم يحدث أن اُعجبوا بتلك الشخصيات بعينها إلا لأنها تتوافق دون سواها مع طبيعة نفوسهم ومصالحهم الخاصة، ثم تكمل الثقافة والمعرفة مهمة التبرير والتعمية، بل والخداع الذاتي أيضًا.

حتى الحجاج وجد من دافع عنه!

أما عن دلالة تلك النصوص الحديثية ذاتها، فلن تجد هذه النصوص شرحًا تطبيقيًا لها أفضل من تأمل تجسداتها في تلك الشخصيات المبجلة في تاريخنا، والتي تحولت هي بدورها إلى نماذج تُحتذى، وصار يُستشهد بها هي بذاتها كأسانيد معتمدة للفرقاء جميعًا، سواء من دعا منهم للخروج على الطغاة أو من مال منهم إلى الاحتجاج اللفظي وكفى، أو من اكتفى منهم بالصمت المطبق والصبر على المكاره.

وإذا أردنا مثالًا تطبيقيًا على هذا فلن نجد أفضل من موقف علماء المسلمين من طاغية عُرف بالقسوة وظلم الناس في المقام الأول، وهو الحجاج بن يوسف الثقفي، والي الأمويين الأثيم.

يكفي هنا أن نتعرف، ولو بإيجاز شديد، على مواقف ثلاثة من كبار الشخصيات في الإسلام منه ومن حكمه، وهم الصحابي عبد الله بن عمر والتابعيان الجليلان الحسن البصري وسعيد بن جبير.

فأما عبد الله بن عمر، فنجده يعتزل الفتنة ليندم بعدها على تفريطه في الوقوف ضد الفئة الباغية، ثم نراه بعد رحيل علي يبايع معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيدًا من بعده، ويرفض خلع بيعة هذا الأخير عندما ثار به أهل المدينة، ثم نراه يصبر طويلًا على الحجاج- وإن انتقده من وقت لآخر- ونراه كذلك يصلي خلفه، بل ويقبل عطاءه، فالرجل كما كان لا يطلب شيئًا من أحد، فلم يكن أيضًا يرد شيئًا جاءه من غير طلب، ولو كان من يد الحجاج الثقفي، وبحسب كتاب «أخبار عمر وأخبار عبد الله بن عمر»، لعلي الطنطاوي وناجي الطنطاوي، فأغلب الظن أن تلك المهادنة لم تشفع له عند الحجاج، الذي دس له رجلًا طعنه برمح مسموم في قدمه وهو يدفع من عرفات!

أما الحسن البصري فقد كان موقفه مضطربًا مرتبكًا، فمن ناحية كان لا يصمت أحيانًا، جهرًا أو همسًا، على المظالم والمفاسد، ومن ناحية أخرى لم يكن يخرج قط على الحاكم، بل وكان يثبط همم الراغبين في الخروج على الحاكم مهما كان ظالمًا وباغيًا، بل ربما كان الحسن البصري هو أول من أشاع في تراثنا السياسي المفهوم البائس القائل إن ظلم الحاكم ما هو إلا عقاب من الله على فسق المحكومين، حيث قال، بحسب «البداية والنهاية» لابن كثير الدمشقي، لمن دعاه إلى الخروج على الحجاج: «إنما هو نقمة فلا تقابل نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع».

وأما سعيد بن جبير فقد خرج على الحكم الأموي كله، وشارك في حركة ابن الأشعث المسلحة وقاتل بنفسه، ولما هُزم ابن الأشعث اختفى ابن جبير إحدى عشرة سنة كاملة، لكن الحجاج الثقفى- وهو الحسود الحقود كما وصف نفسه- لم ينسه وقتله شر قتلة بعد أن وقع في قبضته.

بل وأكثر من هذا، فلم يعدم الحجاج الثقفي من يدافع عنه دفاعًا صريحًا، وبكلمات لو لم نكن نعرف أن المراد بها الحجاج لقلنا أنها تليق بعلي بن أبي طالب مثلًا، ففي كتاب «الحجاج بن يوسف الثقفي – رحمه الله – المفترى عليه»، لمحمود زيادة، ترد هذه الفقرة: «اُغرمت به وامتلأ قلبي بحبه والإعجاب به… وإذا بحثت في إدارته وجدته إداريًا حازمًا، وإذا قصدت نحو تدينه وجدته ورعًا زاهدًا، وإذا طلبت منه علمًا وجدت الشريعة قد سلمت إليه بزمامها، وإذا نظرت إلى إصلاحاته وجدته من أعظم المصلحين، وإذا نظرت إلى إخلاصه وكرمه وجدته المثل الأعلى الذي يجب أن يُنسج على منواله المصلحون ويسير على هديه المجددون.»

ولا يعنينا هنا أن نضيف صفحة أو صفحتين إلى مئات الألوف من الصفحات التى كتبت عن مظالم والي الأمويين الباطش ذاك، كما لا يعنينا كذلك هنا التأمل في مواقف تلك الشخصيات وبواعثها، ولا يعنينا في شيء أن نعرف من كان منهم مصيبًا أو مخطئًا، فهم ينتمون إلى عصور غير عصورنا، وكانت تحكمهم مفاهيم عن السلطة غير مفاهيمنا، إنما يعنينا أن نشير إلى طبيعة من يستلهمون في عصرنا هذا النوع أو ذاك من المواقف، حيث نجد كل طائفة تختار من بين تراثنا ما يناسبها، وهذا الاختيار بطبيعة الحال لا توجهه النصوص والقناعات العقلية فحسب، بل تأتي قبل تلك القناعات المزعومة اعتبارات أخرى أكثر جوهرية، مثل نصيب كل شخص من القوة النفسية التي تجعله قادرًا على دفع ثمن مواقفه أو التقصير في واجبه، أو حتى لا يكتفي المزاج الشخصي بهذا، بل يتجاوز التفسير إلى التبرير، ولن نتكلم عن المصالح الخاصة فهذه أوضح من أن يُشار إليها!

التحديق في مرايا الرعب!

يحدث هذا في اعتقادنا بسبب تلك الفجوة الأليمة والهوة الشاسعة التي تفصل بين ما يتوق إليه الإنسان، وهنا دور الوعي، وبين ما يستطيعه، وهنا العتبة الحقيقية التي تقف عليها الذات قوًة أو ضعفًا، أما ما يملأ المسافة الفاصلة بينهما فهي مهمة العقل، التي يؤديها عبر التبرير والتأويل.

ونرى أن السبيل الحقيقي لارتقاء الذات إنما يكون من خلال الاعتراف البسيط والمباشر بتلك الجوانب الهشة والرخوة في الذات الإنسانية، ومن ثم محاولة التغلب عليها بالانتصار للجوانب الأسمى. إلا أن هذه الخطوة الأولى، أي الاعتراف بالضعف البشري وخصائصه، لا يجرؤ على قطعها إلا أقل القليل، أما أكثر الناس فنراهم يثيرون كل تلك الزوابع من المجادلات التي لا تفلح سوى في تضليل الذات عن عيوبها.

وربما كان من بين أشهر تلك الوسائل لتضليل الذات والآخرين ما يمكن أن نسميه مجازًا «العبث في الموازين»، أي أننا إذ وافقنا على هذا التعريف الأرسطي الشائع للفضيلة، بأنها «حدٌ بين رذيلتين»، فما أكثر ما يُعبث في ظلمة اللاوعي بمؤشر القصد والاعتدال في هذا الميزان، فيرى الجبان الشجاعة تهورًا وعدم المخاطرة حكمة وتعقلًا، ويرى المنافق الملق والمداهنة كياسة وتوائمًا مع مقتضى الحال، ويرى البخيل أبسط مظاهر الكرم سفهًا وتبذيرًا، إلخ، أي أنه يرى أن الآخر هو من جاوز الحد الذهبي ومضى إلى نقيضه المرذول، أما هو فلا يزال يقف، في عين نفسه على الأقل، في منطقة الاتزان المحمود والاعتدال الذي لا معابة فيه.

فهل من الغريب إذن أن يتجنب المرء النظر في المرآة الصادقة التي تريه نفسه دميمة شائهة، وأن يفضل عليها المرآة التي تجعله مقبولًا وإن كانت مغشوشة كاذبة؟

أما أولئك الشجعان الذين استطاعوا التحديق في مرايا الرعب تلك فما أشجعهم وما أنبلهم! فكم كنا نتمنى أن نعرف اسم هذا الصحابي الباسل الذي استطاع الجهر بما كبته ملايين الناس عبر العصور وأخفوه عن أنفسهم، ليُروى عن هذا الصحابي، بحسب الطبراني في «الكبير» و«الأوسط»: «عن الحسين بن علي رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله: إني جبان، وإني ضعيف، فقال له النبي: هلم إلى جهاد لا شوكة فيه: الحج». (انظر كذلك الحديث في «صحيح التّرغيب والتّرهيب» لمحمد ناصر الدين الألباني، برقم 1098).

وفي المقابل، فلا بأس إن فاتنا أن نعرف اسم هذا الرجل الصالح/ الطالح، والتقي/ الفاجر، بطل هذه القصة المضحكة/ المحزنة؛ والذي أوردها هادي العلوي في كتابه «المستطرف الجديد»، نقلًا عن «بحار الأنوار» للمجلسي، فلدينا من أمثال هذا الرجل الكثير والكثير في كل زمان ومكان!

«قالت فاطمة بنت الحسين: دخلت علينا العامة الفسطاط [بعد مقتل أبيها] وأنا جارية صغيرة وفي رجلي خلخالان من ذهب، فجعل رجلٌ يفض الخلخالين من رجلي، وهو يبكي. فقلت ما يبكيك يا عدو الله؟ قال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟ فقلت فلا تسلبني! فقال: أخاف أن يجيء غيري فيأخذه».

اعلان
 
 
محمد القلاوي