Define your generation here. Generation What
كنز دفين عن الطعام المصري
 
 

في مكتبة جامعة كامبريدج يوجد مخطوط كامل، غير معروف اسم كاتبه، بعنوان «كنز الفوائد في تنويع الموائد»، وهو كتاب طهي صدر في القرن الرابع عشر. في عام 1993، قامت مانويلا مارين ودافيد وينز بتحرير ونشر المخطوط، الذي يحتوي على 750 وصفة طعام، والذي كان الأساس الذي استندت إليه نوال نصر الله، الباحثة والكاتبة في تاريخ الطعام ووصفاته، في مسعاها لتقديم ترجمتها لهذا المخطوط للإنجليزية.

المخطوط نشرته دار نشر «بريل» في 2017 ، واُختير ضمن القائمة النهائية المرشحة لجوائز «غورماند» العالمية لكتب الطهي لعام 2018، وهو عرض متداخل ورائع من مؤرخ، ومترجم، وطاهٍ، ومعلم طهي، وكاتب. ابتعدت نصر الله عن كتاب مارين ووينز، وعادت إلى أحد المخطوطات الأصلية، التي لا توجد منها سوى خمس نسخ فقط في العالم. فقامت بفحص نسخة في مكتبة «جوتة» للبحوث في جامعة «إرفورت» في ألمانيا. وكانت النتيجة ترجمة إنجليزية للمخطوط، أو بالأحرى كنز من 830 وصفة طهي لأطباق، ومهضمات، ومشروبات منعشة ضمن أشياء أُخرى. كما يشتمل الكتاب على مقدمة من 56 صفحة، ورسوم توضيحية، وقائمة طويلة من التعريفات، وتحديث لأسلوب تحضير 22 صنفًا من الطعام وُردت في «الكنز».

ليست هذه أول تجربة لنصر الله في النشر عن كتب الطهي وتاريخها في العالم العربي والإسلامي. فقد سبق أن حصلت على جائزة لترجمتها كتابًا للطهي صدر في القرن العاشر لـ «ابن سيار الوراق» المقيم في بغداد بعنوان «حوليات مطابخ الخليفة» الصادر في عام 2007، أيضًا عن دار نشر «بريل». كما أن لديها مساهمتين أصليتين في هذا الموضوع، أحدهما: «مبهجات من جنة عدن» (2003) و«تمور: تاريخ عالمي»  (Reaktion,2011) . إنها تطهو وتعلّم الطهي، ولها العديد من المقالات والوصفات المنشورة بالإنجليزية والتي تجعلها قامة في تاريخ الطعام، وكتب الطهي في المنطقة العربية الإسلامية.

في الجزء الأول من المقدمة، تكشف نصر الله عن مهاراتها كمخبر تاريخي، لأنها تركز على فكّ شفرة أصل وتاريخ وتأليف «الكنز». وفي استقصائها، وجدت أن الاستخدام الشائع للقياسات المصرية مثل «القد مصري» والمكونات المصرية مثل: السكر، والعسل، ودبس السكر، والأرز، والتمر من الواحات، والأطباق غير المعتادة، مثل الدجاج المحلى، وأنواع جديدة من الأسماك المحلية و الحمام لأطباق معينة -وهي أصناف مصرية مُفضّلة – تقدّم مؤشرات قوية على أصول المصادر. كما أنها تبحث أيضًا في الجوانب اللغوية مثل استخدام اللغة دون التفات للإعراب والتعبيرات العامية، لتتوصل، إلى ما تحقق منه محررون آخرون. كتاب «الكنز» كُتب في وقت ما خلال القرن الرابع عشر في مصر المملوكية.

كما تطرح نصر الله، استنادًا إلى الحجم الهائل والتنوع الواسع لأنواع الطعام، أن مؤلف «الكنز» لا بد وأنه لجأ إلى العديد من الكتب والأدلة الأخرى المتعلقة بالطعام، سواء العامة والمتخصصة، التي تناولت قضايا امتدت من الغذاء إلى الزراعة إلى الطب ومستحضرات التجميل. إنها تحدد أربعة مراجع على الأقل.

في الجزء الثاني من عرضها، تتناول نصر الله ثقافة الطعام المصرية في العصور الوسطى وتكوين المطبخ المصري، وتبحث في ذلك حتى عصور مصر القديمة. تكتب عن كيفية حفاظ المصريين الأقباط على ممارساتهم في الطهي خلال حكم الإمبراطوريتين الرومانية والبيزنطية. مع وصول العرب في عام 641، أغلبهم من جنوب الجزيرة العربية، أصبحت الفسطاط أول مستوطنة لهم. ومع تعاقب السلالات الإسلامية والخلافة، تمّ بناء القاهرة في القرن العاشر، وأصبحت مدينة مزدهرة في القرن الثالث عشر، ومركز جذب ثقافي، وملاذ للمناطق المحيطة بها. هذا النمو الحضري، وفقًا لنصر الله، جلب تنوعًا في فنون الطهي. فترصد دخول العديد من النباتات والمكونات الجديدة مثل قصب السكر والأرز والباذنجان والحمضيات، والتي جاءت مع انتشار الإسلام. ازدهرت كل هذه الأطعمة في وادي النيل، ومن ثم تمّ إنشاء تقويم زراعي جيد التصميم استنادًا على الفصول الأربعة.

تشير نصر الله إلى أن التجارة كانت نشطة، لضمان استيراد المكونات التي لا يمكن زراعتها، مثل المكسرات، لتحقيق جودة عالية للأغذية المزروعة إقليميًا مثل الزيتون، والتي كانت تُجلب في العادة من بلاد الشام. كما نشطت الصادرات، وشملت الأسماك المملحة الفائضة والجبن والزيوت والعصفر والعدس والسكر المكرر.

تدرس نصر الله الطبقات الاجتماعية من خلال الممارسات الغذائية، مع مصادر توفر معلومات عن الطهي، وتقاليد المطبخ، والبذخ، والذوق والكرم الملكي. من هذه المصادر نتعلم، على سبيل المثال، أن ازدهارًا في الثروة حدث خلال الفترة الفاطمية مثلما يتضح من خلال الطعام. كما تستشهد نصر الله بأطباق ابن شاهين الزاهري (1468) «54 وصفة طهي للقصر»، حيث تتميز بجودة الطعام أكثر من تنوعه. يشتمل «الكنز» على معظم هذه الوصفات، والكثير من الوصفات الأُخرى «المتواضعة» حيث الاهتمام بالتفاصيل والمكونات الجيدة تؤشر للثروة والمكانة، حتى بين الناس العاديين.

كذلك هناك إشارة مثيرة للاهتمام إلى مطابخ القصر، التي كانت بمثابة مدارس للطهي، حيث تقوم الطاهيات الجاريات بالتدريب، وقد أصبح بعضهن مشهورًا مثل الطاهية الأيوبية حفظية. كما كان للطُهاة من الذكور نصيبهم من الشهرة أيضًا. كان طُهاة القصر بشكل عام أغنياء، وكان بإمكانهم التواصل مع السلطان. وكذلك ارتقاء السلم الاجتماعي وفي بعض الأحيان أصبحوا وزراءً.

هناك إشارة قصيرة، ولكن كافية، إلى فترات انخفاض منسوب النيل، والمجاعات، والأمراض التي عانى منها الفقراء أكثر من غيرهم.

تشير نصر الله إلى ما يأكله المصريون العاديون من خلال ما تخبرنا به سجلات العصور الوسطى. كانوا يأكلون القليل من اللحوم، والمأكولات البحرية الأرخص، والأسماك المملحة، والجبن الأبيض، والخبز، والحلويات البسيطة المصنوعة من القمح، والوجبات الخفيفة مثل الحمص، والنبيذ الرخيص، وأحيانًا القوارض.

فيما يخص التسوّق وتناول الطعام خارج المنزل، تقدّم نصر الله سردًا جميلًا ومفصلًا لأسواق القاهرة التي تعود إلى القرون الوسطى، حيث تشير إلى المقريزي، وابن سودون، وناصر خسرو. وتوضح تفاصيل مواقعها وتنظيمها وعناصرها وأنظمة النقل إليها ومنها، وحتى طُرق التفتيش والتخلص من النفايات، وهو موضوع يستحق كتابًا بحد ذاته.

كذلك كُتب عن الطعام في القصائد والمقالات والأحاجي. لكن نصر الله تنسب ندرة المواد المكتوبة عن الطعام إلى الفجوة بين المدنيين المتعلمين المصريين والأتراك المماليك الحاكمين.

يقدّم الجزء الثالث من المقدمة عرضًا موسعًا لما نعرفه عن الطهي المصري في القرون الوسطى كما يتجلى في مخطوط «الكنز». في إحدى عشرة صفحة يشرح المخطوط كيفية حدوث الطهي عمليًا. فيلخّص الأواني، والمعدات الخاصة، والأطباق غير المعتادة، والميزات الخاصة، وما إلى ذلك. وتخلص نصر الله إلى أن «الكنز» هو كتاب مكتوب لأولئك الذين لديهم مطابخ، أو يعيشون حياة ميسورة، ومَن يستطيعون الحصول على مطابخ مجهزة بشكل جيد ومحمية من النار.

على الرغم من أن متطلبات الوصفات المميزة ليست كثيرة من حيث التكلفة، إلا أن نصر الله تلاحظ أن بعض التعليمات تسعى لإرضاء بعض الأذواق، وهو أمر مفيد سواء للطُهاة المستأجرين، أو للطُهاة العاملين لحسابهم الخاص الذين يخدمون الزبائن، على عكس طُهاة المنازل. إن في ذلك ما يميز كتاب مثل «الكنز»، أنه يثري ويوسع خبرة الطُهاة المحترفين.

تستكشف نصر الله أيضًا ذلك القسم من «الكنز» الذي يشير إلى الفوائد الصحية لبعض الوصفات، حيث الوصفات المشروحة تتضمن ملاحظات خاصة بعلاج الأمراض، أو خصائص التنشيط الجنسي، أو الاستخدامات العطرية والتجميلية.

طوال المقدمة، تشير نصر الله إلى الوصفات من خلال أرقامها في الكتاب والاسم العربي لها، وهو أمر مثير للاهتمام فهو يجعلنا نبحث عن الوصفة أثناء فكّ رموز الاسم العربي.

في ما يلي مثال على نجاح نصر الله في تقديم نص واضح وبسيط وعملي باللغة الإنجليزية للعديد من الـ 830 وصفة التي يصعب فهمها واستخدامها في تجربة الطهي، حتى بالنسبة للمتحدث باللغة العربية.

هذه وصفة عجة البيض من المخطوط الأصلي:

وصفة عجة البيض من مخطوط «كنز الفوائد في تنويع الموائد».

وفيما يلي النسخة المحررة:

 

وقد ترجمتها نصر الله كالتالي:

تقدّم لنا نصر الله تفصيلًا لمحتويات «الكنز»:

الفصول الأربعة الأولى تتناول المبادئ الأولية؛ بعد فصل افتتاحي طويل نسبيًا يحتوي على تعليمات للطُهاة وعن الطهي الجيد، تأتي وصفات الخبز، وبعدها فصلين قصيرين عن مياه الشرب. خُصص الفصل الخامس وحتى العاشر للأطعمة اليومية. الفصل الخامس يتناول الوصفات الرئيسية وهو أطول فصول الكتاب؛ حيث يشمل 142 وصفة. الفصل السادس يتناول الصلصات السائلة المخمرة، والعصائر المرة المحفوظة المستخدمة في تتبيل الأطعمة (16 وصفة)، ثم يتخصص الفصل السابع في عدد صغير من وصفات البيض، مثل أقراص العجة (37 وصفة). لإطعام المريض، يأتي الفصل الثامن بوصفات الطعام الخالية من اللحم «المزورات» التي أقرّها الأطباء حينئذ (24 وصفة). يلي ذلك أطباق السمك (36 وصفة) في الفصل التاسع. ثم يأتي وقت التحلية، حيث يشمل الفصل العاشر ما لا يقل عن 81 وصفة. ثم فترة ما بعد تناول الطعام التي يتناولها الفصل الحادي عشر إلى الرابع عشر بمتنوعات من المهضمات والمعجنات والمشروبات في 44 وصفة. يلي ذلك الفصل الثاني عشر ليصف مشروبات هاضمة (42 وصفة)، وعدة وصفات من كومبوت المشمش (6 وصفات)، والتي يوصى بها أيضًا بعد تناول الطعام، وفي حال صعوبة هضم الطعام الذي تمّ تناوله يحتوي الكتاب على 26 وصفة لتحضيرات تساعد على مقاومة التقيؤ والغثيان عند الإفراط في الطعام كذلك. الفصول من 15 إلى 19 تتناول وصفات الأطعمة الباردة مثل فاتحات الشهية والتوابل (17 وصفة)، وصلصات المائدة (14 وصفة)، واستخدام التوابل مع الزبادي (33 وصفة)، والمخللات (75 وصفة)، وأطباق الخضراوات الباردة (27 وصفة). الفصول من 20 إلى 22 تتناول أمور النظافة الشخصية وطقوس التعطر. أما الفصل الأخير فيعرض كيفية تخزين الفواكه والخضراوات الطازجة، وهو الأمر الذي يهم الطُهاة المحترفين ذلك أن مفاجأة ضيوفهم بتقديم أصناف في غير مواسمها أمر لا يقدر بثمن. يشتمل هذا الفصل على 32 وصفة.

بعد النص المترجم الكامل، تضيف نصر الله قائمة مفيدة، مرتبة أبجديًا، بالتعريفات مع شرح للمصطلحات والطُرق والتعليقات العامة والترجمات والارتباطات بالأطباق المعروفة اليوم.

تختتم نصر الله كتابها بمساهمة رائعة تتكون من 22 وصفة طعام من «الكنز» بعد أن كيفتها لتصلح في العصر الحديث. وقد قامت المؤلفة بتحضير وتصوير كل هذه الوصفات. وهي مكتوبة بشكل جيد، ويسهل متابعتها، والنتيجة لذيذة، كما اختبرتها هذا المؤلفة. وتشمل وصفات أكثر حداثة، وأكثر تعقيدًا لطريقة عمل الحمص مع الطحينة. كما أضافت نصر الله طبق دجاج حلو كصنف خاص للمطبخ المصري في العصور الوسطى، ووصفة أسماك واحدة مع صلصة الطحينة، وأُخرى مع السماق. يحل السمان محل العصافير في الوصفة المصرية لـ «طبق العصافير». في نهاية الكتاب توجد الحلويات، بما في ذلك الأرز باللبن، وقد اكتسبت هذه الحلوى لونًا أصفر بفضل الزعفران، والمعجنات المقلية المصنوعة بداية من كيفية خبز العجين. ما يأتي كخاتمة مبهجة، إلا في حال أردت الانغماس بشكل أكبر في تحضير حلوى «نهود العذارى» الشهيرة.

فيما يلي مثال على وصفة من الـ 22 التي تمّ تحديثها؛ إنها وصفة لتحضير الحمص.

المكونات:

(لأربع أفراد)

1 كوب من الحمص المسلوق.

2  ملعقة طعام طحينة، ممزوجة بالماء وخل النبيذ، ملعقتين كبيرتين من كل منهما

¼ كوب من الجوز المطحون الناعم، ويقلب مع 2 ملعقة طعام من عصير الليمون، و 1 ملعقة صغيرة من خل النبيذ.

½ كوب بقدونس مفروم.

¼ كوب النعناع المفروم.

3 ملاعق طعام زيت زيتون.

¼ ملعقة صغيرة من كل من الكراوية والكزبرة والفلفل الأسود والزنجبيل والقرفة، بعد هرسها

½ ملعقة صغيرة من الملح.

ربع ليمونة مملحة، مقطعة إلى قطع صغيرة.

للتزيين: زيت الزيتون، فستق مفروم، بقدونس مفروم، قرفة، أوراق الورد (اختيارية)

  1. ضع جميع المكونات، باستثناء الليمون المملح، في معالج الطعام، ثم قمّ بخلط المزيج حتى يبدو سلسًا. يجب أن يبدو المزيج أخضر. أضف المزيد من التوابل إذا لزم الأمر. يجب أن يكون المزيج سميكًا بما يكفي بحيث يمكن التقاطه على قطعة من الخبز. أضف القليل من عصير الليمون إذا لزم الأمر.
  2. أضف الليمون المفروم المملح. لتقديم الطبق، قمّ بتوزيع البهارات على طبق، ثم قمّ برش كمية سخية من زيت الزيتون على وجه هذ الطبق، وزينه بالبقدونس المفروم، ثم أضف رشفة خفيفة من القرفة وأوراق الورود المسحوقة إذا تمّ استخدامها.
اعلان
 
 
هالة نايل بركات