Define your generation here. Generation What
قطع الدعم الأمريكي عن «الأونروا»: ضربة سياسية وإنسانية تؤلم اللاجئين الفلسطينيين
 
 

يتعدى أثر قرار الولايات المتحدة الأخير بوقف حصتها في ميزانية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، الأزمة المالية الخانقة التي دخلتها الوكالة بسبب القرار، إلى فرض تحدي جديد لحقوق اللاجئين الفلسطينيين التاريخية إجمالًا، كما يرى المعنيين بالقرار.

تأسست الوكالة عام 1949 بقرار أممي لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وبدأت عملياتها فعليًا في مايو 1950، ويتم تجديد مهامها بشكل دوري، وكان آخر تجديد في يونيو 2017.

في غزة، يقول مدير عمليات الأونروا، ماتياس شمالي، في تصريح لـ «مدى مصر» إن الادعاءات التي ساقتها الإدارة الأمريكية حول وجود شبهات فساد في المنظمة «محض افتراءات»، واصفًا إياها بغير المعقولة بتاتًا، داعيًا إدارة ترامب إلى تقديم إثباتات على هذه الادعاءات.

كانت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، هيذر نويرت، قد بررت القرار في تصريح صحفي إن العمليات والممارسات المالية في الأونروا «معيبة وغير قابلة للإصلاح»، وأشارت إلى أن الوكالة «توسع نطاق المجتمعات المستفيدة من خدماتها أضعافًا مضاعفة وبلا حدود».

ويبين شمالي أن هذه الادعاءات جاءت على خلفية أن الأونروا لا تزال تعمل حتى الآن على تسجيل اللاجئين الفلسطينيين ضمن سجلاتها، الأمر الذي ترفضه الإدارة الأمريكية وتعتبره فسادًا من وجهة نظرها، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تحصر عدد اللاجئين الفلسطينيين بمن ولدوا على أراضيهم وهُجروا منها عام 1948 فقط، وعددهم لا يتجاوز الآن نصف مليون لاجئ.

ويضيف شمالي أن الإدارة الحالية للأونروا تتبنى رؤية واضحة وهي أن جميع الفلسطينيين الذين هجروا من أراضيهم عام 1948، هم لاجئون وكذلك أبنائهم وأحفادهم طالما لم يعودوا إلى أراضيهم التي هجروا منها، مشيرًا إلى أن إلغاء الولايات المتحدة مساهمتها في ميزانية وكالة الغوث لم يأت لإلغاء تسجيل اللاجئين فقط، بل لإلغاء حق هؤلاء اللاجئين في المطالبة بحقهم في العودة إلى أراضيهم.

كانت القناة الثانية الإسرائيلية قد أشارت إلى أن الإدارة الأمريكية ستعتبر أن عدد اللاجئين الفلسطينيين نصف مليون فقط، وليس خمسة ملايين كما تقول الأونروا. ووفقًا للقناة، فإن الإدارة الأمريكية ستحاول إيجاد صيغة قانونية جديدة، تكفل عدم نقل صفة اللاجئ بالوراثة من الأجداد والآباء إلى الأبناء.

كما يقول رئيس دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، أحمد أبوهولي، إن «الولايات الأمريكية تريد إنهاء دور وكالة الغوث التي أُقِرَّت دوليًا بالعام 1949، وتم تفويضها لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين إلى حين إيجاد حل عادل وشامل لقضيتهم وتطبيق القرار 194».

ويؤكد أبو هولي في حديثه لـ «مدى مصر»، على المساعي الأمريكية لإعادة تعريف اللاجئين وتقليص عددهم بشكل حاد، قائلًا: «واشنطن تضع نفسها محل الأمم المتحدة في تحديد وضع اللاجئ، وتحدد عدد اللاجئين الفلسطينيين بحيث لا يتجاوز 40 ألف». ويضيف أن هذا يعني حرمان نحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني من حقوقهم، وهم أبناء وأحفاد اللاجئين الذي هُجّروا من ديارهم عامي 1948 و1967.

وفي نفس الاتجاه، يقول الشمالي، إن الولايات المتحدة ترغب في إيقاف دور وكالة الغوث عن كونها شاهدة على قضية اللاجئين الفلسطينيين، مؤكدًا أن «الأونروا» لم تكن يومًا منظمة خدماتية فقط بل أُنشأت لتكون كضمان لحقوق هؤلاء الفلسطينيين.

تتفق معه آمال البطش، نائب رئيس اتحاد الموظفين العرب في الأونروا، وتقول إن الوكالة تأسست بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302، منوهةً إلى أن ما يحدث الآن من هجوم عليها وتجفيف لمنابع تمويلها يأتي بالأساس لإلغاء وجودها من أجل إنهاء ملف اللاجئين الفلسطينيين، وبالتالي إلغاء حقهم في العودة إلى أراضيهم.

ويُذّكر شمالي بتعقيب من المفوض العام للأونروا، بيير كرنبول، على إلغاء الولايات المتحدة الأمريكية لمساهمتها في ميزانية الوكالة، حيث أشار كرنبول إلى أن القرار الأمريكي غير مرتبط بأداء الأونروا، منوهًا إلى أنه اتخذ بشكل فجائي بعد عدة أسابيع فقط من لقاء كرنبول وبين جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصهره.

وأكّد كرينبول أن قرار واشنطن لا علاقة له بأداء الأونروا، وقال: «يظهر جليًا أنه متصل بالتوتر بين الولايات المتحدة والقيادة الفلسطينية». مُعتبرًا هذا «تسييسًا واضحًا للمساعدات الإنسانية، يُقوّض بشكل خطير أسس النظام الدولي».

وفقًا لشمالي، وجه المفوض العام رسالة قوية للولايات المتحدة بأن وكالة الغوث مصرة على الاستمرار في تقديم خدماتها الأولية خاصة التعليم والصحة حتى التوصل إلى حل نهائي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ولم ينكر شمالي أن القرار الأمريكي كاد أن يتسبب في أزمة خانقة للوكالة، ووضعها تحت ضغط شديد حيث إن حصة أمريكا في دعم الوكالة تبلغ 365 مليون دولار من أصل 1.2 مليار دولار هي حجم ميزانية الوكالة، مبينًا أن واشنطن قد حجبت منذ بداية العام الجاري 300 مليون دولار منها. ويؤكد أن هذه الأزمة قد أثرت على كثير من الخدمات التي تقدمها الوكالة ومن ضمنها الخدمات الإغاثية والخدمات المرتبطة بالصحة النفسية التي قد تستمر شهرًا على الأكثر، لافتًا إلى أنه من المؤكد بأنهم سيبقون تحت هذا الضغط حتى تفي الدول المانحة بالتزاماتها تجاه الأونروا.

جدير بالذكر أن الأونروا تقدم المساعدة لأكثر من ثلاثة ملايين فلسطيني من أصل خمسة ملايين مسجلين لديها. كما تقدم خدمات صحية وتعليم إلى 526 ألف طفل لاجئ في الأردن وسوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وتقدم كذلك مساعدات غذائية إلى 1.7 مليون لاجئ في غزة.

«أن يختفي 365 مليون دولار من ميزانيتك هذا سيؤثر على خدماتك في الكم والنوع، ولا نقصد هنا فقط الخدمات العادية كالتعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية، بل التأثير الأكبر سيكون على برامج الخدمات الطارئة»، يقول المتحدث الرسمي باسم الأونروا في الشرق الأوسط، سامي مشعشع.

يوضح مشعشع أن 60% من ميزانية الطوارئ في الضفة الغربية، و100% من ميزانية الطوارئ في قطاع غزة، تأتي من الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك ضُربت برامج الطوارئ في الصميم. ويُقصد بميزانية الطوارئ تلك الأموال المخصصة لإعادة إعمار ما دمرته الحروب، وإطعام مليون لاجئ كل ثلاثة أشهر في غزة، وتقديم خدمات نفسية للأطفال المتضررين من الحرب، وخلق فرص عمل مؤقتة للعاطلين عن العمل.

ويلفت شمالي إلى أن الأونروا منظمة ضخمة، ويعمل بها نحو 30 ألف موظف، ولديها التزام كبير أمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة.

من جهتها، تقول البطش لـ «مدى مصر» إن هناك تخفيض كبير في الآونة الأخيرة بين صفوف موظفي الأونروا نتيجة للأزمة المالية الخانقة التي تعانيها، إضافة إلى تقليص في الخدمات المقدمة.

وعلى الأرض، بدأ اللاجئون الفلسطينيون مع بداية العام الحالي بلمس أثر الحرب الأمريكية على الأونروا: برامج كاملة اختفت، وبرامج أخرى تقلصت.

يقول اللاجئ الفلسطيني، منتصر أبو الهيجاء، من مخيم جنين شمال الضفة الغربية المحتلة: «كل سنة تُنفذ الأونروا برنامج مخيمات صيفية لأطفال المخيم، لكن هذا العام نحن من دفعنا تكاليف ذلك، دفعنا من جيوبنا ما كان يجب أن تدفعه الأونروا».

وكما تقول البطش في غزة إن وجود الأونروا هو عامل استقرار في مناطق عملها، لافتة إلى أن إنهاء هذا الوجود قد يعني كارثة إنسانية وانهيار للوضع الأمني في مناطق عملها الخمسة والدول المضيفة لها. ويقول  رئيس دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، أحمد أبو هولي: «على العالم أن يفهم بأن تجويع اللاجئين سيكون له نتائج قد لا يحتملها أحد، الجوع يعني العنف والتطرف».

وتعول الأونروا على مؤتمر دولي سيعقد نهاية سبتمبر الجاري لبحث سبل إنقاذها من الخطر الوجودي.

على مدار سبعين عامًا شكلت المساعدات الأمريكية الحصة الأكبر لصندوق الأونروا، حيث كانت الولايات المتحدة تدفع ما يقارب من 30% من ميزانية الوكالة، واليوم بعد أن سحب الأمريكيون يدهم من الصندوق، صارت دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة هي الأكثر سخاءً في دعم وكالة الغوث، بالإضافة إلى دول كاليابان وبريطانيا، ودول الخليج العربي.

كما نددت دول عربية على رأسها الأردن ولبنان ومصر بالقرار الأمريكي، ودعوا بالإضافة للسلطة الفلسطينية إلى عقد مؤتمر لوزراء الخارجية العرب لبحث مواجهة القرار وتقوية الوكالة.

تقول البطش أنه من المفترض من الدول المانحة أن لا تخضع للابتزاز الأمريكي وأن يفوا بتعهداتهم تجاه هذه المنظمة، مشددة على أنه يجب على الأمم المتحدة إيجاد بديل لتمويل وكالة الغوث، أو إدراج ميزانية ثابتة لها كباقي منظمات الأمم المتحدة.

ويقول المحلل السياسي، عماد أبو رحمة، إن على العالم، والدول العربية تحديدًا، «مواجهة الخطر الأمريكي، فكلها تمتلك أوراق قوة وضغط، إن توفرت الإرادة السياسية لاستثمار مواردها وإمكانياتها للضغط على الإدارة الأمريكية، بإمكانها تشكيل عامل ضغط يدفعها للتراجع».

ولكنه يعارض الأصوات التي سارعت لمطالبة الدول العربية بسد العجز بعد القرار الأمريكي، «كي لا يتكرّس واقع أن قضية اللاجئين هي التزام للعرب ومطلوب منهم فقط تمويل الوكالة».

ويقول إن «الأونروا تشكّلت كتعبير عن التزام دولي تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين من أجل تشغيلهم وإغاثتهم، لذا يجب أن نصرّ على الالتزام من كافة الدول، ومنها الولايات المتحدة، برفع سقف مساهمتها للأونروا، أو على الأقل أن تفي بالتزاماتها».

في الوقت نفسه، أوردت وسائل إعلام إسرائيلية، قبل يومين، أنباء حول «شروط أمريكية للموافقة على دعم دول عربية -خليجية تحديدًا- لموازنة الأونروا»، تتركز هذه الشروط على إسقاط حق العودة والقبول بالتعريف الجديد (الأمريكي) للّاجئ.

ويرى أبو رحمة أن «السلوك الأمريكي تجاه الأونروا سلوكٌ واعٍ ومُخطط له، يهدف لتصفيتها كمدخل لتصفية قضية اللاجئين بالكامل، في إطار شراكة إدارة ترامب الحالية مع حكومة بنيامين نتنياهو الإسرائيلية في السعي لتصفية القضية الفلسطينية وفرض الحل الإسرائيلي من طرف واحد».

يربط أبو رحمة بين هذا المخطط ضد اللاجئين، وخطّة ترامب للسلام، المُسمّاة «صفقة القرن»، والتي بدأ تنفيذها بإعلان القدس المحتلة عاصمةً لإسرائيل ثم السعي لإنهاء حقّ العودة، وبهذا يتم التخلص من أثقل ملفات الصراع، بحسب أبو رحمة.

وهذا ما كشفته صحيفة «الغد» الأردنية، التي نقلت عن مسؤول فلسطيني -لم تُسمِّه- أن واشنطن عرضت على الدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين، وهي لبنان وسوريا والأردن، ذات الأموال التي حجبتها عن الأونروا مُقابل التخلّي تدريجيًا عن الوكالة وصولًا لتوطين اللاجئين، وتقديم الخدمات لهم. هذا العرض قوبل بالرفض، بحسب المصدر.

وبعد القرار الأمريكي القاضي بقطع الدعم المالي عن الأونروا، قال نير بركات، رئيس بلدية الاحتلال في القدس، لوسائل إعلام إسرائيلية: «سنضع خطة لطرد الأونروا من مدينة القدس، ولن نسمح لهم بالعمل فيها».

تصريحات بركات نقلت اللاجئين الفلسطينيين من سؤال عما إذا كان العالم سيملأ الفراغ المالي الكبير الذي تركته الولايات المتحدة وراءها، إلى سؤال أصعب: ماذا سيفعل العالم لو وصلت دبابات جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى مكاتب الأونروا وأغلقتها بالقوة؟

يقول أبو هولي لـ «مدى مصر»: «ما قاله رئيس بلدية الاحتلال في القدس خطير، فالاحتلال يسعى للتناغم مع القرار الأمريكي بفرض أهدافه بالقوة على الأرض، لكن اللاجئين لن يسكتوا على ذلك».

بدوره، يوضح الباحث في شؤون اللاجئين، الدكتور سمير أبو مدللة، إن الأزمة المالية أصبحت ملازمة للأونروا منذ توقيع اتفاق أوسلو 1993 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، مشيرًا إلى أن الهدف من هذه الأزمات هو الوصول إلى إنهاء كامل لعمل هذه المنظمة.

ويلفت إلى أن هذا العام برزت هذه الأزمة من قبل الإدارة الأمريكية في سياق ما يتم تطبيقه في إطار صفقة القرن، وهو المخطط الذي يجري الترويج له لفصل الضفة عن القطاع، وقطع الطريق على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة في الأراضي المحتلة عام 1967. وهذا أحد بنود صفقة ترامب «التي تهدف لتصفية القضية الفلسطينية وليس إيجاد حل لها».

ويشير أبو مدللة إلى أن الولايات المتحدة لا تتحدث فقط عن منع تمويل الأونروا بل إنهائها بشكل كامل.

ويبين أن هذا يأتي في إطار الضغط على الشعب الفلسطيني لفرض وقائع على الأرض عنوانها إزاحة الملفات الفلسطينية الرئيسية، وهذا ما تحدث به مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون عندما قال: «إنهم أزاحوا قضية القدس عن طاولة المفاوضات واليوم تأتي قضية اللاجئين».

اعلان
 
بيسان أشرف 
ثائر أبو عون 
عميد شحادة