Define your generation here. Generation What

«الملاك» أشرف مروان، ومأزق المصداقية بين مصر وإسرائيل

تضع سيرة أشرف مروان السلطات الحكومية، وخصوصًا أذرعها الأمنية في مصر وإسرائيل، في مأزق، كما تفتح جرحًا جديدًا في ضمير عربي مكتئب بسبب ما يجري في الوطن العربي بأيد عديدة؛ عربية وشرق أوسطية ودولية، وخصوصًا إسرائيلية، كما تثير الروايات الإسرائيلية تساؤلات حول تقييم إسرائيل للشخصيات العربية، سواء من عاداها أو من سعى منها للصلح معها ولخدمتها، ومنهم عبد الناصر والسادات وأشرف مروان نفسه، وأخيرًا، تدعو القصة كلها للتأمل في المزايا التي تملكها إسرائيل في مخاطبة الرأي العام المحلي والدولي، بالمقارنة بالعجز الفاضح في الأنظمة العربية.

المأزق المصري

المأزق المصري واضح، فبينما تقدم المصادر الإسرائيلية المنشورة وصفًا تفصيليًا لاتصالات أشرف مروان بمسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية في لندن، وتكشف، بحسب كتاب يوري بار جوزيف أستاذ العلوم السياسية الإسرائيلي والمعنون «الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل»، تواريخ اللقاءات ومن حضرها من الإسرائيليين والمعلومات التي سردها والوثائق التي قدمها والمكافآت التي تلقاها، وتحليلًا لدوافعه، مع رفض لأي رواية مناقضة، بما في ذلك رؤية جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي نفسه، والتي تنفي كون مروان جاسوسًا خالصًا لإسرائيل، فإن الحكومة المصرية لم تقدم حتى الآن أي رد على ما تعتبره مزاعم إسرائيلية، سوى تأكيد الرئيس مبارك أن مروان قام بواجب وطني، ومشاركته في جنازة عسكرية شيعت جثمانه بعد مصرعه في لندن، وهي جنازة لم يشارك فيها، بحسب الرواية الإسرائيلية، السيد عمر سليمان الذي كان رئيس المخابرات العامة المصرية في ذلك الوقت، ولا أي من أفراد أسرة السادات الذي كان مروان مديرًا لمكتبه ومبعوثه الخاص لعدد من الدول العربية في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي.

ومما يفاقم المأزق في مصر أن أيًا من كبار المسؤولين، الذين ربما كانوا على علم بما قام به مروان في أداء «واجب وطني»، قد فارقوا جميعًا الحياة.

إذا كانت الشهادة المصرية صحيحة فأغلب الظن أن قلة محدودة هي من كانت تعرف بدور مروان، وفي مقدمتهم الرئيس الراحل أنور السادات، ومن تولوا مسؤولية وزارة الحربية والمخابرات العامة بعد تخلص السادات من القيادات الناصرية التي كانت تتحفظ على توجهاته، سواء بالنسبة لخطط التسوية السلمية المؤقتة مع إسرائيل أو الاستعداد للحرب.

ولذلك يُستبعد أن يكون السيد سامي شرف أو المرحومون محمد فوزي وزير الحربية، وأمين هويدي وزير الدفاع ثم مدير المخابرات العامة، وأحمد كامل، أمين منظمة الشباب الاشتراكي ثم مدير المخابرات العامة قبل إقصاء القيادات الناصرية في مايو 1971، على علم بأنشطة مروان هذه، وهو ما نفى شرف وهويدي علمهما به.

ومن الشخصيات التي وثق بها السادات، وكانت قريبة من أنشطة المخابرات كل من المرحومين حافظ إسماعيل الذي كان مستشار السادات للأمن القومي وأدار جهاز المخابرات العامة، والمشير أحمد إسماعيل الذي استدعاه السادات بعد أن كان عبد الناصر قد حمّله المسؤولية عن تقصير مكّن الإسرائيليين من اقتحام موقع عسكري مصري على ساحل البحر الأحمر، ليعينه السادات لاحقًا وزيرًا للدفاع ومديرًا للمخابرات العامة، وليظل في هذا الموقع حتى بعد حرب أكتوبر 1973.

أما المخابرات الحربية فقد رأسها في فترة حرب أكتوبر اللواء فؤاد نصار الذي عُيّن فيما بعد رئيسًا للمخابرات العامة في الفترة 1981-1983.

هل هناك في سجلات المخابرات العامة، أو المخابرات الحربية أو رئاسة الجمهورية، ما يشير إلى تكليفات خاصة لأشرف مروان أو تقارير قدمها عن لقاءاته بالإسرائيليين؟

بافتراض أن الرواية المصرية صحيحة، فلا بد أن هناك سجلات لأنشطة مروان في هذه الأجهزة. ولو لم تكن هناك مثل هذه السجلات، فإن ذلك يكشف عن تقصير خطير، أو يعطي الفرصة لمن يشككون في الرواية المصرية على اختصارها. ولذلك فإن مواجهة حملة الدعاية الإسرائيلية العالمية التي تصور مروان، زوج ابنة الرئيس جمال عبد الناصر ومدير مكتب السادات ومبعوثه الخاص للدول العربية، كجاسوس لإسرائيل، تقتضي أن تسمح هذه الأجهزة لباحثين مصريين مستقلين عن الأجهزة الحكومية، ويتمتعون بالمصداقية بالبحث في هذه السجلات وطرح رؤية مصرية مستفيضة تبدد ما تراه السلطات المصرية بوصفه مزاعم إسرائيلية، وخصوصًا أن هذه الأنشطة قد مر عليها قرابة نصف القرن ولم يعد الكشف عنها ينطوي على تهديد للأمن القومي على أي نحو. أما إن لم يكن هناك ما يدحض الرواية الإسرائيلية، فعلينا جميعًا، شعبا وحكومة، أن نتأمل في كيفية حماية الأمن القومي ممن لا يتطرق الشك – ظاهريًا – بولائهم للوطن، كما كان حال أشرف مروان.

الجرح الجديد للكرامة العربية:

إن لم تخرج مثل هذه الرواية المصرية ذات المصداقية، فسيتجرع الضمير العربي مرارة الإحساس بالعجز والهزيمة في مواجهة إسرائيل. هل كان يخطر ببال أحد أن يُقدِم عربي، له مثل هذه الصلات بقائد القومية العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، على مثل هذا العمل، الذي تصفه الدوائر الإسرائيلية بأنه «أكبر انتصار يحرزه أي جهاز مخابرات في العالم»، أي أن تكون عيونه مسلطة على أدق ما يجري في أعلى مستويات السلطة عند خصمه، وأن تأتيه وثائق أصلية تشير لاستعدادات الخصم للحرب، وأوامر القتال وخططه التفصيلية، ونوعية تسليحه ومواقعه، فضلًا عن محادثات رئيسه مع إحدى القوتين الأعظم في العالم، والتي كانت تناصر مصر في ذلك الوقت؟

لا أزال أذكر ما رواه لي سائق تاكسي في مدينة تونس عن الهدوء الشامل في العاصمة التونسية، وعن إسراعه للعودة إلى منزله وقت بث حلقات المسلسل المصري عن «رأفت الهجان»، الجاسوس الذي زرعته المخابرات المصرية في قلب إسرائيل. كان ذلك وقت حكم الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، وكان الجلوس أمام شاشات التلفزيون في تونس، ولا شك في عواصم ومدن عربية أخرى، دليلًا على شعور عربي مشترك بالتضامن في مواجهة عدو واحد، وتعويضًا نفسيًا عن هزائم عربية عديدة في مواجهة هذا العدو المشترك.

تُرجم الكتاب الإسرائيلي عمن تسميه إسرائيل بـ«الملاك» إلى العربية، ويسهل تنزيله مجانًا من الشبكة العنكبوتية، والفيلم الذي تأسس على هذا الكتاب سيُعرض في كافة عواصم العالم الشهر القادم، ولن يكون من الصعب تنزيله من على موقع «تورنت» والمواقع الشبيهة، وسينسى العرب انتصارات رأفت الهجان ليلعقوا مرارة الإهانة التي سببها زوج ابنة عبد الناصر لهم.

المأزق في إسرائيل:

مع إحساس الإسرائيليين بكون أجهزتهم قادرة على النفاذ إلى أدق تفاصيل ما تقوم به القيادات العربية، فإن قارئ الكتاب والعارف بما جرى في حرب أكتوبر لا بد وأن يجد عنوان كتاب بار جوزيف «الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل» مدعاة للسخرية. فالواقع أنه مع كل المعلومات التي قدمها الملاك لإسرائيل، فإنه لم ينقذها من صدمة عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف وتقدمها بالقرب من وسط سيناء في منطقة المضايق، مع حفاظ القوات المصرية على استعادتها لشريط طويل يمتد على شرق القناة، حتى بعد وقف إطلاق النار في 24 أكتوبر 1973، بالإضافة لتحقيق القوات السورية تقدمًا هامًا هي الأخرى على هضبة الجولان المحتلة في أوائل أيام حرب أكتوبر.

خرجت إسرائيل من حرب أكتوبر معترفة بأنها الحرب الإسرائيلية العربية الأولى التي لم تنته بانتصار كامل لإسرائيل، ولذلك بحثت لجنة إجرانات التي تشكلت بعد الحرب في أسباب الهزائم الإسرائيلية في الأيام الأولى للحرب. وإذا لم تكن الخطة العسكرية العربية قد تحققت بالكامل في سيناء على سبيل المثال، فلم يكن السبب في ذلك هو المعلومات التي قدمها «الملاك»، ولكن لبعض القصور في أداء القيادات العسكرية المصرية، رغم انتصاراتها الأولية، فلم تكن قد تدربت على كيفية تطوير الهجوم، ولا على التكيف مع الواقع الجديد الذي خلقته هذه الانتصارات، وهو ما سمح للقوات الإسرائيلية بإيقاف تقدم الدبابات والمدرعات المصرية نحو خط المضايق الذي يتحكم في وسط سيناء، كما أن القيادة المصرية لم تحكم التواصل بين جيوشها الميدانية، وهو ما مكّن الإسرائيليين من فتح ثغرة ينفذون منها إلى غرب القناة بقيادة آرييل شارون. وقد استوعبت القيادات العسكرية المصرية الدرس، وأدخلت في تدريباتها العسكرية كيفية تفادي مثل هذه المواقف.

كذلك لم يكن مروان وحده مصدر كل معلومات إسرائيل عن مصر، وإنما كانت هناك معلومات وصلتها من مصادر أخرى، ومنها للأسف ما قدمته جاسوسة مصرية متطوعة، هي هبة سليم وخطيبها الذي كان ضابطًا برتبة مقدم في موقع هام في القوات المسلحة المصرية. كما يعود، أخيرًا، التفوق النهائي لإسرائيل في هذه الحرب إلى الدعم العسكري الأمريكي الذي نقل للقوات الإسرائيلية عتادًا قيمًا، تعويضًا عما خسرته إسرائيل، وعبر جسر جوي يمتد من الولايات المتحدة مباشرة إلى سيناء.

ولذلك فإن الاستخبارات العسكرية نازعت الموساد حول قيمة المعلومات التي قدمها مروان، ومصداقية تحذيراته من اقتراب موعد الحرب، وهي التحذيرات التي لم تتحقق في مناسبات عديدة، وحول معرفة إسرائيل المسبقة بهذه المعلومات من عدمها. ولذلك لا تجيب المصادر الإسرائيلية عن السؤال الهام: لماذا عانت إسرائيل، مع كل المعلومات التي قدمها مروان، هزائم مُرة في بداية حرب أكتوبر؟ فإما أن معلومات الملاك لم تكن لها قيمة كبيرة، وهذا هو موقف جهاز الاستخبارات العسكرية، أو أنها كانت ذات قيمة ولكن إسرائيل لم تستفد منها، وهذا ما يؤكده الموساد.

مزاياهم التي ليست لدينا:

في هذه الحرب الدعائية التي تشنها إسرائيل على الضمير العربي، تتمتع إسرائيل بمزايا تفتقدها كل النظم العربية، فالنظام السياسي في إسرائيل، رغم كل القيود التي يفرضها على تداول أي معلومات تمس أمنه القومي، هو نظام مفتوح فيه قدر كبير من الشفافية. طُرحت في إسرائيل كافة وجهات النظر بشأن ما قام به مروان، دون ذكر اسمه، وعُرض الأمر على المحكمة العليا في إسرائيل، وخرجت كتب حافلة بالتفاصيل. ومن ثم أمكن للإسرائيليين طرح حجج متماسكة وتبدو لها مصداقية، بينما تفتقد أنظمتنا العربية لكل ذلك.

الميزة الثانية التي تمتلكها إسرائيل في هذا المقام، هي دقة تقييمها لمن تواجههم. وفقًا لكتاب يوري بار جوزيف، لم يكن لمروان أن يواصل نشاطه في ظل حكم جمال عبد الناصر الذي كان حريصًا على التقشف، والذي عاقب مروان بإعادته من لندن بعد أن أخذ الأخير يستمتع بما كانت تغدقه عليه إحدى الأسر الحاكمة في الكويت، ولكن لم يكن من الصعب عليه إظهار الثراء بما يتلقاه من إسرائيل في عهد السادات الذي ساد فيه الفساد.

وأخيرًا، فإن «الملاك» في نظر الإسرائيليين، لم يكن «ملاكًا»، إلا لأن ما قام به كان هدية هائلة غير متوقعة لهم، كملاك يهبط عليهم من السماء ويفاجئهم بما لم يدر إطلاقًا بأحلامهم، ولكنه لم يكن بطلًا من وجهة نظرهم، وإنما ظل خائنًا لبلده، ودافعه للخيانة كانت نفسيته المحبة للمغامرة واعتداده الهائل بقدراته، فضلًا عن حبه للمال. هو في حقيقة الأمر، ومن وجهة نظرهم، مجرد جاسوس خان بلاده لمصلحة إسرائيل.  

اعلان
 
 
مصطفى كامل السيد