Define your generation here. Generation What
ما بين التصاريح والعقوبات.. واقع المراسلين اﻷجانب في مصر
 
 

يرأس الكاتب الصحفي ضياء رشوان الهيئة العامة للاستعلامات؛ الجهة الحكومية المنوطة بالإشراف على وسائل الإعلام الأجنبية العاملة في مصر، والذي أفصح عن اعتقاده في وقت سابق أن الدولة المصرية في صراع مفتوح مع الصحافة الدولية.

«تواجه مصر أشرس حملة تشهير في تاريخها الحديث من جانب وسائل الإعلام الأجنبية»، حسبما قال رشوان خلال مقابلة أجرتها معه محطة «الحياة» التلفزيونية الخاصة في فبراير الماضي. واستعرض تفاصيل الخطوات التي تتخذها الهيئة في مواجهة تلك الحملة، والتي تتضمن إصدار تقارير لإدانة التغطية «العدوانية» لأخبار مصر، واستدعاء الصحفيين لمناقشتهم خلف أبواب مغلقة.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، وتحديدًا منذ تولي رشوان رئاسة الهيئة في يونيو 2017، تحوّل عمل المراسلين الأجانب في مصر إلى معركة يومية مع السلطات، ووقع الصحفيون الدوليون ضحية البيروقراطية الخانقة والتشهير والتخويف والتهديد بالترحيل عن مصر، حسب تقارير صحفية.

وهيئة الاستعلامات هي هيئة إشرافية حكومية تأسست عام 1954، وتعتبر نفسها هيئة الإعلام والتوعية والعلاقات العامة الرسمية في البلاد، حسب موقعها. وهي تراقب أنشطة وسائل الإعلام الأجنبية عن كثب. وكانت تتبع وزارة الإعلام في البداية، وبعد حل الوزارة أصبحت تتبع مكتب رئاسة الجمهورية منذ عام 2014.  

أتت قبضة رشوان شديدة الوطأة على الصحافة الأجنبية في سياق حملة حكومية أوسع نطاقًا على جميع وسائل الإعلام، والتي تصاعدت على نحو كبير عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي عام 2013، في إطار حملة أوسع لإسكات أي صوت للمعارضة. ومنذ ذلك الحين، اتخذت السلطات تدابير غير مسبوقة ضد حرية الصحافة، في محاولة منها للسيطرة على المحتوى الإخباري سواء داخل مصر أو خارجها.

ولقد اكتوى الصحفيون المصريون العاملون في وسائل إعلام أجنبية بقمع السلطات، وتعرّض مراسلون محليون للاختفاء القسري، أو المُحاكمة والحبس؛ كما مُنعت الأصوات المعارضة للنظام من الظهور في البرامج التلفزيونية. وطالب النائب العام باتخاذ تدابير قانونية ضد ما أسماه «الأخبار الكاذبة»، وقال إن قوى الشر تحاول تقويض دعائم الدولة المصرية. ولقد أفلتت وسائل الإعلام الأجنبية إجمالًا من أسوأ الانتهاكات التي ترتكبها الدولة، إلا أن السلطات استهدفت المراسلين الأجانب بوتيرة متزايدة وطُرق شتى، ما خلق مناخًا من التضييق والترهيب.

وتحدّث عدد من الصحفيين الأجانب الذين يعملون في مصر لـ «مدى مصر» حول التحديات غير المسبوقة التي يواجهونها أثناء عملهم. وطلبوا جميعًا إخفاء هوياتهم تجنبًا لمزيد من المضايقات من جانب السلطات.

تطوّر دور هيئة الاستعلامات

واكب تعيين رشوان رئيسًا لهيئة الاستعلامات إنشاء ثلاث هيئات جديدة لتنظيم عمل المنافذ الإعلامية الحكومية والخاصة (الهيئة الوطنية للصحافة، الهيئة الوطنية للإعلام، والمجلس الأعلى للإعلام). وفي 16 يوليو الماضي، أقرّ البرلمان قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والذي فرض قيودًا غير مسبوقة على الممارسات الصحفية والإعلامية في مصر، وفي 27 أغسطس الماضي صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي على القانون ليدخل حيز النفاذ.

كانت رئاسة الهيئة العامة للاستعلامات تُسند سابقًا إلى دبلوماسيين قبل تولي الصحفي والأكاديمي ورئيس نقابة الصحفيين الأسبق ضياء رشوان. ولم تكن الهيئة تميل إلى المواجهة عادة، وتفضل العمل في الظل.

وقال الصحفيون الأجانب الذين تحدثوا لـ «مدى مصر» إن رشوان يحوز نفوذًا أكبر من سابقيه في المنصب. كما يؤكدون أن هذا النفوذ مكّنه من منح تصاريح وموافقات إن رغب في ذلك، كما أتاح له فرصة أن يكون أكثر عدوانية وصرامة في انتقاد الصحافة الدولية.

وقبل أن يتولى منصبه، كان رشوان يتمتع بعلاقات قوية مع وسائل الإعلام الأجنبية، بوصفه مُعلقًا سياسيًا. كان يُدلي بتصريحات للصحف، ويظهر بانتظام في وسائل الإعلام نفسها التي يُضيّق عليها الخناق حاليًا كرئيس للهيئة. وفي عام 2011، تقلد رشوان منصب رئيس مركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، التابع لصحيفة «الأهرام» الحكومية، ثم واصل تقلّد المناصب منذ انتخابه رئيسًا لنقابة الصحفيين عام 2013. في العام نفسه، عُيّن عضوًا في لجنة الـ 50، المُكلفة بوضع مسودة دستور عام 2014، ثم حاز مقعدًا في المجلس الأعلى للصحافة، قبل أن يتولى رئاسة «هيئة الاستعلامات».

وفي عهد رشوان، اصطدمت الهيئة مع عدد من الجهات الصحفية الأجنبية، وأصدرت بيانات إدانة ضد وسائل الإعلام الأجنبية بسبب تغطيتها الصحفية للانتخابات الرئاسية عام 2018، وعدد الضحايا في هجوم مسلح على طريق الواحات في أكتوبر من العام الماضي، وتقرير «بي بي سي» عن الاختفاء القسري المنشور في فبراير الماضي، وموضوع «نيويورك تايمز» حول موقف مصر غير الرسمي من نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس. وكانت تلك البيانات تُتبع عادة بظهور رشوان في لقاءات تليفزيونية مدافعًا عن موقف الدولة ومنتقدًا الصحف الأجنبية.

وفي مارس الماضي، رفع أحد المحامين قضية أمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، مطالبًا بإغلاق مكتب هيئة الإذاعة البريطانية في القاهرة، واتهم الإذاعة بأنها تبث أخبارًا كاذبة تشوّه سُمعة مصر، عقب بث تقرير عن الاختفاء القسري في فبراير الماضي. ورفضت المحكمة القضية في يونيو الماضي، بعد أن حكمت بأنها خارج نطاق سلطتها القضائية.

وبحسب عدد من الصحفيين العاملين في وسائل إعلام أجنبية، فإن رشوان ومسؤولي هيئة الاستعلامات اتبعوا أسلوبًا جديدًا، هو استدعاء الصحفيين وسؤالهم عن محتوى تقاريرهم ومطالبتهم بتغيير تلك التقارير. وقال صحفي، حضر اجتماعًا لرشوان مع المراسلين الأجانب، إن رئيس الهيئة كان يحمل مجموعة من قصاصات الصحف التي تحتوي على قصص إخبارية يعترض عليها، ويُريد مناقشتها مع المراسلين.

وطلبت «مدى مصر» من رشوان إجراء مقابلة صحفية معه، لكنه لم يرد على الطلب.   

وتُعد «هيئة الاستعلامات» أحد أذرع الدولة فيما يبدو أنها جهود حكومية واسعة للسيطرة على صورة مصر في الخارج. وبينما أخذت وزارة الخارجية على عاتقها تفنيد تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، بزعم أنها تشوّه سمعة مصر، يروّج مسؤولون حكوميون ووسائل إعلام محلية موالية للدولة نظريات مؤامرة حول تواطؤ وسائل الإعلام والحكومات الأجنبية، إلى جانب وصف الصحفيين بالجواسيس، ما يخلق بيئة عمل مُعادية للصحافة.

«تحاول وسائل الإعلام الترويج لفكرة مفادها أن أهدافك شريرة إن كنت تعمل في أحد وسائل الإعلام الأجنبية وتكتب عن مصر»، يقول أحد المراسلين الأجانب لـ «مدى مصر».

غير مرغوب فيهم

أدى الترحيل المفاجئ لمراسلة الـ «تايمز» في مصر في وقت سابق من العام الجاري إلى صدمة داخل مجتمع المراسلين الأجانب في مصر.

بدأت بيل ترو، بريطانية الجنسية، عملها كمراسلة لعدد من الجهات الإعلامية الأجنبية في مصر منذ عام 2011، وأصبحت مراسلة «تايمز» في القاهرة عام 2013. وفي 20 فبراير الماضي، ألقت قوات الأمن القبض عليها أثناء إجراء مقابلة في أحد أحياء القاهرة، ثم اصطحبتها الشرطة إلى مطار القاهرة وهددتها بالملاحقة القضائية إن لم تغادر على الفور، وأُجبرت على الرحيل دون الحصول على متعلقاتها الشخصية.

أصدرت هيئة الاستعلامات بيانًا للدفاع عن ترحيل ترو، وزعمت أنها لم تتقدم للحصول على «كارنيه» الصحافة المؤقت الذي يُطلب من الصحفيين الأجانب حمله. كما اتهمت الهيئة ترو بالتصوير في الشارع دون الحصول على التصاريح اللازمة، رغم أنها لم تكن تصوّر عند إلقاء القبض عليها، وفقًا للـ «تايمز».

أدى ترحيل ترو إلى تهديد مجتمع المراسلين الأجانب في مصر، الذين أصبح من الصعب عليهم التعرف على مواضع الخطوط الحمراء. ووفقًا لمراسلين حضروا اجتماعًا مع رشوان لمناقشة ترحيل ترو، فإنهم لم يحصلوا على إجابات عن أسباب استهدافها، ما جعل الوضع أكثر إثارة للقلق.

«لا نعرف حتى الآن ما الذي حدث مع ترو، ولكن من الواضح أنهم يريدون أن يجعلوا منها عِبرة لنا جميعًا»، هذا ما قاله مراسل صحيفة شهيرة لـ «مدى مصر»، وأضاف: «حين لا تعرف ما هي الحدود التي لا ينبغي تجاوزها، فإنك تفكر مرتين قبل أن تكتب».

أثارت تفاصيل ترحيل ترو الدرامية نقاشًا واسعًا بين المراسلين الأجانب، على الرغم من أنها ليست الصحفيّة الوحيدة التي رُحلت العام الجاري. في مايو الماضي، مُنعت نينا هوبينيت، وهي صحفيّة فرنسية عملت في مصر في المدة من 2008 إلى 2013، من دخول البلاد حال وصولها إلى مطار القاهرة بعد خمس سنوات لقضاء إجازة.

وفي مايو 2016، عاد صحفي فرنسي آخر هو ريمي بيجالو، كان يعمل مراسلًا مُرخصًا في القاهرة لصحيفة «لا كروا» الفرنسية، إلى مصر بعد قضاء إجازة قصيرة في الخارج، ليُحتجز في مطار القاهرة لمدة 30 ساعة، قبل إبلاغه بأنه ممنوع من دخول البلاد وترحيله على الفور.

وتقول مصورة صحفية أجنبية تعمل في مصر منذ عدة سنوات إنها أصبحت أكثر حذرًا بشأن التمّسك بالإجراءات الأمنية المطلوبة منذ العام الماضي، وخصوصًا بعد ترحيل ترو.

«في العام الماضي، إذا اتصلت بي وأخبرتني عن موعد عمل في الإسكندرية غدًا، كنت سأحزم حقائبي وأسافر. أما الآن، فإنني أتقدم بطلب وأنتظر الحصول على تصريح، ولا أعمل في أي شارع خارج نطاق التصريح»، شرحت المصوّرة. لقد أجبرت الدولة الصحفيين الأجانب على التمسك بمجموعة من القواعد الصارمة، ولكن المصورة تعتقد أن تلك القواعد لا تنجح في التحكم في محتوى عملها. «أوافق على أي عمل يُطلب مني، ولكني أصبحت شديدة الحرص، إذ لا أستطيع دفع ثمن ارتكاب أي خطأ»، تضيف المصورة.

ولقد أصبحت الأوراق الرسمية والتصاريح التي تطلبها السلطات مسألة دائمة التغير والتعقيد.

حتى العام الماضي، كان المراسلون الأجانب يحتاجون إلى استخراج «كارنيه» الصحافة السنوي، الذي يضمن لهم الحصول على الإقامة في البلاد لمدة عام واحد. وعادة ما يصدر الكارنيه في منتصف العام، ولحين صدوره، يحصل الصحفيون على كارنيهات مؤقتة تصدر شهريًا.

ويمنع المركز الصحفي للمراسلين الأجانب، التابع لهيئة الاستعلامات، تصاريح عدد من الصحفيين لأسباب تتعلق بمحتوى تقاريرهم الصحفية. «سواء حصلت على الكارنيه أم لا، يعتمد عملك على مدى علاقتك الخاصة بالمركز الصحفي ونوعية تغطيتك الصحفية»، قال أحد الصحفيين، الذي حُرم من الحصول على الكارنيه لمدة أربعة شهور في عامي 2017 و2018 لـ «مدى مصر»، وأضاف: «أن لم تعجبهم، فلن يمنحوك الكارنيه ببساطة».

وإضافة إلى مشكلة الكارنيه وتصريح الإقامة التي أصبحت معركة شهرية، والتي أخبر أحد المراسلين «مدى مصر» أنها تتأخر لعدة شهور دون تفسير، تطلب السلطات المزيد من الأوراق الرسمية لكي يعمل المراسلون الأجانب على نحو قانوني في مصر.

وحتى وقت قريب، كان يُطلب من مصوري الفيديو فقط الحصول على تصاريح للعمل في الشارع من أجل التصوير في مواقع مُحددة، أما الآن، يحتاج المصورون والمراسلون الإذاعيون كذلك إلى تصاريح خاصة تُحدد نطاق العمل. وغالبًا ما يلجأ الصحفيون الآن للحصول على تصاريح للعمل في الشارع، تجنبًا لإعطاء السلطات فرصة لترحيلهم، كما حدث مع ترو.

ويحكي أحد الصحفيين أنه اضطر إلى ملء أربع كُتيبات تحتوي على أسئلة تتناول كافة جوانب حياته، من أجل الحصول على تصريح إقامة مؤقت لتغطية أنشطة مكتب الرئاسة. ويقول مراسل آخر إن التصاريح قد تتأخّر أحيانًا، لدرجة أن المراسل قد يحصل عليها بعد أن تنتهي فترة صلاحيتها.

«نبحث على نحو متواصل عن طريقنا بين النظام والإجراءات البيروقراطية، في محاولة لاستيعاب ما يجري»، يقول أحد الصحفيين.

هل نجحت؟

إذا كان هدف الدولة هو الحد من عدد وفعالية الصحف الأجنبية في مصر، فإن خطتها قد نجحت فيما يبدو. وبحسب صحفيين تحدثوا إلى «مدى مصر»، لم يعد الصحفيون يسعون للعمل في مكتب القاهرة كما كان يحدث من قبل، كما شهدت السنوات الأخيرة نقصًا ملحوظًا في أعداد الصحفيين الأجانب العاملين في مصر. يرجع جزء من هذا إلى تراجع اهتمام وسائل الإعلام الدولية بتغطية الأحداث في مصر، وتركيز الاهتمام بما يجري في دول أُخرى في المنطقة، إضافة إلى نجاح البيئة المعادية للعمل الصحفي في تحقيق الهدف منها بشكل ملموس.

لقد جعلت القيود الصارمة والبيروقراطية المُربكة من الصعب على الصحفيين الزائرين العمل في مصر، إذ يجب عليهم قضاء عدة أشهر من أجل الحصول على تصريح للعمل لعدة أيام فقط في مصر، ولا يضمنون السماح لهم العمل بحرية أو حتى كتابة القصة الصحفية التي حضروا من أجلها.

«هناك شعور بأنك يجب أن تحب القصة الصحفية للغاية، لكي تعمل عليها في بيئة شديدة الصعوبة»، يقول أحد الصحفيين في صحيفة أجنبية كبيرة. يبدو أن التدابير قد حققت المرجو منها، مضيفًا: «إنهم يضعون نظامًا يستهدف استنزاف الصحفيين، ويواجهونك بمزيد من البيروقراطية ويضعون العراقيل أمام العمل الصحفي».

لقد حققت ضغوط الهيئة العامة للاستعلامات بعض النتائج الملموسة. فبعد أن أصدرت الهيئة بيانًا يدحض تقرير وكالة أنباء «رويترز» عن شراء الأصوات في الانتخابات الرئاسية في مارس الماضي، سحبت الوكالة تقريرها. ما يظهر أن الهيئة قد نجحت بدرجة ما في أسلوب تعاملها مع وسائل الإعلام الأجنبية، وهو ما انعكس بشكل أوضح في تصريح ضياء رشوان في 9 أغسطس الماضي بأن 95% مما نشر عن مصر في الصحافة العالمية كان إيجابيًا.

في نهاية المطاف، تبدو أن الطريقة الجديدة حققت أهدافها بالنسبة لطريقة عمل المراسلين الأجانب، ولكنها بالمقابل أصبحت قصة إخبارية في إحدى الصحف العالمية الكبري، وأحيانًا ما تستشهد بها المؤسسات الإعلامية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، باعتبارها نموذجًا على حملات القمع ضد وسائل الإعلام.

اعلان
 
 
هبة عفيفي