Define your generation here. Generation What
موجز تاريخ «الميمز»
 
 

أصبح مصطلح «الميم» رائجًا ومنتشرًا بين مستخدمي الإنترنت خلال العقد الحالي، مشيرًا إلى ظاهرة ما، مراوِغة، ولا تحتملها أيًا من المرادفات الموجودة في القواميس القياسية للغات الشائعة. وكأي مصطلح مستحدث، يشوبه الالتباس والتحوير، انهمرت الدراسات والتقارير في محاولة للإمساك بتعريف جامع مانع يليق بإضافته إلى المعاجم وبنوك المصطلحات الحديثة. كان الالتباس انعكاسًا لطبيعة تداوله المستمر بين مستخدميه؛ هل «الميمز» هي الكوميكس أو القصص المصورة التي يتبادلها مستخدمو الإنترنت على مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل هي اللقطات الممنتجة من الأفلام والإعلانات؟ هل هي أي فكرة انتشرت بطريقة فيروسية من خلال الإنترنت؟

يمكننا البدء بالتنقيب في تاريخ أحد الأنماط الأكثر شيوعًا وتداولًا للميمز؛ الصور الملصق عليها تعليقات أو جمل حوارية. تمر هذه الصور المعدّلة في دورة كبيرة من الانتشار وإعادة الإنتاج وخلق تنويعات امتدادًا للنموذج الأول للميم (الأصل المعاد إنتاجه بالأساس) سواء بالإضافة أو التغيير في الجمل/الحوار المكتوب، والتي غالبًا ما تكون منتزعة من سياق ما في المجال العام (سواء ثقافة شعبية أو نكت محلية الخصوصية in-jokes مثلًا). سنسعى هنا إلى التعرّف على ملامح هذه الممارسات؛ ممارسة التحوير وإعادة الإنتاج بالتحديد. لن تخلو هذه المحاولة من الخوض في الجوانب الثقافية والاجتماعية وحتّى السياسية للتعريف، آملين في الحصول على فِهم أشمل وأقرب لهذا الظاهرة، ظاهرة «الميمز». في النهاية، ما نحاول استكشافه وتوضيحه هنا هو أحد أقوى/أوضح ملامح ثقافة الإنترنت الحالية.

البداية

المثير والمفيد دائمًا في ملاحظة تطور ظواهر كهذه، هو أن انفتاح الإنترنت وسرعة تبادل المعلومات فيه، وما يختزنه من أرشيف، يتيح إمكانية سرد تاريخه دون إفناء العمر في التجربة لو كانت على أرض الواقع.

يمكن تتبع أصول «الميمز» في منتديات وقوائم المراسلة التي سيطرت على الإنترنت في بداية الألفية، حيث كانت تتشكّل مجتمعات سيبرية لأول مرة بمرادفاتها ونكاتها الخاصة، كأي مجتمع في الحياة الحقيقية (irl كما يختصرونها).

صادفتُ موضوعًا بدأه مؤسس موقع ومنتدى Something Awful، الموقع الذي ارتبط في ذاكرتي بالجانب الأشد تأثيرًا وحضورًا بين الشباب على الإنترنت في بداية تعرفي عليه، كان يحكي  بشجن وحنين كيف أن الـ image macros (نموذج بدائي من الصور الملصق عليها تعليقات) التي انتشرت في هذا المنتدى، كانت انطلاقة هذا النمط من الميمز، والتي كانت تطورًا تدريجيًا؛ من الـديموتيفشنال بوسترز demotivational posters التي بدأت بدورها في قوائم المراسلة بين زملاء العمل في أمريكا، كنوع من السخرية من الملصقات المحمّسة التي كانت تغطي جدران المكاتب في هذه الفترة بغرض تشجيع ورفع الروح المعنوية للعاملين والموظفين.

سيخرج من هذا المنتدى لاحقًا كريستوفر بوول (اسمه المستعار على المنتدى: moot) ليؤسس موقع  «فور تشان 4Chan» بعد أن ملّ أعضاء المنتدى من رغبته في تكرار تجربة منتديات لوحات الصور (Image Boards) في اليابان الذي لاحظ شعبيتها هناك. لاحقًا سيبيع كريستوفر موقعه لصاحب موقع 2channel الياباني، الموقع الذي ألهم كريستوفر في الأصل.

في كتابه «الجين الأناني» (1976)، يصيغ عالم الأحياء ريتشارد دوكنز مصطلح «الميم»، للتعبير عن انتشار الأفكار والتصرفات في الثقافات بطريقة تكاد تشبه الطريقة التي تتصرف بها الجينات داخل الجسد من تكرار وتحول واستجابة للمؤثرات. اعتمد زوار «فور تشان» هذا المصطلح قبل أن يتوغل بالطريقة التي نعرفها حاليًا. كان هذا تبنيًا لرأي مايك جودوين -أحد أبرز المشاركين في وضع العديد من القوانين المختصة بتداول المعلومات على الإنترنت والمستشار القانوني لمؤسسة الجبهة الإلكترونية في أوائل التسعينات- بعد أن لاحظ ما كان يحدث على قوائم مراسلة Usenet في التسعينيات، مشيرًا إلى طرقهم المشتركة في نوعهم الخاص من السخرية، واحتقار الـ«نورميز»؛ البشر العاديين (كان وقتها لا يزال هناك فاصلًا بين مستخدمي الإنترنت والتكنولوجيا عمومًا وبقية الناس).

كانوا يعرِّفون أنفسهم بأنهم سكّان القباء في منازل آبائهم. كانوا في الجزء المظلم من الإنترنت يحتمون فيه من النورميز، ومن انتشار الإنترنت بين «العاديين». يشتغل معظمهم في مجال التكنولوجيا، ويرون في أنفسهم صورة النيرد الذي كان عادة ما يقع ضحية التنمّر والاستهزاء، قبل انتصار أبطال عصر المعلومات، وقبل أن يقلب اعتراف وسائل الإعلام العامة بهم الموازين، كما في فيلم «الشبكة الاجتماعية The Social Network» في مستهل هذا العقد.

لم يشترط «فور تشان» أي هوية للأفراد المشاركين فيه. هو مجتمع كل المشاركين فيه مجهولين تمامًا anonymous (غير حاملين هوية فردية). يعيد أعضاؤه استخدام وتطوير الأفكار والنكات المتداولة بينهم لا مجرد نقلها وتوزيعها.

لا أظن أن دوكنز توقّع حين صاغ مصطلح «الميمز» أن معالمه ستتضح وتحضر في وعي الجميع بهذه الكفاءة والسرعة. كان كل المطلوب هو توفر وسيط النشر/التعبير (وقد كان الإنترنت) وأدوات الإنتاج/إعادة الإنتاج (وقد كان انتشار الحواسب الشخصية وبرامج التحرير). المعيار الأساسي لتطور الأفكار كـ«ميمز» كما أشار إليها دوكنز، هو معيار إعادة الإنتاج والتحوير.

قدّم الإنترنت مساحة غير مسبوقة من الحريات وفرص المشاركة، كما أتاحت برامج التحرير المنتشرة الأدوات للجميع لتحرير الصور وحتّى صنع رسومهم المتحركة الخاصة، كبرنامج Photoshop وMacromedia Flash (والذي ستشتريه شركة Adobe في 2005، الشركة المسؤولية عن برنامج فوتوشوب)

جيل «الميمز» واليابان

كانت البداية الأوضح لانتشار «الميمز» بين لاعبي ألعاب الفيديو والمهووسين باليابان (أو ما يُطلق عليهم weaboos» ويبوس» في أقصى حالاتهم).

ارتبط هذا الجيل باليابان من خلال ما وصل إليهم من رسوم متحركة (أنيمي) وألعاب ومنتجات ثقافية عمومًا، كان الانتباه في طفولتهم صوب اليابان وأبطالها.

دارت «الميمز» الأولى في فَلك هذه المنتجات. مثلًا من أقدم «الميمز» المنتشرة هو خطأ في الترجمة في لعبة Zero Wing (أحد الألعاب اليابانية) [all your base are belong to us]، كان هذا في 1998، كانت هذه وميم «It’s over 9000» (مشهد مقصوص من أنمي دراجون بول زد). بداية انتشار هذا التقليد، تقليد إعادة استخدام مقاطع مقصوصة في سياقات مختلفة.

كان موقع «فورتشان» منقسمًا إلى ستة أقسام، ولكن كان أكثرها نشاطًا تحت تبويب «الثقافة اليابانية» والذي اندرج تحته أقسام متعلقة بالرسوم المتحركة اليابانية، والقصص المصورة اليابانية أيضًا (المانجا) وخلافه من الأقسام المهتمة بالثقافة اليابانية، في الأصل قام كريستوفر بإنشاء الموقع ليتيح مساحة أوسع لمناقشة هذه الأمور خارج منتديات SomethingAwful.

طبيعة «الميمز» كمنتج ثقافي

«الميمز» جزء هام من ثقافة هذا الجيل المنغمس في الإنترنت. «الميمز» منتج مفتوح للمشاركة من قبل الجميع، كل يضع إضافته. تقترب الميم إلى حد ما من التريند، وما يفصلها هو أنها تتطلّب تدخلًا شخصيًا وإبداعيًا بدرجة أكبر. الميم هي طريقة للاشتباك مع منتجات العالم من حولنا، تعترف ضمنيًا بتأثير هذه المنتجات علينا، ولكنها لا تعترف بسلطتها للنهاية.

لهذا تنتمي «الميمز» ليس فقط لثقافة الإنترنت، وطريقة الانتشار العنكبوتي، لكنها تنتمي أيضًا لعدد من منتجات هذا الجيل الثقافية، التي تعتمد في تكوينها على فكرة إعادة الإنتاج والتحوير، كمسلسل «ريك أند مورتي»، والذي أصبح مصدرًا كبيرًا للميمز العام الفائت، والذي كان في حد ذاته تطويرًا وإعادة إنتاج لفيلم قصير لجاستن رويلان (مؤلف المسلسل) والذي كان بدوره نسخة ساخرة من شخصيات فيلم (العودة إلى المستقبل). حيث سيتحول «دوك براون» و«مارتي ماك فلاي» إلى «دوك» و«مارتي» إلى «ريك» و«مورتي». أيضًا تتشابه طبيعة «الميمز» مع سلسال من ألعاب الفيديو، نذكر منها مثلًا لعبة «ماين كرافت Minecraft» ثاني أكثر لعبة مبيعًا في التاريخ، والمبنية على إتاحة عالم مفتوح للاعبين لبناء وتطوير عالمهم الخاص، وليس في اللعب وفق تعليمات ومراحل محددة كما هو المعتاد في الألعاب. طبيعة اللعبة تتوافق مع «الميمز» في هذا الجانب، جانب إعادة الإنتاج والترتيب لتشكيل عوالم وأفكار جديدة.

في مصر

تطورت «الميمز» وتوغلت في الإنترنت على امتداد العقد الفائت، حتى أصبحت كالعملة الاجتماعية بين الأصدقاء على شبكات التواصل الاجتماعي. أصبحت مؤشرًا في حد ذاته لما يدور في عقل ونفس المجتمعات والشباب القاطن فيها. استحدثت لغات جديدة، أساليب مخصصة في التعبير. أصبحت في أدائها محركًا ينشر أفكارًا ومفردات خاصة وانتماءات، كما كان يحدث بين الـ Old fags (سكان فور تشان الأوائل) والزوار الجدد. كانت «فور تشان» محل ميلاد جماعة أنونيمس مثلًا. وكما نراه الآن في صفحات على الفيسبوك كصفحة الخنزير والتي يستبدل أصحابها حرف الغين بالجيم دائمًا في منشوراتهم (كلمة الجنون مثلًا يكتبونها: الغنون). هنا ينتقل التحوير وإعادة الإنتاج إلى اللغة نفسها كما نجد في ميمز آخر كـ«دولان» والتي تناسخت إلى شخصيات كـ«سيسي» و«موعمر القضافي»،حيث فرضيتها الأساسية هي التكسير في اللغة.

كانت هناك محاولات لتمصير تجربة «فور تشان» بعد الثورة. وتعرّض مستخدمي الإنترنت في مصر للميمز بشكل مكثف. بعد أن ساعد في نشرها صفحات كـ«إيجبشيان ساركازم سوسايتي» والتي بدورها حاولت استنساخ «الميمز»، المعاد استهلاكها من «فور تشان» من على المواقع الأكثر شعبية واستهلاكًا من قبل النورميز كموقع «ناين جاج 9Gag».

من الأشكال المنتشرة للميمز تلك الصور أو الفيديوهات التي تعتمد على أعمال شعبية ومشهورة لأي سبب كان، كلقطة من فيلم أو مسلسل أو إعلان، مع إعادة استخدامها أو تحويرها لنقل فكرة أو نكتة، أو إضفاء أدوار معينة على شخصيات مشهورة، كشرطة الأخلاق ومحمد صبحي مثلاً، أو معلم سردينة من مسلسل لن أعيش في جلباب أبي، والذي اتخذ صورة حكيم الإنترنت.

بالتأكيد التبادل لم يكن في اتجاه واحد بين «الميمز» ووسائل الإعلام، حاولت ماكينات الإعلان تبني «الميمز» كطريقة جديدة في التسويق الفيروسي  (جدير بالذكر أن أحد الصور الأولى لانتشار الإعلانات كميمز كانت «الباندا ميتقلهاش لأ» عام 2010). «الميمز» كغيرها من الظواهر الثقافية تدخل في مفرمة رأس المال وسنجد شركات الإعلانات تتبادل معلوماتها وأفكارها عن هذا المجال الجديد للإعلان، «التسويق الميمي»، داخل مؤتمراتهم المنشغلة بالدعاية والترويج، سيكون من المثير رؤية منهجية ما لصناعة «الميمز» في المستقبل، لأسباب عديدة، ولكن أهمها أن ظاهرة «الميمز» أشبه بالعدو الصريح للإعلام المركزي والموجّه، كما في الإعلانات الحاملة للعلامات التجارية والموجهة للمستهلكين.  مؤخرًا مثلًا تم تسريب فيديو تجريبي هذه السنة، من معامل البحث والتطوير في جوجل يحاولون استكشاف هذا الجانب، كان عنوان الفيديو «الدفتر الأناني» قياسًا على كتاب «الجين الأناني».

بين «الميمز» وحركة الأممية المواقفية

تتشابه طبيعة «الميمز» مع الحركة المؤدلجة التي ابتدعها طليعيو الخمسينيات، وعلى رأسهم مجموعة الأممية المواقفية  «Situationist International»، في ممارسات أسسوا لها تحت راية: «التحويل détournement»، والذي يهدف لتحريف منتجات وسائل الإعلام الرئيسية على سبيل مقاومة «الاغتراب»، كانوا ماركسيين بالأساس. لذا لم يكن غريبًا أن نجد شباب الجامعات القاطنين في «فور تشان» يعرّفون أنفسهم كمواقفين جدد، كانت الفكرة الأساسية هي إعادة إنتاج منتجات الإعلام المنتشرة كمن يستعيد ملكية أفكاره، وستكون هذه هي الصورة الأكثر انتشارًا للميمز في وقتنا الحالي، من إعادة استخدام صور ومشاهد من إعلانات وأفلام مشهورة في التعبير عن سخرية وانسحاق الأجيال الجديدة.

تعددت أطوار وأنواع «الميمز» على اختلاف وسائطها ومنصاتها، انتشرت الـ imagemacros  في منتديات لوحات الصور كـ«فور تشان» وشبكات التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر، وانتشرت مقاطع الفيديو البارودي الممنتجة على اليوتيوب وسناب شات وفاين vine وخلفائه من الـ ستوريز (Stories) على فيسبوك وانستجرام، ولكن لم يكن لأّي منها أهداف سياسية موحدة كما كان الحال في التحوير الممنهج من قبل اليساريين نحو منتجات الرأسمالية وكل ما يرونه يساهم في اغتراب الإنسان وإبعاده عن منتجاته.

ربما نجحت «الميمز» فيما فشل فيه المواقفية من محاولة تمكين المستهلكين من أفكارهم، أصبحت «الميمز» وسيط افتراضي جديد ومنفصل عن أي لغة أو انتماء بحد ذاته، أصبح كالتلفاز والراديو والكتاب، وهذا ما يذكرنا بفكرة مارشال ماكلوهان، أن «الوسيط هو الرسالة» وليست الفكرة. هذا ما يتيح وجود ميم دولان ونسختها في عدة لغات وحتى إن كانت فرضيتها الأساسية هي التكسير في اللغة، لذا لم يكن صعبًا أن تخلق شخصيات كـ«سيسي» و«موعمر القضافي».

«الميمز» والتاريخ النفسي والحملات السياسية

يمكننا محاولة فهم الكيفية التي تتحرك بها «الميمز» في الفضاء السيبراني، بإيجاد تفسيرات لها من وجهة نظر علم «التاريخ النفسي»، وهو علم حديث نسبيًا بدأ في ستينيات القرن الفائت، يختص بدراسة الدوافع النفسية للأحداث التاريخية.

في كتاب «الحياة العاطفية للأمم» الصادر عام 2002، يحاول لويد دي لاموسي أحد مؤسسي هذا المجال،

شرح كيف أصبح التاريخ الآن عبارة عن سباق بين التحسن البطيء في تربية الأطفال في المجتمعات المتقدمة وبين التكنولوجيا المدمّرة سريعة التطور. يرى لاموسي أن البشر الآن يعيشون بين مرحلتين من الأطوار النفسية للأطفال: ما بين العصابية وبين التفرد والاستقلال؛ بين الدفع بالأطفال إلى الاندماج مع مجتمعاتهم (كما في التعليم الإلزامي) وبين انتهاء الإهانة النظامية للأطفال ومساعدة أهاليهم لهم على الاستقلال، سواء كان هذا تطورًا منطقيًا للتربية في المجتمعات المتقدمة أو مجرد فقدان للسيطرة على التكنولوجيا التي يستخدمها الأطفال (نتيجة لتقدم الاتصالات والإنترنت).

قد تعطينا هذه النظرية فرصة لإلحاق تفسيرات مبتورة للميول الجماعية نحو التحرك في حملات عشوائية أشبه بمطاردة الساحرات، وتوغل اليمين الجديد؛ والعصابية والتصرفات المندفعة نحو «التغيير لاستعادة الأمجاد» أو حنين الجميع إلى العودة إلي زمن «الطفولة» الأفضل حتى، كما سنجد لاحقًا في خطابات السياسيين وحتى الحملات التي تشتعل وتنطفئ خلال أسابيع وأيام على الإنترنت وفي شبكات التواصل الاجتماعي.

ما يميز «الميمز» عن الظاهرة الأشمل لانتشار الأفكار في الثقافات (كما في الإعلام المركزي والحملات الفيروسية) هو الآلية الكامنة في طريقة انتشارها، لأن طبيعتها تتضمن إعادة الإنتاج والتحوير، ولهذا فانتشار فكرة أو أي منتج ثقافي على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة أنها ميم. لكن يتوجب عليك تغييرها أو إضافة رؤيتك الشخصية قبل أن تصبح ميمًا، في النهاية ما يتم تداوله كميم تم إنتاجه من قِبل الأفراد المستخدمين لهذه المنصات، لا هي شركة إعلانات أو استوديوهات إنتاج أو غرف البروباجاندا الحكومية، فقط كل المطلوب هو إعادة إنتاج عموم الناس لها لتصبح ميمًا؛ كما حدث في رقصة كيكي مثلًا، أو تحدي الثلج أو غيرها.

أو كما حدث في الحملات الاجتماعية/ السياسية العشوائية التي حلّت محل الحملات الممنهجة كما في حالة أنا أيضًا Me TOO، التي كانت أقرب إلى كونها ميمًا، لأنها تطلبت إضافة تجربة شخصية وليس مجرّد تريند ينتشر على فيسبوك. هذا كله نتيجة كون المسافة بين المستهلكين ومصادر نشر المعلومات والإعلام قصيرة أو تكاد تنعدم.

سيذكرنا هذا بفوز كريستوفر بوول بلقب أكثر شخصية مؤثرة في العالم عام 2009 في مجلة «تايم» حتى وإن لم يسمع عنه أحد قبل توغّل «الميمز» في غشاء الانترنت بعد 2011، السنة التي اشتهر فيها موقعه كمهد مؤثر تربّت ونضجت فيه ظاهرة «الميمز». وقتها تلاعب أقزام الإنترنت (trolls) بالتصويت المفتوح فقط على سبيل السخرية والضحك (كما كان الحال في الحملة التي استهدفت كنيسة العلموبة) فقط في سبيل الضحك (for the lols).

الأمور الآن بالتأكيد مختلفة عن العام الذي فاز فيه بول بالتصويت، وأصبحت الحملات ذات تأثير حقيقي تحدد مصائر شعوب ودول. أصبح للجمهور دورًا واعتلى الإنترنت؛ أداة تمكينه الأقوى وربما الوحيدة أحيانًا، بداية من الثورات والتي تحوّلت لميم في حد ذاتها -كون «الميمز» تتطلب تفاعل جموع مستخدميها لتضفي هوية واضحة وأحيانًا أسلوب حياة وتعبيرات مشتركة (شمامين الكلة مثلًا)، وحتى فوز دونالد ترمب في الانتخابات.

يكفي فقط أن تسأل جوجل «كيف ساعدت «الميمز» دونالد ترامب في الفوز بالانتخابات؟» وستجد مئات الدوريات والجرائد تتساءل نفس السؤال، سيتكرر هذا حين تطرح أسئلة عن الصعود المفاجئ لليمين البديل Alternative Right. بالتأكيد سيكون هذا كله مبالغة لو قلبنا الجرة واعتبرنا «الميمز» مجرد أداة وعامل يخدم أهدافًا محددة، «الميمز» أداة ومؤشر في حد ذاتها، أحيانًا ما يتغذى على منتجاته ويعيد إنتاجها. يصبح كأداة ذاتية الدفع معززة تنفجر منها الأفكار والاتجاهات التي تسيطر على الجمهور بكفاءة أقوى من أكبر ماكينات الإعلام الموجهة والبروباجاندا المحكمة.

اختصر الانترنت المسافة بين المستهلك وما يستهلكه يوميًا من منتجات ومعلومات وانتباه مكرّس؛ تشتعل وتنطفئ «الميمز» كالموضات خلال أسابيع وشهور، تسارع إيقاع تبادل المعلومات وتباعًا الإحساس الجماعي بالزمن وعبوره. ربما الاختلاف الآن عمّا كان يحدث في دوائر محدودة بروح واعتناقات مضمّنة بين زوار «فور تشان» أنها انتقلت إلى شبكات اجتماعية تفرض وجود هوية فردية لمستخدميها، كفيسبوك وتويتر.

أصبحت «الميمز» عملة اجتماعية وصار لها أبطالًا كأي نظام اقتصادي له أباطرته وله عبيده، وتشكلت مجتمعات صغيرة على هذه الشبكات تتغذي أفكارها وانتماءاتها على إحساس خافت وقصير بالانتماء والتحقق تبعًا لعدد المشاركات أو المتابعين، قد يتفاقم أثر الظاهرة مع نضج الأجيال الجديدة التي قضت طفولتها داخل شاشات الهواتف الذكية والكمبيوترات. أصبحت «الميمز» الآن، أشبه بالذبابة في الرواية الإسلامية المعروفة، ربما كان في إحدى أجنحتها الداء والأخرى الشفاء.

اعلان