Define your generation here. Generation What

من السجن: أن تحاول خداع الألم!

«خلوا بالكم من نفسكم وأشوفكم على خير إن شاء الله :)»

ختمت الرسالة القصيرة التي كتبتها لأهلي ببعض الطلبات التي أريدها في الزيارة القادمة، قبل أن أناولها لأحد زملائي في الزنزانة ليعطيها بدوره لزوجته لتبلغها لأمي اليوم بعد زيارتهم. كنتُ أواسي أسرتي في الرسالة لعدم خروج قائمة عفو في العيد، على عكس ما كان يتوقع الجميع؛ نظل ننتظر المناسبة تلو المناسبة بأمل ما يلبث أن ينسحق، ثم ينمو رغمًا عنا من جديد.

أُطفأت الأنوار كما نفعل كل يوم بعد صلاة الفجر. تذكرتُ وأنا أشعل كشافي الصغير أني نسيت تهنئة الأسرة بالعيد. لم أكتب حتى «كل عام وأنتم بخير». لم يعد العيد يعني سوى زيارة استثنائية أو فرصة للعفو، أدركتُ بأَسَى.

بدأتُ أقرأ كتابًا، وفي يدي كوب القهوة الصغير. تلك الساعات القليلة بعد الفجر هي المفضلة لديّ في اليوم. ينام الجميع ويعم الظلام، وأجلس أقرأ وأكتب أو أفكر حتى الساعة السابعة، وما إن تدق السابعة حتى أدس سماعات الراديو في أذني، وأترك كل شيء لأستمع لصوت فيروز لساعة كاملة على إحدى المحطات. منذ اكتشفت هذا الكنز الصغير وأنا أتطلع إليه كل يوم.

لا يدرك الكثير معاناة أن تعجز عن سماع ما تريد وقت ما تشاء.

ابتسمت وصوت فيروز ينساب في أذني: زوروني كل سنة مرة.. حرام تنسوني بالمرة.

أضحك بصوت خفيض؛ كأنها تعلم.

يظن الناس أنك قد تعتاد الألم مع تكراره ومرور الوقت، ولكنهم مخطئون. قد تجد طُرقًا لمعايشة الألم، للالتفاف حوله، أو للهرب منه. لكنك أبدًا لا تعتاده. هو يؤلم في كل مرة بنفس قدر الأولى.

اليوم هو الأول في العيد الحادي عشر لي في السجن. يصدمني الرقم. تبدأ أرقامي في السجن في إثارة الرعب فيّ. يراودني حنين شديد القوة إلى العيد بالخارج؛ الصلاة في الساحة الكبيرة في مدينة الرحاب، أجواء ما بعد الصلاة، التجمع في بيت جدتي بالعباسية مع أفراد العائلة الذين لا نراهم سوى يومها.

ماتت جدتي وأنا في السجن ولن نجتمع هكذا ثانية. كم من ذكريات أُخرى ستقتلها يا سجن إلى الأبد؟

فيما يشبه منحنى الجرس،  أعتقد أن كل شيء يمر في الوجود  بثلاث مراحل. تبدأ الأشياء من الصفر، ثم تعلو حتى ذروتها لتعود بعدها لما كان عليه. بديهية للوهلة الأولى، فالإنسان يولد ضعيفًا، ثم يصل لأشد قوته ليبدأ بعدها في الانكسار مرة أُخرى حتى يموت. لكني لاحظت في السجن أن كل تجربتنا الإنسانية أيضًا تخوض نفس المسار.

كنا في البداية نعيش في الطبيعة ونتداوى بها، ثم تطور العلم حتى وصل لقمته فصار كل شيء صناعيًا وكيماويًا، والآن فقد الأمر بريقه، وبدأ البشر مرة أُخرى يعودون للعلاج بالطبيعة ومواردها ويبحثون عن الراحة في القرب منها، وهلم جرًا.

أنا أيضًا في أول فترتي بالسجن كنت أموج بالعواطف والمشاعر في كل مناسبة ويتملكني الاكتئاب، ومع مرور الوقت بردت مشاعري، وصرتُ أتجنب التفكير في الألم ومرت المناسبات والأعياد كغيرها من الأيام.

الآن عاد الحنين والألم يملآني مرة أُخرى. بتُ أُصدم، وأتوجع بعدما احترفتُ التغافل.

بعد أقل من شهر، أبدأ عامي السادس في السجن؛ رقم مرعب آخر. أحاول طرد الهاجس اللعين الذي يهمس في أذني أنني لن أرحل حتى تنقضي الخمس سنوات الثانية. أجز على أسناني من فظاعة الاحتمال. في يوم من الأيام كان احتمال انقضاء أول خمس سنوات أفظع، لذا أعرف في أعماقي أن كل شيء ممكن. ولا تخفف معرفتي من قبضة الخوف، ولا تؤهلني لاحتمال جزء من الألم. لا أستوعب حتى الآن أن خمسة أعوام انقضت.

بعد ثلاثة أشهر سأكمل عامي الثالث والعشرين. أكثر الأرقام إثارة للرعب. وفقًا لخططي القديمة، سأكون عند بلوغي هذا السن في أماكن مختلفة تمامًا، بشكل مختلف تمامًا، وبين يديّ سيرة ذاتية تعج بالإنجازات والمؤهلات.

صار معدل فقدي للأحلام والطموحات أسطوريًا. فبعد أن كان بالسنين ثم الشهور، فالآن مع كل يوم يمر، حلم يموت. ولا أستطيع التوقف عن التفكير في أي حلم أو شخص سيموت غدًا.

صار الأذى لا يطاق. كنتُ أتأذى بشدة في بداية السجن وأمتلئ خوفًا من المجهول. ومع مرور الوقت بدأتُ أستفيد بقوة من كل ثانية، وأتعلم وأُعلِّم، وأمتص كالإسفنجة كل ما يحيط بي من علوم وخبرات، ويتملكني الحماس بدلًا من الخوف. أما الآن فعاد الأذى والخوف يجالسانني كصديقين قديمين لا يفارقانني. الثلاث مراحل مرة أُخرى.

هل من أمل أن ينتهي الكابوس فجأة بلا انتظار؟ هل من أمل أن ينقشع الغمام وتشرق الشمس على عكس كل التوقعات؟

  ترد فيروز: فيه أمل.. إيه فيه أمل.. أوقات بيطلع من ملل.

أهزّ رأسي: صحيح. وأي ملل أنا فيه!

   أتمنى أن تكوني على حق يا فيروز.

اعلان
 
 
عبد الرحمن الجندي