Define your generation here. Generation What
مطلقو الطائرات الورقية: عينٌ في السماء وعينٌ على طاولة المفاوضات
 
 

أربكت إسرائيل، وتتصدّر المشهد السياسي هذه الآونة في قطاع غزة.  الطائرات والبالونات الحارقة بدأت من ابتكار بسيط من المقاومة لمحاولة التصدي لبطش آلة الحرب الإسرائيلية وصولا إلى كونها محور رئيسي بمفاوضات الهدنة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، خاصة بعد أن باتت اليوم تصل إلى 40 كيلو مترًا من قطاع غزّة إلى عُمق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، يتحدّث مُطلقوها الشباب لـ «مدى مصر».

«مُستمرون بإطلاقها لآخر نفس، حتى تتمّ تلبية مطالبنا» يقول شابٌ من قطاع غزة، لم يتجاوز العشرين من عمره، يُطلق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة صوب المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع، منذ عدّة أشهر، ضمن فعاليات مسيرات العودة التي انطلقت بتاريخ 30 مارس 2018.

الشاب الذي فضّل تسميته «محمد»، يرى في هذه الوسيلة، مُقاومة مُكلِفة لدولة الاحتلال، فيما تُكلّفه هو في اليوم الواحد أقلّ من دولاريْن.

يقول لـ «مدى مصر»: «نعتقد أن الرسالة وصلت، وهي أن يُدرك المستوطنون أنّ حكومتهم غير قادرة على حمايتهم كما تزعم، وإذا ما استمرّت دولتهم بحصار غزة ستظلّ النيران من غزة تحاصرهم في المستوطنات».

ويضيف «لا نتبع أي فصيل، ولا مطلب لنا سوى حقّنا بالعيش بكرامة واستعادة أرضنا المُحتلّة».

«ثائر» -اسم مستعار للضرورة الأمنية- واحدٌ من عشرات الشباب الذين احترفوا مؤخرًا إطلاق البالونات الحارقة، قال لـ «مدى مصر»: «في إبريل نجحنا بإشعال الحرائق عن بُعد تراوحَ بين 500 مترٍ وألف متر من السياج الأمني شرق قطاع غزة، الآن نستطيع إحراق المستوطنات المقامة على بُعد يتجاوز 30 كيلو مترًا».

العمل الذي بدأ عفويًا بات مُنظمًا الآن، وامتدّ إلى محافظات القطاع كافة، وسط حاضنة شعبيّة داعمة، بالمادّة والمعنويّات.

البحث عن البالونات ذات الخامة الأقوى، والخيوط الأخفّ للطيران، والمواد الحارقة الأقدر على تأدية الغرض، وتتبّع اتجاه الريح، ومواقع المستوطنات، صار الشغل الشاغل لهؤلاء الشبّان، الذين تُحاربهم إسرائيل بأعتى المُعدّات تطورًا، ليُحققوا بدورهم المعادلة التي لا تتفق إلّا مع منطق الشباب الثائر «تخسر التقنية دومًا في مواجهة البدائيّة».

منذ نحو أسبوعين، قلّت وتيرة إطلاق البالونات الحارقة بشكلٍ حاد، ومرّت أيام بدون الإعلان عن أيّة حرائق. هذا بالتزامن مع ما شهدته الآونة الأخيرة، منذ مُنتصف أغسطس الجاري من تحرّكات فلسطينية، رجحت العديد من المصادر أنّها بصدد التوصّل لاتفاق تهدئة مع الاحتلال؛ بجهود تقودها مصر والأمم المتحدة، مقابل تخفيف حصار غزة، عبر فتح كامل للمعابر وتنفيذ مشاريع حيويّة فيها، وفي مراحل متقدّمة إنشاء ممر مائي ومطار، والتوصل لصفقة تبادل أسرى.

يقول «محمد» ساخطًا: «كُنّا نُتابع جولات الحوار التي شاركت بها الفصائل الفلسطينية في القاهرة، والتي قيل إنّها ستُفضي إلى التخفيف من معاناة الأهالي في غزة، لكنّ الفصائل عادت بلا أي نتيجة».

الشاب الذي يقطن المحافظة الوُسطى لغزّة، وصف الأيام الحالية بـ«الدوامة»، وقال بلهجة قويّة «منذ شهر والوفود تذهب للقاهرة وتعود، وتتحدث باستمرار عن حلول، حتى الآن لم نر أي شيء.. أمهلناهم فرصة ١٠ أيام، لكنّ لم يتغير شيءٌ، لذا عُدنا لإطلاق البالونات، واعترف الاحتلال في اليومين الأخيرين بستة حرائق».

«نريد أن نرى حلًا جادًا وملموسًا على أرض الواقع، حلول جذرية، نريد معابر مفتوحة، وإنهاء الحصار وأزمة الكهرباء، عندما تتحقق هذه المطالب سنُوقف الطائرات الحارقة»، يقول «محمد»، الذي سارع بتوضيح أن الفصائل لا تُملي على مُطلقي الطائرات والبالونات الحارقة ما يفعلونه، فهُم –الشباب- من يُعاني بحقّ وليس الفصائل.

«أبوالنّور»، الذي فضّل الحديث لـ «مدى مصر» عبر الهاتف، لدواعٍ أمنيّة، يوافق محمّد في عدم تبعيّة مجموعاتهم لأيٍّ من الفصائل، كما يوافقه في ظهور التأثير القوي الذي شكّله هذا الضرب المُبتكر من المقاومة على أرض الواقع، في الساحة الفلسطينية من جهة، وعلى كيان الاحتلال من جهة أخرى.

يقول «بِتنا حاضرين الآن على كل طاولات الحوار، المطلب الأول صار: أوقفوا الطائرات الحارقة كي تتم التهدئة».

وكسائر الشباب مُطلقي الطائرات الحارقة، تعرّض «أبوالنور»  للاستهداف أكثر من مرّة، ورغم إصابته عاد ليُكمل ذات المَهمّة.

«أصبتُ مرّتين، ومن مجموعتي التي تضمّ 30 شابًا أصيب 15، وفقدنا شهيدين اثنين. الاحتلال يستهدفنا بالقذائف الصاروخية والمدفعية والطيران المُسيّر»، يقول «أبوالنور»، الذي اعتبر هذا الاستهداف دليلًا على قوّة أثر فِعلهم في العدو، ومدى الضغط الذي باتوا يُشكّلونه عليه، مُقدرًا أن الاحتلال يتكتم على معلومات كثيرة متصلة بالحرائق.

المصدر: حسام سالم

هذا الشاب الذي يُوشك على إتمام عامه الثلاثين، مُتزوّجٌ ولديه طفلٌ رُزِق به بعد سنواتٍ من الحرمان، لكنّه مُندفعٌ نحو المقاومة في سبيل تحقيق مطالب شعبه والتخفيف من أزماته، على حدّ تعبيره.

يقول لـ «مدى مصر»: «غايتنا منذ البداية فكّ الحصار عن شعبنا، لذا نحن مع الوفود المُفاوِضة في القاهرة، وحين نجد الأجواء إيجابية في الحوارات، نعمل على التهدئة من جانبنا أيضًا».

ولم يجب على سؤاله حول سبب تأجيل حوارات القاهرة، وفق ما أعلنته حركة حماس قبل يومين، مُكتفيًا بالقول «السبب يعلمه الكبار»، في إشارة لقادة الفصائل، وتابع «هناك أطراف فلسطينية تقف حائلًا أمام مطلب أهل غزة بالعيش ولو بقدر ضئيل من الرفاهية والرخاء».

تضارب حاد تشهده الساحة الفلسطينية هذه الآونة، حول إمكانية وماهيّة ما قد تخلُص إليه الحوارات في القاهرة، في ظلّ التأجيل تارةً، والحديث عن المُضيّ في إنجاز اتفاق تهدئة حتى لو رفضت السلطة الوطنية المشاركةـ تارةً أخرى.

الإثنين الماضي شهد أكبر عدد حرائق، منذ مُنتصف الشهر الجاري تقريبًا، إذ أعلن الاحتلال عن خمسة حرائق، في حين لم تشهد الأيام التي سبقته تقريبًا أيّ حريق.

السبب يوضحه «أبوالنّور» قائلا: «عدنا لإطلاق البالونات، بعدد قليل، بعد أن استشعرنا أن لا شيء من المطالب يتحقق، نسمع الوعود ولا نرى أفعال».

ويتابع «رغم أننا لا نتبع حماس أو فتح أو غيرهما، لن نكون عقبة أمام أي فصيل يعمل من أجل فك الحصار عن غزة، وإذا ما أعلنت الفصائل التوصل لاتفاق تهدئة، لن نقول لا، ولن نُواصل إشعال الحرائق كمُتمرّدين خارج الإجماع الوطني».

لكنّ «ثائر» كان رأيه مخالفٌ، فيقول «اعتدنا أن تخذلنا هذه الفصائل، وإذا ما خرجت علينا باتفاق تهدئة لا يُنهي أزمات البلد، سأبيع منزلي وأضاعف عملي في إحراق المستوطنات».

«إطلاق البالونات الحارقة، يُعزّز موقف الفصائل، بالضغط لإنجاز المطالب الوطنية». يقول «ثائر»، بينما كان يرقُب عددًا من الشباب وهم يجهّزون بضعَ بالونات لإطلاقها نحو المستوطنات في محيط غزة.

ويكمل «أتحدث الآن وأمامي شباب أقلهم بعمر الخامسة والعشرين، كلّهم غير مُتزوّجين وعاطلون عن العمل، لا مطلب لهم سوى مُستقبلٌ لحياةٍ أفضل».

ورغم ما قد تُظهره مشاهد الشباب مُشعلي الحرائق، من إقبالٍ على الموت والرصاص المتفجّر الذي يتفنّن الجيش الإسرائيلي في قنصهم به، إلّا أنّ مسعاهم هو في اتجاه مُناقض تمامًا، إنّه الإقبال على الحياة، وهو ما اختصرته كلمات «محمد» ذي السنوات التسعة عشرة «نحن شبابٌ نريد أن نعمل ونتزوّج وننجب الأطفال ونُسافر حول العالم، فقط»، فهل تُفلح الفصائل المُحاوِرة في القاهرة بالتوصل لاتفاق يُحقق آمالهم؟.

اعلان
 
 
بيسان أشرف