Define your generation here. Generation What

الحكم والمعارضة.. واجتهادات فشير

في بداية هذه السطور، ليأذن لي قارئ «مدى مصر» بأن نتذكر معًا مقالات سابقة تحدثنا فيها عن «نخبة سريعة العطب»، وعن كون الإنتلجنسيا أيضًا رثة في مصر، وعن «الشرطة في مجتمع مصمم على رفض المساءلة»، وكان ذلك في سياق البحث عن أسباب الفشل المتكرر للنخبة المصرية بشقيها المدني والعسكري في إنجاز مشروع الدولة الحديثة؛ دولة المواطنة والقانون، مطردة النمو الاقتصادي، الأمينة في توزيع العبء والعائد، الآمنة في إقليمها وفي العالم.

لم يكن البكاء على الأنقاض التي تداعت عدة مرات، منذ مشروع محمد علي باشا، هو المقصد بالطبع من هذا النوع من الأحاديث، وإنما كان الأمل في مستقبل يعفي مصر من فشل النخبة، هو الغاية الكبرى، بشرط فهم الأسباب التي تصيب هذه النخبة بالعطب سريعًا، وتجعل من الإنتلجنسيا المصرية شريحة اجتماعية رثة، تلعب دورًا مضادًا أو خائنًا لوظيفتها التاريخية الأصلية، المتمثلة في إخراج العقل الجمعي من ظلمات الاستبداد السياسي والديني والثقافة الرجعية إلى أنوار الحكم الرشيد، والثقة بالضمير الفردي الحر، وبفضائل التفكير العلمي، وقيم الاعتدال والنسبية في الحياة العامة.

كان التفسير الذي رأيناه مقنعًا لأمراض النخب، وفي القلب منها شريحة (المثقفين)، هو التبديد الدوري للتراكم من جيل إلى الأجيال التالية، ليس فقط التراكم الاقتصادي، ولكن أيضًا التراكم المؤسسي والمهني والفئوي والطبقي، فهذا التراكم هو ما كان ليخلق ويورث الخبرات والتقاليد، ويضيف إليها، ويطورها للاستجابة للمتغيرات والتحديات. ولم يكن لذلك التبديد من سبب سوى الانقلابات السلطوية الحادة، سواء قام بها الحكام الوطنيون، ملكيين كانوا أو جمهوريين، أو قام بها ممثلو الاحتلال الأجنبي.

ولاشك أن القارئ في غنى عن تذكيره بعشرات الكتب، ومئات الدراسات والمقالات داخل مصر وخارجها حول طريق الخروج من هذه الدائرة الخبيثة إلى المستقبل المراوغ، ولكن المقالات الثلاثة المنشورة هنا للدكتور عز الدين شكري فشير، والتي طرحت الأسئلة بلا مواربة، واقترحت الإجابات بدون مداراة، كما بدا من عناوينها؛ «لماذا سيتخلى العسكريون عن الحكم في مصر؟»، و«لماذا يستحيل على المعارضة حكم مصر؟»، و«من سيقود مصر نحو النور؟»، تبقى لها أهمية مباشرة ونكهة خاصة. وبما أنها تدخل في صلب القضية التي تلح على عقل وضمير غالبية المصريين، وتشغلني على نحو ما أشرت، فإني أراها فرصة لتوسيع دائرة الحوار حول طريق الخروج الآمن لمصر، وطنًا ومواطنين.

المعارضة كاسم على غير مسمى

فيما أظن، لا يختلف أحد مع فشير على استحالة حكم المعارضة السياسية الحالية، بفرض أنها وجدت السلطة غدًا بين يديها، لمصر، فبالإضافة الى الأسباب الواردة في مقال فشير الثاني، كالعجز التنظيمي، وعدم التجذر الشعبي، والعقائد الإقصائية، والافتقار إلى فلسفة ومهارات المساومة السياسية، فهناك أيضًا أسباب ذات طبيعة عملية بحتة، تتمثل في انعدام كلي للخبرة بفنون الحكم والإدارة، بسبب إبعاد كل الكوادر والتكوينات السياسية لعقود مطولة عن الممارسة الفعلية المسؤولة تنفيذيًا وبرلمانيًا، وهو الإبعاد المتعمد من جانب الحكومات، التي قررت سلفًا عدم أخذ ما يسمى بـ«المعارضة» بجدية، وبما يكفي لإطْلاعها على ما يجري، من أول شؤون القرى والأحياء، حتى العلاقات الدولية والأمن القومي، بل ولن يكون مفاجئًا لأحد أن مسؤولين كبارًا في هذه الحكومات نفسها دخلوها وخرجوا منها، وهم ممنوعون من الاقتراب بالاطلاع على ملفات رئيسية بعينها، فضلًا عن المشاركة بإبداء الرأي، ودعك من المشاركة في صنع أو اتخاذ القرارات.

ومن منظور عملي أيضًا، لا يوجد سبب مقنع للاستهانة بمآخذ المعارضة على الحكومات، فيما يتعلق بالكفاية السياسية والإدارية، والتربح الشخصي، ومدى الإخلاص للمصلحة العامة، فهي مآخذ مستحقة تمامًا، وهي من أسباب إضعاف وانهيار الدول والمجتمعات قديمًا وحديثًا، بما في ذلك الدول العظمى، كالاتحاد السوفييتي، وفرنسا قبيل الحرب العالمية الثانية، ثم أنها مآخذ على نظم الحكم المتعاقبة، يجمع عليها الرأي العام المصري، قبل أن تكون مآخذ تثيرها، أو تركز عليها المعارضة (الضعيفة).

ومن الأسباب العملية إلى الأسباب الإيديولوجية التي تفسر لوم الدكتور فشير للمعارضة على تطابق رؤيتها مع رؤية نخبة الحكم للدولة بوصفها قاطرة للتنمية، ومحركًا رئيسيًا، والمسؤول الأول والأخير عن توفير السكن والعلاج، والنقل العام والتعليم والثقافة، والسلع الأساسية لكل مواطن إما مجانًا، وإما بأسعار تتناسب مع دخله، بل الدولة مسؤولة أيضًا عن توفير الدخل نفسه، بوضع حد أدنى للأجور، وتوفير معاشات للفقراء والعاطلين، في حين يكفي أن يكون كل هذا مجرد هدف تسعى إليه الدولة، من خلال تدخلها في أسواق يسيطر عليها أفراد مستقلون، وكذلك مجموعات مستقلة، لكن لا يصح أبدًا أن يكون ذلك التزامًا صارمًا، أو مسؤولية مباشرة على الدولة.

هنا تبدو النظرية النيوليبرالية هي الحاكم لرؤية فشير لدور الدولة الاجتماعي والاقتصادي، لكنه جمع في المثال السابق ما لا يصح جمع بعضه إلى البعض الآخر، فليس التعليم والصحة وضمان حد أدنى للأجور، وتوفير معاشات للفقراء والعاطلين، مماثلًا سواء بسواء لتوفير الملبس والنقل والسلع الأساسية والإنتاج الفني والثقافي، إذ المؤكد أن الفئة الأولى من الالتزامات والخدمات أصبحت من بديهيات دولة السوق الاجتماعي الحديثة، فضلًا عن كونها، في التحليل النهائي، تُموَّل من جيوب دافعي الضرائب ومشتركي التأمينات الاجتماعية، الذين يعانون في مجتمعنا من تركة مثقلة بالظلم الطبقي والسلطوي والتحكم البيروقراطي، فضلًا عن كونهم محرومين من أي نوع من الرقابة على إنفاق حصيلة ضرائبهم واشتراكاتهم التأمينية، وعلى كل حال فقد انسحبت الدولة المصرية من معظم هذه الأدوار وبقسوة.

  ومع ذلك فإن جميع التطبيقات أو الإصلاحات النيوليبرالية لم تجرؤ على الانقلاب كليًا على أسس دولة السوق الاجتماعي، لكن ذلك شيء والترويج لمفهوم الدولة كقاطرة للتنمية، كمستثمر أو منتج أو موزع رئيسي مباشر، شيء آخر، وهو مرفوض كليًا، بوصفه مدخلًا لإحياء تطبيقات الدولة الشمولية المقيتة.

نحو النور

هنا أيضًا يوجد اتفاق فيما بين كل من سطروا كلمة لاستشراف مستقبل مصر على الدور الاستثنائي لجيل ثورة يناير 2011، والأجيال التالية له في قيادة الدولة والمجتمع المصريين نحو النور، بما أن هذه الأجيال هي الأجدر، والأكثر تأهيلًا، من حيث القيم ومناهج الفكر والعمل وفهم روح العصر، كما أن جرأتها على الخروج من كهوف سياسات ومفاهيم الهوية التي تبتلع حقوق وحريات المواطن الفرد، وتمردها على الوصاية السلطوية والدينية والاجتماعية هما بالضبط ما تحتاجه مصر لإنجاز مشروعها المستقبلي.

ولكي نتأكد من صحة هذا الاستنتاج، أعيد هنا ما سبق لي ذكره في مناسبة قريبة، وهو أن أي ثورة اندلعت في تاريخ مصر القريب كان شبابها هم من فجروا وقادوا الثورة التالية. مثلًا، كان شباب الثورة العرابية هم من أشعلوا وتزعموا ثورة 1919، وشباب الحركة الطلابية في أعوام 34 -35- 1936، هم من صنعوا الحالة الثورية بعد الحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى اللجنة العليا للعمال والطلبة، والتغيير الكبير في يوليو عام 1952، أما من قادوا الحراك السياسي اعتبارًا من عام 2005 تمهيدًا لثورة يناير فهم «السبعينيون»، أي شباب الحركة الطلابية قبل حرب أكتوبر 1973 وبعدها.

من هنا، فإن قيم وخبرات يناير 2011 ستبقى ملهمة لأجيالها وللأجيال التالية، وستبقى مقياسًا للحكم على السياسات والمؤسسات والرجال، في انتظار بلورتها في تيار وعي محدد المعالم، فكريًا وتنظيميًا، وبالقطع سيختصر المراحل تزايدُ معدلات الواعين بعقم وخطورة استمرار القديم، وكذلك تزايد أعداد المجهدين من مقاومة التغيير، سواء كانوا في المجتمع، أو في مؤسسات الدولة، وليس أدل على ذلك من ظاهرة المنشقين «الأصلاء فكرًا» على جماعة الإخوان المسلمين من الشباب على وجه الخصوص، ولا من ظاهرة المراجعين لتجربة يوليو 1952 بعهودها المختلفة، وصولًا إلى الإقرار بأن الخلل هو في بنية النظام ذاته، وأنه استنفد دوره وفرصته.

لا يعني هذا التركيز على جيل يناير أن التطور الاجتماعي يسير بطريقة السفينة التي تنتقل من هويس إلى هويس، أي بالقطيعة أو الانسداد ما بين القديم والحديث، وإنما المعنى هو أن تسود قيم ومناهج الجيل الجديد، لتجذب معها الكتل الرئيسية في المجتمع، بما في ذلك أصحاب الخبرات والأدوار من الأجيال السابقة.

الإقليم والعالم

بقيت نقطة مهمة لم يتطرق إليها الدكتور عز الدين شكري فشير في تصوره لطريق مصر نحو النور، وهي العاملان الإقليمي والدولي. وهما الآن من مثبّطات المسيرة المأمولة، ومع ذلك، ينبغي عدم إغفالهما في أي تحليل أو نموذج للتنبؤ، إذ من المسلم به أن الحكم في مصر – منذ قدوم نابليون إليها- كان دائمًا، وباستثناء سنوات معدودة ومتقطعة، عرضة لمؤثرات دولية، تتعاظم أحيانًا، وتتضاءل أحيانًا أخرى، وكانت هذه المؤثرات بريطانية وفرنسية وعثمانية حتى الحرب العالمية الأولى، ثم أصبحت احتكارًا لبريطانيا بين الحربين، وبعد الحرب العالمية الثانية جاء دور الولايات المتحدة الأمريكية، التي تعاظم دورها بعد حرب أكتوبر، ثم، ومع احتكام الأزمة الاقتصادية والمالية، انفتح باب واسع للمؤثرات الإقليمية الخليجية والسعودية خصوصًا، وإلى جانب ذلك كله، يقبع الهاجس الإسرائيلي في الخلفية.

كانت ثورة يناير بذاتها مثالًا حيًا، ومعمل تجارب لتفاعل الأدوار الدولية والإقليمية مع أدوار الفاعلين المصريين في الداخل، صراعًا أو تعاونًا أو تآمرًا.

إذن، فالعاملان الإقليمي والدولي هما من التحديات الكبرى على طريق مصر نحو النور بقيادة أجيال يناير، ولكنهما أيضًا قد يكونان محفزًا يتيح فرصًا، أو يزيد من اتساع الشروخ التي يدخل منها النور، بتعبير لينرد كوِن الذي صدّر به فشير مقاله الثالث، فما كان لثورة 1919 أن تنشب، وترسّخ مفهوم الدولة الوطنية المصرية لولا قيام الحرب العالمية الأولى، وما كان لحركة التحرر الوطني ومشروعات العدالة الاجتماعية أن تتحقق في مصر وغيرها لولا الحرب العالمية الثانية.

بالطبع لا نتمنى، بل ونستبعد اندلاع حرب عالمية جديدة، كما نستبعد حروبًا دولية موسعة، لكن منطقتنا حبلى بأخطر عوامل الانفجار، وباحتمالات التسويات والصفقات، التي من شأنها تغيير علاقات القوى في الخارج وفي الداخل.   ش

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد