Define your generation here. Generation What

شخص ما نائم في سريري: عن النسوية والزواج في مصر

في عام 2012، كان لي صديقة عزباء تسكن وحدها في إحدى بنايات وسط القاهرة. بعد شهور قليلة ارتبطت، ولحق بها صديقها ليعيشا معًا في الشقة نفسها. في أحد اﻷيام رآها الجيران تدخل العمارة وبصحبتها الشاب وصديقان آخران؛ رجل وامرأة. بمجرد دخول الأربعة للشقة، بدأ الجيران بالدق على الباب، يصيحون باسمها مطلقين عليها وصف «القحبة»، العاملة بالجنس التجاري، ويهددونها، إن لم يُفتح الباب، باستدعاء الشرطة فورًا للقبض على الأربعة بتهمة «الدعارة».

حاول جار عجوز تهدئتهم، وأخبرتهم الصديقة أنها متزوجة من الشاب الذي تعيش معه، لكن زواجهما عرفي، وأن الرجل والمرأة ضيفان. ولكن الأمور لم تهدأ إلا حين وعدت بمغادرة الشقة والحي بأكمله في خلال أيام، وقد كان.

العديدات منا، نحن الشابات، نشأن في سياقات عائلية مُقيدة لحركتهن وجنسانيتهن. تعلّمنا أن نتصرف بـ«احترام»، أن ننتبه لسُمعتنا، أن نتواجد في الفضاء العام لأسباب واضحة ومؤقتة، وبالطبع ألا نُمارس الجنس حتى نتزوج. هذه القيود دفعت الكثيرات منّا إلى الخروج من منزل العائلة، آملات في اختبار الحياة بأنفسنا، وفي الاندماج في طيف واسع لنساء يُعرفنّ أنفسهن كـ«مستقلات»؛ هؤلاء اللاتي يعشن بمفردهن، لا  في منزل الأسرة، ولا منزل الزوج.

إن كنا -كمستقلات- غادرنا منازل أسرنا للتحايل على «سياسات الاحترام» تلك، فإننا سريعًا ما أدركنا أن الأمور ليست بهذه البساطة. عندما نعيش بمفردنا، فإن أغلب التصورات المحيطة بنا تدور حول أننا «نساء خارج مكانهن الطبيعي»، والذي يُعتقد أنه المنزل والأسرة. نُرى كذوات وأشخاص غير طبيعية، لمجرد أننا لا نعيش مع عائلاتنا، ولا نُعرّف أنفسنا كجزء من عائلة، ولا نستمد قيمتنا الاجتماعية من مفهوم العائلة.

لذلك، فإن أي امرأة تتجاوز تلك الأُطر التقليدية للعلاقات الاجتماعية، تجد نفسها في محاولات دائمة للتفاوض على حرية حركتها، وجنسانيتها أيضًا. المرأة التي يتصور الكثيرون أنها خارج مكانها الطبيعي، ستكون محل أنظار الجميع باستثناءات قليلة. وستكتشف لاحقًا أن السلطة التي استحققتها عائلتها وجيرانها على جسمها، تنتقل بسهولة إلى المجتمع الأكبر؛ الحي الذي انتقلت للعيش فيه.

المتعة مقابل الأمان

تزداد الأمور تعقيدًا إن أُضيفت الجنسانية للمشهد. هناك ترتيبات جادة تتبعها النساء اللاتي خرجن من منزل الأسرة للعيش بمفردهن، بداية من إيجاد مكان آمن بسعر مناسب للسكن، إلى توفير وظيفة تمكّنهن من المعيشة دون الحاجة إلى الاعتماد ماليًا على الأسرة كما في السابق. ولأن أغلبنا من الشابات المُستقلات ينتمي إلى عائلات من طبقات تحت المتوسطة، فإننا لا نملك رفاهية إيجار سكن في منطقة «راقية»، حيث لا أحد يهتم مَن يفعل ماذا، طالما الإيجار يُدفع بانتظام.

لذا، عادة ما نشارك السكن مع نساء أخريات في مناطق أغلب سُكّانها من الطبقة العاملة «أحياء شعبية». اختبر أغلبنا الحِس الاستخباراتي من مُلاّك العقار، وحُراسه، وحتى الجيران. المستقلة تعرف جيدًا ماذا يعني أن تثبت في كل خطوة خارج شقتها أنها «محترمة»، بالقدر الكافي لأن تكون آمنة في الحي الذي تسكنه. يصدر جيراننا أحكامًا علينا باستمرار عمّا إن كنا «مُحترمات»، ولأي مدى.

يتلصصون على سلوكياتنا، ملابسنا، زميلاتنا في السكن، ضيوفنا، إن كنّا نستضيف رجالًا، إن كنا نعود من الشارع في ساعات متأخرة، وبالتأكيد إن كنا نملك أسبابًا قوية للعيش بمفردنا وبعيدًا عن عائلاتنا.

تقول الباحثة سيلفا فادك، في بحث منشور عام 2007، إن النساء اللاتي يعشن بمفردهن في مومباي بالهند، هن الأكثر عُرضة للمراقبة والمضايقات من غيرهن، وإن المُضايقات، المتمثلة في التتبع والملاحقة من الجيران، تؤثر بشكل سلبي على حضور هؤلاء النساء في المجال العام.

هل يُمكن تجاوز تلك الرقابة والمراقبة؟ نعم، ولكن بشكل محدود. بإمكان الشابة المستقلة رشوة حارس العقار، والتحايل على القواعد التي وضعها مالكه، ولكنها في الغالب تظل قلِقة من فقدان «بيتها» لو اكتشف أحدهم هذا التحايل، خاصًة إن لم تكن تملك مكانًا آخر للسكن. تظل جنسانيتنا هنا مُقيدة وقاصرة، من أجل شيء أكبر وهو الأمان. وتبقى اختياراتنا محدودة بين الجنس كرفاهية، والأمان كأولوية.

عندما يصنفونك كشابة ليست من النساء المحترمات اللاتي يعشن في كنف عائلاتهن ولا يستضفن الرجال، فإن الجيران يشعرون كما لو كانت لديهم رخصة لمراقبتك، ثم التصرف بناءً على نتائج مراقبتهم لكِ كما يُريدون.

أتذكر كيف سبّبَ هذا التصور أني «شابة غير محترمة» تهديدًا لسلامتي الجسدية والعقلية.

في عام  2016، أُجبرت على مغادرة شقة استأجرتها في منطقة مصر القديمة. من البداية، في أول يوم لي في الشقة، تكوّنت لدي فكرة بسيطة عما ستؤول إليه الأمور، فبينما يساعدني  صديق في نقل أغراضي للشقة، استوقفتنا مجموعة من رجال الحي -شباب المنطقة- في مدخل العمارة، وطلبوا منه المغادرة فورًا لأنها «شقة بنات، وما يصحش يدخلها».

أعتقد أنهم كانوا يحاولون تعويض جزء من رجوليتهم الهشّة، بفرض قواعد على النساء الوافدات على الحي والذين يعتقدون أنهن غير محترمات لأنهن بلا عائلة. جزء آخر من تفسيري لتصرفهم هو إحساسهم بأن هؤلاء النساء لو استضفن رجالًا، فإنهن بذلك يتحدين رجولتهم بشكل مباشر، للاعتقاد السائد أنهن يُمارسن الجنس بحرية، داخل الشقة، في حيهم، دون احترام وجودهم، كرجال.

إن كان النوع الاجتماعي بنية اجتماعية، وإذا كانت الرجولية تُصور بوصفها أكثر تميزًا من النسائية، فإن تشكيل الذات الرجولية المهيمنة يحتاج إلى ذات نسائية خاضعة، لتُصبح بذلك هوية قابلة للتحقق. هذا البناء الاجتماعي للهويات لا يجري بمعزل عن مؤسسات الدولة. لو أخذنا في اعتبارنا كيف تستهدف مؤسسات الدولة أمنيًا شخصية «رجل الطبقة العاملة» وتعتبر خطرًا على «صفو» المجال العام، فتمكننا حينها قراءة المشهد من زاوية أكثر وضوحًا.

هذه الإجراءات الأمنية ساهمت بشكل كبير في سحق الذات الرجولية لدى أغلبية رجال الطبقة العاملة، ووضعتها في خانة الخضوع مقابل هوية الدولة الرجولية وتعسفها الأمني المهيمن على المجالين الاقتصادي والسياسي. وبالتالي، عندما لا تؤدي الشابة المستقلة دور الخضوع، فإن علاقة قوة ديناميكية تبدأ في الظهور بينها وبين وبعض رجال الحي الذين يحاولون تحقيق جزء ضئيل من رجوليتهم المهيمنة والمُنسحقة في كيان الدولة، على حساب النساء المستقلات الوافدات على الحي.

بعد أشهر قليلة من انتقالي للسكن في هذه الشقة، بدأت مجموعة من المراهقين تتجمع يوميًا في مدخل العمارة، ليضايقوني أنا وشريكاتي في السكن في كل مرة نحاول فيها الدخول أو الخروج. هذه المضايقات أصبحت أكثر انتظامًا بعد استضافتي في أحد البرامج التي دافعت فيها عن حق النساء في الاحتفاظ أو فض غشاء البكارة. أضيف إلى ذلك بحث سريع على اسمي على جوجل، ليصل هؤلاء إلى مجموعة مقالاتي عن النساء والجنسانية، وبعض فيديوهات الرقص الشرقي التي أنشرها لنفسي على مواقع التواصل.

برروا هذه المضايقات بأننا «ستات صايعة»، نستحق التأديب بالتحرش وبالألقاب الجنسية، وبإثارة الرعب فينا مع كل مرة تعمّدوا فيها التواجد خلف باب شقتنا، دون أن  نعرف بالتحديد ماذا يفعلون.

تواصلت مع رجال الشرطة في القسم التابع للحي عن طريق صديق «واسطة». ورغم أن بلاغي لم يكُن رسميًا، لأن كل ما أردته هو إيصال رسالة لهؤلاء، مفادها أني قادرة على اتخاذ خطوات جادة تجاههم، فقد انتهى بي الحال وأنا المُذنِبة. تجاهل رجال الشرطة سبب استدعائي لتدخلهم، وبدأوا في التحرّي عني، بدلًا من التحرّي عن المعتدين.

نعم، تركوا كل شيء ولاحقوني أنا. أصبحت زياراتهم يومية، يسألون فيها عن بطاقتي وأوراقي الرسمية، عقد الإيجار، وجواز السفر، وحتى كارنيه الجامعة. كانوا يعتقدون وبشكل صريح أن ما حدث معي كان بالفعل لأني «ست صايعة».

هذه التجربة كانت صادمة، وأشعرتني بكم من الضعف والهشاشة لم أختبره في حياتي. انتهى بي الحال وأنا أفسخ عقد الإيجار، وأواصل رحلة بحث لا تنتهي عن مكان آمن أعيش فيه.

في سياق كهذا، تصبح ممارسة الجنس كابوسًا، حتى لو كان «جنسًا آمنًا». وبالحديث عن الجنس الآمن، فهناك مخاوف مُتعلقة بالحمل والأمراض المُنتقلة جنسيًا، إن وافق الشريك، وهناك مخاوف من حدوث جنس غير رضائي في أي لحظة. وحتى لو كان منع الحمل ممكنًا، ولو كان شركاؤنا الرجال ناضجين، يظل وجود مكان آمن لممارسة الجنس عقبة.

هناك دائمًا هاجس انتهاء الأمر بـ «فضيحة» في الحي. فضيحة من الممكن جدًا أن تنتهي بالقبض علينا واتهامنا في قضية دعارة، كعاملات بالجنس التجاري.

تحت هذه الظروف، يصبح الجنس معركة بالنسبة لنساء يُحاربن على عدة أصعدة. معركة تُفضل الكثيرات عدم خوضها من الأصل، لأنهن مُستنزفات في معارك أُخرى؛ معركة العمل، معركة الأهل، معركة التحرش اليومية، معركة على مقعد في عربة المترو، معركة عاطفية، ولا مانع من بعض مشاكل الأصدقاء بين الحين والحين.

الرسمة: رنا رفيق

لو لم تخوضوا بعضًا من  تلك المهازل يومًا، أعتقد أنه سيكون من الصعب عليكم تخيّل كيف تُحمَّل ممارسة الجنس بأعباء القبض العشوائي. تخيلوا معي، مثلًا، ماذا سيحدث لكم، ولمن تحبونهم وتهتمون لأمرهم، إن كان سبب القبض عليكم هو «الفسوق» أو «الدعارة». وصحيح أن قانون العقوبات المصري لا يجرّم «الرفقة»، أي أن يعيش رجل وامرأة سويًا دون زواج، في أي من نصوصه الصريحة، فمَا الذي يضمن أن القانون سيُطبَّق في حالتك؟ فكما كان يقول «چيورچيو أجامبن»، نحن نعيش في حالة من الاستثناء، حيث الاستثناء هو القاعدة.

كيف تثق أنك لن تكون هذا الاستثناء؟ يتآكل يقينك في كل مرة يُقبض فيها على أشخاص بدون سبب. عندما يُلقى القبض على أصدقائك، ويختفون لشهور، أو يلفظون أنفاسهم الأخيرة في هذا المجهول، كيف تجرؤ على المخاطرة بحياتك بأكملها، ليهتز جسدك بالنشوة لثوانٍ؟ هذا إن قدرت على الوصول إليها مع مخاوف التسجيل والتشهير التي اعتدناها من أجهزة الدولة ضد المُعارضين. أنت ممنوع من المتعة الخالصة، وربما يهتز جسدك بالفعل، لكن ليس بفعل النشوة، وإنما نوبات الهلع.

زواج ونسوية مشكوك فيها

فقدتُ قدرتي على مواصلة الخوف ومواجهة الهواجس. وحتى التفكير في الزواج كحل، لم يكن سهلًا على شابة خاضت معاركها لتستقل عن أسرتها، كبنية اجتماعية واقتصادية. فالزواج في مصر مؤسسة غير عادلة؛ لا تجرّم العنف الأسري، ولا الاغتصاب الزوجي، بل وتُرسي حق الطلاق في يد الزوج بشكل أساسي. تنفصل الشابة المستقلة عن أسرتها لتبدأ في تعريف نفسها كـ «مُستقلة». أما إن تزوجت، فتُعرَّف بموجب القانون كـ «تابعة للزوج»، باعتباره رب الأسرة.

ترددتُ في أمر الزواج، وراودتني مخاوف من فقد استقلاليتي التي سعيت إليها لسنوات.

في هذه السنوات، اعتدتُ على تأجير غرف في الشقق التي استأجرها لشابات مثلي، كطريقة للتعاطي مع وضعي المالي الذي لا يسمح لي باستئجار  شقة بمفردي. لكني أُنهكت من إجبار نفسي على العيش بشكل يومي مع غريبات لا أعرفهن، حتى لو كنّ مثلي ويشاركنني جزءًا من تجربة الاستقلال. كنتُ وحيدة جدًا وبحاجة إلى شخص يُشاركني حياتي ومساحاتي الخاصة، شخص يدعمني ويؤمن بي.

كان شريكي حاضرًا، ووافق على عرض العيش معي في شقتي البسيطة المؤجرة. تساءلت: لماذا لا نجرّب العيش معًا لفترة، طالما أني أشعر معه بارتياح وأنه يبادلني الشعور؟ ثم فكرتُ في تجاربي السابقة مع استضافة زوار رجال. لم أعد قادرة على تحمل شعور التهديد، لأني لست متزوجة من الشخص الذي أعيش معه. ففكرت في تقنين علاقتنا بعقد زواج. تقدمت له، ووافق. ومن هنا بدأنا بتجهيز الشقة كزوجين، وليس كشركاء سكن.

كانت صدمة حلّت بالجميع، بمن فيهم أصدقائي، عندما غيّرت حالتي الاجتماعية على فيسبوك إلى «متزوجة». وسُئلت كثيرًا عن سبب زواجي. وبشكل أكثر دقة: لماذا تزوجت وأنا أعرف نفسي كمستقلة ونسوية؟

جرت مشاركة هذا المنشور مئات المرات، مع تعليقات مثل: «أكتر واحدة بتكره الرجالة في مصر، اتجوزت وسابتكوا سينجل» و«سترونج اندبندنت وومن لحد ما ييجي العريس الغني.»

تصوير النسويات أنهن ضد الرجال وضد الزواج، أمر ليس بجديد. نعم، نحن نكره الرجال الذين يتحرشون بنا جنسيًا، والذين يُقيدون حركتنا. نكره الرجال الذين يتلاعبون بثقتنا بأنفسنا، ويعتبروننا أدوات جنسية باسم الدين أو التحرر. نكره الرجال الذين يشعرون باستحقاق على أجسامنا، ثم يختفون دون إبداء أسباب. نكره الرجال الذين يصموننا إن شعرنا بالضعف، الذين لا يروننا ولا يحترموننا. نكره الرجال الذين ينحّون قضايانا من أجل أولوياتهم السياسية. هؤلاء هم الرجال الذين نكرههم، والقائمة مفتوحة.

نعم، نحن نكره الزواج الذي يضع السلطة والقوة في يد أزواجنا. نكره الزواج الذي يؤنث الأعمال المنزلية والرعائية. نكره الزواج الذي يسحق أجسامنا بداخله. نعم، نحن نكره هذا الزواج بقدر ما يكرهنا.

بمجرد أن تحمل إحدانا لقب «نسوية»، يُحيط بها التنميط: قويّات، فردانيات، متمردات، ضد الرجال، وضد الأنظمة في العموم. وأسوأ شيء في هذا التنميط هو وصمنا إن لم نتماشَ معه. إن طلبت امرأة نسوية المساعدة، توصم بأنها «متطلبة». إن عبّرت نسوية عن مشاعرها، توصم بأنها «عاطفية للغاية على أن تصف نفسها بالنسوية».

هذا التنميط يعتمد على ثنائية «المرأة العادية» مقابل «المرأة النسوية». بمعنى أنه يفترض ضمنيًا أن النسويات أعلى منزلةً من غير النسويات. فتُجرّد كل امرأة فشلت في مواكبة قوالب تنميط النسويات من هذا اللقب، لتنزل درجة إلى فئة «النساء العاديات».

لذلك، ليس النظام الأبوي وحده هو ما يعاقبنا إن عرّفنا أنفسنا كـ «نسويات»، الناس يفعلون ذلك أيضًا، بمن فيهم أصدقائنا الداعمين. كم مرة سمعتِ أنكِ «قوية» وأنه لا يجب أن تشعري بالضعف، فقط لأنك نسوية؟ كم مرة ترددتِ في طلب المساعدة واستُغرقتِ في التفكير عما سيقوله الناس عنكِ وعن نسويتك؟ على هؤلاء أن يعرفوا أن هذه الكلمات تضر أكثر مما تنفع. كنسويات، نحن بحاجة إنسانية إلى أناس يفهموننا. نحتاج إلى شبكات اجتماعية يمكننا فيها تلقي الدعم والشكوى والتعبير عن هشاشتنا. خوض المعارك صعب، وأصعبها تلك التي نواجه فيها فريقنا.

هذا النهج يُنكر حق النساء في التصرف وفقًا لظروفهن الشخصية. إنها عملية منظمة من السحق الإنساني. كنسويات، يُنكر علينا حقنا في التعبير عمّا نشعر به، أي: تُنكر علينا إنسانيتنا. يبدو أن البعض يساوون بين النسوية والعزلة الاجتماعية، كما لو كان الانفصال عن الأسرة، بدافع حرية الحركة، هو بمثابة إعلان عن قدرتنا على فعل ذلك بشكل خارق، ودون عقبات أو معوقات. نحنُ ننفصل عن أسرنا لنتمتع بحرية أكبر في الحركة والتنقل، وليس لننعزل ونُعاقَب اجتماعيًا.

أتشارك الأعمال المنزلية مع شريكي، ولديّ الحق في تطليق نفسي دون الحاجة إلى قضية خلع. فيما يخص تقسيم الأدوار الاجتماعية، يختلف بيتنا عن بيت أسرتينا. لكني مع ذلك لا أدّعي أني تزوجت لأغيّر منظومة الزواج غير العادلة في مصر، أو لأمارس فانتازيا محاربة الأبوية. في السنوات الأخيرة أدركتُ قدراتي المحدودة، وبزواجي، الذي هو قراري الشخصي، كان كل ما أردته هو أن أعيش في سلام، وأن يحالفني الحظ ولو قليلًا.

الزواج: فانتازيا جنسية

أخيرًا تقبّلتْ عائلتي كوني أمارس الجنس، وأنه جزء رئيسي في حياتي. تشتري لي والدتي لانچيري، وكذلك تفعل أختي الكبرى. أما والدي، فيسمح لي ولشريكي بمساحة خاصة أثناء الزيارات والتجمعات العائلية، وهو يعلم جيدًا أننا ربما نكون نمارس الجنس الآن، خلف هذا الباب.

تمت، وأصبحت حياتي الجنسية مشروعة الآن برعاية القانون وبمباركة عائلتي.

هذه الشرعية تحولت إلى فانتازيا جنسية. ربما عشنا سنوات وسنوات ونحن مراقبَات في منازل عائلاتنا. حيث لا باب يُسمح بغلقه دون مبرر واضح. حتى أثناء الاستحمام، ربما نُسأل لماذا نقضي وقتًا طويلًا في الحمام. الأمر أشبه بأن نُمنع من الاختلاء بأجسامنا، وكأنها ليست ملكنا، هكذا وببساطة.

قائمة ممنوعات طويلة عن ملامسة أجسامنا، على رأسها الجنس الفردي أو العادة السرية. كيف لشخص أن يتماهى في جسده في هذه الحال، إن كانت كل محاولة لذلك ممنوعة ومحرمة؟ عادة ما يكون الجنس الفردي سريًا؛ أجسامنا تحت الغطاء، أيادينا تتحرك بحرصٍ بالغ، أعيننا مفتوحة انتباهًا لمرور أي شخص، أنفاسنا بطيئة وهادئة، وتنهيداتنا مكتومة.

هنا، يُمكن للزواج أن يكون نقطة تحول، من السرية إلى الخصوصية، ومن الحرص إلى إعلانها صريحة: «أنا أمارس الجنس مع هذا الرجل». الزواج بالطبع ليس هو الحل الوحيد للتغلب على قيود الجنسانية، ولكن الأهم من هذا هو كيفية تصويره بوصفه الإطار المقبول الوحيد للنساء لممارسة الجنس.

في كتابه «السلطة/ المعرفة» يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو إن قمع أي تعبير جنساني بواسطة العائلة له تأثير أكبر على تحرير الجنسانية، مقارنة بقمعها. بمعنى أنه عندما تكون الجنسانية محل مراقبة وتحكّم في الجسد الإنساني، «فإنها تُنتَج وتكثف من رغبة كل شخص في استعادة هذا الجسد جنسيًا».

يصبح وجود العائلة فانتازيا تُثيرنا جنسيًا في حد ذاتها. إنها اعتراف نهائي ورسمي بحقوقنا الجنسية في أجسامنا كنساء.

هنا، وبداخل هذه الغرفة، نحن نفعل ما حذرتمونا منه ومنعتموه عنّا لفترات طويلة. نعم، لديّ  شخصٌ ينام في سريري.

اعلان