Define your generation here. Generation What

مجتمع الاستعراض: هكذا يلغي «الترند» وجودنا ليقدم وجودًا بديلًا

«تكلم حتى أراك»

جملة شهير منسوبة لسُقراط

رئيسة كرواتيا وقدرتها على الاحتضان، صفقات نادي بيراميدز، أوه.. كريستيانو في اليوفي، مُعز مسعود يتزوج شيري عادل، رقصة الكيكي، هل شاهدت هذا الكوميك اليوم؟ رضا عبد العال يقصف جبهة مُذيع في مئات الكوميكات… مع كثير وكثير من المواضيع محل الاستهلاك.

يسأل أحد الأصدقاء: هل تعلم كم دفع تُركي آل شيخ لاستقطاب لاعبين؟ حوالي مليار جنيه!

يسأل آخر: هل تعلم ثمن السيارة «الكيا سبورتاج» التي تحبها؟ أكثر من نصف مليون جنيه!

كم هي عظيمة قوة الاستعراض التي تتخلل جلسة شباب على مقهي شعبي لا يشربون فيه سوى الشاي بالنعناع والقهوة، مبتعدين دومًا عن العصائر والمياه الغازية، بينما يتحدثون عن ملايين تُركي آل شيخ وشنب أمير كرارة وآخر إصدارات نجم الجيل تامر حسني، «عيش بشوقك»!

الأصول الماركسية

على غير الشائع في حالات المصطلحات الفلسفية والأطروحات الاجتماعية، تبدو كلمة «الاستعراض» مألوفة للمسامع للغاية، ولكن أهمية هذا المصطلح تكمن في استخدام الفيلسوف الفرنسي جي ديبور له، وهو أحد كُتّاب الأممية المواقفية التي ظهرت في نهاية الخمسينيات، ولعل أهم ما طرحوه كان إعادة تعريف مفهوم «الاستلاب/ الاغتراب» الماركسي، ولكن بتضمينات وشروح جديدة أضفت عليه تعريفًا خاصًا؛ الاستعراض.

في عمله المبكر، «المخطوطات الفلسفية والاقتصادية»، يقول كارل ماركس: «يُصبح الإنسان غير نفسه وهو يعمل، ويعود لنفسه وهو لا يعمل».

أحد مظاهر ثبات الرأسمالية ليس اغتراب الإنسان في عمله، أي وهو مُنتِج مُغترب عن ذاته وحياته ومشاكله الخاصة ونمط إنتاجه، بل وهو يستهلك أيضًا، فيصبح مُستهلِكًا مُغتربًا، بمعنى أن الإنسان، خارج ساعات العمل، يبحث عن قضاء وقت فراغه في مظهر استلابي جديد مدعوم بنمط استهلاكي؛ الجلوس في المقهى، مشاهدة كرة القدم، محتوى سينمائي ما، مخدرات، رياضة… وإلى آخره من سُبل حياة ما بعد العمل، التي تخضع أيضًا للاستهلاك وللوضع الطبقي والاجتماعي ومدى حصول الفرد على قدر من الرفاهية، فإذا كنت عاملًا بسيطًا أو حرفيًا باليومية ستفقد حتمًا أوقات السينما وممارسة الرياضة، ليس لعدم وجود ذوق لديك أو رغبة، بل لعدم امتلاكك المال الكافي لشراء تذكرة السينما، أو الاشتراك السنوي في النادي!

هنا يصبح المحتوى السلعي هو القيمة المكافئة لأي عمل حياتي، حتى ولو كان التبول، والذي ستضطر قبله لدفع تذكرة تبوّل بجنيه مصري في المباول العامة الحقيرة!

حينما ترى ضابط الشُرطة يضرب مواطنًا، فهذا مشهد معتاد، وحتمًا مشهد استعراضي، وحينما تتناقش مع أصدقائك حول فساد الحكومة وفساد مُديري عملك وتنهي كلامك بأنه «هكذا يمضي الموضوع دومًا.. من فساد لفساد»، فهذا مشهد استعراضي آخر.

نحن متفرجون

مثلما يعيد مجتمع الاستعراض إنتاج فائض القيمة، وفائض المعنى وفائض الفساد، يعيد أيضًا إنتاج فائض الاستلاب، من استلاب العمل لاستلاب ما بعد العمل.

ومن هنا، فالاستعراض هو المفهوم المُصاغ لوصف المُجتمع وحركته وتفاعلات أفراده، ومن هنا نستطيع تحديد ماهية أفراد المُجتمع مثلما حددهم ديبور؛ المُتفرّجون.

وبما أن خضوع الأفراد، بوعيهم الجمعي، بل والفردي، لمنطق الاستعراض -أي اغترابهم ذاتيًا واجتماعيًا- يجعل الفرد لا يعير اهتمامًا لمفهوم «القيمة» بالنسبة لأي محتوى في حياته، سواء كان فعلًا أو شعورًا أو دافعًا، فبالتالي يتماهى الفرد مع مجالٍ كامل من الصور والمقولات والكوميكس والترندات، يؤدي دور البطولة فيه «الحقير» و«العبد» لدى قطب مجتمعي ما، و«القديس» و«البطل» لدى قطب مجتمعي آخر.

في هذا الزخم الإلكتروني المحيط بنا، يمكننا تلمّس وتحديد منطق ما للاستعراض، يرتكز حول ترندات السوشيال ميديا اليومية التي تُعد أكثر ما يغذي جلسات وكلام وضحكات الأفراد مع بعضهم، كما أصبح صناع الكوميكس وموجات «الاستهزاء» في وسائل التواصل الاجتماعي، دُعاة بشكل أو بآخر، باستخدامهم الترند استخدامًا إيدولوجيًّا بشكل مكثّف، فلو قرر الفرد تصفح وسائل التواصل الاجتماعي لمدة ربع ساعة، فسيتفاعل مع ترند بعينه ثلاث مرات على أقل تقدير، وتلك هي قوة الاستعراض.

في كتابه «ثورة الحياة اليومية»، أشار راؤول فانيجيم، وهو أحد المواقفيين أيضًا، لكونه «لا يهم كثيرًا ما إذا كان الناس مؤمنين أو ملحدين، طيبين أم أشرارًا، أمناء أم مجرمين، يساريين أم يمينيين، فالأهم أن يكونوا جديرين بالاستعراض ومُنتجين له».

قوة الترند

من الحقير والعبد وصولًا للقديس والبطل، تحتوي وسائل التواصل الاجتماعي علي تميمة الترندات القادرة على إخضاع المواطن المُستهلك دائمًا لسُلطتها، بدءًا من الفيديوهات التي يظهر فيها عوام في مشاهد لا تتجاوز الدقيقة أو الاثنتين ليطلقوا تصريحًا ما تجاه أزمة ما؛ غلاء أسعار، وقود، غذاء … إلخ، وينتشر تصريحهم انتشار السحر في الآفاق والأذهان وعلى عديد من الألسن والاتجاهات (من ينسى مثلًا الجُملة الشهيرة لأحد المواطنين المصريين: «أيام سودا!»)، وصولاً لحياة المشاهير و«النجوم» التي يقدمها المجتمع بالأساس لغرض الاستعراض، ومن خلالها تُقدَّم كل الإمكانات الإنسانية للاستهلاك، حيث النجوم لهم حياة ومغامرات وفضائح وأعمال وآراء وتهكّمات لصالح أولئك الذين ليس بإمكانهم سوي التفرّج.

النجوم هم الطبقة التي ينتجها المجتمع لكي يمارس استعراضه الكُلّي أمام ساحات المتفرجين، هم شيوخ الفضائيات ومحللو البرامج الرياضية والسياسية والاجتماعية والفنانون والمطربون والراقصات ورجال العلم الدولجية، وكثير ممن بإمكانهم عمل أي فعل من النوع «الترندي» على وسائل التواصل الاجتماعي مما يجعلهم شخصيات عامة. تلك الشخصيات والأمثلة مطلوبة وحاضرة بقوة نظرًا لخواء الأدوار الاستعراضية.

فلا عجب في ممارسة السياسيين العمل الإذاعي، وانزلاق الرياضيين للبرلمان، وحديث مخرج أفلام استعراضية عن دور الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في تحقيق السلام الاجتماعي، وحديث الراقصة عن الله الرحمن الرحيم، وتجاور صليب النازية المعقوف مع صورة جيفارا ومن فوقهما «سُبحان الذي سخّر لنا هذا» على ظهر توكتوك في حواري العاصمة، وغيره من مجالات الاستعراض المتشابكة، كُل في كُلٍ.

إن دل هذا على شيء، فيدل على خواء الأدوار الاستعراضية، أي على إمكانية ممارسة أي فرد لأي شيء، طالما كان تحت مظلة الاستعراض.

هؤلاء المشاهير والشخصيات العامة لديهم وظيفتان مهمتان.

الأولى: الوظيفة الاقتصادية المتمثلة في قدرتهم علي تسويق الفكرة والبضاعة نظرًا لوجود متفرجين تابعين يشجعونهم باستمرار؛ قصة شعر كريتسيانو رونالدو وتي شيرت عمرو دياب ونظارة تامر حسني وفستان سميرة سعيد ودعاء الشيخ محمود المصري. يمتاز المشاهير بقدرتهم على شراء كل ما في المتجر، بل والمتجر نفسه إن أرادوا، ومن ورائهم جيوش من التابعين المُشترين أيضًا.

والثانية: الوظيفة الاجتماعية التي تتمثل في كونهم مادة للاستهلاك الكلامي والوقتي في جلسات الاستلاب اليومية، كونهم يمثلون الواقعية الوحيدة التي تتجسد أمام المتفرجين، لا واقعيات الأفراد الجزئية، فلا مانع من استهلاك الأفراد ساعات وساعات في الحديث عن فضيحة الفنان فلان أو جسم الفنانة فلانة أو صفقة النجم فلان، باعتبارها أشياء واقعية يستعيض بها المتفرج عن مأساته الأوقع!

الواجهة رونالدو.. والخلفية إضراب عمالي

«انتقال رونالدو لليوفينتوس بصفقة تُقدّر بـ105 مليون يورو!»

هذا الخبر مثلًا يُعدّ من أهم عشرة أخبار تناقلها ملايين البشر على مدار الفترة السابقة.

في مجتمع الاستعراض الحديث، نحن عبارة عن مُتفرّجين، ومصطلح «المُتفرّجين» هو المصطلح المُكافئ لـ«فاعلين اجتماعيين»، حيث أصبحت فاعليتنا الاجتماعية تُترجم في استهلاكنا للإعلانات والأخبار والكلام والسِلع وغيرها.

ولكن وراء خبر رونالدو تكمُن مأساة اجتماعية واقعية، ففي سياقٍ آخر يدخل عُمال مصانع شركة جيب وفيات بإيطاليا في إضراب للحصول علي مستحقاتهم المتأخرة وزيادة أرباحهم، ضد عائلة أنييلي المالكة للشركتين وراعية اليوفينتوس وصاحبة رأس مال صفقة رونالدو.

«مُجتمع الاستعراض» و«الواقع الاجتماعي»، هما مُسمّيان للواقع نفسه، فبقدر ما يكون الخبر استعراضيًا ككل الأخبار، إلا أن في داخله يكمن المعيار الواقعي الذي يسترعي التنبّه له، ولكن الاكتفاء بالجانب الاستعراضي منه هو الحد الأقصى اللازم لجموع المُتفرجين.

الاستعراض يجعل الجميع يرون كم المليارات المنفقة والترويج الإعلامي والدعائي على إنفاقها، في شراء لاعبين وأعمال سينمائية ومنتجعات سياحية وسيارات فارهة وملابس عالمية واكتشافات تقنية. جميعنا يرون تلك الأرقام الخرافية. لكن ما علاقة تلك الأرقام بالأزمة المحلية والعالمية؟ ما علاقة ملايين الدولارات الملقاة تحت أقدام كريستيانو بإضراب عمال إيطاليا؟ ما علاقة ملايين الجنيهات المُنفَقة علي نجوم الأهلي والزمالك من المال العام والصفقات المشبوهة مع الأموال الخليجية والسعودية بأزمة الاقتصاد المصري؟

هذه الأسئلة لا تعني شيئًا للمُتفرجين، بالمقارنة باللذة المتولدة لديهم من رؤية صاروخ ماديرا السابق – كريستيانو رونالدو- يُدوّي في سماء البيونكنيري -اليوفينتوس-، أو رؤية مُرتضي منصور يسبّ ويلعن كيفما شاء من أجل ركلة جزاء لم تُحسب، وضاعت في عقبها فرصة الحصول على درع الدوري وملايين الجنيهات!

الثورة كاستثناء

هناك لحظة واحدة تخرق مجال الاستعراض، تُمارس قوة عكسية تجاه القانون والمجال العام والحِس السائد المشترك: لحظة الثورة.

ولكن كأي لحظة، لا تسلم الثورة من قابليتها للاستعادة وتوجيهها ثانيةً لصالح المنظومة، فالانتفاض العفوي لشعبنا الذي عرفه التاريخ الحديث بـ«ثورة يناير»، جرت استعادته على مدار عامين بالإجهاز المُباشر على قواه الشعبية بماسبيرو والعباسية ومجلس الوزراء ومحمد محمود، وبالتواطؤ السياسي بقيادة ثالوث المجلس العسكري والإخوان المسلمين وميليشيات الإعلام، حتى وصلنا إلى ذروة مشهد الاستعادة في 3 يوليو 2013.

حتى الثورة تحولت لمادة استعراضية تستخدمها الدولة لتخويف الشعب من آثارها الفوضوية تارة، ولتقريع الشعب عما اقترفه في حق الدولة تارة، بالضبط كما تحولت الثورة السورية لساحة استعراض كبري، بجانب استخدامها كإشارة للمصير المنكوب للشعوب في حال راودتها الرغبة في الانتفاض: «مش أحسن من سوريا والعراق؟»

يصبح الاستعراض قوة أوقع من الواقع نفسه، قوة تفرض نفسها على حياة البشر الخاصة، التي تتلاشى شيئًا فشيئًا، لصالح المواضيع العامة، تتلاشى الرغبة واللذة الشخصيتان لصالح القانون والرغبة في الاستعراض، يتلاشى الفرد نفسه لصالح المشاهير والأغنياء.

ينهي فانيجيم كتابه بالقول: «المجتمع الذي أرسلنا إلي الموت بكل بهجة، وإلى العمل لكي نشقى، وإلى التزامات الاستعراض اليومية لكي نُرهق ونُجهد، كان في انتظارنا لدى عودتنا.»

نعم.. انتظرنا لدى عودتنا قضاء وقت فراغنا في استعراض جديد، في اغتراب جديد، فأصبحنا نحيا في آلة تعيد إنتاج الاغتراب وتثبيته.

اعلان