Define your generation here. Generation What
الفريداتان.. الرواية الأخرى عن حياة فريدا كاهلو
مراجعة لكتاب « الحب المقدس والمدنس في حياة فريدا كاهلو» لكلوديا شيفر
 
 
 

أمامنا، نحن الذين نحب فريدا كاهلو في موتها كما لو أنها تعيش بيننا، أمامنا أن نصدق إحدى روايتين عن حياة الرسامة المكسيكية الاستثنائية، الأولى تلك التي تعتنقها كلوديا شيفر مؤلفة كتاب «فريدا كاهلو، سيرة» الصادر عام 2008 في نسخته الإنجليزية والذي صار بإمكاننا قراءته مُترجمًا إلى العربية، مؤخرًا، تحت عنوان مُثير نسبيًا، يراهن على الحكم الأخلاقي على فريدا، وهو «الحب المقدس والمدّنس في حياة فريدا كاهلو»، صادر عن دار نشر إلكا بلجيكا وبترجمة محمد الفشتكي.

تُعبر طريقة كتابة العنوان في النسخة العربية عن منطق السرد عند المؤلفة الأجنبية للكتاب أكثر من العنوان الإنجليزي، فكما نرى الكلمات مبعثرة ومائلة ومتباينة الأحجام والألوان على شال فريدا بشكل يجعل التركيز كله على عبارة، «حياة فريدا كاهلو» واعتبارها العنوان الحقيقي للكتاب. وكمثل العنوان المبعثر، تتحرك فصول الكتاب بعشوائية، لا تمنحنا الفرصة لترتيب المعلومات والتفاصيل حول حياة الفنانة، التي عكفت المؤلفة على جمعها، كما تقول في المقدمة طوال أكثر من ربع قرن، لكنها ها هنا وقد جلست لكتابة النص، راحت تبعثرها أيضًا دون أن تمتلك زاوية للنظر لفريدا، سوى ألمها في علاقتها مع دييجو.

تجعل الرواية الأولى من دييجو ريفيرا الرسام المكسيكي الشهير(1886- 1957) هو الشمس التي تدور حوله كل كواكب فريدا، كواكب الألم، والحُب، والفن.

أما الرواية الثانية التي سنلجأ إليها ممتعضين من فلسفة الرواية الأولى، فهي رواية مشتقة مباشرة من اللوحات العديدة التي تركتها لنا فريدا سواء تلك التي رسمت فيها نفسها في أطوارها المختلفة أو رسمت فيها تاريخها العائلي أو حتى رسمت فيها علاقتها مع دييجو (ومن الجميل أن نلاحظ هنا أن فريدا في أعمالها لم ترسم ريفيرا منفردًا إلا كبورتريه)، بقية الرواية يمكن استعارتها من الأزياء التي انتقتها فريدا بدقة وفي ذهنها أن تُعبر لا فقط عن شخصيتها لكن أيضًا انتمائها لثقافة بلدها المسكيك، وما قد يبدو لنا كـ إكزوتيك، (وهذه الأزياء تمثل هذه الأيام موضوعًا لمعرض في لندن) كما بإمكاننا أيضًا أن نستند إلى  القليل المنشور من مُذكرات فريدا (اليوميات وكانت رفيقتها التي لم تتخل عنها في أي مرحلة بحياتها) في تعليقها على العالم من حولها، وعلى جسدها وقد بات يتنصل منها أكثر فأكثر كلما تقدمت في العُمر، إضافة إلى ما قد قيل عنها من قِبل زملاء وفنانين عاصروها، عن ارتباطاتها العاطفية برجال آخرين ونساء أخريات بعيدًا عن ريفيرا.

في هذه الرواية الثانية تكون فريدا هي شمس حياتها، ويكون دييجو مجرد أحد الكواكب في مجرّتها إلى جانب الأصدقاء والعائلة ومشاركاتها الفنية في المعارض وأسفارها، وقبل كل ذلك الوقت الذي اضطرت إلى قضائه لوحدها في عزلة المستشفيات أو في عزلة البيت الأزرق، وذلك لا يمنع أن كوكب دييجو كان كوكبًا كبيرًا مأهولًا بالحياة بالنسبة لفريدا الشابة المشتعلة التي انجذبت إليه بشدة. تُريد كلوديا شيفر أن تُرينا فريدا جنبًا إلى جنب مع كامي كلوديل النحاتة الفرنسية الشابة التي كان لها علاقة مُدمرة مع نحّات أكثر شهرة وأكبر سنًا هو أوجست رودين، وانتهت كامي بسببها إلى المكوث طويلًا في مصحة للأمراض العقلية، مرة أخرى نحن لا يمكن لنا أن نميل إلا لرواية معقولة تكون فيها فريدا هي فريدا، ولا أحد غيرها.

العمود المكسور

كما تروي كلوديا، في 6 يوليو من عام 1907 تولد فريدا، الابنة الثالثة لمهاجر من أصل ألماني (جيليرمو كاهلو) وأم خلاسية من دمٍ مكسيكي أصلي وآخر أوروبي هي (ماتيلدا جونزاليس)، في المنزل الأزرق الذي كان قد أسسه والدها قبل ميلادها في (كويوكان)، على مشارف (مكسيكو سيتي)، وقد عاشت فيه فريدا معظم حياتها وماتت فيه، كما ظهر بلونه الدامغ في لوحاتها.

كان الأب قد افتتح استديو للتصوير الفوتوغرافي في وسط المدينة، وكان يعتمد كثيرًا على مساعدة فريدا الابنة المُقرّبة منه بين بناته الأُخريات. بدورها طوّرت فريدا رابطة روحية خاصة مع الأب، ربما كان التعويض النفسي عن غياب الأم، المشغولة دائمًا في أعمال المنزل وزيارات الكنيسة والتي تعتقد بشكل ما أن فريدا ليست جميلة بما يكفي. ستأخذ فريدا من الأب بعضًا من ذكوريته التي ستتبدى لاحقًا في صورها الفوتوغرافية وفي احتفاظها بشارب ستعيش به لأوقات طويلة من حياتها. بعد عام واحد من ميلاد فريدا تولد شقيقتها كرستينا، التي ستتمتع ليس فقط بجمال واضح، لكن أيضًا بمحبة كل مَنْ حولها.

بعمر الستة أعوام تُصاب فريدا بشلل الأطفال، تقول كلوديا «ولكن انتهت الحياة الطبيعية عندما أُصيبت بشلل الأطفال في إحدى ساقيها بسبب هذا المرض وهي كانت الطفلة الفريدة في نشاطها البدني والمليئة بشرارة الحياة». أصبحت فريدا على لسان رفاقها في المدرسة الألمانية التي أصر والدها على إلحاقها بها: (ذات الساق الوتدية). كرهت فريدا هذا اللقب وأحبته في الوقت نفسه، وبعد أعوام كتبت لبعض الأصدقاء ووقعت الرسائل بهذا اللقب المُحبب نوعًا ما».

في فيلم (فريدا) الذي مثلته سلمى حايك، وأخرجته جولي تايمور عام 2002، عن حياة الرسامة، تظهر فريدا في شبابها كفتاة لعوب، فجّر شلل الأطفال بداخلها الرغبة الجامحة في الحياة. انتوت فريدا أن تدرس الطب وكانت مولعة بفكرة «التشريح». كان قد أصبح لها شريك عاطفي هو زميلها في المدرسة (أليكس).

اهتمامها المبكر بالجسد قد يكون أيضًا مقاومة للفكرة التي زرعتها الأم، لم يكن هناك من وسيلة للانتصار على تُهمة غياب الجمال، سوى الانهماك في التعرف الذاتي على هذه الآلة المُعطلّة في جزء منها، ذلك أيضًا مما لم تقله كلوديا، وفي الصراع بين محاولة التعرُّف والرفض الداخلي الذي تقوده الأم، تنقسم فريدا إلى شخصيتين، تمسك إحداهما بيد الأخرى.

الفريداتان

كما لو كان قدر فريدا هو الذهاب إلى آخر المدى في رحلة التعرف على الذات، بقناعها الخارجي كجسد وقناعها الداخلي كفن، تروي كلوديا الحادث الثاني في حياة فريدا، والأعنف بالطبع أثناء احتفالات الاستقلال السنوية في المكسيك، وهي في الحافلة عائدة مع أليكس من المدرسة إلى المنزل الأزرق: «… وبعد فترة وجيزة من مغادرة المحطة حاول السائق وهو مبتدئ يقود الآلة الجديدة – تمرير عربة نقل بطيئة الحركة كانت تناور عند تقاطع شارعين. لم تنجح هذه الحركة وتحطمت الحافلة مصطدمة بالمركبة الأخرى ومتكسرة إلى مئات من الأجزاء الخشبية، وكان حظ أليكس أوفر من (فريدا) حيث تمزقت ثيابه وأضاع الدمية التي كان يحملها من أجلها. ولكن عندما نظر إلى كومة الأنقاض في مكان التصادم لم يرها ثم لاحظها عارية ومغطاة بالدماء وممددة على الأرض. كانت ملابسها قد تمزقت عنها تمامًا وقد اخترقها درابزون الحافلة نافذًا من معدتها وتجويف حوضها. دخل القضيب المعدني من جانبها وكاد يخرج من جانبها الآخر، وكأن هذا لم يكن مرعبًا بما فيه الكفاية فقد غطاها الغبار الذهبي الذي كان يحمله مسافرُ آخر في قارورة معه إلى المنزل من رأسها وحتى قدميها، وبينما هي عالقة تخسر دماءها، قرر عامل يرتدي بذلة عمل، سامري صالح، أنه من الأفضل سحب الدرابزون المعدني خارجها وقام بذلك حيث كانت (فريدا) تصرخ كل الوقت، وضع قدمه على (فريدا) وسحب القطعة المعدنية حتى خرجت من جسدها».

كانت نجاة فريدا من هذه الحادثة معجزة مكتملة، قدّمت فريدا ثمنًا لها، كان القربان هو أملها في حياة عملية مثل الناس، ودراستها التي كانت متعلقة بها كثيرًا في المدرسة الألمانية، ليس ذلك فحسب، فقد خسرت أليكس رفيقها الذي كان عليه أن يسافر مع أهله إلى أوروبا حيث ينتظره هناك مستقبل مشرق، أما منحة ذلك الألم فكانت فريدا التي نعرفها.

لقد اعتقدوا بأنني كنت سوريالية لكنني لم أكن كذلك

تقول كلوديا إنه في 21 أغسطس من عام 1929 تزوجت فريدا كاهلو من دييجو ريفيرا، وتكاد أن تكون قد أجبرت عائلتها على قبول هذه الزيجة،«إن أسطورة هذا الزواج مرتبطة إلى حد ما بما قاله والد (فريدا) (جيليرمو) لها في يوم زفافها، وإلى حد آخر بما من المفترض أن يكون قد قاله لـ (دييجو). روَت فريدا أن والدها قال عن ريفيرا إنه بشع، بروغل سمين سمين سمين. (إن زفافك) كتزويج فيل من حمامة».  تعرفت فريدا على ريفيرا أيام كان يعمل على جدارية قريبة من مدرستها، قبل الحادثة، منذ أيام رفقتها بأليكس، كانت تشاكسه وتتبادل الأحاديث معه، وقد قالت مرة لأصدقائها على سبيل التحدي «سوف أتزوج دييجو ريفيرا يوما ما». يبدو أنه كان لدى ريفيرا الكثير مما جذب فريدا. ماذا رأت فريدا حقًا في دييجو؟ لقد كانت على علم بنزواته، وفوق ذلك تمكنت فريدا من تبادل الود مع زوجته السابقة (لوبي مارين)، والأخيرة قد ساعدتها كثيرًا في الأيام الأولى من الزواج، يمكننا أن نتفق مع كلوديا شيفر الآن، فقد وفر هذا الزواج لفريدا شيئًا من الاستقرار النفسي كما ساعدها على عقد صداقات مع أشخاص كان يعرفهم دييجو حول العالم، ولم يكن بإمكان فريدا نظرًا لوضعها الصحي أن تصل إلى دوائرهم.

في أعوام متفرقة تسافر فريدا مع ريفيرا إلى الولايات المتحدة، وهناك بسبب أسلوب ثيابها، تلفت نظر الأمريكان إليها، لم تحب فريدا فكرة مغادرة المكسيك، بسبب الوقت الذي قضته وحيدة، لأن ريفيرا في العمل أو مع أُخريات، يمكن القول إن فريدا استطاعت العمل مطولًا على أسلوبها الفني الذاتي والطبيعي وبالتالي تطويره. لاحقًا، وفي أمريكا أيضًا، ستتعرف على الرسام السوريالي (أندريه بريتون) الذي سيكون منبهرًا بأعمالها وشخصها، وسرعان ما سيعتبرها فنانة سوريالية، ما سترّد عليه فريدا: «لم أرسمْ أحلامًا قط لقد رسمتُ واقعي الخاص».

في عام 1939، وبينما اشتد الخلاف بينها وبين ريفيرا، تتلقى فريدا دعوة من بريتون لإقامة معرض في باريس، كان المعرض ناجحًا، لكن كما تقول كلوديا، اُعتبرت أعمال فريدا «متحفية»، ولم يتم بيع لوحاتها. وفيما كان يحصل دييجو مباشرة على مقابل مادي من عمله، ويتلقى المزيد من الدعوات من قِبل المؤسسات الرسمية العالمية، بدأت فريدا ترسم لوحات ذاتية تهديها إلى أحبائها بالمجان، كالمصور الفوتوغرافي المجري الأمريكي نيكولاس موراي، الذي ارتبطت به فترة انفصالها عن ريفيرا. «قام موراي بالتقاط عدة صور قريبة لفريدا، كما أقنعها بالتموضع عارية جزئيًا من أجله. إن الصورة التي التقطها موراي لجسد فريدا العاري مُرضية جماليًا ومغرية جنسيًا».

عقدت فريدا علاقات عاطفية مع آخرين منهم ليون تروتسكي الثوري المنفي، وتبدو هذه العلاقات كأداة أُخرى لاكتشاف الذات، كانت فريدا بالنسبة لأولئك الرجال فريدة بحق، في المقابل كان قد صار معروفًا أن ريفيرا على علاقة غرامية بكريستينا شقيقة فريدا الصغرى.

خلال عام من طلاقهما الأول سيعودان مجددًا إلى بعضهما البعض، وستغفر فريدا لشقيقتها ما كان من أمر خيانتها، كأنها لم تكن.

عاريتان في الغابة

إلى صديقتها الحميمة «دولريس دي لريو» تهدي فريدا كاهلو لوحتها «عاريتان في الغابة» عام 1939، وكان اسم اللوحة الأول هو «الأرض نفسها». يُعلِّق الموقع المخصص لفريدا كاهلو على الإنترنت على هذه اللوحة قائلًا: «فريدا لم تحاول أبدًا إخفاء ازدواجية ميولها الجنسية حتى عن دييجو ريفيرا». نرى في اللوحة امرأة مرتاحة على فخذ امرأة ثانية في الفضاء الذي يبدو غير قابل للسُكنى، كلحظة الخلق الأولى، هو فضاء مجرد يمكن للنساء أن تتشارك فيه المتاعب ببساطة، دون أن يقاطعهما رجل.

بالنسبة لكتاب «الحُب المدنس» خصصت كلوديا فصلًا بعنوان «رفقة النساء» لا تقول فيه سوى القليل عن حياة فريدا العاطفية الإشكالية، تقول إن ريفيرا لم يكن يشعر بالغيرة من علاقتها بالنساء لكنها، كلوديا، تتكتَّم على طبيعة هذه العلاقات «لقد كان ميثاق الأخوة هو الذي جمع بين فريدا بالإضافة إلى إيزابيل كامبوس وعدد من صديقات فريدا من حي كويوكان اللواتي زرنها من وقت لآخر ما لم يكن دييجو موجودًا. لأن وجوده كان يمنعهن من التحدث بحرية وفي بعض الأحيان كان يُحضر معه ابنته أو إحدى العارضات أو ماريا فيليكس. كانت هذه الصحبة تعيق الأحاديث الاجتماعية لفريدا وصديقاتها اللواتي لم يكنّ يشعرن بالراحة عند تواجد (دييجو) إذ كان صوته العالي وزواره يستولون على الغرفة ويهمّشون صديقات (فريدا) حيث إنه لم يكن هناك اندماج».

إن تغاضي كلوديا شيفر عن «رفقة النساء» الحقيقية في حياة فريدا هو مسألة مُريبة، فعل الأقل يعني وجود أُخريات أنها تمتعت بمستوى من الندية في علاقتها بصائد النساء دييجو، أنها لم تكن خاضعة له كما تُريد كلوديا وأنها ليست ضحية، وبعيدًا عن موقف كلوديا غير المفهوم، يورِد ويل كوهلر أحد المؤرخيين الغربيين للجنسانية المثلية ومزدوجة الميول والعابرة عبر موقع «باك تو ستون وول» عبارة وجهتها لوسيان بلوش، إحدى رفيقات فريدا الحميميات، لريفيرا «أنت تعرف أن فريدا مثلية. أليس كذلك؟».

شجرة الأمل، تظل راسخة

يفتقر كتاب كلوديا شيفر في نسختيه الإنجليزية، والعربية كذلك، إلى صور من أعمال فريدا، ما كان سيسمح للقاريء لا فقط بالعودة إلى اللوحات التي تلجأ كلوديا إليها أحيانًا في التفسير، لكن أيضًا ليكون بإمكانه تكوين وجهة نظره الخاصة عن حياة فريدا. في الأعوام الأخيرة ألقت نوبات الألم الشديدة التي كانت تتعرض لها فريدا وتتعامل معها بجرعات زائدة من المُسكنات، ألقت بها في عُمق تجربة روحية ستُعبر عنها في لوحاتها، أولًا ظهرت أحيانًا تبكي في رسوماتها، ولم تكن فريدا، كما تُحلل كلوديا، قادرة من قبل على إظهار مشاعرها الداخلية، كما أظهرت روحها جالسة على فراش المشفى، في زمن آخر، بمعزل عن جسدها الذي أوشك على الفناء في زمننا هذا، وهو مفتوح الجروح ومتألم إلى جوارها، رسمتْ رأسها على جسد غزالة ذات قرنين ومُصابة بأسهم عديدة للصيد موزعة على كل أنحاء جسمها، هذه اللوحات مثلًا: «بلا أمل» 1945، «الغزالة المجروحة» 1946، «شجرة الأمل تظل راسخة» 1946.

هناك أيضًا جانب الأمومة المُفتقد في الحياة الواقعية وذلك عوضته فريدا باحتضانها لحيوانات في البيت الأزرق مثل القرد الذي رأيناه يتلصص بخبث على العاريتين في الغابة، كما صنعت أمومتها الخاصة دائمًا بالرسم، كما في لوحة «موسى» الذي تشرح مشهد وصول النبي كصبي عارِف (له عين ثالثة كانت لفريدا في لوحات أُخرى) إلى أرض البشر المتنوعين في ألوانهم وثيابهم وثقافاتهم، ألا يمكن أن يكون ذلك الطفل موسى هو فنها نفسه؟ نعم، لم تكن علاقة فريدا كاهلو بدييجو ريفيرا علاقة سطحية، عام 1949 أي قبل وفاتها بخمسة أعوام، ترسم في «دييجو وأنا» وجهها الباكي، وعلى الجبين منه يتجسد دييجو كعين ثالثة لفريدا (العين الثالثة تمثل في بعض المعتقدات الروحية قيم الحدس والشفاء والقبول والإلهام). يلزمنا نحن كُقراء وكُتّاب عن حياة فريدا الكثير من التجارب الإنسانية كي لا نسقط في الفخ السهل لرؤية فريدا امرأة مُعذّبة من قِبل رجل جذاب جنسيًا، ربما ساعتها يتسنى لنا أن نفهم على نحو أعمق ما كانت تعنيه فريدا حقًا حين قالت عن دييجو: «إن دييجو هو أبي.. هو مبدعي، إن دييجو هو نهايتي وبدايتي، أنا لـ دييجو، ودييجو لي. ولكن لا، لا. دييجو ليس لـ فريدا، إن دييجو ملكٌ لنفسه».

اعلان