Define your generation here. Generation What
هل تتأثر مصر بأزمة الليرة التركية؟
 
 

مع الهبوط الحاد للعملة التركية بعد قرارات بعقوبات أمريكية على تركيا تزايد الجدل حول آثار ذلك بين تخوف من عدوى تُطال الأسواق الناشئة وتشكيك في حدود تأثير الأزمة التركية على اقتصاد دول أخرى. على الجانب الآخر من المتوسط، صرح وزير المالية المصري، محمد معيط، بأن مصر استفادت من الأزمة بدخول استثمارات أجنبية إليها تاركة الاقتصاد التركي المأزوم. لكن اقتصاديين تحدثوا إلى «مدى مصر» أعربوا عن تحفظهم على تلك النظرة المتفائلة، منوهين إلى احتمالات انعكاس الأزمة التركية بشكل سلبي على الاقتصاد المصري.

وشهدت الليرة انخفاضًا حادًا في قيمتها لتسجل أدنى مستوى تاريخي لها، قبل أن تتعافى قليلًا، الإثنين الماضي، وهو ما علّق عليه معيط في تصريح لنشرة «إنتربرايز» قائلًا إن الأزمة التركية كان لها آثارًا إيجابية على مصر، إذ ساهمت في عودة استثمارات الأجانب بقوة في أدوات الدين الحكومية مرة أخرى بدءًا من الأسبوع الماضي، دون أن يحدد قيمة محددة لمشترياتهم.

ويقول محمود المصري، كبير اقتصاديي بنك استثمار «فاروس»، لـ «مدى مصر» إنه «من الممكن أن تكون استثمارات أجنبية في أذون الخزانة عادت في الأيام الأخيرة، ما سيظهر عند نشر البيانات الجديدة التي لم تصدر بعد، لكن لا أتخيّل أنها زادت بشكل كبير، لأن هذا الطلب لم يؤد إلى انخفاض حاد لأسعار العائد على أذون الخزانة، وهو ما لم يحدث، لأن العائد انخفض بنسبة صغيرة».

وكانت استثمارات الأجانب في أذون الخزانة (أوراق دين حكومية قصيرة الأجل)، المعروفة بـ«الأموال الساخنة»، في مصر تراجعت بشكل كبير في الأسابيع الماضية بعدما نجحت مصر في جذب هذه الأموال منذ نوفمبر 2016، بسبب التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وتعويم الجنيه، ورفع أسعار الفائدة.

ويشير المصري إلى خروج استثمارات أجنبية في أدوات الدين الحكومية بقيمة 5.6 مليار دولار في الفترة من مارس حتى نهاية يونيو الماضيين لتسجل 17.5 مليار دولار بدلًا من 23.1 مليار دولار،«وهذه طبعًا مشكلة»، حسب كبير اقتصادي بنك «فاروس ».

وبينما يقول شريف الديواني، المدير السابق للمنتدى الاقتصادي العالمي في الشرق الأوسط، لـ «مدى مصر»، إنه لم يتضح بعد ما إذا كانت الأزمة ستنحسر داخل الاقتصاد التركي أم ستنتقل إلى الاقتصادات الناشئة الأُخرى، يتفق  بالوقت نفسه مع المصري على التأكيد أن عدم اقتصار الأزمة على تركيا يمثل خطرًا على استقرار الوضع الاقتصادي في مصر وعلى استقرار الجنيه.

ماذا يحدث في تركيا؟

وانخفضت الليرة التركية بحوالي 20% في تعاملات الجمعة الماضي، وذلك بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مضاعفة الرسوم الجمركية المفروضة على واردات الحديد والألومنيوم القادمة من تركيا، والتي تعد سادس أكبر مورد للحديد إلى أمريكا، ما رفع التخوفات من الآثار السلبية على الاقتصاد التركي، والتي أدت إلى هبوط الليرة لأدنى مستوياتها التاريخية.

وعقب ذلك قرر المركزي التركي، الإثنين الماضي، أن يخفض نسبة الاحتياطي المطلوبة مما يعزز سيولة الليرة لدى القطاع المصرفي. وتعني قرارات المركزي التركي أن يتمّ تحرير 10 مليارات ليرة، و 6 مليارات دولار، وسيولة من الذهب تقدر بـ 3 مليارات  دولار، بحسب ما نقلت وكالة «رويترز»، وعلى عكس ما كان يأمل المستثمرون من رفع أسعار الفائدة لتتجنب تركيا هروب رؤوس الأموال تكبح انتشار الأزمة في الأسواق الناشئة الأُخرى.

وقال مصرفيون تحدثوا إلى «رويترز»، الإثنين الماضي، إن المركزي التركي عرض سيولة للقطاع البنكي بتكلفة أعلى من سعر الفائدة المعتمد في العطاءات الأسبوعية، ما اُعتبر رفع غير مباشر للفائدة، لكنه أدى إلى كبح الهبوط الحاد لليرة خلال تعاملات الثلاثاء الماضي، بشكل رئيسي لعدم لجوء السلطات إلى فرض قيود على حركة رؤوس الأموال، إلا أن محدودية أثر قرارات المركزي أدت إلى عودة الليرة إلى الانخفاض، الأربعاء الماضي، ما يشير إلى أن وضع العملة التركية أبعد ما يكون عن الاستقرار.

وفي آخر القرارات التركية؛ فُرضت ضرائب، الأربعاء الماضي، على عدد من السلع الأمريكية مثل الأرز والمشروبات الكحولية والسيارات، فيما قيمته حوالي مليار دولار من الواردات، والتي تقارب قيمة صادرات تركيا من الحديد إلى الولايات المتحدة، وفق حسابات «بلومبرج». ويأتي هذا القرار في سياق تعامل أردوغان مع الأزمة باعتبارها «حرب اقتصادية» تشنّها أمريكا على بلده بسبب خلافات سياسية. وهو الأمر الذي يرجح البعض أنه يشير إلى استمرار الأزمة.

لكن أمير قطر، تميم بن حمد، وعد حليفه أردوغان بضخ استثمارات بقيمة 15 مليار دولار، وإن لم يتضح بعد إلى أي مدى سوف يسعف هذا الأمر الاقتصاد التركي. 

هل تنحسر الأزمة داخل تركيا؟

خلق خروج الاستثمار الأجنبي من تركيا الذي خفض قيمة الليرة حالة من الجدل بين الاقتصاديين في العالم. فما يحدث في تركيا هو ضوء أحمر لما يمكن أن ينتظر الأسواق الناشئة في ظل عدم استقرار الأوضاع السياسية واستعادة الدولار لقوته مع رفع الفيدرالي الأمريكي لسعر الفائدة.

يقول الديواني إن «هناك رأيين لهذا الموضوع، أولهما هو أن تركيا حالة منفصلة، وأن وضعها والمشاكل المالية التي تمرّ بها هي أزمة خاصة بها، وأن الأسواق العالمية ستستمر بالاستثمار في الأسواق الناشئة وبالتالي ستكون هناك رؤوس أموال لن تذهب إلى تركيا ستتوفر لدول مثل مصر وآخرين».

لكن وعلى العكس، يؤكد الديواني أن «هناك رأي آخر يقول إن هذا الأمر سيؤثر على الأسواق الناشئة بصفة عامة لأن الدولار يشتد قوة والسوق الأمريكي جاذب للاستثمار حاليًا، والمخاطر المتعلقة بالاستثمار في الدول الأخرى أو الاستثمارات الناشئة ستكون مرتفعة مقارنة بالاستثمار في أسواق مثل أمريكا، وبالتالي حجم رؤوس الأموال الذي من الممكن أن يكون متوفرًا في دول مثل مصر وآخرين من الدول والأسواق الناشئة سينخفض في السنة الحالية والسنة المقبلة في المستقبل القريب».

وتلقت عملات الهند والأرجنتين أول صدمات الأزمة حيث هبطت قيمتها في بداية الأسبوع. ودفع هذا الأمر الأرجنتين إلى رفع سعر الفائدة بنسبة 5% لتصل إلى 45% لكبح خروج رؤوس الأموال. كما حذر المحللون من أن الاقتصادات الناشئة التي راكمت معدلات ديون مرتفعة هي الأكثر عرضة لمخاطر خروج الأموال وبالتالي هبوط عملاتها.

لكن وفي المقابل، تنوه «النيويورك تايمز» إلى أن ردود الفعل الأولى لا يزال من الممكن أن تنتهي، بدون التحوّل إلى أزمة مالية أوسع للأسواق الناشئة، كما حدث في 2013.

وعلى الرغم من أن محمد العريان، المدير التنفيذي السابق لشركة «بيمكو» الأمريكية لإدارة الاستثمارات، حذر في مقال نشرته «الفاينانشال تايمز»، من أن عزوف المركزي التركي عن رفع سعر الفائدة يهدد بانتشار الأزمة للبلدان الأخرى، إلا أنه أشار أيضًا إلى أن الكثير من الاقتصادات الناشئة حاليًا بها احتياطات مرتفعة من النقد الأجنبي ومعدلات دين مناسبة، ما يمكن أن يكون ضمانة إلى عدم حاجة المستثمرين الأجانب للفزع أو التخارج الجماعي.

الأموال الساخنة..مدخل الأزمة إلى مصر

حذرت المؤسسة المالية الدولية من أن مصر واحدة من أكثر خمسة أسواق عُرضة لمخاطر خروج حاد لاستثمارات الأجانب في أذون الخزانة، المعروفة باسم «الأموال الساخنة» لأنها استثمارات قصيرة الأجل تتحرك بحثًا عن أكبر عائد ممكن في أقل فترة زمنية ممكنة.

ويرى الديواني أن مصر «بدون شك» تواجه مخاطر أن تنتقل لها أزمة الليرة التركية.

واختلف مع هذا الأمر محللون من بنوك استثمار أجنبية ومصرية، تحدثوا إلى «بلومبرج» أمس، الخميس، مرجّحين أنه طالما تضمن مصر استعادة الأجانب لعملتهم الصعبة، فلن تخرج استثمارات الأجانب في أدوات الدين.

ومن جانبه، ينوه المصري إلى أنه على الرغم من أنه «لا يزال هناك خطورة من الاستثمار في مصر من جانب المستثمر الأجنبي، لكن ما يجعل الوضع أفضل في مصر للمستثمر الأجنبي، هو الدعم السياسي الذي يمثله الخليج لمصر. وبالتالي، حتى إذا كان التصنيف الإئتماني لمصر منخفض، إلا أن ثقة المستثمرين مرتفعة بسبب مساندة الدول العربية».
وبحسب الديواني، فإن سبب الأزمة الأساسي الأهم، هو ارتفاع الدين الحكومي في تركيا إلى معدلات مرتفعة جدًا، وبالتالي أي تهديد للحالة الاقتصادية الخاصة بتركيا يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال لأن حجم الدين مرتفع وبالتالي سيكون هناك ضغط على عملتها، مؤكدًا أن هذا هو ما حدث بالفعل، وبالتالي السبب الأساسي لانهيار العملة التركية هو هروب رؤوس الأموال بسبب ارتفاع الدين الحكومي.
وبلغ إجمالي الدين الخارجي في مصر 88.2 مليار دولار بنهاية شهر مارس، مرتفعًا بحوالي 20% عن نفس الفترة العام السابق.

ويوضح المصري أنه «على الرغم من أن المؤشرات الحالية هي أن البنك المركزي سيثبت سعر الفائدة، إلا أنه على المدى الأطول حال استمرار أو تصاعد أزمات الأسواق الناشئة قد يدفع البنك المركزي المصري إلى العدول عن سياسة الخفض التدريجي للفائدة، وقد يلجأ إلى رفع الفائدة مجددًا لأن استثمارات المحفظة تمثل جزء كبير من الدولارات التي تعتمد عليها مصر في هذه الفترة، على الرغم من أنها ليست جزءًا من الاحتياطي».
ثم يضيف أن خطورة خروج الأموال الساخنة، تتمثل في أن مصر مازالت غير قادرة على الاعتماد على مصادر أكثر استدامة للعملة الأجنبية مثل الاستثمارات المباشرة طويلة المدى وخفض الاستيراد وزيادة الصادرات. ويوضح:«بالتالي نلجأ إلى صافي اقتراض من الخارج، أي الاعتماد على الاستمرار في الاستدانة، ما يسبب ضغطًا على العملة».

مكسب تركيا من الأزمة…خسارة لمصر

لكن على الصعيد الآخر من أزمة الليرة، تشير التوقعات إلى دفعها لقطاع السياحة والصادرات التركية. وبالنسبة إلى مصر، يعني هذا الأمر منافسة للسياحة التي لا تزال في خطواتها تجاه التعافي، وأيضًا قد يمثل هذا الأمر انخفاضًا في الصادرات المصرية إلى تركيا.

وصرح مجدي طلبة، نائب رئيس المجلس الأعلى للصناعات النسيجية، بأن عدد من الشركات التركية ألغت تعاقداتها الاستيرادية مع شركات الملابس الجاهزة المصرية في المنطقة الحرة ببورسعيد. وتمثل السوق التركية 30% من إجمالي صادرات الملابس الجاهزة المصرية، بحسب تصريحات طلبة لـ «أموال الغد».

«السياحة مزدهرة في تركيا وانخفاض قيمة العملة يساعد على تحسنها أكثر. المنافسة بين تركيا ومصر هي في السياحة الروسية والأوكرانية، حيث تنافس منتجعات البحر الأحمر مع مدن مثل أنطاليا»، بحسب المصري. وشهد قطاع السياحة، وهو أحد المصادر الرئيسية للعملة الصعبة في مصر، تعافي في الشهور الماضية بعد سنوات من التدهور الذي لحق الاضطرابات السياسية.

اعلان