Define your generation here. Generation What
هكذا عبرت الدبلوماسية المصرية صيف 2013
 
 
الصورة: Kevin T
 

لم يكن أحد من البعثة المصرية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يتوقع مع نهاية يوم العمل، في  13 أغسطس 2013 ، أن قوات إنفاذ القانون ستتحرك لفضّ اعتصامي مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي في ميداني النهضة ورابعة العدوية، بينما حلّ الليل بأمريكا الشمالية.

وبحسب أحد أعضاء البعثة الذي تحدّث بعد أسابيع قليلة من واقعة الفضّ، كانت هناك مؤشرات آتية من القاهرة تفيد بأن هناك إرادة سياسية في قطاعات من أجهزة الدولة للتحرك نحو فضّ الاعتصامين إعمالًا لمبدأ استعادة هيبة الدولة المتمثلة في الرئيس المؤقت عدلي منصور، وكبار معاونيه وعلى رأسهم عبد الفتاح السيسي نائب رئيس الوزراء الأول في هذا الصيف العاصف.

«لقد تحدثت مع مكتب محمد البرادعي [الذي كان مازال حتى يومها نائبًا لرئيس الجمهورية للشؤون الخارجية] قبل الفضّ بيومين، ولم يكن مَن يحدثني لديه أي انطباع أن الفضّ أصبح حتميًا. قال لي مُحدِثي من القاهرة إنه من الوارد أن يتمّ اتخاذ بعض الإجراءات، وأن هناك ما أسماه غضب واسع في الشارع من استمرار الاعتصامات. ولكنه لم يتحدث أن أحدًا أبلغ البرادعي بموعد ولو تقريبي أو محتمل للفضّ» بحسب ما يقول الدبلوماسي في أغسطس 2013.

في اليوم التالي، استيقظ الدبلوماسي نفسه على اتصال هاتفي من أحد أعضاء البعثة الدائمة للأمم المتحدة يتساءل عما جرى في مصر، وكيف كان التحرك لفضّ الاعتصام بهذا العنف.

لم يعلم الدبلوماسي كيف يجيب مُحدِثه، ولم يكن هناك اتصال سريع ومفيد مع القاهرة، سواء مع مكتب وزير الخارجية، أو مكتب نائب رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية.

لكن بعد ساعات جاء الاتصال من القاهرة بتعليمات، وليس بإجابات؛ «يجب التحرّك للحيلولة دون عقد جلسة علنية لمجلس الأمن حول الطريقة التي تمّ بها فضّ اعتصامي رابعة والنهضة والادعاءات التي تشنها جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديها وبعض الجماعات الحقوقية من أن الفضّ كان دمويًا، وأن قوات إنفاذ القانون كانت تطلق الرصاص عشوائيًا على المعتصمين أثناء  محاولتهم الفرار»، بحسب الدبلوماسي المصري السابق، الذي يضيف: «ما أخبرتنا به القاهرة إن عددًا من المعتصمين الملثمين بادروا بإطلاق النيران علي قوات إنفاذ القانون فلم يكن بوسع القوات سوى الرد، وهذا ما قمنا به كرد فعل أولي خلال متوالية لا نهائية من الاتصالات انهالت خلال ساعات قليلة».

وهكذا أصبحت مهمة الدبلوماسية المصرية الرئيسية التأكيد على أن ما حدث ليس فضًّا دمويًا، بل إنفاذًا لمتطلبات هيبة الدولة.

«الإبلاغ» لم يكن كافيًا لإنهاء توجه لدى الغالبية العظمى من الدول أعضاء مجلس الأمن في حينه، خاصة الأعضاء الدائمين، لعقد جلسة علنية للتداول بشأن الفضّ. وهنا كان على البعثة بأكملها أن تتحرك في متوالية اتصالات بالتوازي مع تحركات قام بها وزير الخارجية وقتها نبيل فهمي، ومكتبه، للحيلولة دون عقد جلسة علنية.

ويقول المصدر الدبلوماسي الذي كان يعمل ضمن بعثة مصر بنيويورك في أغسطس 2013: «لم يكن من السهولة الحديث عن الحيلولة دون إجراء مشاورات لمجلس الأمن حول فضّ رابعة، ولكننا على الأقل نجحنا ألا يكون الأمر مُذاعًا على الهواء، رغم ضغوط كثيرة بذلتها عدد من الدول نحو جعل هذه الجلسة علنية».

ويضيف: «هناك مَن كان في القاهرة في ذلك الحين الذي لم يشعر بالرضا لما قامت به البعثة. ربما ظن بعضهم أننا كان بوسعنا أن نمنع الدول الأعضاء في مجلس الأمن عن التشاور. ولكن فعليًا كان ذلك مستحيلًا. وربما ظن هؤلاء أيضًا أننا كان ينبغي أن نخبر كل مَن يكلمنا أن الاعتصامات كانت مسلحة بشدة، وأنه لم يكن من وسيلة للفضّ، إلا باستخدام السلاح. ولكننا تصرفنا في حدود المتاح لأننا نتحدث مع دبلوماسيين لديهم بعثات في قلب القاهرة، وبعض أعضاء هذه البعثات كان يقوم بزيارات متوالية للاعتصامين، كما أن كثير منهم كان على اتصال بشخصيات من الإخوان المسلمين. كان أحد الأيام الصعبة بهذا الصيف الصعب في 2013».

قبل 14 أغسطس كان 30يونيو

«صعب» هو نفس التعبير الذي استخدمه المصدر نفسه لوصف يوم 30 يونيو 2013، الذي استيقظت فيه أمريكا أيضًا بعد أن كانت تظاهرات حاشدة قد انتشرت في العديد من محافظات البلاد، بحماية قوات الجيش والشرطة للمطالبة بإنهاء حكم محمد مرسي، مرشح حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية للإخوان المسلمين الذي تمّ تنصيبه رئيسًا للبلاد قبل عام واحد في أعقاب أول انتخابات رئاسية تنافسية تشهدها البلاد بعد ثورة يناير 2011.

كانت البعثة المصرية أيضًا في مأزق، حيث تتقاطع الطُرق مع ممثلي بعثات العالم، وليس فقط بعثات الدول الأعضاء في مجلس الأمن. وكانت الأسئلة كلها تتمحور حول عبارة واحدة مثيرة للتوتر: مصر شهدت انقلابًا عسكريًا أطاح بحكم أول رئيس مدني منتخب بعد ثورة يناير.

يقول المصدر نفسه من البعثة المصرية بنيويورك: «كنّا نتابع الأوضاع في مصر بأقصى ما نستطيع، وكنّا نتلقى أسئلة متتالية، بلا نهاية، من كل صوب وحدب، ولم يكن لدينا إجابات. كنّا نقول لهم إن مصر مستقرة. هذا أقصى ما كنا نستطيع أن نقوله. فلم يكن واضحًا لنا كيف ستسير الأمور والتعليمات التي كانت تصلنا من القاهرة كانت بمعني أن مصر مستقرة في كل الأحوال. لكن لم يكن لدينا ما يفيد بالمسار المتوقع للأمور كان هذا يوم 30 يونيو».

الدبلوماسي نفسه يقول إنه مع حلول يوم 3 يوليو، وإعلان وزير الدفاع المصري وقتها عبد الفتاح السيسي عن «خارطة الطريق الجديدة»، أصبح لديه، ولدى غيره من الدبلوماسيين المصريين في الخارج، والذين كانوا يتواصلون مع بعضهم في مسعى للفهم والتنسيق ردًا من واقع الأحداث.

«أبلغت مَن سألني بأن يرجع لخارطة الطريق التي أعلنها وزير الدفاع، وعندما كان بعضهم يقول لي: لكن ما حدث كان انقلابًا، كنتُ أجيب: هذا حدث بعد تظاهرات حاشدة. ولم يكن لدي ما أضيفه فعليًا سوى أن أقول إن مصر مستقرة وقوية وواثقة»، يقول الدبلوماسي.

في القاهرة لم يكن الوضع أسهل بكثير. في الدور الثاني لمبنى وزارة الخارجية الشاهق، كان وزير الخارجية محمد كامل عمرو، الذي عمل مع  مرسي منذ بداية رئاسته، وظل في منصبه حتى 14 يوليو 2013. وكان الوزير السابق يجري اتصالات هاتفية لا نهائية في الأول من يوليو، يسعى فيها هو الآخر أن يجد خطًا واضحًا لما ينبغي أن يرد به علي المكالمات التليفونية اللانهائية التي كانت تسعى للوصول إليه للحصول على رد واضح عما كان يجري في مصر، وعن مصير رئيس تمّ انتخابه ديمقراطيًا قبل عام وتمت إزاحته، وعن مصير كتلة سياسية ضخمة متفجرة الغضب، وعن مصير الديمقراطية في البلد الذي كان قبل عامين يثير إعجاب وذهول الكثير من العواصم بثورة يناير.

هكذا روى أحد العاملين في الخارجية في القاهرة في حينه: «لم يكن الوزير يجد إجابات سريعة. الأمر كان مربكًا للغاية. لم يكن يعرف ما الذي ينبغي عليه أن يقوله. ترك الأمر لبعض الوقت ثم تلقى اجابات: ما حدث ثورة، تلبية لمطلب الشعب المصري في إنقاذ ثورة يناير». وجماعة «الإخوان المسلمين»، التي كان قد تمّ انتخاب مرشحها محمد مرسي رئيسًا قبل عام واحد، أدارت «ظهرها للثورة وسعت لتقويض آليات الدولة المصرية»، حسب المصدر نفسه.

وكما كان على الدبلوماسية المصرية توصيل رسالة أن فضّ اعتصامي رابعة والنهضة لم يكن داميًا، ولكنه لإنقاذ هيبة الدولة، كانت الرسالة الكبرى في 30 يونيو هي أن ما حدث ليس انقلابًا، بل ثورة، وهي الرسالة الأهم التي كان على الخارجية المصرية أن تسعى لإيصالها للعالم، وخاصة العواصم ذات التأثير الأكبر، وعلى رأسها واشنطن.

كانت هناك مخاوف من العقوبات أو من الإقصاء، لكن كانت هناك ثقة بالتأكيد أن العالم لم يكن ليدير ظهره لمصر، حتى لو لم يكن مرتاحًا بالضرورة لطبيعة ما جرى، بحسب دبلوماسي مصري آخر كان يعمل في بعثة أوروبية كبيرة، ويضيف: «كان المطلوب منّا أن نشرح لمَن نلتقيهم بدقة وعناية أسباب غضب المصريين حسبما كانت التعليمات الشفهية تردنا: المصريون غضبوا من سوء أداء الإخوان، ومن تراكم المشاكل، واشتعال الأزمات الاقتصادية والطائفية، وأرادوا ضبط مسار الثورة. كنت أقوم بإبلاغ هذه الرسالة لكل مَن كنتُ ألتقيه. كنتُ أشعر أنني مثل التسجيل الصوتي. أُدلي بكل الجمل الرئيسية التي عليّ أن أبلغ مُحدِثي بها، ثم أكررها تقريبًا بنفس المفردات للرد علي أي سؤال».

في الأيام التالية، كانت هناك الكثير من الإشارات الغاضبة التي وصلت القاهرة. كثير منها جاء من نيويورك حيث مقر الأمم المتحدة، وواشنطن حيث كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما، بحسب رواية دبلوماسي مصري عمل في واشنطن حينها، فكان أوباما قلِقًا جدًا من التطورات في مصر. ويقول الدبلوماسي: «لم يكن مرتاحا أبدًا لما يجري. لا أظن أن الأمر يتعلق بالإخوان، الرئيس الأمريكي ليس بهذه السذاجة، وإن كانت بالطبع هناك علامات كبيرة لدعم الإخوان من قطر وتركيا التي تربطهما بالولايات المتحدة الأمريكية علاقة وطيدة للغاية. أظن أنه كان قلِقًا من توترات سياسية كبيرة يمكن أن تشهدها مصر».

الأسئلة كانت تتوالى أيضًا من أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأمريكا الجنوبية، بل من أفريقيا حيث قرر الاتحاد الافريقي تعليق عضوية مصر.

وبحسب ما يقوله دبلوماسي أوروبي كان يعمل في القاهرة في صيف 2013: «مرسي رئيس منتخب في انتخابات تنافسية وديمقراطية بمعيار أول مرة، حتى لو أن لدينا مؤشرات تفيد بتدخل غير مباشر من بعض أجهزة الدولة لصالح البعض من المرشحين أو ضد البعض الآخر. لم نكن نثق رغم العديد من المؤشرات في حينه إلى أن التظاهرات قادمة لا محالة، وأن الجيش يبدو مستعدًا للتدخل فعلًا لإنهاء حكم مرسي. ولكن رأينا التظاهرات يتمّ تجميعها، ورأينا وزير الدفاع الذي كان مرسي قد اختاره بنفسه [السيسي] يقرأ على الشعب المصري، والعالم، قرار إزاحة مرسي عن الحكم يوم 3 يوليو بمشاركة واضحة، بل ودعم واضح من كل أجهزة الدولة المصرية ومن قيادات سياسية هامة في ثورة يناير مثل محمد البرادعي الذي كان هو فعليًا مَن أعلن استدعاء الجيش للتدخل، بل وقيادات من تيار الإسلام السياسي السلفي الذي يفترض أنه كان حليفًا لمرسي.. هكذا تغيّرت المعادلة، ورأينا عقدًا كان ينبغي أن تكون مدته 4 سنوات يُخرق». ويعود ليقول: «ما حدث بالنسبة لنا لم يكن ثورة، لأننا لسنا أغبياء، ولكن ما يهمنا هو الحفاظ علي مصر من الانزلاق إلى مسار من الفوضى، ولذلك سيكون علينا أن نعمل على الوصول لحل لهذه الأزمة السياسية الكبرى».

ولكن هذا الدبلوماسي الأوروبي، وغيره، لم يجدوا ما يمكن القيام به في المسعى لحل أزمة كبرى حسب وصفه، لأن القائمين على إدارة أمور البلاد تحت رعاية الرئيس المؤقت المستدعي للمنصب عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، لم يكن لديهم أي نيّة لتقبل أي من مطالب «الإخوان» الرئيسية، خاصة فيما يتعلق بالسماح لمرسي بالعودة إلى مكتبه الرئاسي، والإعلان عن تنازله طواعية عن الرئاسة، والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة.

ومن جانبهم، فإن قيادات «الإخوان المسلمين»، والتي كانت تتلقى الكثير من الاتصالات مع عدد من الدبلوماسيين الدوليين لم يكن لديها نيّة لإبداء أي قدر من الواقعية السياسية. وبحسب دبلوماسي أوروبي آخر، والذي كان يعمل في القاهرة في صيف 2013، فيقول: «كان لديهم هذا الاعتقاد الزائف بأن الشارع كان معهم، وأن صور المتظاهرين كانت كلها مُفبركة، وأن الشارع سينتفض لصالحهم. وهذا كان عكس الرسالة التي كانت القاهرة تبلغنا بها؛ أن الشارع هو مَن طالب بذهاب الإخوان، وكان أيضًا عكس ما رصدناه من تظاهرات حاشدة حتي لو أنها لم تستمر سوى ليومين فقط. وهذا أمر لم يكن بوسعنا تجاهله في اتخاذ القرار حتى مع إدراكنا بأن الأمور لم تكن كلها تلقائية».

كانت المهمة الرئيسية لبرناردينو ليون، مبعوث الاتحاد الأوروبي للتوصل لحل الأزمة السياسية في مصر، هي إيجاد وسيلة للتراجع بضعة أمتار عن الوضع المحتدم من جانب الجميع؛ الإخوان، والجيش، والمعارضة سواء مَن طالبوا بتدخل الجيش أو الرافضة للإخوان أو الرافضة لإقحام القوات المسلحة في الأمر السياسي.

وبحسب أحد معاوني ليون، الذي تحدّث في أوائل يوليو 2013، لم يكن الاتحاد الأوروبي يسعى للضغط على السلطات في مصر للتراجع بالكامل عن قرارات 3 يوليو. ولكنه كان يسعى لإيجاد ترتيبات سياسية تسمح بأن يحدث انتقال ما على الساحة السياسية في مصر تقبل أن هناك تحرّك شعبي، وقع بالفعل للمطالبة بانهاء حكم الإخوان. ولكن لا تتجاوز حقيقة إن مرسي كان رئيسًا منتخبًا في انتخابات ديمقراطية وتتسم بالشفافية.

فيما يقول معاون ليون إن الانقسام كان سيد الموقف على كل الجبهات، مضيفًا: «بالفعل لم يكن الإخوان قادرين علي الاتفاق فيما بينهم، وكان هناك قيادات تصرّ أن شيئًا لن يحدث قبل أن يتمّ العدول عن إعلان 3 يوليو. لم يكونوا يصدقون أن ذلك غير ممكن فعليًا لأن الشارع بعيدًا عن رأينا في المؤثرات التي تعرّض لها، كان محتشدًا لرؤية نهاية حكم الإخوان. الأمر لم يكن يتعلق بالقيادات السياسية أو قيادات المعارضة، بل بالشارع.. بالنساء المحجبات والنساء اللاتي تضعن الصلبان حول أعناقهن الذين احتشدوا معًا للرقص طربًا عند الإعلان عن إزاحة حكم الإخوان».

كانت معظم لقاءات معاون ليون تتمّ مع جهاد الحداد، ابن القيادي الإخواني عصام الحداد الذي كان يعمل مستشارًا للرئيس مرسي للعلاقات الدولية. كلمات جهاد الحداد لفريق ليون كانت واضحة: «الشرعية معنا، ولا نتنازل عنها، ولدينا آلاف من المؤيدين سيتحولون خلال أيام لملايين يعتصمون حتى يتمّ استعادة شرعية الحكم، وعندها فقط يمكن أن نتحدث».

اضطرت كاثرين آشتون، مفوضة الاتحاد الأوروبي للعلاقات الخارجية، لأن تأتي لمصر بنفسها مرتين في يوليو 2013، دون أن تجد آذانًا صاغية لمقترحات توافقية يجري طرحها خلال لقاءات جمعتها مع كبار وجوه السياسة المصرية في حينه.

وفي الوقت نفسه كل قيادات «جبهة الإنقاذ» المعارضة، التي تشكلت خلال حكم مرسي، كانت تصر على  قول واحد؛ «لا مكان للإخوان في ترتيبات السياسة المصرية في المستقبل». وأن الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة.

في حين لم يكن الرئيس المؤقت وقتها عدلي منصور يقول الكثير. كان يتحدّث عن مشهد 30 يونيو عندما يسمح بإجراء لقاءات قليلة معه.

السيسي كذلك كان يتحدّث عن هذا المشهد، ومطالبة الشعب له بـ «النزول»، وسعيه «لإقناع مرسي حتى آخر لحظة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة لأن الشعب كان يتظاهر مطالبًا بهذه الانتخابات».

الوضع يتفاقم

لم يبق البرادعي، الذي يُوصف بحامل شعلة أمل ثورة يناير، في منصبه كنائب رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية طويلًا، فذهب غاضبًا من هذا المنصب بعد فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، وذلك بعد ستة أسابيع من مشهد جلوسه مع عدد من كبار ضباط الجيش والشرطة ورأسي مؤسستي الأزهر والكنيسة وممثل حزب «النور» السلفي، بينما يتلو السيسي خارطة الطريق بعد حكم مرسي.

خرج الرجل الذي لعب دورًا رئيسيًا في لقاء كل المفوضين الدوليين الذين جاءوا لنقاش الوضع في مصر، وإيصال رسالة عن حتمية تدخل الجيش لإزاحة الإخوان دون الكثير من الحديث، وذهب في طريقه. فيما أثار ذهابه المزيد من التوتر، والتحسب في الكثير من الدوائر الغربية التي رأت في استمرار وجود البرادعي ضمن مجموعة القيادة في مصر ما بعد 3 يوليو  ضمانًا، ولو بقدر أن القوى المدنية ستبقي على الأقل داعمة لتغيير سياسي مزلزل حلَّ بمصر.

البرادعي كان أيضًا يبلغ مُحدِثيه أن لا خوف على مصر من فقدان بوصلة الديمقراطية بعد أن وجدتها في يناير 2011، وأن هناك مسار ديمقراطي، بل لجنة سيتمّ تشكيلها لضمان الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية.

وبحسب أحد معاوني البرادعي في قصر الرئاسة، فإن الرجل ذهب دون أن ينظر للوراء، وغادر مصر تاركًا للخارجية مهمة شرح الفضّ، فضلًا عن توضيح حتميته، ويضيف: «لم تكن المهمة سهلة على الإطلاق. كانت أوقات بالغة الصعوبة خاصة مع التقارير التي كانت تصدر من عدد من منظمات حقوق الإنسان الدولية الكبيرة لتصف ما حدث بأنه لم يكن فضًا، بل مذبحة دموية».

في يوليو 2013، كان هدف الخارجية المصرية، والتي كان قد حلّ فيها نبيل فهمي في مقعد القيادة خلفًا لعمرو في أول حكومة تالية لإزاحة مرسي والتي ترأّسها حازم الببلاوي، كان هدفها الرئيسي، هو التأكيد على أن مصر دولة هامة في المنطقة، وستبقى كذلك. وأن الحفاظ على العلاقات مع مصر ودعمها هي أمور في صالح الاستقرار، ليس فقط الوطني، ولكن الإقليمي، وأن مصر قادرة على المضي قُدُمًا بغض النظر عن التفسير الغربي لما حدث في مصر بين 30 يونيو و14 أغسطس.

التحوّل الكبير

أحاديث «ثورة وليس انقلابًا» و«فضّ وليس مذبحة» سرعان ما تراجعت مع قيام وزير الخارجية السعودي، في حينه، سعود الفيصل، بجولة غربية قدّم فيها دعمًا سعوديًا غير محدود للقاهرة بأساليب مختلفة في سياقات الضغط الدبلوماسي، بحسب أحد سفراء مصر السابقين في حينه.

يقول الرجل إن ما أصبح معلومًا للكافة بسرعة هو الدعم السعودي والإماراتي، وأيضًا الإسرائيلي للتغيير الذي حدث في مصر، والذي شمل لقاءات أجراها سفراء الدول الثلاث منفصلين في مقار وزارات الخارجية للعواصم الغربية الكبرى للمطالبة بعدم الوقوف طويلًا حول تفاصيل التغيير السياسي الذي شهدته مصر، والسعي للتركيز بالأساس عند توصيفه على ضمان استقرار مصر وعدم منح أي مجموعة سياسية الإيحاء بأي دعم خارجي محتمل، لأن ذلك من شأنه أن يشعل الأوضاع في مصر بما يعني تهديد الاستقرار الإقليمي.

وبحسب نفس السفير المصري السابق، فإن القبول الأمريكي ولو على مضض بالرضوخ للضغوط السعودية-الإماراتية-الإسرائيلية كان أول بوادر الانتقال الدبلوماسي من حديث «ثورة وليس انقلابًا» إلى حديث «دعونا نعمل معًا لما فيه مصلحة مشتركة».

الثلاثي نفسه المكون من السعودية، والإمارات، وإسرائيل كان حاضرًا بشدة في أعقاب فضّ رابعة، وكان بحسب المصدر نفسه أقوى في التأثير بكثير من الجبهة المناوئة للتغييرات السياسية التي حلّت بمصر، والمكونة من قطر وتركيا.

وبحسب السفير المصري فإنه يقول: «أظن إنه بعد مشاهد التظاهرات الحاشدة في يوم 26 يوليو التي جاءت بعد مطالبة وزير الدفاع [السيسي] في ذلك الوقت للشعب المصري بمنح القوات المسلحة التفويض لمكافحة الارهاب، أصبح واضحًا أن القطاع الأكبر من الشعب المصري يرفض حكم الإخوان ويدعم الانتقال السياسي الذي حدث، بل يؤيد أي إجراءات ستتخذها الدولة لوقف مناوئة داعمي مرسي لإزاحته»، حسب تعبيره.

ويضيف السفير السابق أن تبني الدستور المصري المعدّل، الذي أشرف على التفاوض على نصوصه وصياغته وزير الخارجية المصري الأسبق، وأمين جامعة الدول العربية الأسبق عمرو موسي، كان نقطة إيجابية سهلت مهمة طمأنة العالَم حول ما ستؤول إليه الأمور.

السيسي يترشح

يقول السفير المصري السابق إن الشعبية الكبرى التي كان من الواضح أن السيسي يتمتع بها، بحسب اعتراف الجميع، وفرت إجابات سهلة للدبلوماسيين المصريين في العواصم العالمية عندما أعلن وزير الدفاع الذي تولى إزاحة مرسي، ترشّحه للرئاسة.

ويفصّل أحد الدبلوماسيين المصريين ذلك قائلًا: «لم تكن هناك تعليمات، خاصة في المرحلة الأولى، لأسباب عديدة أولها أن السيسي لم يكن يعلن نيته هذه منذ البداية. على الأقل لم يكن هناك في الخارجية مَن يعلم بما يدور في رأسه، وهو لم يكن يقدم إجابات واضحة. ثانيًا لأن أثناء المناقشات التي دارت في لجنة صياغة الدستور، كان هناك حديث عن تحصين منصب وزير الدفاع لمدة 8 أعوام هي مدتَي حكم الرئيس القادم بحسب الدستور نفسه. وكان واضحًا أن التحصين مقصود به ضمان سلامة السيسي وعدم تعرّضه لما قد يُزعجه إطلاقًا في حال قدوم أي رئيس من خارج المنظومة العسكرية. وثالثًا لأنه كان من الصعوبة جدًا توقّع ما يعتزمه السيسي لأنه تحدث أحيانًا عن شرف إنقاذ مصر من حكم الإخوان الذي يفوق كل شرف».

ويضيف الدبلوماسي أنه على أية حال لو أن السيسي قد تحدّث في حينه، أو تحدّث أحد العاملين في الدولة، عن نيّة الرجل الترشح للرئاسة لكان ساهم في تعقيد مهمة الدبلوماسية بالتأكيد للمجتمع الدولي بأن ما حدث من 30 يونيو إلى 3 يوليو كان ثورة، وليس انقلابًا.

مع ذهاب السيسي إلى الجمعية العامة في نيويورك في خريف 2014، وذلك بعد ثلاثة أشهر من وصوله لسدة الحكم، وفي ضوء ما شهدته هذه المشاركة من لقاء جمعه مع الرئيس الأمريكي وقتها، باراك أوباما.

وبحسب مصدر من واشنطون تحدّث وقتها، فقد كان اللقاء بين الرئيسين الأمريكي والمصري باردًا، إلا إن ذلك يؤكد مسألة قبول النظام المصري على مضض كانت قد استقرت في أكثر العواصم الرافضة. بينما الأمور كانت تسير في تحسن مع عواصم أخرى، والتي سارعت لقبول الواقع الجديد مثل روما، وباريس، وأثينا، ونيقوسيا.

وبعد تجاوز مرحلة التحسب من الموقف الدولي، سعى السيسي إلى إعادة صياغة آليات العمل الدبلوماسي بشكل واضح، حيث منح المخابرات العامة صلاحيات تجاوزت كل ما هو سابق في التنسيق ما بين الجهاز الاستخباراتي القوي وديوان الدبلوماسية المصرية.

وبحسب أحد هؤلاء الدبلوماسيين الذين تمّ إنهاء عملهم في الخارجية بعد استدعائهم من البعثات التي كانوا بها واستبقائهم طويلًا في منازلهم بلا أي تكليف، فإن السياسة الخارجية كانت تُدار بالأساس من مكتبي رئيس ديوان رئيس الجمهورية اللواء عباس كامل، ورئيس جهاز المخابرات محمد فريد التهامي، الذي لم يكن مرتاحًا لأداء عدد من الدبلوماسيين المصريين فقرر أن يقصيهم، كما لم يكن مرتاحًا لأداء وزير الخارجية نبيل فهمي، فقرر أن يقصيه أيضًا.

ومع ذهاب فهمي، انتقلت الملفات الكبرى التي تشمل العلاقات مع إثيوبيا والخلاف حول سد النهضة، والعلاقات مع السودان، والتعامل مع الوضع في سوريا، والوضع في اليمن، فضلًا عن إدارة الخلافات مع قطر وتركيا، إلى جانب الإدارة العميقة للعلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا بصورة شبه كاملة إلى مكتبي عباس والتهامي. وبينما ذهب الأخير ليحلّ محله خالد فوزي، قبل أن يذهب بدوره ليتولى عباس كامل إدارة المخابرات العامة بالإنابة إلى جانب مهام مسؤولية ديوان رئيس الجمهورية، ثم عُيّن، مؤخرًا، مديرًا للمخابرات.

ويتفق دبلوماسيون أجانب يعملون بالقاهرة أن الخارجية لم تعد تعلم بدقة ما يجري، ولم يعد لديها الإجابات الكاملة في كل الملفات.

ويرجع أحد الدبلوماسيين المصريين التهميش الذي حدث لوزارة الخارجية بسبب كبوات ليست بالقليلة نالت المصالح المصرية الإقليمية في السنوات الأربع الماضية، من بينها ملف «سد النهضة»، الذي أصبح على مصر اليوم أن تقبل بالقرار الإثيوبي بقرب انتهاء بناء السد وقرب تشغيله، وتقليص حصة مصر من المياه كل عام بكمية غير قليلة، والتخبط الذي شهدته إدارة مصر لعلاقتها مع السعودية، حيث اضطرت القاهرة للتنازل عن مقعد قيادة العالم العربي الذي احتفظت علي الأقل بقسط كبير منه حتي نهاية حكم حسني مبارك، لتشارك في هذا المقعد اليوم بالنصيب الأقل مع كل من السعودية والإمارات.

ويتفق دبلوماسيون أجانب في القاهرة مع هذا التقييم، ويشيرون إلى غياب مصر عن محطات الزيارة الأولى بالشرق الأوسط التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فضلًا عن عدم قبول الأخير لمطلب مصري بتأجيل إعلان اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل ريثما يتمّ الإعلان المحتمل لخطة سلام أمريكية للمنطقة. يضاف إلى ذلك توتر كبير بين الرجلين على خلفية تعاون مصري مستقر في مجال التسليح مع كوريا الشمالية التي كان ترامب يعتبرها عدوته الأول وقتها.

وبحسب الدبلوماسيين المصريين، فإن الأمور ليست أفضل بكثير فيما يتعلق بعلاقة القاهرة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيث أن العلاقات ما بين القاهرة وموسكو لم تتجاوز أبدًا مسألة تفجير طائرة روسية فور إقلاعها من أحد منتجعات البحر الأحمر، في أكتوبر 2015، في كارثة أودت بحياة كل مَن كانوا على متن الطائرة.

كما أن تفاهمات التعاون الاستراتيجي بين البلدين تبقى معلقة في العديد من المناحي العسكرية والتنموية على حد سواء.

التحسن الأكبر الذي حققته القاهرة، بحسب تقدير عدد غير قليل من الدبلوماسيين المصريين والأجانب العاملين في القاهرة يرتبط بعلاقتها بأوروبا، الملف الذي تولته، مؤخرًا، الدبلوماسية المصرية، فتمكنت مصر فعليًا من تقسيم مواقف الاتحاد الأوروبي إلى عدة أقسام؛ دول مؤيدة لمصر بشدة وصراحة مثل قبرص واليونان والمجر، وأخرى متعاونة في هدوء مثل فرنسا وإيطاليا وذلك رغم أزمة الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، الذي عُثر على جثمانه أوائل فبراير 2016، على طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي بعد أيام من اختفائه، ولا تزال هذه الأزمة على الطاولة، وهناك أيضًا دولة متعاونة على مضض مثل ألمانيا، وأخرى تُحتسب في علاقة صامتة مع مصر كالسويد.

وبحسب الشروح المقدّمة من الجانبين المصري والأوروبي، فإن العلاقات الاقتصادية المتعمقة والمتشعبة بين مصر وأوروبا هي عنصر أساسي، ولكن العنصر الأهم هو الدور الذي تلعبه مصر في الإسهام في وقف تدفقات الهجرة غير الشرعية الشديدة التي لم يعد في مقدور الحكومات الأوروبية التعايش معها.

ويقول أحد الدبلوماسيين الأوروبيين في القاهرة إن المساعي المصرية حتى لو كانت متعثرة لإيجاد صيغ للتهدئة في ليبيا وسوريا والجهود التي تبذلها لإيقاف تسلل المهاجرين من جنوب صحراء أفريقيا تعد سببًا كافيًا لعلاقات سلسة، وتعتبر أيضًا سببًا كافيًا لأن «تبلع» دول الاتحاد الأوروبي في صمت ما تراه من «خروقات غير قليلة للحريات وحقوق الإنسان في مصر»، وحسب ما يضيف؛ «ولما يُمكن أن يطرأ من تغييرات في هيكل الإدارة السياسية في مصر بما في ذلك تعديلات يقول إنها محتملة على الدستور لرفع القيد المفروض على عدد المُدد المتاحة للترشح للمنصب التنفيذي الأعلي».

وبحسب المصدر نفسه؛ والذي يضيف: «نسمع أنه محتمل، ولكننا لسنا بصدد الدخول في حديث الديمقراطية ثانية لأننا نظن أن هناك واقع في مصر سيكون علينا التعامل معه طالما قبل به الشعب المصري. نتمني أن تكون تلك التسريبات قابلة للمراجعة لأننا نظن أن التطور السياسي الإيجابي سيسهم كثيرًا في تحقيق استقرار حقيقي، ومستدام في مصر. ولكن لو أخذت الأمور هذا الاتجاه فلن يكون هناك في أوروبا مَن يقول إنه انقلاب على الديمقراطية حتى لو أبدى البعض القلق».

اعلان